المقالات   | التقارير   | الأخبار   | دليل الباحث السوداني   | الباحثون  

 

 

 
 

الراصد مؤسسة ومجموعة بحثية علمية تهتم بتوثيق وإنتاج ونشر المعرفة وهى مؤسسة طوعية مستقلة غير حكومية تدير أعمالها عبر مجموعة مراكز وبطاقم متخصص فى عدة مجالات من خلال طرح رسالتها فى كافة الأوساط ذات الأهداف المشتركة   المزيد عن الراصد

 
     

الكتب والدراسات


الأبعاد السياسية لأزمات الغذاء في العالم النامي دراسة حالة النموذج الأفريقي

د. مصعب عبد القادر وداعة الله

جامعة النيلين / السودان

مقدمة

أهمية الغذاء تنبع من أنه يمثل متطلب أساسي يتصل بشكل مباشر بحياة الأفراد و إستمرار حركة و حياة المجتمعات . فتحليل أزمة مثل أزمة الغذاء من هذا المنطلق تمثل أهمية كبري علي كافة الأصعدة المحلية و الإقليمية و الدولية .

إن قضية الأمن الغذائي قضية معقدة و متداخلة و لا تنفصل عن قضية التنمية الاقتصادية المتكاملة ، و لا عن قضية التقدم و التخلف و لا عن الوعي بمخاطرها و تبعاتها الاقتصادية و الاجتماعية . و تتطلب قضية الأمن الغذائي إدارة شاملة و مترابطة لمختلف إقتصاديات و خطط و سياسات الغذاء ( ) . فإذا كان إنتاج الغذاء يرتبط بالموارد الزراعية على مستوى العالم ، فإن حجم هذه الموارد و نسب توزيعها ، تعطي إشارة إلى واقع الإنتاج الغذائي العالمي . فقد أثبت الدراسات أنه ، وعلى مستوى العالم تمثل الأراضي القابلة للزراعة حوالي ( 24% ) من المساحة الكلية لليابسة ، يستثمر منها حوالي ( 44% ) فقط ( ) . لذلك بات من الواضح و قياساً على هذه النسبة ، أن يشكل مجال إنتاج الغذاء مرتكزاً و منطلقاًٍ لتنافس دولي محموم يلقى بتبعاته على مجمل مسارات السياسة الدولية و الإقليمية و حتى القومية .

أهمية هذه الدراسة تستمد من أن أزمة الغذاء ذات تداعيات متداخلة تمس تقاطعات الحراك و التفاعل السياسي على مستوياته المحلية و الإقليمية و الدولية . يتجلّى ذلك بوضوح في خاصية الترابط العضوي بين فشل سياسات تحقيق الأمن الغذائي للدولة الأفريقية من جهة ، و بين تأكيد تبعيتها الدولية و عدم إستقرارها الداخلي من جهة أخرى . فمعظم دول القارة الأفريقية تأسيساً على ذلك تأثرت سلباً من تواضع مستويات إنتاجها من الغذاء ، مما أوقعها فريسة لأساليب مختلفة من الإبتزاز و الإستغلال الدولي . يتم ذلك في ظل ثراء القارة بمواردها الطبيعية المهولة التي يمكن أن تجعل منها قوة الصدارة العالمية في مجالات الإنتاج المختلفة . يقف ذلك شاهد على العجز الكبير و الفشل الذي أصبح صفة ملازمة للدولة الأفريقية.

بالإشارة إلى منظور كل من سياموالا و فالديز للأمن الغذائي على أنه طاقة الاقتصاد لمقابلة مستوى هدف الاستهلاك وفق سنة الأساس ، حيث يقصد بمستوي هدف الاستهلاك الحد الأدنى الموصى به من قبل مقاييس التغذية ( كمية السعرات الحرارية ) أو المتوسط المختار لفترة زمنية معينة ( ) . فإننا نجد كثير من الإحصائيات الغذائية العالمية ، أشارت إلى أن أفريقيا تحتاج لزيادة السعرات الحرارية و البروتينات بنسبة ( 05,0% ) ، و ( 5,8% ) على الترتيب . كما تحتاج أمريكا اللاتينية إلى زيادة ما نسبته ( 3,4% ) ، و ( 04و0% ) . أيضاً تحتاج القارة الآسيوية إلى ( 03,5% ) ، و ( 04,5% ) زيادة في السعرات الحرارية و البروتينات ( ) .

تهدف هذه الدراسة إلى التعرّف على التداعيات السياسية ، الناتجة عن أزمات نقص الغذاء لدول العالم النامي ، مع التركيز على تحليل أبعاد هذه الظاهرة ، بشكل خاص على نموذج الدولة الأفريقية . فعدم القدرة على الإيفاء بالاحتياجات الضرورية من الغذاء ، كماً و نوعاً تعتبر من إحدى التحديات الهامة و الخطيرة التي تواجهها الدولة الأفريقية في عصرنا الحاضر .

فالقارة الأفريقية رغم أنها من أكثر القارات التي تمتلك مدخلات و موارد ( أراضى زراعية و مياه ، و أيدي عاملة ) ، يمكن أن تسهم بها في توفير قاعدة إنتاج غذائي متنوّع ، إلّا أنها من أن أكثر القارات المستقبلة للمعونات الغذائية . هذه الواقع يحتاج لدراسة متأنية لعكس تداعياته و أسبابه . فهناك ضرورة إلى وضع صيغ و معالجات عبر سياسات و خطط علمية مدروسة تعبر بالدولة الأفريقية إلى مراحل تستطيع من خلالها على أقل تقدير إنتاج حاجاتها من الغذاء الضروري .

هناك أسباب متعددة تبرر حالة الحاجة للغذاء التي تميز دول القارة الأفريقية ، من هذه الأسباب فشل الحكومات في التعبئة الاقتصادية لشعوبها ، و إستغلال مواردها بشكل إيجابي . كما أن التعاون التبادلي بين دول القارة في السلع و المستهلكات و الخبرات، ما زال ضعيفاً رغم وجود العديد من المنظمات الاقتصادية و التجارية الإقليمية. أضف إلى ذلك تعرّض القارة الكثيف للإفرازات و التبعات السالبة جرّاء الهيمنة التي يفرضها النظام الاقتصادي العالمي . فضعف بنية الدولة الأفريقية و هشاشة هياكلها الاقتصادية و تفكك أبنيتها الاجتماعية أقعدت بها من أن تضطلع بدور رائد و بنّاء في سد حاجاتها المتنامية من الغذاء .

لذلك ليس مستغرباً ملاحظة أن قضية الأمن الغذائي ، أصبحت من الأهمية بمكان بحيث لا تقل فى أهميتها عن قضايا الأمن الأخرى كالأمن الداخلى و الأمن السياسى و الأمن الإجتماعى و الأمن الصحى ، خصوصا و أن الغذاء يعتبر هو المصدر الرئيسى للحياة ( ) .

تنطلق الدراسة من مشكلة أساسية و هي أن الزيادة السكانية لدول العالم النامي خاصة مجموعة الدول الأفريقية المتواكبة مع التدهور في البيئة ، و قلّة الكفاءة الإنتاجية و ضعف الهياكل الاقتصادية و فشل سياسات إدارة الموارد من قبل دوائر الدولة الرسمية ، علاوة على الفوارق المفروضة بين شمال و جنوب الكرة الأرضية ، جرّاء السياسة القابضة للنظام الاقتصادي العالمي ، كلها جعلت من الدولة الأفريقية ، نموذجاً متصالحاً مع شروط فرض الإرادة الدولية و الإملاء ، و بالتالي إستمرار حالة الهامشية للدولة الأفريقية ، و سلبيتها المفرطة في لعب دور محلي أو إقليمي أو عالمي فاعل .

تقوم هذه الدراسة على فرضية أساسية و هي أن الغذاء في عالم اليوم أصبح سلاحاً سياسياً مستخدماً ببراعة و بلا ضمير في تذويب مقاومة الشعوب الفقيرة و إخضاعها لسياسة الدول التي تسمك بمفاتيح مخازن الغلال في العالم ( ) . و بالتالي ، فإن الدولة الأفريقية لم تمثل حالة إستثناء بين دول العالم النامي المستهدفة أصلاً بالضغط في ظل سياسة فرض الهيمنة من قبل منظومة الدول الغربية و الولايات المتحدة الأمريكية .

حاولت الدراسة أيضاً عرض كثير من البيانات الخاصة بأزمة الغذاء و تداعياتها ، و كانت المصادر الأساسية لتلك البيانات متمثلة في الكتب و الدوريات و التقارير ، إضافة إلى المنشورات الالكترونية في شبكة المعلومات . و لمعالجة موضوع مثل أزمة الغذاء ذات الآثار المتشابكة إستفادت الدراسة من عدد من المناهج العلمية ، مثل الوصف ، المقارنة ، التحليل و الاستفادة من مؤشرات البيانات الإحصائية . كما حاولت الدراسة عرض الموضوع بإستهلال حوى مدخل نظري مفاهيمي ، ثم إطار عام لرصد بعض أهم عوامل إحداث أزمة الغذاء كما ترى الدراسة ، كما حاولت الدراسة أيضاً رصد أسباب تفاقم الأزمة مستدلّة في ذلك بتحليل لبعض خصائص دول حوض النيل كنموذج إقليمي يشابه أقاليم أفريقية أخرى . إنتقلت الدراسة من بعد ، إلى تحليل الشروط اللازم توافرها و التي تشجع و تؤهّل إلى إنجاح مختلف برامج و سياسات الأمن الغذائي . ركزت الدراسة أيضا على التداعيات الناتجة عن أسلوب تسييس قضية الغذاء ، و إختتمت بتلخيص لأهم المحاور التي وردت .

أولاً : مدخل نظري مفاهيمي لأزمة نقص الغذاء

لقد تميز التاريخ البشري بسلسلة طويلة من حروب الموارد التي تمتد جميعها إلى الوراء إلى أقدم الحضارات الزراعية . تحديداً و بعد الحرب العالمية الثانية ، كان السعي الذي لا يلين وراء الموارد تحجبه المقتضيات السياسية و الأيديولوجية للصراع ، و أيضاً إحتكم للمقتضيات السياسية و الأيديولوجية للتنافس الأمريكي – السوفيتي إبّان الحرب الباردة ، لكنه عاد و ظهر علي السطح بشدة متجدّداً في العصر الراهن . و بالنظر إلى الأهمية المتزايدة التي تعطي للقوة الاقتصادية في السياسة الأمنية للدول ، و الطلب المرتفع على الموارد على النطاق العالمي ، و إحتمال حدوث حالات نقص هامة ، ووجود منازعات عديدة علي الملكية ، فإن حدوث الصراع على المواد الحيوية حتماً سيزداد ( ) .

الطلب العالمي على الموارد الأساسية سوف يستمر في النمو في مقبل العقود القادمة . هذا النمو سيكون مدفوع بالزيادة المتسارعة في حجم السكان و التوسع الإقتصادي . فالمجتمع البشرى يتوسع بحوالي ( 80 ) مليون نسمة كل عام . وفقاً لهذا المعدل سوف يصل العدد الإجمالي لسكان العالم في عام ( 2010م ) إلى ( 6,8 ) بليون . و سيقارب حوالي ( 8 ) بليون في عام ( 2020م ) . يستنتج من ذلك إستمرار زيادة الطلب على المواد الأساسية ( ) .

يبدو أن الأقطار النامية على الرغم من أنها نجحت في زيادة إنتاجها من الغذاء ، إلا أنها لم تفلح في كبح جماح زيادتها السكانية . و بالنظر إلى جداول النمو السكاني التي تصدرها الأمم المتحدة نرى أن أكثر جهات العالم من حيث الزيادة السكانية هي بلدان أمريكا اللاتينية تليها أقطار الشرقيين الأدنى و الأقصى و أقطار القارة الأفريقية ( ) . فتح ذلك الباب إلى أن تتشكّل مسارات التنافس الدولي مرتكزةً بشكل رئيس على حرب الغذاء .

معظم البلدان النامية تعتمد الآن في الحصول على ما بين ( 50% - 90% ) من حصيلة تصديرها على محصول واحد أو محصولين . هذا الوضع يتجلّى بوضوح في دول القارة الأفريقية .على سبيل المثال نجد أن محصول البن في أفريقيا تتحصّل منه بورندي على 78% من دخلها القومي ، 50% لرواندا ، 50% لأثيوبيا ، 61% لأوغندا ( ) . يشير ذلك إلى الخروج الأفريقي شبه الكامل عن مظلة التبادل السلعي و التجارة الناجحة في مجال السوق الغذائي العالمي ، لأنها لا تمتلك قاعدة إنتاج محصولية متنوعة ، و بالتالي فأفريقيا أكثر القارات تأثراً بالتداعيات السالبة لنقص الغذاء و المواد الضرورية .

منظمة الأغذية و الزراعة التابعة للأمم المتحدة تقدّر أن عدد الذين يعانون من نقص التغذية المزمن قد يناهز ( 730 ) مليون نسمة بحلول عام ( 2010م ) ، منهم ما يفوق ( 300 ) مليون نسمة في البلدان الأفريقية جنوب الصحراء الكبرى ، علماً بأن أكثر من ( 800 ) مليون شخص يواجهون حالياً في البلدان النامية وحدها نقص التغذية المزمن ، و نحو ( 200 ) مليون طفل دون سن الخامسة مصابون بنقص البروتين و الطاقة . و على الصعيد القطري صنفت منظمة الأغذية و الزراعة ( 82 ) دولة ضمن فئة دول العجز الغذائي ذات الدخل المنخفض منها ( 41 ) دولة في أفريقيا ، و ( 19 ) دولة من آسيا و المحيط الهادي ، و ( 9 ) من أوربا و رابطة الدول المستقلة ، و ( 07 ) من أمريكا اللاتينية و البحر الكاريبي ، و ( 06 ) من الشرق الأدنى ، و شمال أفريقيا ) ) .

يبقى من المهم التأكيد على أن هناك مجموعة من العوامل تعطي الأمن الغذائي أبعاده الإستراتيجية و تحدد مدي إقتراب أو إبتعاد أي قطر من تحقيق أمنه الغذائي ( ) . هذه العوامل هي بالأساس تعبّر عن مدي توفر الموارد الزراعية ، حيث تصنّف الدول بناء علي الموارد الزراعية إلي الآتي :

1/ دول تمتلك الموارد الزراعية و الاقتصادية و تتمتع بالأمن الغذائي . لا يعاني هذا النوع من الدول من مشكلة في أمنه الغذائي .

2/ دول لا تمتلك الموارد الزراعية و تمتلك الموارد الاقتصادية بالمقابل . ففي ظل توفر مناخ إقليمي و دولي تعاوني و سلمي فلن تعاني مثل هذه الدول من مشكلة الأمن الغذائي .

3/ دول تمتلك الموارد الزراعية و تفتقر للموارد المالية . يعاني مثل هذا النوع من الدول من مشكلة قصيرة و متوسطة المدى في الأمن الغذائي . و بمجرد توفر القدرة المالية و الإرادة السياسية فإنه يمكن تفعيل هذه الموارد و توظيفها في خدمة تحقيق الأمن الغذائي .

4/ دول لا تمتلك الموارد الزراعية و تفتقر للموارد المالية و الاقتصادية . حيث يعاني هذا النوع من الدول من مشكلة حقيقية علي المدى البعيد في مجال أمنه الغذائي .

سيناريو أزمة إنتاج الغذاء إمتد بتأثيراته نسبياً ، على أرجاء واسعة من المعمورة ، خصوصاً قارتي آسيا و أفريقيا ، فقد أنخفض متوسط إنتاج الحبوب الغذائية في أفريقيا بالمقارنة بإنتاجية أوربا من حوالي النصف إلى ما يقارب الخمس خلال السنوات الخمس و الثلاثين الماضية ، و حتى في قارة آسيا حيث إنتشرت التكنولوجيا الجديدة إنتشاراً متسارعاً إنخفضت الإنتاجية بالمقارنة بالمستويات الأوربية ( ) .

تميز الثلث الأخير من القرن العشرين بظهور أزمات غذائية شملت دول العالم الثالث و التي لم يكن بالإمكان تجاوزها أو تجاوز جزء من تبعاتها بغير الجهود المشتركة الرامية إلي صيانة الأمن الغذائي عن طريق التعاون الإقليمي أو الدولي من خلال التجارة الخارجية أو المساعدات و الهبات الغذائية ، و ايضاً من خلال دعم الإنتاج الغذائي و تنمية الموارد و توليد الدخل المناسب الذي يفضي إلي تحقيق الأمن الغذائي ( ) . أصبحت مشكلة نقص الغذاء مهدد أساسي لإستقرار الدول و المجتمعات في دول العالم الثالث . لذلك تؤكد كثير من الدراسات و التحليلات أن تحقيق الأمن الغذائي هو أحد الشروط الهامة لإنجاح مشروع إستقرار الدولة القومية في القارة الأفريقية . يبرز سؤال مهم حول تعريف الأمن الغذائي ، الذي تحاول الدراسة توضيح أهم مدلولاته في الفقرات اللاحقة .

يشير الأمن الغذائي إلي أنه قدرة المجتمع علي توفير الغذاء المناسب للمواطنين علي المدى البعيد و القريب كماً و نوعاً و بالأسعار التي تتناسب مع دخولهم . بالبعد الكمي فالأمن الغذائي يعنى حصول المستهلك علي الكمية الصحيحة من المواد و العناصر الغذائية و التي تغطي إجتياجاته بالمعني القياسي حسب المستويات الضرورية من الطاقة و العناصر الغذائية المبنية علي الاحتياجات الفردية للمستهلك ( ) .

لذلك يركز مفهوم الأمن الغذائى في دلالته على طاقات المجتمعات على توفير إحتياجات التغذية الأساسية لأفراد الشعب ، و ضمان الحد الأدنى من تلك الإحتياجات بإنتظام ، سواء بإنتاجها محلياً أو توفير حصيلة كافية من عائد الصادرات يمكن توظيفه فى إستيراد ما يلزم لسد النقص فى الإنتاج المحلى . فهناك من يرى أن الأمن الغذائى هو ضرورة توفير مخزون إستراتيجى كافٍي من السلع الغذائية ، خصوصاً في ظل الظروف السياسية و الإقتصادية المتغيرة فى عالم اليوم ( ) .

إذاً ، الأمن الغذائي هو ضمان الاستمرار بعرض الغذاء لجميع سكان دولة ما مع المحافظة على زيادة الغذاء لجميع فئات المجتمع . هذا التعريف يصح لكثير من الدول ، إلا أنه صعب التحقيق لدول كثيرة أيضاً ، إذ أن هناك فئات من المجتمع لا تستطيع شراء الغذاء حتى لو بسعر معقول . و يتطلب الأمر هنا إعادة توزيع الدخول فى تلك الدولة حتى يمكن تسهيل تحقيق الأمن الغذائي ( ) .

فإذا ما حاولنا التعرف على مشكلة الغذاء إستناداً على دراسة طبيعتها الاقتصادية ، فنجد أن الجانب الاقتصادي لهذه المشكلة يشمل إنتاج الغذاء و إستهلاكه و حركة صادراته ووارداته ، و نصيب ذلك في التجارة الدولية ، و تحليل عناصر القوة و الضعف في كل عنصر من هذه العناصر . لذلك فإن مثل هذه الدراسة الإقتصادية ، تعتبر في حد ذاتها بمثابة تحليل لكل ما يتصل بإقتصاديات الغذاء و أمنه ( ) .

فكثير من الاقتصاديين يشير إلى أن إصطلاح الأمن الغذائي ، ما هو إلا الإطار العام الذي تحدث ضمنه جملة التغيرات القصيرة المدي على مستوى الدولة ، خاصةً في عرض الإنتاج الغذائي حال عدم الإستقرار في إنتاج الغذاء و الاستيراد ، و هذا التذبذب القصير المدي في عرض الغذاء يوجد عادة في معظم الطبقات الأكثر فقراً في المجتمع ( ) .

ثانياً : عوامل إحداث أزمة الغذاء الأفريقية

أفريقيا تضم نسبة مقدّرة و عالية من جياع العالم كما تشير إلى ذلك الكثير من الإحصائيات الرسمية . فالجائعون عموماً أضعف من مواجهة أي كارثة تؤثر علي مواردهم الضئيلة ، مقارنة بمن يستطيعون الحصول علي غذاء متكامل يكفل لهم بنية صحية سليمة تمكنهم من مواجهة الأزمات ، كما يكون لهؤلاء عادةً ما يكفيهم من المدخرات لمواجهة الأزمات الطارئة . و بغض النظر عن حقيقة زيادة عدد ضحايا الكوارث الطبيعية بسبب تسارع وتيرة حدوثها و إتساع رقعة الدمار الذي تخلفه ، فإن إزدياد الفقر في العالم ( أكثر من ألف و مائة مليون شخص مصنفين تحت خط الفقر - حسب أحد تقارير البنك الدولي – و هم ممن يعيشون علي اقل من دولار واحد في اليوم ، و أكثر من 850 مليون شخص يعجزون عن الوفاء بإحتياجاتهم الغذائية الأساسية يومياً ) يمثل سبباً رئيسياً أيضاًٍ في زيادة ضحايا الكوارث الطبيعية ( ) .

إبتداراً ، مشكلة الفجوة الغذائية الناتجة من زيادة الطلب الإجمالي على الناتج المحلى من الغذاء تطرح أهمية التعرّف على العوامل المؤثرة في إنتاج الغذاء ، بحيث يمكن إستخدام النتائج لتضييق الفجوة الغذائية و زيادة نسبة الإكتفاء الذاتي من المواد الغذائية . فمن العوامل التي تؤثر في كمية الإنتاج من الغذاء كلٍ من مساحة الأرض المزروعة ، و حجم الإنفاق الرأسمالي على العمليات الزراعية ، و الأسعار النسبية للمواد الغذائية ، و الأحوال المناخية ، و التقانة المستخدمة في الإنتاج الزراعي ( ) . إضافة إلى عامل المياه ، بإعتباره من المقوّمات الأساسية للنشاط الزراعي .

تكاد مشكلة سوء إستخدام الموارد الطبيعية و أثرها على البيئة و إستنزاف المقومات الأساسية فيها تكون كبرى المشكلات التي يواجهها عالمنا المعاصر ( ) . مثلاً يقدّر الحجم الكلي للماء بحوالي ( 1360 ) وحدة متر مكعب ، ( 97% ) من هذا الحجم موجود في البحار و المحيطات ، و حوالي ( 02% ) مجمد في الطبقات الجليدية ( ) .

يشير تقرير للأمم المتحدة أن هناك ( 40 ) دولة في العالم وردت في قائمة الدول التي تعاني من أزمة المياه ، نصفها دول افريقية . و تشتمل القائمة الخاصة بالدول الأكثر معاناة و تضرر من المياه على ( 09 ) دول افريقية من بين ( 13 ) دولة على مستوى العالم ( ) .

من المهم ملاحظة أن النظام الدولي ، و بما يميّزه من إحتكار لأدوات الهيمنة و السيطرة على دول العالم النامي ، فاقم من أزمات القارة الأفريقية ، خصوصاً فيما يتصل بقدرات إنتاج الغذاء الضروري لسكان القارة . فالنظام الاقتصادي الدولي يأخذ من القارة الأفريقية الفقيرة أكثر مما ينفق عليها ( ) . فبرغم أن الدول النامية هي جزء أصيل و شريك في النظام الاقتصادي الدولي ، إن دول الشمال ( الدول الاستعمارية في السابق ) ، أحكمت قبضتها على مفاصل العملية الاقتصادية العالمية على حساب دول الجنوب ( الدول المستعمرة في السابق ) .

يتضح من ذلك أن سيناريو الاستعمار التقليدي ما زال حاضراً و بكثافة في كافة الأفعال و ردود الأفعال و المبادرات الدولية ، و لكن في شكل جديد و بأدوات أيضاً جديدة . فالهيمنة الغربية الأمريكية ، أو المشروع الاستعماري الحديث ، لم يغفل جانب التجارة بالغذاء ، و إستغلال حاجة الدول النامية المتصاعدة للغذاء . لذلك يمكن القول بأن حرب الغذاء واحدة من الأدوات الفاعلة في توطين أركان نظام الهيمنة الدولية . تجدر الإشارة إلى التأكيد على أن المستهدف الأول من سياسة فرض الهيمنة هو مجموع دول العالم الثالث ( الدول النامية ) ، و على وجه التخصيص دول القارة الأفريقية لأسباب متعددة ، أهمها أولاً ، ثراء القارة من ناحية الموارد الطبيعية ، خصوصاً الموارد الزراعية ، ثانياً ضعف دول القارة و حكوماتها في إبداء درجة من المقاومة يمكن أن تجهض هذا المشروع الاستعماري الحديث . عموماً ، هناك سياسة هيمنة مفروضة على أجزاء واسعة من عالم تمثل أفريقيا أضعف حلقاته .

الحكم الاستعماري إختزل إمكانية الإنتاج المتنوّع في قارة أفريقيا ، إلى سياسة المحصول النقدي الواحد – فهو عادةً ما يستبعد الأغذية الرئيسية ، حيث يترتب من ذلك سيادة حالة نقص الغذاء و المجاعة ، كما أنّ الضرائب كانت هي الوسيلة الاستعمارية المفضّلة لإجبار الأفارقة على زراعة محاصيل التصدير . أيضاً من الأساليب التي إستخدمها الاستعمار لإغراء الفلاحين على عدم إنتاج الغذاء ، كان هو إنتهاج سياسة إبقاء أسعار الغذاء المستورد منخفضة من خلال رفع التعريفات و توفير الدعم ( ) . أنظر الجدول التالي الذي يوضح هذا التأثير في بعض مناطق القارة الأفريقية :

جدول رقم ( 1 ) سياسة الإنتاج الزراعي الإستعمارية

م الدولة سياسة الاستعمار الزراعية

01 غانا الاستوائية من الباليام إلى الكاكاو فقط

02 ليبيريا إلى المطاط

03 داهومي من إنتاج الغذاء إلى إنتاج زيت النخيل

04 جنوب غرب نيجيريا من إنتاج الغذاء إلى إنتاج زيت النخيل

05 تنجانيقيا ( تنزانيا الآن ) من إنتاج الغذاء إلى السيزال

06 أوغندا إلى إنتاج القطن فقط

المصدر : الباحث من معلومات وردت في : فرانسيس مورلاييه ، جوزيف كولينز ، صناعة الجوع و خرافة الندرة ، ترجمة أحمد حسان ، عالم المعرفة ، الكويت ، سلسلة كتب ثقافية شهرية يصدرها المجلس الوطني للثقافة و الفنون و الآداب ، 1998م ، ص ص ، 94 – 95

إذن السياسة الاستعمارية ، بما أملته من أساليب زراعية مرتبطة بمصالح نقدية و إقتصادية محضة تسببت بشكل لا يمكن إغفاله في إحداث أزمة الغذاء ، و التضييق علي توسيع المنتجات الزراعية المتنوعة ، و خلق نمط من الزراعة التقليدية ، لا تتناسب مع تقليص إحتمالات حدوث الفجوات الغذائية للعالم النامي . عموماً نموذج أزمة الغذاء بالنسبة لدولة الأفريقية تتداخل فيه تأثيرات الدور الاستعماري و فشل الإدارة السياسية الداخلية من قبل نخب ما بعد الاستقلال .

أيضاً و نتيجة للحروب و الصراعات ، دخلت القارة الأفريقية إلى القرن الواحد و العشرين كأفقر و أقل القارات نمواً . فهي تنتج أقل من ( 02% ) من الناتج المحلي العالمي ، على الرقم من أنها تشكّل ( 12,5% ) من إجمالي سكان العالم . فإيطاليا لوحدها حسب إحصائيات عام ( 1998م ) يصل ناتجها المحلي إلى ( 1171 ) مليار دولار وهو ضعف الناتج المحلي للدول الأفريقية مجتمعة و البالغ عددها ( 56 ) دولة . و في بداية الألفية الثالثة نجد أن ما يزيد عن ( 50% ) من سكان أفريقيا لا يزالون يعيشون على حافة الفقر المستمر و سوء التغذية و نقص الغذاء و الأمراض . و يعيش الفرد الأفريقي سنوياً بمتوسّط دخل يبلغ ( 668 ) دولار وهو أقل من ( 03% ) من الدخل الذي يعيش عليه الفرد الأمريكي ( ) .

فالمشكلة لها أبعادها السياسية و الإقتصادية و الإجتماعية ، و هي نتيجة طبيعية لمناخ عدم الإستقرار الذي تشهده أفريقيا في العديد من بلدانها من ناحية . و من ناحية أخرى ، لم تكف بعض الدول المتقدمة ( الاستعمارية في السابق ) ، عن العبث بمصير القارة من إزكاء روح الحروب بين المتناحرين من أجل مصالحها المتمثلة في نهب ثروات هذه القارة المنكوبة . و لكن من الأهمية بمكان الإشارة إلى مسؤولية الأفارقة أنفسهم عن إستمرار الوضع ، فالعقل و المنطق يسلّمان بأن هناك حاجات ضرورية لا يمكن للإنسان أن يستغنى عنها ، و في مقدمتها الطعام و الشراب الآمن و الكافي لإحتياجات الإنسان منهما ، وهو الأمر الذي يتعارض مع ممارسات تجار الحروب في أفريقيا ( ) .

مع تزايد السكان في الدول النامية ، و عدم مسايرة إنتاج الغذاء للزيادة السكانية ، تبلورت مشكلة الغذاء في هذه الدول . و ما المؤتمر العالمي للغذاء الذي إنعقد في روما عام 1974م ، و المؤتمر الدولي للسكان و التنمية في القاهرة بتاريخ سبتمبر 1994م ، إلا إنذاران مهمان للدول النامية قاطبة ، حيث ترتب على المؤتمر الأول الاهتمام بمفاهيم الاكتفاء الذاتي الغذائي ، و أسس المؤتمر الثاني لترسيخ مفهوم تنظيم الأسرة . ذلك لأن عمليات التنمية لم تساير الزيادات الهائلة للسكان في هذه الدول ( ) .

لذلك يبقى العامل السكاني و معدلات النمو البشري من أهم عوامل التأثير على توسيع الفجوة الغذائية . فقد أصبحت معدلات الزيادة السكانية تفوق معدلات زيادة إنتاج الغذاء و بخاصة في الأقطار النامية و التي شهدت تدنياً واضحاً في إنتاجها من الغذاء ( ) . فالانفجار الديموغرافي يجعل الإنتاج الغذائي عاجز عن تلبية الطلب المتزايد من المواد الغذائية ، كما أن لهذا الانفجار علاقة بالموارد الطبيعية التي تعتبر نادرة ، فإن كل تزايد سكاني يزيد من محدودية تلك الموارد ليتفاقم بذلك العجز عن توفير المواد الغذائية ، ( ) .

فالطلب المتزايد على الموارد تتحكم به إلى درجة ملحوظة ، الزيادة المفاجئة في أعداد البشر . فأثناء الخمسين عام المنصرمة لوحدها ، إزداد عدد سكان العالم أكثر من 3 بليون نسمة ، ليقفز من ( 2,6 ) بليون نسمة في عام 1950م إلى أكثر من ( 6 ) بلايين عام 1999م . و من الطبيعي أن الزيادة في عدد السكان يستتبعها إحتياج زائد للغذاء ( ) .

لكن في البلدان الصناعية تقل الوتيرة العامة لنمو السكان عن ( 01.0% ) . و قد بلغ العديد من البلدان ، أو هو في طريق بلوغ نقطة التوازن في النمو السكاني ، و من المحتمل أن يزداد مجموع السكان في العالم الصناعي عن مستواه الحالي البالغ ( 1,2 ) بليون ، حيث وصل إلى ( 04,1 ) بليون عام 2005 م ( ) . الجدول التالي يوضح حجم السكان العالمي بالبلايين ، و يشير إلى معدلات النمو السكاني العالمي بالنسب المئوية :

جدول رقم ( 2 ) معدلات و مؤشرات زيادة السكان العالمية

المنطقة السكان بالبلايين معدل النمو السنوي بالنسبة المئوية

1985م 2000م 2025م 1950م – 1985م 1985م – 2000م 2000م – 2025م

االعالم 4,8 06,1 08,2 01,9 01,6 01,2

أفريقيا 0,56 0,87 1,62 02,6 03,1 02,5

أمريكا اللاتينية 0,41 0,55 0,78 02,6 02,0 01,4

آسيا عدا الوسطي 02,82 03,55 04,54 02,1 01,6 01,0

أمريكا الشمالية 0,26 0,3 0,35 01,3 0,8 0,6

أوربا 0,49 0,51 0,52 0,7 0,3 0,1

آسيا الوسطي 0,28 0,31 0,37 01,3 0,8 0,6

الجزر المحيطية 0,02 0,03 0,04 01,9 01,4 0,9

المصدر : اللجنة العالمية للبيئة و التنمية ( إعداد ) ، كتاب مستقبلنا المشترك ، ترجمة محمد كامل عارف ، مراجعة د. علي حسين حجاج ، عالم المعرفة ، الكويت ، المجلس الوطني للثقافة و الفنون و الآداب ، 1989م ، ص 133

في ذات السياق ، و على المستوى القومي ، فإن توزيع السكان بين المدينة و الريف يبين لنا علي الأقل حجم الطاقات البشرية المتاحة عبر الزمن كمصدر أساسي لتطوير القطاع الزراعي و تنميته من جهة ، و يبرز حجم التجمعات الحضرية التي يستدعى الأمر توفير إحتياجاتها من جهة أخرى . كما يقع على عاتق القوى العاملة الزراعية الدور الحيوي في تخفيض التبعية الغذائية إذا تزامن ذلك مع دعم و تحفيز و توجيه و إهتمام من الدول المعنية ( ) .

بإعتبار أن الإنسان أحد أهم العوامل الهامة في النظام البيئي ، فهو أيضاً أحد أهم عناصر الإستهلاك التي تعيش علي سطح الأرض ، و لذلك فإن الإنسان إذا تدخل في هذا التوازن الطبيعي دون وعي أو تفكير أفسد هذا التوازن تماماً ( ) . لذلك يبقى رد الفعل البشري تجاه البيئة الطبيعية أحد العوامل الرئيسة في أي دراسة متصلة بأزمات الغذاء و طبيعة حدوثها . فالتلوث واحد من الشواهد على إساءة الإنسان لإستخدام معطيات و موارد البيئة الطبيعية .

فالتلوث يعتبر أحد عناصر تقليل كفاءة إنتاج الغذاء لما يسببه من أضرار على الأراضي الزراعية و العنصر البشري نفسه . فنهر النيل مثلاً ، و الذي هو مصدر الحياة لكثير من السكان على ضفاف الحوض يدخله كل عام ما يزيد على ( 500 ) مليون متر مكعب من عوادم المصانع الحاملة للسموم ، و عدة بلايين أخرى من الأمتار المكعبة من صرف الزراعة الحامل لبقايا المخصبات و المبيدات ، و ملايين أخرى من الأمتار المكعبة من الصرف الصحي غير المعالج و الكثير من المعادن الثقيلة التي تأتي من هذه النفايات التي تترسب في الأرض ، مما يعرّض البشر للأمراض الخبيثة و المزمنة التي تزايدت نسبتها في السنوات الأخيرة ( ) .

أصبحت البيئة البشرية محفوفة بالمخاطر بشكل مضطّرد ، و أصبح وقوع الكوارث الطبيعية اليوم أكثر تكرار ، و الحوادث الصناعية المفجعة في إرتفاع مستمر . و بالرغم من تمايز الكوارث الطبيعية ( الناتجة عن العوامل الجيوفيزيائية ) ، عن الحوادث ( التي يتسبب فيها خطأ بشري أو قصور تكنولوجي ) ، إلا أن المسلم به الآن أن الأنشطة البشرية تزيد من وقوع الأخطار الجيوفيزيائية و ما يترتب عليها من آثار ، فقد يجعل البشر الأرض عرضة للفيضانات أو الجفاف بإزالتهم الأشجار و غيرها من الغطاء النباتي و التربة ( ) . يتكامل ذلك مع موجات الجفاف و التصحر و الإنجراف ، إضافة إلي دور الإنسان في تلويث البيئة و إفقاد الأرض لتوازنها البيولوجي و الاعتداء علي حدود النظام الطبيعي ( ) .

أيضاً ، و في كثير من الأحيان يترتب على سوء الأحوال المناخية ظواهر مثل النقص في إنتاج الغذاء . فقد أشار تقرير الأمم المتحدة في الجلسة الخاصة بالتغيرات المناخية ، و الذي عقد في أبريل من عام ( 2007م ) ، إلى أن أمن الغذاء في أفريقيا سيتعرّض لأضرار بالغة منذ الآن حتى العام ( 2080م ) ، و تشمل المناطق الأكثر تضرراً الإقليم الصحراوي الذي يغطي كل من موريتانيا و مالي و السنغال و الرأس الأخضر و بوركينا فاسو و النيجر و غامبيا و غينيا – بيساو و تشاد ، إضافة إلى مناطق شرقي القارة و جنوبها و غيرهما . و إلى جانب ذلك فإن مشكلة نقص موارد المياه الناتجة عن إرتفاع حرارة الأرض ستكون لها تأثيرات خطيرة على معظم أنحاء القارة ) ) .

ففي كثير من الأقطار الأفريقية انخفض الإنتاج انخفاضاً شديداً مما أدى إلى حدوث أزمات بالفعل في سائر أقطار غرب أفريقيا ، و التي تضم كل من تشاد ، مالي ، موريتانيا ، النيجر ، السنغال و بوركينا فاسو . كما أن الجفاف الذي أثّر على هذه الدول إنتشر و إمتد حتى الشمال و الشرق ، فضرب شمال نيجيريا و الكاميرون و أجزاء من كينيا و تنزانيا ( ) .

في ذات السياق ، يشير أحد تقارير منظمة الأغذية و الزراعة التابعة للأمم المتحدة ( الفاو ) ، إلى أن عوامل مثل سوء الأحوال الجوية ، و الكوارث التي يسببها الإنسان من إضطرابات أهلية و هجرة داخلية ، و موجات اللجؤ ، تشكّل أكثر من نصف حالات الطوارئ الغذائية في أفريقيا ( ) . يتكامل ذلك مع تداعيات نقص المواد الغذائية في الأرياف الأفريقية ، مما تسبّب في حالات من عدم الاستقرار في القارة حتى أصبح التفكك الإجتماعي و الأسرى أكبر أزمة إنسانية تشهدها أفريقيا اليوم . فأزمة الغذاء في أفريقيا من هذه الزاوية تعتبر من أكبر المهددات للسلام و الأمن ) ) .

ففي كل سنة تتحوّل ستة ملايين هكتار من الأرض الجافة المنتجة إلى صحارى لا قيمة لها . و خلال ثلاثة عقود يمكن لهذه الصحارى أن تبلغ حجم المملكة العربية السعودية تقريباً ( ) . موجز الأرقام يشير إلى أن ( 841 ) مليون نسمة يعيشون في الأراضي الجافة بدرجاتها الثلاث ، أي أن حوالي ( 15% ) من سكان العالم مهدد بالتصحر و ما يحدثه من خلل في النظم البيئية التي يعتمد عليها معاشهم ( ) .

فقضية تدهور الأراضي الزراعية أصبحت مسألة شائعة في مختلف الأقاليم الزراعية على مستوى العالم . يتمثل ذلك فيما تتعرّض له التربة في المناطق غير الجافة من الإنجراف و التعرية و فقد الخصوبة و التلوّث ( ) .

لذلك يمكننا القول بأن مشكلات نقص الغذاء ، و الفشل في زيادة الإنتاج من المحصولات الزراعية الإستهلاكية ، لا تنفصل بأي حال من الأحوال ، عن ما يصيب التربة من عوامل تعرية و دمار ، تؤدي في الأخير إلى إضعاف واضح في مستويات إنتاجها و كفاءتها . عموماً ، تبقى أيضاً طبيعة المناخات ، و التقلّبات التي تعتريها ، إحدي العوامل المؤثّرة على حجم المنتجات الزراعية . الجدول التالي يوضّح نطاقات المناخ و معدّلات الجفاف المسجّلة على مستوى مناطق العالم .

جدول رقم ( 3 ) : توزيع المناخات في العالم

م النطاق المناخي معدل الجفاف % من أراضي العالم

01 بالغ الجفاف أقل من 0,05 07,5

02 جاف 0,20 – 0و05 12,5

03 شبه جاف 0,5 – 0,21 17,5

04 شبه رطب جاف 0,65 – 0,51 09,9

05 بارد أكثر من 0,65 13,6

المصدر : د. محمد عبد الفتاح القصاص ، التصحر ، تدهور الأراضي في المناطق الجافة ، عالم المعرفة ، المجلس الوطني للثقافة و الفنون و الآداب ، الكويت ، 1999م ، ص 10

لكن تبقى حقيقة هامة و هي أن العقبات أمام تحرير الطاقة الإنتاجية ليس في معظم الأحيان فيزيائية ، بل أيضاً إجتماعية ، فحيثما كان هناك سيطرة غير عادلة ، و غير ديموقراطية على الموارد الإنتاجية ، فإن عمليات تطوير الإنتاج الغذائي تتعرقل ( ) . فالجفاف لا يمكن أن يعد سبب المجاعة . فالجفاف ظاهرة طبيعية ، و المجاعة ظاهرة إنسانية ، و أية علاقة بين الإثنين تأتي على وجه الدقة من خلال النظام الإقتصادي و السياسي لمجتمع يمكنه أمّا أن يقلّل العواقب البشرية للجفاف إلى الحد الأدنى أو يضاعفها ( ) .

ثالثاً : تفاقم الأزمة الأفريقية :

أزمة الغذاء في القارة الأفريقية ، تكاد لا تستثني منطقة ، فمعظم أقاليم أفريقيا تعاني من تداعيات و تفاقم نقص الغذاء و المواد الضرورية ، خاصة أفريقيا جنوب الصحراء و التي تضم ( 47 ) دولة . أكد ( جيمس موريس ) المدير التنفيذي لبرنامج الغذاء العالمي ، أن أزمة الغذاء تطل برأسها على أفريقيا ، و أنه يجب على جميع القادة الأفارقة ، و جميع المانحين إعطاء أولوية لسياسة الغذاء ) ) .

فأفريقيا تعاني من مشكلات الفقر الغذائي ، حيث يعاني ثلثا دول القارة من نقص الغذاء اللازم لشعوبها ، و ذلك حسب بيانات منظمة الأغذية و الزراعة ( الفاو ) . فقد تصاعد عدد السكان الذين لا يحصلون على إحتياجاتهم الغذائية في أفريقيا من ( 100 ) مليون نسمة في الستينات إلى ما يصل إلى ( 200 ) مليون نسمة في عام ( 1995م ) . و يتوقع لدول القارة أنها لن تستطيع توفير الغذاء إلّا لنسبة لا تتجاوز ( 40% ) من سكانها عام 2025م ( ) . كما أن أفريقيا جنوب الصحراء تعتبر أسوأ مناطق المجاعات على مستوى العالم .

أوضح ( فرانك فيشر مان ) رئيس جمعية برنامج التحدي للمياه و الغذاء ، و هي جمعية تضم مجموعة كبيرة من العلماء و صناع السياسة ، تقوم بأبحاث حول ندرة المياه ، أوضح أن منطقة أفريقيا جنوب الصحراء بكاملها ، ستواجه نقص نسبته ( 23% ) في إنتاج المحاصيل بسبب نقص المياه ، و سيتضاعف إستيراد الحبوب ثلاث مرات ليصل إلى ( 25 ) مليون طن خلال الأعوام العشرون القادمة لمواكبة الطلب . و أضاف أنه في ظل هذه الظروف سيصبح العديد من الدول الأفريقية الأشد فقراً عاجزة عن تمويل وارداتها المطلوبة من الغذاء ، مما يؤدي إلى رفع مستويات الجوع ، و سوء التغذية ، و الإعتمادية المتزايدة على الدعم المالي و الدولي و المعونات الغذائية الدولية ) ) .

لذلك ليس مستغرباً في ظل هذه الظروف ، أن يواجه ( 25 ) بلد أفريقي جنوب الصحراء الكبرى حالات غذائية طارئة سببتها عدة مشاكل بدءاً بالجفاف و الظروف المناخية المعاكسة ، و إنتهاءً بالصراعات الأهلية و المصاعب الإقتصادية و إرتفاع عدد المشردين داخلياً ، و تدفق أعداد كبيرة من المهاجرين . و يمثل ذلك نصف بلدان المنطقة تقريباً ( ) . الإحصائيات التالية تثبت عمق الأزمة :

1/ هناك ما يصل إلى ( 14 ) مليون شخص من الجنوب الأفريقي واجهوا المجاعة خلال العام ( 2002م ) نتيجة لشح المياه المتصاعد .

2/ يعاني شخص واحد من كل ثلاثة أشخاص من سوء التغذية في أفريقيا ضمن إنتشار التأثيرات المدمّرة للجوع في أفريقيا .

3/ في الفترة من العام ( 1992م – 2002م ) إرتفع عدد الأفارقة الذين يعانون من نقص التغذية إلى ( 33,1 ) مليون شخص .

4/ هناك بلدان افريقية مدرجة ضمن أسوأ ( 10 ) بلدان في العالم في مجال الأنشطة التجارية طبقاً لما جاء في دراسة للبنك الدولي عام ( 2005م ) ، تحمل عنوان ( إقامة المشروعات ) .

عموماً ، السمات العامة للقارة الأفريقية هي إستغراقها في سلسلة لا متناهية من المشكلات المتباينة ، مما جعل مجتمعات القارة في حالة شبه دائمة من المعاناة ( ) . من أهم مظاهر المعاناة الأفريقية المتعددة الجوانب نجد :

1/ الفقر و الجوع المؤديين إلى تدهور البيئة و الزراعة و بالتالي مزيد من الفقر و الجوع .

2/ هبوط المدخرات ، و إهمال الاستثمارات الجديدة في أعقاب الفقر المتزايد .

3/ نسب عالية من وفيات الأطفال و نقص التعليم .

4/ معدلات عالية في نمو السكان .

5/ تدفق السكان من المناطق الريفية الجائعة إلى المدن ، مما يقود إلى مستويات متفجرة في نمو المدن و تزايد البؤس ، و مضاعفة مشاكل الإمدادات الغذائية الضعيفة .

إذن على المستوى الأفريقي ، تكتسب قضية الأمن الغذائي بعداً خاصاً ، إذ تتشابك فيها الأسباب السياسية و مطامع البلدان المتقدمة في استمرار الصراع من أجل نهب ثروات القارة المنكوبة ، فضلاً عن الأسباب الطبيعية من إنتشار ظاهرتي الجفاف و التصحّر ) ) . يتواكب ذلك مع الطبيعة الصراعية للمجتمعات الأفريقية .

رابعاً : دراسة تحليلية لنموذج دول حوض النيل

بالنظر إلى التكوينات المناطقية و الإقليمية للقارة الأفريقية ، تتضح عناصر التشابه ، و التماثل أحياناً بين هذه التكوينات . لذلك لم ترى الدراسة ضرورة لتتبع هذه المناطق كلٍ على حده ، و بدلاً عن ذلك يمكن التركيز على نموذج تتكاثف فيه عناصر التشابه . فمن خلال الإشارة و التحليل لإقليم دول حوض النيل ، حاولت الدراسة الإحاطة بأسباب أزمة الغذاء في مناطق القارة الأخرى ، و إمكانية تلافيها .

هناك نماذج متعددة في القارة الأفريقية ، من المتوقع أن ترتفع فيها معدلات الزيادة السكانية بطريقة ملحوظة ، مما يضيف مزيد من الأعباء على هذه الدول لكي تستطيع توفير الاحتياجات السكانية ، خصوصاً فيما يتصل بالغذاء . تحاول الدراسة في هذه الجزئية عكس جزء من تحديات بعض الدول الأفريقية ، و مساعيها في مجال سد العجز من الغذاء . حيث يتم التركيز على منطقة حوض النيل بإعتبارها نموذج تمثيلي لكامل أقاليم و مناطق القارة .

منطقة حوض النيل تواجه مستويات عالية من النمو السكاني . فالنمو السكاني في هذه المنطقة يتقدم بأحد أعلى المعدلات الموجودة في العالم . مثلاً نجده ( 3,2% ) سنويا في أثيوبيا ، 2,6% في أوغندا ، 2,2% في كينيا و السودان . فإجمالي عدد سكان حوض النيل سيزيد 300 مليون نسمة بحلول عام 2050م . ففي غضون السنوات الثلاثين الأخيرة زاد عدد السكان الذين يعيشون على وادي النيل بحوالي مرتين و نصف في الوقت الذي لم يزد إستغلال مساحة الأرض التي يعيشون عليها بأكثر من الربع مما أدى إلى تدهور نوعي في مستويات الحياة ( ) . الجدول التالي يوضّح معدّلات الزيادة السكانية المتوقّعة في دول حوض النيل :

جدول ( 4 ) عن النمو السكاني المرتقب لدول مختارة في حوض النيل

م الدولة / عدد السكان في العام بالملايين 1950م 1998م 2025م 2050م النسبة المئوية للزيادة 1998م – 2050م

01 مصر 21,8 66,7 95,8 115,5 076

02 أثيوبيا 18,4 62،1 136,3 212,7 243

03 كينيا 06,3 29,0 50,2 66,1 128

04 السودان 09,2 28,5 46,9 59,9 110

05 أوغندا 04,8 21,3 45,0 66,3 211

06 الإجمالي 60،5 206،6 374,2 520,5 152

المصدر : مايكل كلير ، الحروب على الموارد ، الجغرافية الجديدة للنزاعات العالمية ، ترجمة عدنان حسن ، دار الكتاب العربي ، بيروت ، 2002م ، ص 177 . مأخوذ من :

World Resources Institute , World Resources 1998-1999, p244

في ذات السياق ، فإن حاجة دول حوض نهر النيل إلى توظيف مياه النهر في الزراعة ضمن إطار من السياسات بعيدة المدى تستهدف سد الاحتياجات من الغذاء – إستوجب عقد إتفاقيات و أطر تعاهديه لتوزيع حصصها من المياه . عموماً ، تخضع عملية تنظيم المياه الدولية للمبادئ العامة للقانون الدولي المستقرة . و إذا وجدت إتفاقيات خاصة ثنائية أو جماعية بين دول النظام المائي الدولي تعنى بتنظيم حصص دول النظام أو أي شأن من شئون إستغلال النظام مثل الملاحة ، فإن هذه الإتفاقيات يصير لها أولوية في التطبيق إعمالاً للقاعدة القانونية – الخاص يجب العام ( ) . لكن في كثير من المناسبات ترتفع أصوات بعض دول الحوض مطالبةً بإعادة النظر في مسألة تقسيم الحصص من مياه النيل ، تواكباً مع إتساع حجم الحاجات المتجدّدة للمياه .

السودان كواحد من دول إقليم حوض النيل ، له كثير من المميزات الإيجابية و القدرات في إنتاج الغذاء . فهو يعتبر أكبر البلاد العربية و الأفريقية من حيث المساحة و البالغة نحو مليونين و نصف المليون كيلومتر مربع، و هي تكاد تساوي مساحة أقطار أوربا الغربية جميعها. حيث توجد في السودان التربة الصحراوية في الشمال ، الطينية في الشرق و الوسط ، الرملية في الغرب ، و الحديدية الحمراء في بحر الغزال و الاستوائية . الساحل السوداني على البحر الأحمر لا يزيد طوله عن ( 750 ) كيلومتر ( ) .

من ناحية أخرى فنجد مصر إحدى دول إقليم الحوض النيلي ، تتجاوز فيها معدلات الزيادة السكانية الإمكانات و الموارد المتاحة للإنتاج الزراعي و الغذائي . فغالب الأراضي المصرية تصنف صحراوية غير قابلة للزراعة ، مما حدى بفكرة إستصلاح الصحراء في كثير من المناطق بجلب التربة و المياه و تهيئة الظروف للتوسع في الإنتاج الزراعي و تقليص حجم الاعتماد الخارجي للغذاء .

عموماً ، يظل إقليم حوض النيل من أغني الأقاليم الأفريقية من حيث موارده الطبيعية و حجمه السكاني ، و بالتالي لا تعوزه إمكانية توسيع منتجاته الغذائية القائمة على قاعدة تنوّع محصولي يجعل منه قوة كبرى في سوق الغذاء العالمي . لكن بطبيعة الحال الظروف الداخلية و الضغوطات الدولية و ضعف آليات التنسيق الإقليمي أقعدت بالإقليم من أن يلعب الدور المنشود ، و بالتالي لم يدخل بعد دائرة الفاعلية في تحقيق أمنه الغذائي الإقليمي ، ناهيك عن وصول مرحلة تحقيق الفائض من إنتاج الغذاء .

خامساً : تسييس قضية الغذاء و تداعيات الأزمة

التبعية الاقتصادية تعتبر عند كثير من المحللين الاستراتيجيين من أكبر تجليّات تسييس أزمات الغذاء . فالتبعية الاقتصادية من هذا المنظور ما هي إلّا علاقات إعتماد متبادل غير متكافئة في مجال الحصول على الغذاء ، بحيث يترتب عليها تنامى العجز الداخلي ، و تزايد إعتماد البلد التابع على المصادر الخارجية للغذاء في معظم المحاصيل التي تشكل الغذاء الاساسى للسكان ، وبالتالي خضوعه القسري للتأثيرات السلبية الناتجة عن ممارسات الدول المحتكرة والمصدرة للغذاء ( ) . و في المحصّلة النهائية ، أدّى تزايد الإعتماد على المصادر الخارجية إلى تفاقم درجة الإنكشاف الغذائي ، و تشابكت وفقاً لذلك خيوط التبعية الغذائية بشكل مستمر ، و تصاعدت نسبة المستنزف من الموارد الإقتصادية لتغطية العجز الغذائي ( ) .

بات من المؤكّد ، أنّ الغذاء قد أصبح سلاحاً فعّالاً تستخدمه الدول المتقدمة للضغط على الشعوب المستوردة لتطبيق سياساتها أو تأييدها أو السكوت عن ممارساتها في العالم . و أصبحت مجموعة من الشركات الكبرى في الدول المتقدمة تهيمن على نصيب معتبر من التجارة العالمية للغذاء حيث تمارس نوعين من الإحتكار . الأول إحتكار المشتري للصادرات الزراعية ، و الثاني ، إحتكار البائع للسلع الغذائية ، و تحصل على أرباح خيالية ، بحيث يدفع إليها مستهلكو البلدان المتقدمة أكثر من ( 200 ) مليار دولار على مواد مستخدمة من الصادرات الفلاحية للدول النامية التي لا تستلم مقابلها سواء ( 30 ) مليار سنويا ( ) . من أكثر و أوّل الدول الرائدة في مجال إستغلال حاجة الدول الأخرى للغذاء هي الولايات المتحدة الأمريكية التي نجحت في تسييس موضوع الغذاء و إستخدامه كسلاح لإنجاح مشروعها الاستعماري الحديث .

فإستخدام سلاح الغذاء أثر بشكل مباشر على ترسيخ حالة عدم التوازن القائمة أصلاً بين شمال الكرة الأرضية و جنوبها ، فأضحت الدول النامية واقعة تحت سيطرة النفوذ الدولي ( منظومة دول أوربا الغربية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية ) .

ففي عالم الأحادية القطبية ، أو هيمنة القطب الأوحد صارت واشنطن هي التي ترسم ملامح و تفاصيل السياسة الدولية ، مستخدمةً في ذلك كافة الوسائل و الأساليب . و يبقى على قائمة وسائل الترويض الدولي الأكثر نجاعة سلاح الغذاء ، و الذي تم تجريبه لأكثر من دولة ، و في أكثر من مناسبة حيث أثبت فاعلية فاقت كثير من وسائل الضغط الأخرى .

الدول المصدرة للغذاء هي بطبيعة الحال ، دول قليلة العدد و متقدمة إقتصادياً ، و يمكنها ممارسة سياسة إحتكار الغلّة مما يؤثر علي السوق العالمية للغذاء و يؤثر بالتالي علي حرية القرار الاقتصادى و السياسي للدولة المعنية ( ) . و كما هو معلوم فقد استخدم الرئيس الأمريكي الأسبق ( جيمي كارتر ) إبّان حملته الانتخابية للرئاسة بشكل علني وواضح أسلوب التهديد بإستخدام سلاح الغذاء ضد البلاد العربية إذا فكّرت ثانية بفرض حظر على النفط ( ) .

فنقص الحبوب في العالم من شأنه أن يمنح الولايات المتحدة الأمريكية سلطة لم تكن تملكها من قبل . أنها سلطة تمكّنها من ممارسة سيطرة إقتصادية و سياسية تفوق تلك التي كانت تمارسها في السنوات التي تلت الحرب العالمية الثانية ( ) .

يوضّح ذلك الدور الذي يلعبه سلاح الغذاء في سياسة الولايات المتحدة الأمريكية تجاه مختلف مناطق العالم ، و على وجه الخصوص العالم العربي . فمن بين آليات إنجاح أهداف سياسة أمريكا الخارجية ، باتت وسائل الضغط فيما يتصل بمعونات و تجارة الغذاء الممنوحة لدول عديدة من العالم ، تلعب دوراً متنامياً و فاعلاً .

فقد مارست الولايات المتحدة الأمريكية هذا النهج منذ فترة تاريخية بعيدة ، خصوصاً في خمسينات القرن الماضى ، في أوج إشتعال الحرب الباردة بين المعسكرين الغربي و الشرقي بقيادة القطبين الدوليين آنذاك الولايات المتحدة الأمريكية ، و الإتحاد السوفيتي السابق . الجدول التالي يحاول رصد بعض تجارب الولايات المتحدة الأمريكية في توظيف سلاح الغذاء لتمرير أجندة سياستها الخارجية في فترات تارخية متلاحقة .

جدول رقم ( 5 ) : التوظيف الأمريكي لسلاح الغذاء

الفترة التاريخية الضغط بإستخدام سلاح الغذاء الدولة التي تعرضت للضغط الفلسفة من وراء الضغط

1812م استخدمت أمريكا الغذاء كسلاح استراتيجي لفنزويلا بعد هزة الأرضية نكاية في اسبانيا التي كانت تحتل فنزويلا آنذاك

الحرب العالمية الأولى سلاح استراتيجي حيث كانت أوربا في حوجة للغذاء و الحبوب تجويع الأماكن الصامدة المحاصرة و تأمين الجيوش بالمؤن

الخمسينات من القرن العشرين توجه معونات لباكستان أكثر من الهند في حين كانت الهند تواجه مجاعة الأولى كانت مؤيدة لسياسات أمريكا

1954م تحديداً صدر في أمريكا القانون رقم ( 480 ) الشهير مواد غذائية من أجل السلام حيث علق احد الاقتصاديين بأن هذه المساعدة ستصبح أداة سياسية في سياسة أمريكا الخارجية

المصدر : معلومات وردت في : د. محمد علي الفرا ، مشكلة الغذاء في الوطن العربي ، عالم المعرفة ، الكويت ، سلسلة كتب ثقافية يصدرها المجلس القومي للثقافة و الفنون و الآداب ، 1987م ، ص ص، 216- 217

المعونة الغذائية هي أيضاً واحدة من مظاهر تسييس أزمات نقص الغذاء . فهي توظّف بغرض تنشيط صادرات الدول المانحة ، مقابل تكريسها تبعية الأطراف التي تتلقاها . إن تلك التبعية تتجلي من خلال خلق المعونة طلبات جديدة لا تلبي إلا من طرف الدول المانحة لها ، ثم إنها تشكّل أحد المسالك التي تتراكم عبرها الديون الخارجية ، كما تعمل علي تغيير العادات الإستهلاكية و الأذواق لصالح المواد الغذائية الممنوحة ( ) .

إن إقحام مواد إستهلاكية عبر المعونة الغذائية ، يؤدي إلي تغيير العادات الاستهلاكية و ذلك بالقضاء علي الأذواق المحلية التي كان إشباعها يعتمد علي ما يوفره الإنتاج الفلاحي الداخلي لتحل محلها الأذواق الدخيلة أو المستوردة التي أحدثتها المواد الغذائية الأجنبية المقحمة ، و كلما قضت تلك الأذواق علي الأذواق المحلية ، إستجوبت تلبيتها اللجؤ إلي الخارج ، فيتضاعف حجم الواردات الغذائية علي حساب تشجيع الإنتاج الغذائي الداخلي ، و الذي ينخفض بسبب تقلّص الطلب ، و ضيق السوق ، لتتولّد عنه التبعية الغذائية ( ) .

سادساً : السياسات التشجيعية لدعم الأمن الغذائي :

بما أن كل الدلائل تشير إلى أن الكوارث الطبيعية و التدهور البيئي أصبحت تتصدّر أسباب نقص إنتاج الغذاء ، و بالتالي تشكل مدخلاً لتوسيع الفجوة الغذائية لغالب سكان العالم النامي ، مما يضاعف من أعباء الأسرة الدولية ، لذلك إتجهت كثير من الجهود الدولية لتخفيف أعباء الآثار الناجمة من التدهور البيئي و دعم السياسات الرامية لصيانة الموارد الطبيعية و المحافظة عليها و إستغلالها على الوجه الأمثل . حيث نشطت في ذلك المنحى الكثير من المنظمات و المؤسسات الدولية .

فقد جاء العقد الدولي للحد من الكوارث الطبيعية الذي بدأته الجمعية العامة للأمم المتحدة في يناير من عام 1990م ليؤسس نهجاً متكاملا للتعامل مع الكوارث الطبيعية من خلال الحصول علي معلومات لتطبيقها في نظم أوسع إنتشارا للتنبؤ و الإنذار ، و تحسين التأهب للكوارث . و قد شكلت زيادة مشاركة المجتمعات المحلية و زيادة التعليم و التدريب و تطويرها ، مكوّنات مهمة للغاية في العقد الدولي ، و قد أدي ذلك إلي تغيير واضح في النهج الأساسي إزاء الكوارث ، و ذلك من خلال التركيز علي الإغاثة في فترة ما بعد الكوارث إلي التركيز بدرجة أكبر علي التأهب للكوارث قبل حدوثها ( ) .

أنشأت الأمم المتحدة في هذا الصدد أمانة الاستراتيجيات الدولية للحد من الكوارث ، حيث يتركز عملها في أربعة محاور أساسية ( ) . تشمل هذه الإستراتيجية الرباعية أولاً ، وضع السياسات و الإستراتيجيات . ثانياً ، الدعوة و زيادة الوعي العام بضرورة الحد من أخطار الكوارث الطبيعية . ثالثاً ، إدارة الكوارث و نشرها . رابعاً ، تعزيز الشبكات و الشراكات من أجل تطبيق تدابير للحد من مخاطر الكوارث ، و من الملحوظ أن برامج الإتصال تعمل بنشاط في أمريكا اللاتينية و الكاريبي و أفريقيا و آسيا و المحيط الهادي .

يتكامل ذلك مع تنظيم حملات توعية بمخاطر تدمير البيئة من خلال تكثيف الأنشطة الإعلامية ، و تضمين مفاهيم أهمية المحافظة علي البيئة في المناهج التعليمية . لأن المحافظة علي البيئة تؤدي إلي إستقرار الأنشطة الاقتصادية و وقاية صحة الإنسان ، مما يؤثر إيجاباً علي قدرات الإنتاج خصوصاً في ما يتصل بإنتاج الغذاء و تأمين حاجة الأفراد المتزايدة منه .

أيضاً أصبح هناك إهتمام متنامي بتقديم الدعم المادي و العيني في حالات نقص الغذاء للكثير من مناطق العالم ، خصوصاً القارة الأفريقية التي تتصدر القارات في سلّم الحاجة للمعونة الغذائية و المساعدات . لذلك نجد الولايات المتحدة الأمريكية من الدول التي أولت قضية المساعدات أولوية قصوى كما تشير إلى ذلك الكثير من ردود أفعالها . حيث أصبحت عبارة المعونة الأمريكية من العبارات السائدة في أدبيات العلاقات الدولية.

فالحديث بشأن المعونة الأمريكية يحتم العودة إلي القانون العام ( 480 ) الصادر في الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1954م لتنظيم معوناتها الغذائية تحت شعار " غذاء السلام " الذي يتضمن أربعة عناوين تحمل في طياتها السلام علي الطريقة الأمريكية ( ) . و هي علي النحو التالي :

1/ بيع الولايات المتحدة لفوائضها الفلاحية للبلدان الصديقة مقابل عملاتها المحلية .

2/ إعانات إستعجالية و هبات غذائية موجهة إلي البلدان الصديقة لتوزع وفقا لثلاثة طرق : أولاً ، من حكومة إلي حكومة و البلد الذي يتلقى مثل هذه المعونة له الحق في توزيعها دون مقابل أو بيعها داخل حدوده فقط . ثانياً ، توزع عن طريق منظمات خيرية أمريكية مثل خدمة الكنيسة العالمية . ثالثاً ، عبر البرنامج الغذائي العالمي في روما .

3/ مقايضة مواد غذائية مقابل مواد أولية خصوصاً المعادن النادرة ، مما مكّن الولايات المتحدة من تكوين مخزون إستراتيجي أساسي لحاجات برنامجها النووي .

4/ بيع الغذاء مقابل دولارات أو عملات أخري قابلة للتحويل .

رفع كفاءة القارة الأفريقية و تشجيع البرامج الاقتصادية الطموحة في مجال الإنتاج الغذائي ( ما يعرف بالسياسات الغذائية ) ، تظل إحدي المحاور الداعمة بإتجاه تحقيق طفرات متتابعة في مجال تحقيق أهداف الأمن الغذائي . يقصد بالسياسات الغذائية العامة للدولة ، ذلك النظام الذي يشكل شبكة الأهداف ، و الوسائل ، و الإجراءات التي تتعامل الدولة من خلالها مع تحدّى الأمن الغذائي لتحقيقه ، إعتماداً علي الموارد الذاتية ، ففي حالة عجز الموارد الوطنية عن تحقيق الأمن الغذائي في بلد ما ، فإنه سيضطر إلي تأمين إحتياجه الغذائي عن طريق الإستيراد ، إلّا أن الخطورة في ذلك في حال غياب الجو السياسي السلمي و غياب التعاون الدولي ، هي فقدان و تهديد الأمن الغذائي للبلد المعني ( ) .

فتخطيط السياسة الوطنية للأمن الغذائي يعتبر من المرتكزات الوظيفية الهامة التي يفترض أن تقوم بها الدولة ( ) . عموماً ، تخطيط هذه السياسة يشتمل على الآتي :

1/ زيادة إنتاج الحبوب رأسياً .

2/ خفض نسب الفقد أثناء الحصاد و النقل و التخزين .

3/ زيادة الطاقة التجارية .

4/ خزن الكميات الضرورية من الحبوب كإحتياطات .

الخلاصة من ذلك أن سياسة الأمن الغذائي ترمى إلي تحقيق جملة من الأهداف الإستراتيجية( ) . تتمثل هذه الأهداف في كل من :

1/ تأمين الغذاء المطلوب للمستهلكين من كافة الشرائح الاجتماعية .

2/ تنمية الموارد الزراعية و رفع درجة الإكتفاء الذاتي و الحد من التبعية الغذائية للأسواق العالمية .

3/ دمج القطاع الزراعي بالقطاعات الاقتصادية الأخرى بغية رفع درجة الإستجابة لإحتياجات الإستهلاك .

تلعب الحبوب الدور الرئيسي في الزراعة العالمية ، و في تغذية سكان العالم ، فهي تمثل المواد الغذائية المستهلكة ، كما أنها تزرع على أكثر من نصف المساحة المزروعة عالمياً البالغة ( 52% تقريباً ) . و في الدول الأقل تطوراً تمثل الحبوب أكثر من ( 70% ) من إستهلاكات الفرد الغذائية ، و لذلك فهي المادة الأكثر أهمية في الدول النامية ( ) .

رغم الأشواط التي قطعت في مجال تطوير التقانة الزراعية ، فإن البحث عن الغذاء بالنسبة إلي جزء مقدّر و كبير من سكان العالم ما زال يشغل الفكر ، خصوصاً بعد أن أضحي هناك ما يفوق خمسمائة مليون نسمة مهددين بالفناء ، جرّاء سوء التغذية ، و لقد فجّر هذا الوضع المتردي ، منذ بداية السبعينات من القرن الماضي تحديداً ، ما أصطلح علي تسميته بمشكلة الغذاء في العالم الثالث ( ) .

لكن يبقى الاهتمام بالتنمية المستدامة ، من المداخل الهامة المرتبطة بالاستفادة من البيئة و بتوفير الاحتياجات من المنتجات الغذائية . فمفهوم التنمية المستدامة المتداول في أدبيات الاقتصاد ولد من خلال المناقشات التي دارت حول العلاقة بين البيئة و الاقتصاد ، و ظهر تحديداً في التقرير الصادر عام 1987م عن ( اللجنة العالمية للبيئة و التنمية ) التابعة للأمم المتحدة و المعروفة ( بلجنة بورتلاند ) ، و رمي إلي أن تضع الخطط الاقتصادية في حسبانها عدم الجور علي البيئة من جهة ، و السعي للمحافظة على إحتياجات الأجيال القادمة من جهة أخرى ، علاوة على البحث عن إيجاد حالة مثلى من التوازن بين متغيّري التنمية الاقتصادية الاجتماعية و حماية البيئة . فالإفراط في إستخدام الموارد الطبيعية ، من أجل تلبية الاحتياجات الآنية ، يكون علي حساب المطالب المتوقّعة ، خاصة إذا صاحب استعمال الموارد تلويث للبيئة و تدمير لبعض الثروات الطبيعية ، مما يفتح الباب أمام حدوث كوارث طبيعية ، هذا بالإضافة إلى زيادة حجم الأضرار التي تنجم عن ظواهر طبيعية مثل الإعصار أو الفيضانات أو الزلزال و البراكين ( ) .

تبذل أنظمة الأمن الغذائى جهود كبيرة لتحقيق التوازن المناسب بين قضايا العرض و الطلب و أنظمة التوزيع . ففى أفريقيا حصل التركيز على زيادة الإنتاج فى السياسات الزراعية لردم الهوة المتسعة بإستمرار ما بين الإنتاج و الإستهلاك ، الناتجة عن التزايد السكاني الذي تزيد نسبته عن نسبة النمو الفعلي سواء في الإنتاج الزراعي أو في الإقتصاد الوطني بشكل عام ، لا سيما و أن الإنتاج آخذ في التراجع عما كان عليه الحال قبل وقت طويل ( ) .

لذلك أصبح من الضروري الإنتقال من مرحلة الإجراءات القطرية المنعزلة و التنافرية في العقود السابقة ، إلى مرحلة التنسيق الفعلي و التخطيط التكاملى الإقليمي ، لتحقيق التعاون الاقتصادي بإعتباره الإطار المؤسسي الملائم ، الذي يتم في إطاره إستخدام الموارد المتوفرة إستخداماً رشيداً ، عن طريق توليف عناصر الإنتاج المتباينة للدول المعنية ، و التي تجنى في النهاية المنافع و الثمار الأكيدة لهذا التعاون ( ) .

ففي إطار مساعي أفريقيا لمعالجة أزمة الغذاء ، نجد أن إمكانيات التنمية في الجنوب الأفريقي على سبيل المثال كبيرة ، فإقليم مجموعة ( سادك ) يمكن أن يكون مستودع للغذاء الكافي للمناطق التي تعاني من نقص في الغذاء . كما أن هناك مقترحات بنّاءة في هذا السياق ترتبط بإمكانية إنشاء مواقع للإحتياجات الإستراتيجية من الحبوب على المستوى الإقليمي من أجل تقوية القدرات الوطنية و الإقليمية في إدارة الحكومات للمساعدات الغذائية ) ) . هذا الأسلوب يمكن تعميمه على سائر أقاليم القارة ، مما يعود بالنفع على كافة دولها و شعوبها .

الخاتمة

نالت أزمة الغذاء إهتماماً دولياً متعاظماً نظراً لخطورتها على أمن و سلام الشعوب . فمن المؤسسات التي أنشأت لمعالجة قضايا و أزمات الغذاء ، منظمة الغذاء و الزراعة الدولية التابعة للأمم المتحدة و التي أنشأت في عام 1945م في العاصمة الايطالية روما . أيضاً مجلس الغذاء العالمي ( World Food Council ) ، و برنامج الغذاء العالمي ( WFP ) ، الذي إنطلق عن منظمة الأمم المتحدة و منظمة الفاو عام 1962م و أعطي الأولوية لقضية الأمن الغذائي خصوصًا بعد أزمة الغذاء العالمية في 1973/ 1974م .

في ظل تدهور الهياكل الإقتصاد و ضعف الإنتاج للدول النامية عموماً و الأفريقية على وجه التحديد ، فهناك كثير من الآثار السالبة المتوقع حدوثها نتيجة هذه الظروف . من هذه الآثار المترتبة نجد إزدياد الفجوة بين الأغنياء و الفقراء في المجتمع عامة ، و ما بين المدينة و الريف خاصة مما يعنى تصاعد النزعة لهجرة الريف و إحداث خلل في ملكية الموارد الزراعية في الريف و تحول صغار المنتجين إما إلى عمال زراعيين أو إلى عمال في المدينة ينخرطون في مهن هامشية و يصبحون بذلك مستهلكين ذوى أثر سلبي على البنى التحتية في الحضر ( ) .

لذلك يبقى المدخل الصحيح لمعالجة أزمات الغذاء في أفريقيا ، هو تفعيل دور الدولة و إصلاح حال الإدارة السياسية . ففشل الأسلوب الإداري للدولة الأفريقية ، إنعكس على ضعفها في إستغلال مواردها و تعبئة طاقاتها البشرية و الطبيعية ، و بالتالي عجزها عن توفير أساس و بنية تحتية تقوم عليها الأنشطة الزراعية و الإنتاجية المتنوعة ، خاصة في مجال الغذاء .

فلا بد من تبني إنشاء مشروعات تنموية عملاقة تستهدف تحقيق الأمن الغذائي الوطني ، لإرتباطه بإستقرار الدولة و بأمنها القومي على كامله . و من ثم لا بد من أن تتواطأ الدول الأفريقية فيما بينها على سياسات حراك و تعاون كلية ، تغطي مختلف مجالات الإنتاج الاقتصادي و التجاري ، و التبادلات السلعية و الخدمية ، علاوة على تبادل الخبرات في المجالات التقنية ، حتى تتحول أفريقيا إلى قوة إقتصادية إقليمية فاعلة و قادرة على المبادرة الدولية بدلاً من حالة الخضوع و الإنكسار . فعلى سبيل المثال لا الحصر ، من الممكن لجهود مكافحة التصحر في القارة الأفريقية أن تحقق النجاح إذا إستكملت دول القارة تطوير إقتصادها و نظمها السياسية و الإجتماعية التي تدير بها علاقة المجتمع بالأرض و الموارد ( ) .

كما أنه بات ضرورياً التأكيد على أهمية تفعيل آليات التفاعل الدولي و التبادلات السلعية خصوصًا بين منظومة الدول النامية علي وجه التخصيص . مع ضرورة أن ينطلق ذلك من منطق الشراكة و الندية ، حتى لا يصبح طلب الغذاء سبباً من أسباب الهيمنة الدولية كما هو واضح الآن من واقع العالم السياسي .

أخيراً لا بد من الاهتمام الرسمي من قبل الحكومات ، و من المؤسسات البحثية بتكثيف البحوث و الدراسات في مجالات تطوير قدرات المجتمع على تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغذاء ، وصولاً إلى تحقيق فوائض مقدرة للتصدير إلى الخارج . كما أنه من الضروري توفير الإحصائيات اللازمة عن حجم السكان و معدلات زيادتهم المتتالية حتى يتسنى لصانع القرار تحديد الحوجة الفعلية للغذاء و الإتجاه إلي تحقيقه في الداخل .

الإحالات المرجعية

 

 

^أعلى

       عن الراصد
       الكتب والدراسات
       النشاطات
       المجلة
       المنتدى
       الراصد السوداني
       الراصد الأسبوعي
       فلسطين اليوم
       التحليلات
       موضوع ورأي
       القائمة البريدية

*  انضمامك لقائمة الراصد البريدية يمكنك

من الاطلاع على اصدارات وانشطة الراصد

 

  المكتبة   |   الوثائق   |   مواقع صديقة   |   اتصل بنا  

كل الحقوق محفوظة © للراصد للبحوث والعلوم السودان - الخرطوم 2008 :::  التصميم والدعم الفني لمسة الهندسية

أفضل تصفح باستخدام دقة شاشة 1024*768 بيكسل