قراءة في العقل الإسرائيلي (مؤتمر هرتسيليا الثامن)
الكتاب :قراءة في العقل الإسرائيلي (مؤتمر هرتسيليا الثامن) .
المؤلف : الدكتور مصطفى يوسف اللداوي .
الناشر : مركز الراصد للدراسات السياسية والإستراتيجية ، الخرطوم .
الصفحات :147 صفحة .
الطبعة : الأولى / مايو 2008م.
ينصب اهتمام مركز الراصد للدراسات السياسية والإستراتيجية حول الشأن الإسرائيلي ومتابعة نشاطه داخل وخارج الأراضي العربية المحتلة،لاسيما أفريقيا والسودان، ونسبة لأهمية الموضوع وخطورته في هذا العصر المتشابك المصالح والعلاقات يجئ هذا الاهتمام بما تحس به الأمة العربية والإسلامية من خطر محدق ظل يراود المنطقة العربية بأسرها من تمدد ونشاط صهيوني دءوب. وتكمن الخطورة فيما يستحوذه العقل الإسرائيلي من مكر وتخطيط يهدف لابتلاع المنطقة بأسرها أو دق مسامير مسمومة على نعشها حتى لا تقوم لها قائمة. وقد نجحت إسرائيل بمعاونة الولايات المتحدة الأمريكية لحدٍ كبير في تنفيذ هذا المخطط.
يجئ مؤتمر هرتسيليا الثامن كأحد محددات المخطط الذي تسوقه دولة الكيان الصهيوني لتعميق الاحتلال وتركيز أرجله أمام عاصفة المقاومة الفلسطينية والعداء العربي الإسلامي المحدق الذي ما فتئ ينظر إلى إسرائيل أنها منبت شيطاني شرير.
في هذا المؤتمر، ركز قادة بني صهيون عن البحث والتنقيب في القضايا الإستراتيجية والأمنية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية للدولة الإسرائيلية، كما وضع المؤتمرون معالجات إجرائية خطيرة لهذه القضايا تهدف لخلق ميزان مناعي وأمني يخص الوطن القومي الإسرائيلي وتشتيت رايات المقاومة العربية والإسلامية حتى يتسنى لإسرائيل أن تعيش في مأمن من صواريخ وحجارة المقاومة الفلسطينية.
إن التجاوب الأمريكي والأوربي الذي وجده هذا المؤتمر يؤكد حجم المؤامرة الغربية على تفتيت الأمة العربية والإسلامية وبذر بذور الفتنة في جوفها المهيأ أصلا لقبولها، علاوة على تمكين أركان الاحتلال واستمراره في ممارسة سياستها الرامية لأضعاف الموقف العربي والإسلامي وضرب المقومة وسحق الشعب الفلسطيني.
إن مؤتمر هر تسيليا الثامن هو حلقة من مسلسل مؤتمرات عقدت خلال ثماني سنوات متصلة منذ العام 2000م، حيث كان المؤتمر الأول، ثم تلته مؤتمرات لاحقه إلي أن جاء هذا المؤتمر والذي يحمل في طياته نتاج العقل الإسرائيلي الذي سخر لغرض إستراتيجي يهدف لحماية الكيان. في حين أن القمم العربية التى تعقد سنوياً لا تكاد تحل قضايا الأمة العربية بشكل يضاهي المؤامرات الإسرائيلية التي تحاك وتجدد سنوياً.
وتجئ هذه الإصدارة لإظهار بواطن العقلية الإسرائيلية ووضع قراءة عميقة في ذهن الكيان المتربص الحذر الذي ظل ينشج خطوطه منذ مؤتمرات بازل الأول عام 1789م الذي دعا له العقل المفكر اليهودي ثيود هيرتزل، لا يجاد وطن قومي لليهود وجاء هذا المؤتمر الهيرتزلي كحلقة وصل لذلك المؤتمر، يحمل التفاصيل والمؤامرات نفسها. ونأمل أن تكون هذه الإصدارة ذات فائدة علمية حتى يتعرف الجميع على قدر الترتيب والتنظيم والاهتمام الصهيوني والحرص على بقاءه ولو على حساب الآخرين.
وقد دأبت النخب الإسرائيلية في معهد السياسة والإستراتيجية الإسرائيلي على عقد مؤتمر هرتسيليا كل عام، وهو مؤتمر استراتيجي - أكاديمي يعقد سنوياً بتنظيم من مركز هرتسيليا متعدد المجالات، وبالتعاون مع العديد من مراكز البحث والدراسات الإسرائيلية والدولية، وينعقد مؤتمر هرتسيليا كل عام، وقد عقد المؤتمر الاستراتيجي الأول في مدينة هرتسيليا الساحلية في عام 2000، وكان تحت شعار عام هو، ميزان المناعة والأمن القومي الإسرائيلي، وبقي هذا الشعار شعاراً دائماً لكل المؤتمرات التي عقدت بعد ذلك، ولكن المؤتمر الثامن الذي تميز بمكان انعقاده، حيث عقد في مدينة القدس المحتلة، وفي مبنى الكنيست الإسرائيلي، حمل عنواناً جانبياً آخر، جاء على صيغة تساؤل، وهو إسرائيل في عامها الستين، هل المناعة أبدية ؟، وذلك تماشياً مع الذكرى السنوية الستين لتأسيس الدولة العبرية، وانسجاماً مع التحديات الكبرى التي تواجهها إسرائيل، ويتناول مؤتمر هرتسيليا عناوين بحثٍ كثيرة ومتنوعة، تصب جميعها في الرؤى الإستراتيجية للدولة العبرية، وتتناول التحديات والصعاب التي تواجهها إسرائيل، وتقترح الحلول والمشاريع لمختلف أشكال التحديات، كما تتناول جوانب القوة والتميز لدى المجتمع الإسرائيلي، ولا يوجد في مؤتمر هرتسيليا مواضيع أو عناوين ممنوعة، فكل الأفكار تطرح وتناقش، ويتم تبادل الرأي حولها.
وقد عقد حتى الآن مع المؤتمر الأخير ثمانية مؤتمرات، وهو مؤتمر يبحث في القضايا الاستراتيجبة والأمنية والاقتصادية التي تخص دولة الكيان الصهيوني، ويعد هذا المؤتمر من أخطر المؤتمرات التي تعقد في المنطقة، لاعتبارين أساسيين هما، الأول هو طبيعة المواضيع الذي يتم اختيارها، وكيفية معالجتها بصور وأشكال تأخذ منحى إستراتيجياً وإجرائياً، في ضوء المعلومات الغزيرة التي يتم توفيرها، والأفكار التي يتم طرحها، والثاني هو نوعية الحاضرين والمشاركين، حيث يشارك فيه عددٌ كبير من النخب الإسرائيلية والدولية، منها رموز عسكرية، واستخباراتية، وأكاديمية، واقتصادية، وسياسية، وتكنوقراطية، من إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا، ومن العرب أحياناً، من المتعاطفين مع إسرائيل، ولذلك يتصف مؤتمر هرتسيليا بأنه مؤتمر التحديات الصهيونية المتجددة، وأنه مؤتمر يحدد مستقبل إسرائيل والمنطقة، وقد أصبح مؤتمر هرتسيليا السنوي، أهم وأشهر مؤتمر سياسي يعقد في الكيان الصهيوني , وكثير من المراقبين ينتظر انعقاده، ليفهم اتجاهات السياسة في المنطقة، ويرأس المؤتمر عوزي آراد مستشار رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق بنيامين نتنياهو , وهو الذي يمثل الواجهة السياسية للمؤتمر، بينما يمثل اللواء الاحتياطي غيئورا آيلاند رئيس مجلس الأمن القومي الواجهة العسكرية والأمنية للمؤتمر، وهذا الثنائي الدائم الذي لا ينفصل، يظهر للمؤتمر وجهان متكاملان، الوجه السياسي والوجه العسكري والأمني، والمبادرون لعقد هذا المؤتمر هم مجموعة كبيرة من الشخصيات البارزة في النخبة الأمنية والأكاديمية في إسرائيل، ولكنها محسوبة في اغلبها على المعسكر اليميني المتطرف، وخصوصاً في المواضيع التي تتعلق بالخارجية والأمن في إسرائيل.
يشكّل مؤتمر هرتسيليا عملاً استراتيجياً صهيونياً نوعياً , وفي الوقت نفسه يشكل تحدياً سنوياً متجدداً للجامعات ومراكز البحوث والدراسات السياسية والاستراتيجية الإسرائيلية، ليساهم كل طرف بما يستطيع لحماية الكيان الصهيوني، وضمان تصديه لكل محاولات النيل منه، وتحصين مناعته الداخلية والخارجية.
وإذا أردنا أن نعرف حقيقة السياسات التي سوف تنتهجها إسرائيل على مدى السنوات القريبة القادمة، فإننا نستطيع ذلك، إلى درجة كبيرة نوعاً ما، من خلال متابعة مقررات مؤتمرات هرتسيليا، التي يجرى عقدها سنوياً في مدينة هرتسيليا، ونستطيع أن نبرهن على ذلك، من خلال مراجعتنا لمؤتمر هرتسيليا الثالث مثلاً، وهو المؤتمر الذي وضع للحكومة الإسرائيلية توصياتٍ مستقبلية استراتيجية، فقد استعرض مؤتمر هرتسيليا الثالث، الذي انعقد في ديسمبر 2002، وتحت شعار، الحصانة الداخلية القومية للدولة العبرية في مواجهة التحديات، ما أسماه بخطر الإبادة، الذي يتهدد إسرائيل بالأسلحة البيولوجية والكيماوية والنووية، ولذلك أوصى المؤتمرون الحكومة الإسرائيلية بضرورة القيام بأربع حروب وعلى إسرائيل خوضها بنفسها، أو تحريض آخرين على خوضها، للاستفادة من نتائجها، وهذه الحروب الأربعة هي ضد لبنان وحزب الله، وضد العراق ونظام صدام حسين، والثالثة ضد الجمهورية الإسلامية في إيران، وحربٍ غير محددة المكان، لكنها محددة الأهداف، ويقصد منها التصدي بحزم وقوة، لمن يجرؤ على المساس بالمصالح الإسرائيلية في أية دولة من دول العالم، أو أنها لإعادة الهيبة إلى الجيش الإسرائيلي.
وبمتابعة الأحداث الإقليمية بعد عام 2002، نجد أن إسرائيل قد قامت بحروبٍ ثلاثة، ضد لبنان وحزب الله، وضد العراق، وإن كانت الولايات المتحدة الأمريكية هي التي باشرت الحرب وقامت بها، وصنعت لها تحالفاً دولياً كبيراً، إلا أنه كان لإسرائيل فيها دوراً مباشراً وفاعلاً، أقلها أن الولايات المتحدة الأمريكية قد جعلت من الدولة العبرية، قاعدةً عسكرية متقدمة لها، ومخزناً استراتيجياً للسلاح، إضافة إلى ما أعلنه بكل صراحةٍ ووضوح كولن باول، الذي كان يومها وزيراً للخارجية الأمريكية، من أن أحد أهداف الحرب الأساسية على العراق هو الأمن الإسرائيلي، إضافةً إلى أن إسرائيل، ووفقاً للعديد من المراقبين والمتابعين، وباعتراف بعض المصادر الإسرائيلية نفسها، تساهم حالياً في العدوان على العراق، إنْ بالمشاركة الفعلية للجنود والضباط الإسرائيليين بجوازات سفر غير إسرائيلية، أو في تدريب القوات الأمريكية على طرق المداهمة، أو المشاركة بالأسلحة والذخائر، حيث تعمد الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، إلى تجريب مختلف أنواع الأسلحة في الحرب اليومية ضد العراق، أما الحرب الإسرائيلية الثانية، والتي أوصى مؤتمر هرتسيليا الثالث بشنها، فهي الحرب التي تشنها بحزمٍ وقوة، كل يوم على المقاومة الفلسطينية في فلسطين المحتلة، في غزة والضفة الغربية، وفيها تستخدم إسرائيل كل وسائل قتالها القذرة في حرب الفلسطينيين، أما الحرب الثالثة فهي حرب صيف 2006 على لبنان وحزب الله، وهي الحرب التي كشفت عن اخفاقاتٍ كثيرة في الجيش الإسرائيلي، وأسفرت عن فشل الجيش الإسرائيلي في تحقيق أهدافه، أما الحرب الرابعة والتي يرى مؤتمر هرتسيليا أهميتها، فهي ضد إيران، وقوى الممانعة في المنطقة، ومنها سوريا وحزب الله وحماس بالإضافة إلى إيران، ونستطيع قراءة هذه الحرب من خلال العنوان الذي حمله مؤتمر هرتسيليا الثامن، وهو إسرائيل في عامها الستين، هل المناعة أبدية ؟، ومازالت إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية، يتهيئون ويحضرون المجتمع الدولي لشنها على إيران، خاصة بعد حرب تموز الفاشلة، إذ أصبح على الإسرائيليين ضرورة خوض حربٍ جديدة، لإعادة الهيبة إلى جيشهم، واللحمة إلى مجتمعهم، والثقة الدولية في كيانهم الوظيفي.
وفي مؤتمر هرتسيليا الرابع عام 2004، أعلن أرئيل شارون، رئيس الحكومة الإسرائيلية حينها، عن خطته للانسحاب أحادي الجانب من قطاع غزة، واعتمد مؤتمر هرتسيليا خطته في أحد توصياته، وبالفعل قامت إسرائيل بتنفيذ هذه الخطة، وانسحبت أحادياً من قطاع غزة، كما ركزت أوراق المؤتمر على عناصر التسوية مع الفلسطينيين، التي مازالت الحكومة الإسرائيلية تفاوض السلطة الفلسطينية بمقتضاها.
في المؤتمر الخامس 2005 عام، أعلن أرئيل شارون عن ورقة اتفاقه الاستراتيجي مع الرئيس بوش، والتي تتضمن موافقة الولايات المتحدة الأمريكية، على الخطوط السياسية للإستراتيجية الإسرائيلية بالنسبة للتسوية مع الفلسطينيين، والتي تتنكر للحقوق الوطنية الفلسطينية، عبر لاءاتٍ خمس وهي، لا... للانسحاب من القدس ، العاصمة الموحدة الأبدية لدولة إسرائيل، لا... لعودة اللاجئين، لا لدولة فلسطينية على كامل حدود الأراضي الفلسطينية التي احتلتها إسرائيل في العام 1967، لا... للانسحاب من التجمعات الاستيطانية الخمس الكبيرة التي أقامتها إسرائيل في الضفة الغربية، لا... للانسحاب العسكري الإسرائيلي من منطقة غور الأردن، باعتبارها منطقة حيوية للأمن الإسرائيلي، لا... لدولةٍ فلسطينية تهدد مستقبل الدولة العبرية.
واعتبر المؤتمر الخامس أن إسرائيل تمر في حقبة جديدة ، قد تكون الأفضل في تاريخها، وذلك تبعاً للمتغيرات الدولية والإقليمية التي حفل بها عام 2004، ولذلك أوصى المؤتمر بأن على إسرائيل استغلال الفرص المتاحة، لتوقيع اتفاقيات سلام مع الدول العربية، وذلك استفادة من وجود الرئيس الأمريكي جورج بوش على رأس الإدارة الأمريكية، التي تتسم بوجود المحافظين الجدد، الذين يخططون مع قادة إسرائيل للحفاظ على سلامة وجودها، ومستقبل أمنها.
وما سنشهده في الفترة القادمة ، هو توصيات مؤتمر هرتسيليا السادس ، الذي عقد في العام 2006، حيث طرح أيهود أولمرت الذي كان يومها رئيساً للوزراء بالوكالة، بعد إصابة شارون بالجلطة والغيبوبة، بأن لدى إسرائيل الاستعداد للانسحاب أحادي الجانب من مناطق في الضفة الغربية، على غرار ما جرى تنفيذه في قطاع غزة، معلناً موافقة إسرائيل على إقامة دولة فلسطينية وفق رؤية الرئيس الأمريكي جورج بوش للدولة الفلسطينية، ويقصد إقامة دولة فلسطينية على مجموعة كانتونات متفرقة، داعياً الفلسطينيين إلى التخلي عن جزء من طموحاتهم الوطنية، مقابل تخلي إسرائيل عن طموحاتها الوطنية في إنشاء دولة إسرائيل الكبرى، مؤكداً على الخطوط الإستراتيجية للحل الدائم وفق اللاءات الإسرائيلية، كما ناقش المؤتمر السادس تعزيز قدرة الردع الإسرائيلية في الرد على الفلسطينيين والعرب، وكل من يمس الأمن الإسرائيلي من خلال الحروب الاستباقية.
أما مؤتمر هرتسيليا السابع الذي جرى عقده في أواخر يناير 2007م ، فقد جاء وسط هزة فضائح واستقالات لمسؤولين سياسيين وعسكريين إسرائيليين كبار، نتيجة الإخفاقات المدوية للعدوان على لبنان، لذا خلا المؤتمر السابع من المفاجآت السياسية، وهيمنت عليه روح اليأس والإحباط، وتبدت أمامه صورة الجيش المهزوم، وهو عماد الدولة العبرية، وأساس وجودها، وضمانة مستقبلها، في ظل تفسخ اجتماعي مخيف نتيجة الحرب، ولكن مؤتمر هرتسيليا السابع شهد مشاركة السيد سلام فياض، رئيس حكومة الطوارئ الفلسطينية.
وبالعودة إلى المؤتمرين الأول والثاني فإننا سنجد ما يعزز ما ذهبنا إليه، من أن مقررات مؤتمر هرتسيليا، تكشف عن خطوات إسرائيل اللاحقة إلى درجةٍ كبيرة، فقد انصبت أبحاث المؤتمر الأول الذي عقد في العام 2000، على أهمية تعزيز سيطرة إسرائيل المركزية على كافة المنظمات اليهودية والصهيونية في العالم، والتأكيد على دورها الكبير في إسناد الدولة العبرية، وفي لعب دور الدبلوماسية الخارجية الإسرائيلية، وكذلك مع كل المنظمات الحليفة لإسرائيل على المستوى الدولي، وخاصة الصهيو – مسيحية، وقد كان لليمين المسيحي المتطرف، أو المحافظين الجدد في الولايات المتحدة الأمريكية، في ظل رئاسة جورج بوش الابن، دوراً بارزاً في تصلب المواقف الإسرائيلية، وفي الوقوف إلى جانب الكثير من مخططاتها العدوانية.
أما أعمال مؤتمر هرتسيليا الثاني الذي عقد في العام 2001، فقد ركزت على مسارين استراتيجيين، يتعلقان بمستقبل الكيان الصهيوني، أما الأول فكان يركز على كيفية حث كل اليهود في العالم على الهجرة إلى إسرائيل، أما المسار الثاني فهو البحث في كيفية التخلص من الخطر الديموغرافي العربي على إسرائيل، والذي إذا ما ظل وفقاً للمقاييس الحالية للنمو، فإن عدد الفلسطينيين في إسرائيل سيفوق عدد اليهود في عام 2025، وهذا خطر يجب منعه لأنه سيؤثر بالضرورة على يهودية دولة إسرائيل، التي يسعى الإسرائيليون لأن تكون نقية وخالية من الشوائب، ولتلافي هذا الخطر، فإن الحل يتركز من وجهة نظر المؤتمرين في اتجاهين، ترحيل جزء من الفلسطينيين خارج أرض إسرائيل، وفي مبادلة المناطق ذات الكثافة السكانية العربية العالية في إسرائيل بمناطق تابعة للسلطة الفلسطينية،وأصدر المؤتمر وثيقة تفصيلية عن الحليّن عُرفت باسم وثيقة هرتسيليا.
وبمتابعتنا لأعمال المؤتمر الثامن – محلدراستنا -، فإننا سنجد أن المؤتمرين من السياسيين وغيرهم، يتحدثون عن يهودية الدولة، النقية الخالية من الشوائب (العرب)، وهذا ما كان مخططٌ له تفصيلاً في المؤتمر الأول الذي عقد في العام 2000م .
ويناقش كل مؤتمر من المؤتمرات الثمانية التي عقدت في مدينة هرتسيليا الساحلية القريبة من مدينة تل أبيب، عدداً من التحديات المستقبلية التي تواجه دولة الكيان الصهيوني، وقد انعقد مؤتمر هرتسيليا الثامن تحت عنوان، ميزان المناعة والأمن القومي الإسرائيلي، كما كل المؤتمرات السابقة، ولكن مؤتمر هرتسيليا الثامن تميز بأنه عقد في ظلال الذكرى الستين لتأسيس دولة الكيان الصهيوني، ومن القضايا التي ناقشها المؤتمر انسجاماً مع عنوانه، هل أصبحت إسرائيل في عامها الستين تحوز المناعة الأبدية، خاصةً أن المؤتمر استعرض آخر ابتكاراته العلمية والتقنية، فضلاً عن التجارب العسكرية والأمنية، في ظل استراتيجية التفوق التي تعيشها الدولة العبرية، لتؤكد تفوقها، وامتلاكها للقدرات الدفاعية والردعية والتجسسية العالية والمتطورة، وأن ما أصاب هيبة الجيش والدولة، ليس بسبب ضعفها، وإنما نتيجة سوء الإدارة، والخلل في اتخاذ القرارات المناسبة. لذا فإن أحد اشتراطات معرفة العدو من داخله، هي معرفة هذه المؤتمرات، ودراسة مقرراتها، فهي تكشف عن كثيرٍ من جبل الثلج، الذي لا تظهر منه للعامة سوى قمته الثلجية.
ويعقد الإسرائيليون مؤتمرهم في ظل وجودٍ إعلامي دولي كثيف، ويعلنون صراحةً عن القضايا المطروحة للنقاش، وعن التحديات التي تواجه دولتهم، ولكنهم يحرصون في ظل حالة التحدي والمواجهة، على إبراز صورة إسرائيل القوية، والتي لم تعد تخاف من مناقشة قضاياها أمام الرأي العام، ذلك أنها تمتلك من القوة والقدرة، ما يمكنها من حماية نفسها.
ولكن المؤتمرين الصهاينة يناقشون أمورهم وقضاياهم بمسؤوليةٍ تامة، ويعرضون أزماتهم بجديّة كبيرة، ويحاسبون أنفسهم دون رحمة أو شفقة , ويقفون عند أخطاءهم دون محاباة لأحد، أو تمويه للمشكلة ومسبّباتها، فلا يسايرون المسؤولين، ولا يسكتون عن أخطاءهم، ولا تردعهم مناصبهم ومواقعهم مهما علت، فسلسلة مؤتمرات هرتسيليا ليست شكلية، أو برتوكولية، فهي تغوص في أعماق القضايا المطروحة، وتناقش الإشكاليات والأزمات القائمة , وتشخص الحالات، وتقترح الحلول، وتطالب لجان التحقيق بأن تأخذ دورها , وتباشر صلاحياتها، وتُحاسب المقصّرين بشدّة، الأمر الذي يجعلهم نادراً ما يكررون أخطاءهم، أو يقعون في الأزمات نفسها لأكثر من مرة.
ويصدر المشرفون على المؤتمر بعد بضعة أيام من انعقاده، كتاباً يشمل جميع أعمال المؤتمر، والكلمات التي ألقيت، والأوراق التي طرحت، والاستنتاجات التي خلص إليها الباحثون، لتضاف إلى ما راكمته المؤتمرات الهرتسيلية التي سبقته من وثائق، والتي توصف عادة بأنها ثمره جهود تنصب في مجملها على مواضيع التفكير الآني والاستراتيجي، لقادة المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية والأكاديمية الإسرائيلية، التي تعكس اتجاهات التفكير المختلفة المعبرة عن رأي تلك النخبة، والتي من خلالها يلتئم شمل العقل الجمعي الإسرائيلي المفكر.
ويعتبر مؤتمر هرتسيليا الثامن، نقطة تحول كبيرة وواضحة، تشكل عمق التغير الذي طرأ على التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي، وهو ما دلت عليه قراءة مداخلات المشاركين الإسرائيليين في جلسات المؤتمر المختلفة، بالإضافة إلى القضايا والمسائل الاستراتيجية التي رسمت صورة التحديات والخيارات أمام المجتمع والسلطة في إسرائيل، وهذا التحول في الفكر الاستراتيجي الإسرائيلي، ليس بالضرورة أن يكون نتاج التطور والتخطيط المحكم، بل قد يكون نتاج الإخفاق والفشل، وهو ما أجبرت على تحليل نتائجه كبار الشخصيات الإسرائيلية، السياسية والعسكرية والأمنية والاقتصادية والفكرية، التي دفعت بأكملها لمواجهة الزلزال الذي عصف بأهم مؤسسة يعتز بها الكيان الصهيوني، وهي مؤسسة الجيش الوطني.