تقاطعت ثلاث قضايا مهمة في موضوع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان. فقد حصل تقدّم في الإطار السياسي الذي يحيط بقضية اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، مقابل توترات أمنية متلاحقة في أكثر من مخيم فلسطيني، فيما استمر الجمود في مجال الحقوق الإنسانية والخدمات.
الملف السياسي
في الملف السياسي سُجّل تطور جديد في الموقف اللبناني من قضية اللاجئين الفلسطينيين، وهذا التطور جاء على لسان الرئيس اللبناني ميشال سليمان في كلمته التي ألقاها في 25 سبتمبر2009 م في الأمم المتحدة. وقال سليمان في خطابه «إن حلّ قضية اللاجئين الفلسطينيين هو سياسي قبل كل شيء، مع دعمنا الكامل لأي جهد يهدف إلى تعزيز برامج الوكالة (الأونروا) وقدراتها، تمكيناً لها من تحسين الأوضاع المعيشية والإنسانية للاجئين، بالتعاون مع الدول المضيفة، بانتظار إيجاد الحل العادل والنهائي لمأساتهم.
أضاف سليمان: «ومثل هذا الحل لا يمكن أن يتنكر بالتأكيد لحقهم الطبيعي والشرعي في العودة إلى أرضهم وديارهم الأصلية. كذلك لا يمكن أن يتم بمعزل عن الدول المضيفة، أو بصورة متعارضة مع سيادتها وأوضاعها الخاصة ومصالحها القومية. من هنا رفض لبنان لأي شكل من أشكال توطين اللاجئين الفلسطينيين على أراضيه، حفاظاً على حقهم في العودة، والتزاماً منه بما ينص عليه دستوره وميثاقه الوطني». وقال الرئيس اللبناني: «لقد أثبتت تجارب السنوات الست عشرة السابقة مجموعة حقائق وهي:
1- إن قضية فلسطين هي جوهر الصراع في الشرق الأوسط.
2- إن اللجوء إلى القوة من قبل «إسرائيل» لفرض الأمر الواقع لا يجدي، ولن يوهن إرادة الشعب العربي وتصميمه على استرجاع حقوقه.
3- كما إن الحلول الجزئية والمنفردة لا تنتج سلاماً حقيقياً. والحلول البعيدة عن العدالة لا تدوم».
موقف الرئيس اللبناني هذا يعكس تفهّماً حقيقياً لقضية اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، وأهمية هذا الموقف أنه صادر عن رئيس الجمهورية اللبنانية، وأنه يُرجع سبب لجوء الفلسطينيين إلى لبنان إلى الإحتلال الصهيوني، ويتمسّك بقضية العودة، ويرفض التوطين. ونشير هنا إلى أهمية مثل هذا الموقف في لبنان، إذ إن هناك بعض الزعماء أو المسؤولين اللبنانيين يتناولون قضية اللاجئين الفلسطينيين في لبنان لا من زاويتها الطبيعية وأصلها السياسي، بل من خلال مصالحهم الشخصية ومناخهم الانتخابي ومزاج قاعدتهم الشعبية. ويُستشف من عدد من مواقف زعماء تيارات سياسية لبنانية أنهم يتبنّون مشروع ترحيل اللاجئين الفلسطينيين في لبنان وطردهم أو نفيهم لأي سبب وبأية وسيلة. وتأتي قضية مخيم نهر البارد وعدم إعماره لتنطلق من هذه الزاوية وتؤدي الهدف المذكور. لكن رئيس الجمهورية يدرك الأبعاد السياسية والإستراتيجية لقضية اللاجئين وتقاطعاتها الدولية، ويدرك صعوبة تفرّد لبنان بحل من طرف واحد، لذلك يتناول الموضوع من زاوية عقلانية منطقية.
تبديدات ميتشل
إصرار الرئيس اللبناني على إعادة قضية اللاجئين الفلسطينيين في لبنان إلى جذرها الطبيعي، جعلت المبعوث الأمريكي لمنطقة الشرق الأوسط جورج ميتشل الذي زار العاصمة اللبنانية بيروت، أواخر شهر سبتمبر 2009 م يؤكد بعد إجتماع مع الرئيس اللبناني أن لا حلّ لقضية اللاجئين على حساب لبنان. لكن تصريح ميتشل لم يبدّد المخاوف كفاية!
فميتشل لم يقُل في تصريح بعدم وقوع التوطين، وإذا كان التوطين سيتمّ فأين وفي أية دولة؟ وهل كان ميتشل يقصد أن التوطين سيمرّ في لبنان بطرق شتّى، أو أن لبنان سيقبض ثمناً مقابل توطين اللاجئين، خاصة مع ابتعاد خيارات العودة إلى فلسطين أو إعلان دولة فلسطينية أو ترحيل جماعي للفلسطينيين من لبنان إلى المنافي. فاللبنانيون والفلسطينيون يتخوّفون فعلاً من إسقاط حقّ العودة، وبات أكثر من مسؤول لبناني يصرّح علناً بهذه القضية أو يشير في مجالسه الخاصة إلى حتمية وقوع التوطين.
توترات أمنية
في ظل هذه الأجواء وقع أكثر من توتر أمني في المخيمات الفلسطينية في لبنان، أو في محيطها، ما أحدث حالة من القلق وطرح أكثر من سؤال. وفي التفاصيل أن مسؤولاً فلسطينياً في منظمة التحرير الفلسطينية أشار في لقاء صحافي إلى وجود تهديد لبعض المخيمات من قبل جماعة «فتح الإسلام». ولم يقدّم هذا المسؤول معلومات حقيقية عن هذا الموضوع إلى أي طرف فلسطيني، ولم يدعُ القوى الفلسطينية إلى لقاء مشترك لمعالجة المسألة. وتزامن هذا الحديث مع اشتباكات بين شبان فلسطينيين وآخرين لبنانيين من منطقة مجاورة، ومع اشتباك مسلح في منطقة برج البراجنة في بيروت، ومع محاولات من طرف فلسطيني لفرض واقع سياسي وأمني جديد في المخيمات الفلسطينية في لبنان، بعد انتهاء مؤتمر فتح في بيت لحم.
وامتد التوتر الأمني إلى جوار مخيم المية ومية في صيدا، وبرزت مخاوف على أكثر من صعيد في مخيم البداوي في شمال لبنان، بسبب انتشار قوات من الجيش اللبناني حول المخيم، واتهام بعض الفلسطينيين بدعم بعض المجموعات اللبنانية المتصارعة سياسياً وأمنياً في مدينة طرابلس، وتحديداً قرب مخيم البداوي. وانتشرت شائعات كثيرة في المخيم دفعت بعض العائلات إلى الهرب من المخيم.
هذه التوترات الأمنية ردّت عليها غالبية القوى الفلسطينية بموقف أكد رفضها محاولة التوتير، وتخريب مسيرة السِلم والأمن في لبنان وفي المخيمات، وقامت جهات فلسطينية بالنزول إلى الأرض لمنع انتشار الإشكالات الأمنية الحاصلة، وجرت اتصالات سياسية على أكثر من صعيد لمنع الإشكالات ولوضع حدّ لها.
أما على الصعيد الرسمي، فقد قام مسؤولون عسكريون وأمنيون لبنانيون بزيارتين ميدانيتين لمخيمي نهر البارد والبداوي، وذلك بهدف لجم التوتر وإحداث حالة من الاطمئنان عند اللاجئين الفلسطينيين في شمال لبنان، ولخلق أجواء من التنسيق والتكامل في الأدوار لتعزيز المصلحة الفلسطينية اللبنانية المشتركة. وجال وفدان عسكريان لبنانيان في مخيمي نهر البارد والبداوي، والتقيا مسؤولي الفصائل الفلسطينية، واجتمعا بعدد من الفاعليات، واتُخذت تدابير ميدانية أدت إلى إزالة موقعين عسكريين مستحدثين لحركة فتح في جوار المخيم. وعُلم من مصادر لبنانية أن هناك اتجاهاً لتخفيف الإجراءات العسكرية في مخيم نهر البارد، وكانت قيادة الجيش قد سمحت خلال عيد الفطر للناس بالدخول إلى المخيم بدون تصريح، ما أدى إلى نوع من الإيجابية وإلى تنشيط الحركة الاقتصادية..
إعمار المخيم
أما قضية إعمار مخيم نهر البارد فشهدت حراكاً جيداً في الأسابيع الماضية، منها:
1- قيام الحكومة اللبنانية برفع ردّها على الدعوى المرفوعة من قِبل ميشال عون لوقف الإعمار في المخيم.
2- تشكيل لجنة فلسطينية مشتركة من فصائل «تحالف القوى الفلسطينية» في لبنان وفصائل منظمة التحرير الفلسطينية.
3- عقد لقاءات دورية عملية بين اللجنة الفلسطينية المذكورة سابقاً ولجنة من التيار الوطني الحر الذي يقوده ميشال عون، وذلك بهدف التفاهم على مخرج يؤدي إلى إعادة الإعمار، وشرح حقيقة وجود الآثار التي ضُخّمت واستُغلّت لأهداف سياسية داخلية.
4- عملت جهات سياسية وأمنية لبنانية على الطلب من الفلسطينيين في لبنان التراجع عن تنفيذ سلسلة من الاحتجاجات والاعتصامات الشعبية المدنية السلمية في قلب العاصمة اللبنانية بيروت، بهدف رفع الصوت ضدّ وقف الإعمار، والاحتجاج على استمرار معاناة الأهالي.
5- بروز تراجع بسيط في موقف ميشال عون، بعد شعوره بحالة من الاستياء والغضب الفلسطيني على مواقفه، وقد وصل إلى عون وتياره كلامٌ كثير عن حجم الانزعاج الفلسطيني، وعن ردود فعل غاضبة، وخاصة أن منع إعمار المخيم لا مبررات مقنعة له عند الفلسطينيين.
هذه الضجة دفعت جهات دولية ومنظمة الأونروا إلى إرسال وفود إلى لبنان للوقوف على حقيقة الأمر، وإثارة قضايا اللاجئين الفلسطينيين ومعاناتهم من أكثر من زاوية.
لكن الجمود ما زال مسيطراً على مسألة منح اللاجئين الفلسطينيين في لبنان حقوقهم الإنسانية، ولم يحصل إلى الآن أي تقدّم في هذا الاتجاه، وإن كان الفلسطينيون في لبنان قد نجحوا في وضع هذا الموضوع على رأس تحسين العلاقات الفلسطينية اللبنانية. وقد صرح أكثر من تكتل لبناني بضرورة إعادة هذه الحقوق إلى اللاجئين، بعد سنوات الجمر الأربع الأخيرة التي مر بها لبنان، حيث أجبر الصراعُ الداخلي هذه الحقوق إلى التراجع في سلّم الأولويات اللبنانية.
وقد تواترت الأخبار عن ضرورة حسم هذه القضية في الحكومة الجديدة وفي بيانها الوزاري، غير أن الأمر سيتأخر على ما يبدو بانتظار تشكيل الحكومة، وعقد اجتماعات المجلس النيابي، واتفاق الكتل النيابية على موقف موحّد تجاه هذا الموضوع.
المصدر : مجلة العودة