أخبار 

محمود عباس رئيسا لحكومة انتقالية توافقية فلسطينية    |   إسرائيل تهدد بترحيل لاجئي جنوب السودان قسراً بعد نهاية مارس    |   روسيا تعلن استعدادها للتوسط بين الخرطوم وجوبا    |   الحكومة تحمل دولة الجنوب أي محاولة لإستهداف أو تخريب لحقول النفط بالسودان    |   نتنياهو يفوز بانتخابات الليكود    |   خلافات بجلسة أممية بشأن سوريا    |   " رئيس جمهورية جنوب السودان سلفا كير يدرس مد خط أنابيب لتصدير النفط"    |   جلسة لمجلس الأمن اليوم حول سوريا    |   إسرائيل تخطط لإقامة خط حديدي بين "الأحمر والمتوسط"    |   خبير أمريكي : وقف تصدير نفط الجنوب مناوشات لإحداث إضراب ومواجهات    |  
التحليلات     في ذكرى النكبة.. من متاهة المفاوضات إلى استعصاء البدائل

بحلول الذكرى الثانية والستين لذكرى النكبة يشهد "الفكر السياسي" الفلسطيني ارتباكا يصل أحيانا إلى درجة العجز، فيما تبدو الخيارات السياسية محدودة مع استمرار الانسداد السياسي وعدم القدرة على المبادرة، وذلك مقابل تواصل حالة التشرذم التنظيمي واستنزاف الطاقات نتيجة انشغال التنظيمين الرئيسيين في صراعات تبدو أحيانا جوهرية، ذات طابع "سياسي أيديولوجي" وفي أحيان أخرى ثانوية "الصراع على السلطة" يغذيها الاحتلال وبعض الأطراف غير الفلسطينية لتحقيق مكاسب إقليمية معيّنة، وهو ما يؤثر بعمق وبشكل سلبي على القضية الفلسطينية..

لقد عرف النضال الفلسطيني مراحل عدة من المد والجزر، كما اتخذ عدة أشكال تميزت بالتنوع عموما، وعلى العكس من الحركة الصهيونية كان تعامل العالم وتفاعله مع حركة التحرر الوطني الفلسطيني محدودا في البداية، ولم يتغير الموقف جزئيا إلا منذ أواسط السبعينات من القرن الماضي بفعل صمود الفلسطينيين والتحول النوعي الذي عرفه نضالهم.

لقد حققت القضية الفلسطينية إنجازات كبيرة ومهمة على مستوى الدعم الخارجي تجسد في التأييد السياسي والدبلوماسي "اعتراف 100 دولة بمنظمة التحرير مقابل قطع الكثير من الدول علاقاتها الدبلوماسية مع الدولة الصهيونية" الواسع والدعم المالي، وهو ما لم تحرزه قضية تحرر وطني أخرى في العالم؛ الأمر الذي دفع العالم الغربي إلى تفهم جزئي ولكنه هام للقضية الفلسطينية "اعترافه بقضية الشعب الفلسطيني".

غير أن حركة التحرير الفلسطينية لم تتمكن مقابل ذلك من إجبار العدو الصهيوني إلى الاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني أو جره إلى الدخول معها في مفاوضات ندية إلا بفعل عوامل إقليمية ودولية ساعدت على إنضاج التفاوض بين الفلسطينيين والإسرائيليين، من ذلك التداعيات السلبية لمعاهدة كامب ديفيد "1979" على الموقف العربي وخروج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان "1982" وابتعادها عن محيطها الجغرافي الحيوي وهو ما أدى إلى فقدان قاعدتها العسكرية.. بالإضافة إلى احتلال العراق للكويت واصطفاف المنظمة إلى جانب النظام العراقي وتبعثر النظام العربي الرسمي وصولا إلى الحرب على العراق وفرض حصار دولي مقيت على الشعب العراقي وصولا إلى انهيار الثنائية القطبية وتحول الولايات المتحدة إلى قوة عظمى أحادية..

لقد ساعدت كل تلك العوامل وتفاعلت، خاصة مع اندلاع الانتفاضة الأولى وتوسعها، لإنضاج مؤتمر مدريد للتسوية "1991" مع إسرائيل بحضور العرب في إطار وفود مستقلة وليس كوحدة وبأهداف ورؤى متفرقة.. لقد دفعت كل تلك المعطيات بمنظمة التحرير إلى الانجرار إلى التعامل المباشر بطريقة سرية مع الدولة الصهيونية في البداية وصولا إلى التعامل المباشر برعاية أمريكية، واقتناع القيادة الفلسطينية بخيار النضال الدبلوماسي والتسوية السلمية كخيار استراتيجي دون غيره من الخيارات..

لقد وصل عدد اللقاءات التي جرت بين الإسرائيليين والفلسطينيين، منذ أوسلو حتى اليوم، 468 جولة تفاوض؛ تمخضت عن أكثر من مئة توقيع، غير أن الفلسطينيين لم يتمكنوا عن طريق هذا الخيار من الحصول على ما تم الاتفاق عليه مع الإسرائيليين، فالحكم الفلسطيني الذي حددته اتفاقات أوسلو "1993" لم يرَ النور ولم يتحقق الانسحاب الإسرائيلي من الضفة الغربية حسب اتفاقية واي بلانتايشن "1998"، ولم يتم فتح ممرين آمنين ما بين غزة والضفة الغربية حسب اتفاقات شرم الشيخ "1999"، ولم تنبعث الدولة الفلسطينية القابلة للحياة حسب خريطة الطريق "2003"، كما لم يحقق مسار محادثات أنابوليس "2008" للإقلاع بالمفاوضات لبلوغ الدولة الفلسطينية حتى تلك الفاقدة للسيادة، إذ توقفت المحادثات بعد عامين ووئدت مع وصول حكومة اليمين واليمين المتطرف إلى السلطة في إسرائيل.

وبالنتيجة لم يتحصل الفلسطينيون لا على دولة ولا على القدس ولا على الحدود، دون الحديث عن العودة، وأقصى ما تحقق للفلسطينيين من المفاوضات هي "سلطة فاقدة للسلطة" تعيش على ما تقدمه الدول الغربية المانحة. أما ما تبقى من الأرض الفلسطينية فانقسم عمليا إلى جزئين أو منطقتين.. لذلك يعتبر الكثير من المحللين أن خيار أوسلو هو بمثابة النكبة الثانية التي حلّت بالفلسطينيين، أو كما قال أحد الباحثين الإسرائيليين: "أوسلو هي نوع من الاحتلال، بواسطة التحكم عن بعد".

وبالنتيجة فشلت المفاوضات حسب قناعة أغلب الفلسطينيين، وبقي محمود عباس وبعض رموز سلطة رام الله الوهمية على موقفهم الأيديولوجي لا يعترفون بغير التفاوض والتحاور لتحقيق الأهداف دون سواهما من البدائل، مستندين في ذلك إلى القوى الدولية الغربية وبعض الدول العربية لتحقيق المراد، نابذين كل الخيارات ومنها المقاومة بكل أشكالها، إذ يعتبرونها عبثا وعبئا على الشعب الفلسطيني. فكيف تبدو البدائل الأخرى لتجاوز هذه الحالة؟

يطرح الفكر السياسي الفلسطيني عدة بدائل يمكن اختزالها بتيارين عريضين رئيسيين على الساحة:

التيار الأول: هو تيار المقاومة السلمية للاحتلال. ويمكن أن نميز داخل هذا التيار توجهين رئيسيين:

-يرفض التوجه الأول مبدئيا وأيديولوجيا المقاومة العنيفة بكل أشكالها ويعتمد فقط على المقاومة السلمية التي تتمثل أساسا في المقاطعة الاقتصادية والتظاهر السلمي عند الضرورة لمواجهة الاستيطان وجدار الفصل العنصري، عبر تضافر جهود اللجان الشعبية والمؤسسات، مع جهود الحكومة؛ ويدعو أصحابه إلى ضرورة مواصلة بناء الأجهزة الأمنية ودعوة الفلسطينيين إلى تصريف طاقتهم النضالية في الشؤون الاقتصادية اليومية لحين توفر موازين قوى ومعطيات دولية وإقليمية مواتية لتحقيق أهدافهم.

ويعتقد هؤلاء، وفي ظل مساحة فلسطين الضيقة، ووجود أكثر من نصف الشعب الفلسطيني خارج وطنه وتقسيم الفلسطينيين إلى ضفة غربية وقطاع غزة وفلسطيني 48، وفي ظل الانقسام السياسي وتراجع الاهتمام العربي بالقضية الفلسطينية ونبذ كل أشكال العنف على المستوى العالمي، يعتقدون أن خيار المقاومة العنيفة غير مجدٍ في هذه الظروف، لذلك يدعو هؤلاء إلى المقاومة الشعبية السلمية بكل أشكالها، أي مقاومة المجتمع كله، لا مجموعة من المحترفين العسكريين، فهذا الشكل من المقاومة، حسب رأيهم، هو الشكل المستديم لرفض الاحتلال، ورفع كلفته، وتحييد عناصر قوته العسكرية، لكن مع إمكانية استخدام وسائل عنيفة محدودة مثل المواجهات ورمي الحجارة والقوارير خاصة ضد المستوطنين وجنود الاحتلال والأجهزة الأمنية.

- أما التوجه الثاني فيدعو إلى المقاومة العنيفة؛ ويمكن أن نميز داخل هذا التيار أيضا خيارين أساسيين: يدعو الخيار الأول إلى نبذ القيام بالعمليات الاستشهادية وإطلاق الصواريخ، ويعتبر هؤلاء أن تلك العمليات كانت عشوائية في أهدافها وتوقيتها، بل إنهم يعتبرون هذا الشكل من المقاومة ظاهرة جديدة وغريبة عن حروب التحرير الوطني ضد الاستعمار وحرب الشعب طويلة الأمد، غير أنهم في الوقت ذاته لا يدينون هذا الشكل ولا يلصقون به صفة "الإرهاب"، كما لا يدعون إلى إلقاء السلاح أو التخلي عن المقاومة المسلحة قبل تحقيق أهدافها، بل يؤكدون على ضرورة الاستعداد والتلويح بهذا الخيار حتى يشعر العدو بأن هناك بدائل وخيارات متعددة أمامهم.

أما الخيار الثاني فتمثله خاصة القوى ذات التوجهات الإسلامية بالأساس "حماس" و"الجهاد" التي تدعو إلى استخدام كل أنواع العنف ضد العدو كإطلاق الصواريخ والتفجيرات الاستشهادية إلى جانب القيام بعمليات مباشرة ضد الجيش الصهيوني. وتعتقد هذه الأطراف أنه بالرغم من محدودية تأثيرات تلك العمليات على مستوى إيقاع الخسائر البشرية في صفوف العدو غير أن لها دورا في زعزعة الكيان وإرباكه وإبراز عدم قدرته على توفير الأمن والأمان لليهود، وقد تدفع بأعداد كبيرة من السكان والمستوطنين إلى مغادرة إسرائيل وهروب المستثمرين وهي إلى جانب ذلك تعطي جرعة إضافية من الأمل للفلسطينيين..

* ومقابل كل تلك الأطروحات تجددت دعوة بعض الكتاب والمثقفين والسياسيين الفلسطينيين من جميع التيارات والاتجاهات السياسية "باستثناء الحركات الإسلامية" في الداخل وفي الشتات لإعادة طرح خيار الدولة الثنائية القومية والترويج لها والعمل على تشكيل قوة شعبية ضاغطة لإيقاف المفاوضات ومطالبة إسرائيل بضم المناطق بسكانها.

ويرى هؤلاء أن التشبّث بالبرنامج المرحلي أو بخيار الدولتين لم يعد يتماشى مع الواقع والوقائع التي تستمر إسرائيل في فرضها بهدف إعاقة إقامة دولة فلسطينية في الضفة والقطاع المحتلين عام 1967 وإيجاد حلّ عادل لقضية اللاجئين. ويرى هؤلاء أن هذا الوضع يفترض تحول الفلسطينيين نحو طرح تسوية الصراع في بعده الفلسطيني- الإسرائيلي، على المجتمع الإسرائيلي خاصة وعلى العالم عامة من أجل الاندماج عوض الانفصال والتعايش عوض الإلغاء، خاصة وأن الشعب الفلسطيني قد قدم الكثير من التضحيات دون أن يجني مكاسب لصالح قضيته الوطنية.. تبدو كل هذه الخيارات، بدون استثناء، الآن مجمدة ومستعصية على الاستمرار.

وبالنتيجة يمكن القول، إن القضية الفلسطينية تعيش اليوم، بعد مرور اثنتين وستين سنة على النكبة، مرحلة حرجة تتميز باستعصاء تجسيد الخيارات السياسية المختلفة نظرا للتعقيدات التي تحيط بها والموانع والكوابح الكثيرة الذاتية، والموضوعية الداخلية والخارجية العربية والإقليمية والدولية؛ غير أن كل ذلك يظل ظرفيا، فالكثير من المؤشرات تدل أن الشعب الفلسطيني ينبض بالحياة ويواجه يوميا الاحتلال بأشكال مختلفة وهو يعيش حالة مخاض قد لا تطول.

أما السؤال الذي يظل طرحه ملحا باستمرار فهو: متى يتمكن الفلسطينيون من بلورة إستراتيجية نضالية جديدة تقضي على هذا الانقسام العبثي، بل السريالي، للـ"طبقة" السياسية الفلسطينية وتوحد الخيارات والطاقات من أجل انطلاقة جديدة يتم بواسطتها تحقيق الأهداف الوطنية الفلسطينية العليا؟.

المصدر : مجلة المنار الثلاثاء 1 يونيو 2010م

 

^ أعلى

 

 

المكتبة     الوثائق     أرشيف الموقع     مواقع صديقة     اتصل بنا    

 

 
 
 

 

جميع الحقوق محفوظة للراصد للبحوث والعلوم:: السودان - الخرطوم 2010 ::: ص..ب ـ 10755 .info@arrasid.com ::  التصميم والدعم الفني لمسة الهندسية