الزهار يعود وزيراً للخارجية
د. مصطفى يوسف اللداوي
كاتبٌ وباحثٌ فلسطيني
لم يعد القيادي البارز في حركة حماس الدكتور محمود الزهار وزيراً لخارجية حكومة السلطة الفلسطينية ، وقد لا يرغب في أن يعود وزيراً لخارجيتها في ظل أي حكومة وحدةٍ فلسطينية قادمة ، وهو القيادي الأبرز في حركة حماس ، والمعروف عنه أنه الأكثر تصلباًً بين قادتها ، والأكثر قرباً وانسجاماً مع جناحها العسكري ، قيادةً وعناصر ومقاتلين ، ورغم تشدده الواضح ، وتصلبه على مواقفه في أكثر من لقاءٍ ومحفل ، إلا أنه يتشدد في الثوابت ، ويتمسك بالحقوق ، ولا يفرط في القيم ، ولا يخشى أن يقدم أكثر مما قدم ، فقد سقط ولداه شهداء ، الأكبر خلال استهداف بيته الذي أصيب فيه وزوجته ، والثاني سقط في ميدان المعركة خلال عمليات المقاومة الفلسطينية ضد القوات الإسرائيلية ، وهو يعلم أنه على ذات الطريق ، وهي طريق ذات الشوكة ، وأن الأجهزة الأمنية الإسرائيلية تلاحقه وتتعقبه ، وتتمنى اليوم الذي تنال منه صواريخها ، لتتخلص من موقف حماس المتشدد بل والمنظم .
لم يكد العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة يتوقف حتى بادر الزهار بمغادرة مدينة غزة إلى القاهرة ، رغم ما يكتنف تحركه وظهوره إلى العلن من خطورةٍ كبيرة ، ولكنه خرج حاملاً معه ملف معاناة غزة وأهلها ، وحمل معه هموم أهل غزة الباحثين عن التهدئة وإعادة إعمار ما خربه ودمره العدوان ، والمتطلعين إلى حرية أبناءهم ومعتقليهم ، وحمل معه ملف الجرحى والمصابين والطلاب العالقين ، والزوار والمغتربين المحجوزين ، تراكمت لديه الملفات ، وتعددت عنده المهام ، ولكنه كغيره من أهل غزة كان يتمنى أن يطمئن على أهله وبيته وأولاده ، الذين لم يرهم طوال فترة العدوان ، ولم يتسن له أن يجتمع أو يتصل بهم بعد العدوان ، فقد أخضع لظروفٍ أمنية قاسية حرمته من استخدام الهاتف للاتصال بذويه ، أو الاطمئنان عليهم ، كما منع من أن يلتقيهم خشية الملاحقة العكسية ، ولكنه فوجئ بعد أن اجتاز في أيامٍ المسافة القصيرة بين مدينة غزة ومعبر رفح بأن ابنه كان في انتظاره ، ليرافقه رحلته إلى مصر وغيرها .
لم يضع الزهار وقته في القاهرة ، إذ التحق فوراً بوفد حماس المفاوض ، وأعلن من القاهرة عزم حماس على التوصل إلى التهدئة مع إسرائيل ، بعد التزامها بفتح المعابر كلها ، ورفع الحصار ، والتوقف عن العدوان ، وتعهد العدو الإسرائيلي الواضح أمام الحكومة المصرية وبضمانها بعدم خرق الهدنة مجدداً ، وزف إلى العلن موقف حماس من التهدئة ، التي هدف من خلالها إلى تحقيق نوع من الراحة والاستجمام لأبناء شعبه ، وأدرك المصريون كما الإسرائيليون أن حماس بإعلان الزهار موقفها ماضية في اتفاقها ، وأنها ملتزمة في تعهداتها ، وأن قرارها محكم ومتين ، فالموقف صدر عن شخصيةٍ مشهودٌ لها بالصلابة والمحافظة ، وهي التي تدرك أن أي قرار تصدره حماس يجب أن يحظى بقبول وموافقة العسكريين الذي يكفله الزهار دوماً .
وعاد الزهار وزيراً لخارجية الحكومة الفلسطينية من جديد ، ولكن بالمهمة والوظيفة والواجب دون الصفة واللقب والمنصب الرسمي ، فحمل الهم الفلسطيني إلى قطر ، واستعرض أمام أميرها معاناة أهل غزة ، وحاجتهم إلى عاجل المساعدة لإعادة الإعمار واستئناف الحياة ، ومن قبل شكره والشعب القطري على مواقفهم النبيلة تجاه الشعب الفلسطيني وتجاه أهل غزة خاصة ، وأعلن من العاصمة القطرية الدوحة بأن حركته ماضية في حوارها مع فتح ، ومع قيادة السلطة الفلسطينية ، وأنها صادقة في مساعيها ، وتطمح إلى الاتفاق والتلاقي مع رام الله ، لكن على قاعدةٍ صلبة من التفاهم والثقة ، بعد تعهد السلطة الفلسطينية في رام الله بالإفراج عن معتقلي حماس في سجونها ، والامتناع عن ملاحقة عناصر الحركة والتضييق عليهم ، ورحب بأي مبادرة عربية لرأب الصدع بين الجانبين ، وذلك لصالح الشعب الفلسطيني الذي يتطلع إلى الوحدة واللقاء .
وفي القاهرة أذاب الرجل بمسؤولية كاملة الجليد الذي تراكم بين القاهرة وغزة ، وأعاد الدفء إلى العلاقة بينهما ، ليؤكد عمق الروابط التاريخية بين مصر وفلسطين ، وأن الخلاف بينهما مها بلغ فلن يدوم ، وأعربت القاهرة عن رضاها لمواقف الزهار وهي التي تعرف قدره ومقامه في حركته ، وصلابته في مواقفه ، وكانت مصر في حاجةٍ لتبرئة نفسها مما اتهمت به من تخاذلٍ ونكول ، حيث شوه العدوان موقفها وصورتها لدى العرب والمسلمين ، وليس لديها أفضل من رجل حماس المتشدد ليعيد البريق إلى صورتها ، ولكنه عاد ليؤكد على دور مصر الضامن والكافل لأي اتفاق مع العدو الإسرائيلي ، معلناً للمصريين قبوله ومباركته للجهود المصرية ، شاكراً لهم رعايتهم ومتابعتهم .
ومن القاهرة التي عاد إليها أكثر من مرة انتقل إلى دمشق مراراً ليشكر قادتها على مواقفهم المؤازرة والمساندة للشعب الفلسطيني ، وليؤكد لهم صلابة الصمود الفلسطيني ، وأن الانتصار الذي حققه الغزيِّون هم فيه شركاء ، بدعمهم وبمواقفهم المؤيدة والمساندة ، وأن المقاومة بخير ، ويمكننا الرهان على صمودها وثباتها ، فهي خير ضامنٍ وكفيلٍ لحقوقنا ، مشدداً على خيار القوة ، وامتلاك السلاح وإرادة القتال .
ومن دمشق انتقل إلى بيروت التي سبقت غزة بنصرها على العدوان الإسرائيلي ، ليؤكد لجميع من التقاهم أن عدونا واحد ، وأن معركتنا واحدة ، وأن الانتصار الذي نحققه على عدونا في أي مكانٍ هو انتصار لنا جميعاً ، وأن القوة هي من يحمي الحق ويحفظه ، فكان عناق النصرين في غزة وبيروت ، بين الزهار ونصر الله ، في تلاحمٍ واضح بين إرادتين صادقتين ، وعزمٍ قوي على تحقيق النصر مهما كلف ثمنه ، ومهما عظمت تضحياته .
ولم يكتفِ الزهار في حركته الدبلوماسية النشطة بلقاء المقاومة مع المقاومة ، بل أراد أن يؤكد للعرب جميعاً أن معركتنا واحدة ، وأننا جميعاً صفاً واحداً في مواجهة العدو الإسرائيلي ، مسلمين ومسيحيين ، فالعدو يغيظه أن نكون صفاً واحداً ، وإرادة قوية ، فانتقل الزهار إلى عمق بيروت الشرقية ، ليلتقي جنرال الرابية ميشيال عون ، ليشكر له مواقفه المساندة للمقاومة ، وهو الرجل المسيحي الذي تخشاه إسرائيل بعد أن عقد حلفاً مسيحياً مع المقاومة في فلسطين ولبنان ، واطمأن الجنرال في رابيته إلى حال إخوانه المسيحيين في غزة ، وأنهم في كنف المقاومة أعزاء لا ينالهم بأس ولا عوز ، وطمأن الزهار مضيفه أن الفلسطينيين في لبنان وأي مكانٍ آخر لا يتطلعون لغير العودة إلى بلادهم وأوطانهم ، وأنهم لا يسعون إلى توطينٍ في أي مكان غير وطنهم ، شاكراً للبنان استضافته لإخوانه الفلسطينيين .
ورغم الساعات القليلة التي أتيحت للدكتور الزهار في بيروت ، قبل أن ينتقل إلى القاهرة لمناقشة المستجدات في المواقف الإسرائيلية ، إلا أنه زاحم الزمن في أوقاته والتقى رئيس مجلس النواب اللبناني الأستاذ نبيه بري ، ليؤكد من تحت قبة البرلمان اللبناني أن الفلسطينيين ليسوا جزءاً من أي معركةٍ داخلية ، وأنهم ليسوا جزءاً من أي معادلةٍ أو حسابٍ داخلي ، وإنما هم جزء من قوة الأمة العربية وإرادتها ، وشاء القدر أن يكون الفلسطينيون في صدارة المواجهة ، ورأس رمح التحدي .
ولكن الطبيب الدبلوماسي الحذق لم يشأ أن يصبغ زيارته إلى بيروت بلونٍ واحد ، ولم يكتفِ بلقاء قطبٍ لبناني مستثنياً آخر ، فكان لقاؤه مع رئيس الحكومة اللبنانية الرئيس فؤاد السنيورة ، ليؤكد من مقر حكومة لبنان أن الفلسطينيين يتطلعون إلى العودة إلى الوطن ، وأنهم يرنون بعيونهم إلى الحكومات العربية لأن تساندهم وتؤازرهم في نضالهم ضد العدو الصهيوني ، وتمنى للبنان أن يتجاوز أزماته ، وأن يحقق وحدته الداخلية ، وأن يتجاوز الصعاب والتحديات التي تواجهه ، مهنئاً اللبنانيين جميعاً النصر الذي تعودوا على تحقيقه على العدو الإسرائيلي ، وتمنى الزهار أن يلتقي رئيس كتلة المستقبل النيابية سعد الحريري ، ولكن غيابه عن لبنان حال دون تحقيق اللقاء .
إنها دبلوماسية المقاومة ، ودبلوماسية الانتصار ، صنعتها القوة ، وحققها الصمود ، وترجمها رجلٌ خرج من تحت الأنقاض ، ومن بين الركام ، مسكونٌ بألم شعبه ، وحاجات أهله ، كان وزيراً للخارجية ، ولكن ساءه أن يغيب الرسميون عن مواقعهم الحقيقية ، وأن يقصروا عن أداء واجبهم الوطني ، فانبرى رغم جرحه ، وخرج رغم ألمه ، ليشارك في صنع الأمن لأهله ، وفي إعادة بناء ما دمره العدوان ، باذلاً كل جهدٍ لرفع الحصار ، واستعادة الأسرى ، وعلاج الجرحى وهو الطبيب الجراح الذي عرفه المقاومون قديماً حاملاً حقيبته ومبضعه وبعضاً من المسكنات معالجاً الجرحى والمصابين من المقاومين والمقاتلين ، إنها بصدق دبلوماسية المقاتلين الصامدين لتعبيد الطريق العربية نحو مزيدٍ من التلاحم والتلاقي على نصرة القضية الفلسطينية .
آخر تحديث لهذه الصفحة : الثلاثاء 3 مارس 2009م