بعد أيامٍ على الذكرى التاسعة والثلاثين لحرق المسجد الأقصى على يد يهودي أسترالي ، وعلى أبواب شهر رمضان المبارك ، وبعد ثمانية سنوات على انطلاقة انتفاضة الأقصى المبارك ، التي انطلقت إثر زيارة أرئيل شارون الاستفزازية إلى المسجد الأقصى المبارك ، في ظل حراسة حوالي ألفي رجل شرطة إسرائيلي ، مستفزاً مشاعر المسلمين كلهم ، لا في فلسطين وحدها ، بل وفي العام الإسلامي كله ، الذين نهضوا محتجين ومستنكرين المساعي الإسرائيلية الهادفة إلى الاستيلاء على المسجد الأقصى وباحاته ، فكانت الانتفاضة الثانية التي سقط فيها آلاف الفلسطينيين في مواجهاتٍ مستمرة مع الإسرائيليين دفاعاً عن القدس ومسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومازالت المحاولات اليهودية مستمرة لتقويض أركان المسجد الأقصى المبارك ، وتصديع جدرانه ، وتهديم أساساته ، والحفر تحت باحاته ، وربط مجموعة الأنفاق تحته بعضها ببعض .
ولا يختلف الإسرائيليون فيما بينهم ، المعتدلون والمتطرفون ، الحمائم والصقور حول مستقبل المسجد الأقصى ، فهم جميعاً يؤمنون بأن المسجد الأقصى قد بُني على أنقاض هيكل سليمان ، وأن على اليهود الذين حرموا الهيكل لأكثر من ألفي عام ، أن يعيدوا بناءه ، وأن يستعيدوا السيطرة على أرضه وفناءه ، فهم لا يرون مستقبلاً لدولة إسرائيل بدون القدس ، ولا قيمة للقدس عندهم دون الهيكل ، ويعتبر العمل لأجل استعادة هيكل سليمان ، وهدم المسجد الأقصى هو معيار الولاء للدولة اليهودية ، فالذي يخدم الدولة العبرية أكثر ، هو من يعجل في بناء الهيكل ، واستعادة الملك اليهودي الضائع .
ورغم تعاقب الحكومات الإسرائيلية ، بين ليكودٍ وعملٍ وكاديما ، إلا أن أحداً من رؤساء حكومة إسرائيل لم يتوقف يوماً عن محاولات السيطرة حول مزيدٍ من العقارات حول المسجد الأقصى ، فكلهم يتنافس في عمليات المصادرة ، ومنع البناء والترميم في عقارات المسلمين المحيطة بالمسجد ، بينما جرافاتهم وآلياتهم تعمل ليل نهار تحت باحات المسجد الأقصى ، تبحث عن آثار الهيكل الثالث المزعوم ، ويكاد يكون أيهود أولمرت رئيس الحكومة الإسرائيلية الحالية ، وهو رئيس الحكومة الإسرائيلية الأضعف ، أكثر رؤساء الحكومة الإسرائيليين سعياً لتهويد مدينة القدس ، ومصادرة أراضي العرب والمسلمين فيها ، وهو الذي عمل لسنواتٍ طويلة رئيساً لبلدية القدس ، حيث أشرف بنفسه على الكثير من المخططات الإسرائيلية الساعية لشطب كل الملامح العربية والإسلامية عن المدينة المقدسة ، وهو الذي سهل لكثيرٍ من الأثرياء اليهود حول العالم ، شراء المزيد من الأراضي الفلسطينية في المدينة وحول المسجد الأقصى ، وهو الذي أشرف على إعادة سيطرة الحكومة الإسرائيلية على ممتلكات الغائبين في المدينة ، بما فيها ممتلكات المسيحيين العقارية ، وهي مساحاتٍ كبيرة نسبياً ، بعضها تعود ملكيته إلى فلسطينيين مسيحيين ، وأخرى إلى دولٍ أرثوذكسية كان لها وجود ونفوذ في القدس في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر ، فما قدمه أيهود أولمرت لليهود في مدينة القدس ربما يفوق بكثير ما قدمه رؤساء الحكومة الإسرائيلية السابقين ، ولكن هذا لا يقلل من جهود غيره في تهويد المدينة ، وشطب معالمها العربية والإسلامية ، وفي طرد سكانها وحرمانهم من الهوية المقدسية .
ورغم أن الفلسطينيين لا يتوانون عن نصرة مسجدهم الأقصى ، ولا عن الدفاع عن مقدسات المسلمين ومسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فهم يبذلون كل جهدٍ ممكن للحيلولة دون نجاح الإسرائيليين في مسعاهم ، فيتنادون كل يوم جمعةٍ للصلاة في المسجد الأقصى المبارك ، ويجمعون الأموال من جيوبهم المعدمة للحفاظ على المقدسات الإسلامية في المدينة ، ويعملون – ما استطاعوا – على ترميم البيوت ، والحفاظ على المقابر ، واستمرار العمل في المدارس الإسلامية ، ولكنهم وحدهم لا يستطيعون الوقوف في وجه المخططات اليهودية ، ولا الحد من مساعيهم المحمومة ، فإن لم يتكاثف العرب والمسلمون لنصرة الأقصى الشريف ، ومدينة القدس ، فإن أياماً قادمة قد تشهد غياب ملامحها الإسلامية ، وآثارها العربية ، ولا يخفي الإسرائيليون رغبتهم في أن تكون القدس بأقصاها بعيداً عن الحلم العربي والإسلامي ، فقد قدم أولمرت مؤخراً إلى الرئيس الفلسطيني محمود عباس خارطةً مقترحة للدولة الفلسطينية ، موحياً فيها أن الدولة الفلسطينية ستقوم على 93% من أراضي الضفة الغربية ، وكامل قطاع غزة ، ولكن العالمين ببواطن الأمور ، يدركون أن أولمرت قد شطب القدس كلها من الخارطة المقترحة ، بما فيها المسجد الأقصى المبارك ، أي أنه شطب 20% من مساحة الضفة الغربية ، بعد أن ضمها إلى حدود مدينة القدس ، التي كانت مساحتها لا تتجاوز الكيلو متر الواحد .
أيها المسلمون القدس في خطر ، والأحلام اليهودية بمدينة القدس عاصمةً أبدية موحدةً لهم أحلامٌ لا تنتهي ، ولا تجد صخرةً تتحطم عليها ، بل تجد من يعينها على أحلامها بالصمت والعجز واللامبالاة ، وبالتأييد والتشجيع أحياناً ، فليس إلا عملاً عربياً إسلامياً موحداً ينقذ المدينة المقدسة والمسجد الأقصى من براثن التهويد والضياع .