السلطة.. أي سلطة وجدت لإسعاد الناس وتحقيق رفاهيتهم، ولكن لماذا تتحول السلطة أداة للقمع والتسلط بين يدي البعض.. وكأنهم خالدون فيها.. تساؤلات وتساؤلات يحملها التحقيق التالي مع أناس كانوا في السلطة وخرجوا منها، ومع مواطنين ورجال دين حاولوا خلالها تحديد إطار جامع مانع للسلطة.. ومعرفة الدوافع والأسباب التي تقود من يتسلط ليجعل من سلطته سوطاً يجلد به الآخرين..
د. الصادق الهادي المهدي مستشار رئيس الجمهورية يرى أن السلطة هي وسيلة لتحقيق الغايات النبيلة، وصولاً لمنفعة الناس من خلال الاجتهاد في العمل وطرح البرامج الهادفة للحزب والكيان والارتقاء بخدمات المواطنين والتواصل معهم، وأن نقدم ما يرضي الله والعباد، وسألته عن أولئك الذين يستغلون السلطة لقمع الآخرين، فقال اذا كانت السلطة أداة للقمع والتضييق عليهم فلتذهب هي وصاحبها غير مأسوف عليهما.
وعن القرار الذي يتحفظ في اتخاذه والآخر الذي ندم عليه، أجاب الدكتور: في تقديري يجب على كل صاحب سلطة أن يتأنى في اتخاذ القرار، وأن يعرض القرار على أهل الشورى، واتمنى أن يكون أي قرار فيه منفعة للناس، وأي قرار لا يراعي مصالح الناس نتحفظ عليه.. ويرى الفريق أول شرطة محجوب حسن سعد المدير العام الأسبق لقوات الشرطة، أن السلطة هي تكليف وليست تشريفاً، وأضاف أن الشرطة مؤسسة عريقة تحكمها قوانين صارمة جداً، خاصة في شؤون منسوبيها، لأنهم يؤدون مهاماً حساسة تتعلق بأمن الوطن والمواطن وتنفيذ القانون، وقال إن الشرطة هي قاعدة مثلث العدالة، وعن رأيه في من يستخدم السلطة في إذلال الناس قال سيادته: إن الشرطة توقع أقصى أنواع العقوبة على منسوبيها، وهذه العقوبات قد تكون غير معلومة للناس وبالذات الذين يستغلون سلطة القانون توقع عليهم عقوبات رادعة، وأردف أن الشرطة تراقب منسوبيها أثناء تنفيذ الواجبات القانونية حتى لا يكون القانون مطية لضعاف النفوس ليتسلطوا به على الناس.
وسألته عن القرارات التي يتحفظ عليها وما هي القرارت التي اتخذها وندم عليها، فرد بقوله الحمد لله لا توجد قرارات ظالمة اتخذت من جانبنا في حق أحد، والشرطة مؤسسة عريقة والقرارات قبل اتخاذها تمر عبر إجراءات إدارية طويلة، والإنسان لا يبريء نفسه ويكون مطمئناً في اتخاذ القرارات، لأنها مرت عبر الإجراءات المؤسسية.
أما الشيخ البشير أبوكساوي معتمد أم درمان، فيرى أن السلطة هي من ابتلاءات الدنيا، معللاً بقول المصطفى صلى الله عليه وسلم إن الأمانة خزي وندامة يوم القيامة لمن لا يعطيها حقها، ويضيف أنها رغم ذلك هي شيء لابد منه لتحقيق مصالح البلاد والعباد.
وعما اذا كانت السلطة تستخدم كأداة قمع أبان أنها وسيلة تتحقق منها غاية الخير والعدل، وتتحقق منها العبودية لله، واذا كان المتنافسون على السلطة وصلوا لمعانٍ مشتركة أبعدوا أنفسهم من ما يغضب الله.. ويؤكد معتمد أم درمان أن اختلاف ألوان الطيف السياسي في السودان وصراعاتهم على السلطة يمكن من خلال هذا الصراع أن يضيع الحق العام، ولكن الشعب السوداني به سماحة تختلف عن شعوب كثيرة في العالم.
أما المهندس محمد حسن محمود (عمار) المدير العام للهيئة العامة للمياه الإتحادية، فيرى أن السلطة هي للشعب وكل همهم أن ينعم المواطن السوداني بخدمات المياه (وجعلنا من الماء كل شيء حي) صدق الله العظيم، ويرفض أن تستغل السلطة لإذلال الناس، لأن السلطة القمعية عمرها قصير، مستشهداً بآيات من كتاب الله الحكيم (الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة)، ويضيف أنهم في الهيئة العامة للمياه لا يفرقون بين إنسان وآخر، ولا منطقة وأخرى، لأن أعظم الأجر هو في توفير المياه.
نحن (عايزين الزول البساعد الناس، يساعد أولادنا في إيجاد الوظائف، أولادنا متكاتفين معانا)، هذا ما قالته لي الأخت عزة محمد عثمان علي (بائعة شاي)، والتي أضافت أن من أبنائها من أكمل الثانوي وعمل كي يساعدهم، وهمهم أن يرتقوا بهم للأحسن حتى تكون السلطة مسؤولة، ويستشهد بقول أعدل الناس الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، والذي قال (والله لو عثرت بقلة بالعراق لرأيتني مسؤولاً عنها يوم القيامة لِمَ لم أسوى لها الطريق(.
(ما أعدلك يا عمر)، ويضيف عندما يكون الشخص مسؤولاً عن بلد كامل يجب أن يتقي الله، حاثاً المسؤولين الكبار اختيار البطانة الصالحة، وأن يكون همهم تحسين معاشهم ليواجهوا به مصاعب الحياة.
لماذا يتغير الناس بمجرد وصولهم الى السلطة؟
هذا السؤال الكبيرأجاب عليه السفير ربيع حسن مدير عام مركز دراسات المستقبل والمحلل السياسي، حيث قال السفير: هذه واحدة من المسلمات، مستشهداً بمثل إنجليزي شهير (السلطة مفسدة والسلطة المطلقة مفسدة إفساداً شاملاً)، ويقول إن السلطة في معناها البسيط التمكن من فعل أشياء تؤثر في الآخرين، والفساد في السلطة هو ممارستها دون حدود من أخلاق أو مراعاة لمصلحة الآخرين، وأضاف أن أسوأ مفسدة تأتي من السلطة هي ازدياد إعجاب الشخص بنفسه بحيث لا يلقي بالاً ولا اهتماماً بالآخرين.
ما هو رأي علم النفس في الشخصية السلطوية وما أكثرها؟
يقول الدكتور عبد الباسط ميرغني مدير عام مركز الفنار للدراسات الإنسانية والسلوكية والمحاضر بجامعة الجزيرة، إن الشخصية السلطوية لها خصائص دائماً أنانية ترى الكون متمحوراً في ذاتها، وهي تسمى بتمركز كل الأشياء حول ذاتها، وتوصف بالنرجسية وتنطلق بأهداف وغايات هي الصعود على أكتاف الآخرين ، وهي لا تؤمن بحقوق الآخرين ودائماً في حاجة الى الانتفاع، وسلوكها نفعي.. ومن خصائصها التضخم في الذات ومن الصعب جداً إشباع احتياجاتها، والشخصية السلطوية شخصية نرجسية (حمانا الله)، وعن الأسباب التي تؤدي الى الخوف من الشخصيات المتسلطة يجيب الدكتور بأن الإنسان دائماً يبحث عن الحرية والطمأنينة، وبما أنه يبحث عن الحرية، فإن الشخصيات المتسلطة تدفع الإنسان للتآلف الذاتي، بمعنى أن يخضع للسلطة وأن يكون شخصية استغلالية وينطلق من مركز تحكم خارجي، ومثل هؤلاء الأفراد دائماً ينطلقون من سلوكياتهم ضد منافع الناس، وهؤلاء الأفراد القاصرون لا يعلمون التحليل ويجعلهم خاضعين للسلطة، منفذين لسياساتها اللا إنسانية، وغالباً ما تؤدي هذه الممارسات الى صناعة الدكتاتورية.
أخيراً السلطة في الإسلام
السلطة لأي إنسان تعتبر امتحاناً، وأي أمة ولاّها الله سبحانه وتعالى على الناس هي ممتحنة بهذه السلطة، هذا ما قاله الأستاذ وضاح أحمد جمعة داعية وإمام مسجد، وعندما نستعرض التاريخ الإنساني في القرآن الكريم نجد أن المستضعفين دائماً ما يتحدثون عن أصحاب السلطة الظالمة، ولكن الله سبحانه وتعالى يرد عليهم.
المصدر: صحيفة أخر لحظة الاحد 16 مايو 2010م