المقالات   | التقارير   | الأخبار   | دليل الباحث السوداني   | الباحثون  

 

 

 
 

الراصد مؤسسة ومجموعة بحثية علمية تهتم بتوثيق وإنتاج ونشر المعرفة وهى مؤسسة طوعية مستقلة غير حكومية تدير أعمالها عبر مجموعة مراكز وبطاقم متخصص فى عدة مجالات من خلال طرح رسالتها فى كافة الأوساط ذات الأهداف المشتركة   المزيد عن الراصد

 
     

المقالات


الزهار يعود وزيراً للخارجية

د. مصطفى يوسف اللداوي

كاتبٌ وباحثٌ فلسطيني

لم يعد القيادي البارز في حركة حماس الدكتور محمود الزهار وزيراً لخارجية حكومة السلطة الفلسطينية ، وقد لا يرغب في أن يعود وزيراً لخارجيتها في ظل أي حكومة وحدةٍ فلسطينية قادمة ، وهو القيادي الأبرز في حركة حماس ، والمعروف عنه أنه الأكثر تصلباًً بين قادتها ، والأكثر قرباً وانسجاماً مع جناحها العسكري ، قيادةً وعناصر ومقاتلين ، ورغم تشدده الواضح ، وتصلبه على مواقفه في أكثر من لقاءٍ ومحفل ، إلا أنه يتشدد في الثوابت ، ويتمسك بالحقوق ، ولا يفرط في القيم ، ولا يخشى أن يقدم أكثر مما قدم ، فقد سقط ولداه شهداء ، الأكبر خلال استهداف بيته الذي أصيب فيه وزوجته ، والثاني سقط في ميدان المعركة خلال عمليات المقاومة الفلسطينية ضد القوات الإسرائيلية ، وهو يعلم أنه على ذات الطريق ، وهي طريق ذات الشوكة ، وأن الأجهزة الأمنية الإسرائيلية تلاحقه وتتعقبه ، وتتمنى اليوم الذي تنال منه صواريخها ، لتتخلص من موقف حماس المتشدد بل والمنظم .

لم يكد العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة يتوقف حتى بادر الزهار بمغادرة مدينة غزة إلى القاهرة ، رغم ما يكتنف تحركه وظهوره إلى العلن من خطورةٍ كبيرة ، ولكنه خرج حاملاً معه ملف معاناة غزة وأهلها ، وحمل معه هموم أهل غزة الباحثين عن التهدئة وإعادة إعمار ما خربه ودمره العدوان ، والمتطلعين إلى حرية أبناءهم ومعتقليهم ، وحمل معه ملف الجرحى والمصابين والطلاب العالقين ، والزوار والمغتربين المحجوزين ، تراكمت لديه الملفات ، وتعددت عنده المهام ، ولكنه كغيره من أهل غزة كان يتمنى أن يطمئن على أهله وبيته وأولاده ، الذين لم يرهم طوال فترة العدوان ، ولم يتسن له أن يجتمع أو يتصل بهم بعد العدوان ، فقد أخضع لظروفٍ أمنية قاسية حرمته من استخدام الهاتف للاتصال بذويه ، أو الاطمئنان عليهم ، كما منع من أن يلتقيهم خشية الملاحقة العكسية ، ولكنه فوجئ بعد أن اجتاز في أيامٍ المسافة القصيرة بين مدينة غزة ومعبر رفح بأن ابنه كان في انتظاره ، ليرافقه رحلته إلى مصر وغيرها .

لم يضع الزهار وقته في القاهرة ، إذ التحق فوراً بوفد حماس المفاوض ، وأعلن من القاهرة عزم حماس على التوصل إلى التهدئة مع إسرائيل ، بعد التزامها بفتح المعابر كلها ، ورفع الحصار ، والتوقف عن العدوان ، وتعهد العدو الإسرائيلي الواضح أمام الحكومة المصرية وبضمانها بعدم خرق الهدنة مجدداً ، وزف إلى العلن موقف حماس من التهدئة ، التي هدف من خلالها إلى تحقيق نوع من الراحة والاستجمام لأبناء شعبه ، وأدرك المصريون كما الإسرائيليون أن حماس بإعلان الزهار موقفها ماضية في اتفاقها ، وأنها ملتزمة في تعهداتها ، وأن قرارها محكم ومتين ، فالموقف صدر عن شخصيةٍ مشهودٌ لها بالصلابة والمحافظة ، وهي التي تدرك أن أي قرار تصدره حماس يجب أن يحظى بقبول وموافقة العسكريين الذي يكفله الزهار دوماً .

وعاد الزهار وزيراً لخارجية الحكومة الفلسطينية من جديد ، ولكن بالمهمة والوظيفة والواجب دون الصفة واللقب والمنصب الرسمي ، فحمل الهم الفلسطيني إلى قطر ، واستعرض أمام أميرها معاناة أهل غزة ، وحاجتهم إلى عاجل المساعدة لإعادة الإعمار واستئناف الحياة ، ومن قبل شكره والشعب القطري على مواقفهم النبيلة تجاه الشعب الفلسطيني وتجاه أهل غزة خاصة ، وأعلن من العاصمة القطرية الدوحة بأن حركته ماضية في حوارها مع فتح ، ومع قيادة السلطة الفلسطينية ، وأنها صادقة في مساعيها ، وتطمح إلى الاتفاق والتلاقي مع رام الله ، لكن على قاعدةٍ صلبة من التفاهم والثقة ، بعد تعهد السلطة الفلسطينية في رام الله بالإفراج عن معتقلي حماس في سجونها ، والامتناع عن ملاحقة عناصر الحركة والتضييق عليهم ، ورحب بأي مبادرة عربية لرأب الصدع بين الجانبين ، وذلك لصالح الشعب الفلسطيني الذي يتطلع إلى الوحدة واللقاء .

وفي القاهرة أذاب الرجل بمسؤولية كاملة الجليد الذي تراكم بين القاهرة وغزة ، وأعاد الدفء إلى العلاقة بينهما ، ليؤكد عمق الروابط التاريخية بين مصر وفلسطين ، وأن الخلاف بينهما مها بلغ فلن يدوم ، وأعربت القاهرة عن رضاها لمواقف الزهار وهي التي تعرف قدره ومقامه في حركته ، وصلابته في مواقفه ، وكانت مصر في حاجةٍ لتبرئة نفسها مما اتهمت به من تخاذلٍ ونكول ، حيث شوه العدوان موقفها وصورتها لدى العرب والمسلمين ، وليس لديها أفضل من رجل حماس المتشدد ليعيد البريق إلى صورتها ، ولكنه عاد ليؤكد على دور مصر الضامن والكافل لأي اتفاق مع العدو الإسرائيلي ، معلناً للمصريين قبوله ومباركته للجهود المصرية ، شاكراً لهم رعايتهم ومتابعتهم .

ومن القاهرة التي عاد إليها أكثر من مرة انتقل إلى دمشق مراراً ليشكر قادتها على مواقفهم المؤازرة والمساندة للشعب الفلسطيني ، وليؤكد لهم صلابة الصمود الفلسطيني ، وأن الانتصار الذي حققه الغزيِّون هم فيه شركاء ، بدعمهم وبمواقفهم المؤيدة والمساندة ، وأن المقاومة بخير ، ويمكننا الرهان على صمودها وثباتها ، فهي خير ضامنٍ وكفيلٍ لحقوقنا ، مشدداً على خيار القوة ، وامتلاك السلاح وإرادة القتال .

ومن دمشق انتقل إلى بيروت التي سبقت غزة بنصرها على العدوان الإسرائيلي ، ليؤكد لجميع من التقاهم أن عدونا واحد ، وأن معركتنا واحدة ، وأن الانتصار الذي نحققه على عدونا في أي مكانٍ هو انتصار لنا جميعاً ، وأن القوة هي من يحمي الحق ويحفظه ، فكان عناق النصرين في غزة وبيروت ، بين الزهار ونصر الله ، في تلاحمٍ واضح بين إرادتين صادقتين ، وعزمٍ قوي على تحقيق النصر مهما كلف ثمنه ، ومهما عظمت تضحياته .

ولم يكتفِ الزهار في حركته الدبلوماسية النشطة بلقاء المقاومة مع المقاومة ، بل أراد أن يؤكد للعرب جميعاً أن معركتنا واحدة ، وأننا جميعاً صفاً واحداً في مواجهة العدو الإسرائيلي ، مسلمين ومسيحيين ، فالعدو يغيظه أن نكون صفاً واحداً ، وإرادة قوية ، فانتقل الزهار إلى عمق بيروت الشرقية ، ليلتقي جنرال الرابية ميشيال عون ، ليشكر له مواقفه المساندة للمقاومة ، وهو الرجل المسيحي الذي تخشاه إسرائيل بعد أن عقد حلفاً مسيحياً مع المقاومة في فلسطين ولبنان ، واطمأن الجنرال في رابيته إلى حال إخوانه المسيحيين في غزة ، وأنهم في كنف المقاومة أعزاء لا ينالهم بأس ولا عوز ، وطمأن الزهار مضيفه أن الفلسطينيين في لبنان وأي مكانٍ آخر لا يتطلعون لغير العودة إلى بلادهم وأوطانهم ، وأنهم لا يسعون إلى توطينٍ في أي مكان غير وطنهم ، شاكراً للبنان استضافته لإخوانه الفلسطينيين .

ورغم الساعات القليلة التي أتيحت للدكتور الزهار في بيروت ، قبل أن ينتقل إلى القاهرة لمناقشة المستجدات في المواقف الإسرائيلية ، إلا أنه زاحم الزمن في أوقاته والتقى رئيس مجلس النواب اللبناني الأستاذ نبيه بري ، ليؤكد من تحت قبة البرلمان اللبناني أن الفلسطينيين ليسوا جزءاً من أي معركةٍ داخلية ، وأنهم ليسوا جزءاً من أي معادلةٍ أو حسابٍ داخلي ، وإنما هم جزء من قوة الأمة العربية وإرادتها ، وشاء القدر أن يكون الفلسطينيون في صدارة المواجهة ، ورأس رمح التحدي .

ولكن الطبيب الدبلوماسي الحذق لم يشأ أن يصبغ زيارته إلى بيروت بلونٍ واحد ، ولم يكتفِ بلقاء قطبٍ لبناني مستثنياً آخر ، فكان لقاؤه مع رئيس الحكومة اللبنانية الرئيس فؤاد السنيورة ، ليؤكد من مقر حكومة لبنان أن الفلسطينيين يتطلعون إلى العودة إلى الوطن ، وأنهم يرنون بعيونهم إلى الحكومات العربية لأن تساندهم وتؤازرهم في نضالهم ضد العدو الصهيوني ، وتمنى للبنان أن يتجاوز أزماته ، وأن يحقق وحدته الداخلية ، وأن يتجاوز الصعاب والتحديات التي تواجهه ، مهنئاً اللبنانيين جميعاً النصر الذي تعودوا على تحقيقه على العدو الإسرائيلي ، وتمنى الزهار أن يلتقي رئيس كتلة المستقبل النيابية سعد الحريري ، ولكن غيابه عن لبنان حال دون تحقيق اللقاء .

إنها دبلوماسية المقاومة ، ودبلوماسية الانتصار ، صنعتها القوة ، وحققها الصمود ، وترجمها رجلٌ خرج من تحت الأنقاض ، ومن بين الركام ، مسكونٌ بألم شعبه ، وحاجات أهله ، كان وزيراً للخارجية ، ولكن ساءه أن يغيب الرسميون عن مواقعهم الحقيقية ، وأن يقصروا عن أداء واجبهم الوطني ، فانبرى رغم جرحه ، وخرج رغم ألمه ، ليشارك في صنع الأمن لأهله ، وفي إعادة بناء ما دمره العدوان ، باذلاً كل جهدٍ لرفع الحصار ، واستعادة الأسرى ، وعلاج الجرحى وهو الطبيب الجراح الذي عرفه المقاومون قديماً حاملاً حقيبته ومبضعه وبعضاً من المسكنات معالجاً الجرحى والمصابين من المقاومين والمقاتلين ، إنها بصدق دبلوماسية المقاتلين الصامدين لتعبيد الطريق العربية نحو مزيدٍ من التلاحم والتلاقي على نصرة القضية الفلسطينية .

آخر تحديث لهذه الصفحة : الثلاثاء 3 مارس 2009م

 

 

^أعلى

       عن الراصد
       الكتب والدراسات
       النشاطات
       المجلة
       المنتدى
       الراصد السوداني
       الراصد الأسبوعي
       فلسطين اليوم
       التحليلات
       موضوع ورأي
       القائمة البريدية

*  انضمامك لقائمة الراصد البريدية يمكنك

من الاطلاع على اصدارات وانشطة الراصد

 

  المكتبة   |   الوثائق   |   مواقع صديقة   |   اتصل بنا  

كل الحقوق محفوظة © للراصد للبحوث والعلوم السودان - الخرطوم 2008 :::  التصميم والدعم الفني لمسة الهندسية

أفضل تصفح باستخدام دقة شاشة 1024*768 بيكسل