د. مصطفى يوسف اللداوي
كاتبٌ وباحثٌ فلسطيني
تبذل الحكومة المصرية قصارى جهودها في ملف المصالحة الفلسطينية ، وتحاول تحقيق بعض الإنجاز على مستوى العلاقة بين الفصائل الفلسطينية ، وقد خصصت لهذا الغرض طاقماً أمنياً كبيراً ومهماً يرأسه الوزير عمر سليمان رئيس المخابرات المصرية العامة ، إلى جانب عددٍ كبير من كبار ضباط جهاز الأمن المصري ، وموظفي وزارة الخارجية المصرية ، وقد جندت الحكومة المصرية كل طاقاتها من أجل ضمان نجاحها في مهمتها ، في تحدي واضح لتحقيق خرق على الجبهة الفلسطينية ، وأجرى الرئيس المصري محمد حسني مبارك أكثر من اتصالٍ هاتفي مع العاهل السعودي الملك عبد الله ، ومع الرئيس السوري بشار الأسد ، وللغاية نفسها عقدت مصر أكثر من لقاء قمة عربي بين عددٍ من قادة الدول العربية لتهيئة أجواء عربية داعمة وضاغطة على الأطراف الفلسطينية المتحاورة في القاهرة ، فمصر تخشى الفشل ، وتخاف من اهتزاز صورتها في المنطقة ، وتتحسب لدورها الوظيفي .
ولكن الحكومة المصرية في سعيها لتحقيق أهدافها لم تكتفِ بممارسة الضغوط السياسية على الفصائل الفلسطينية ، ولا بحشد التأييد والدعم العربي لتحقيق المصالحة الفلسطينية ، بل لجأت إلى ممارسة بعض العقوبات على الفلسطينيين ، وأكثرت من الضغط والتضييق علي سكان غزة ، وهم في أمس الحاجة إلى رفع الحصار المفروض عليهم ، فأحكمت إغلاق معبر رفح ، وباشرت في إغلاق وتدمير بعض الأنفاق التي هي شرايين الحياة لأهل غزة ، وشددت في سياستها إزاء السماح للمرضى والمصابين بالخروج من قطاع غزة ، كما عادت لتمنع الفلسطينيين العالقين على الحدود المصرية الفلسطينية من العودة إلى قطاع غزة ، بل امتدت سياستها المتشددة على قطاع غزة لتطال الوفود العربية والدولية التي ترغب في الدخول إلى قطاع غزة أو مغادرته ، فمنعت الكثير من الوفود والمنظمات الإنسانية والحقوقية من دخول القطاع ، كما منعت قوافل المساعدات الإنسانية العربية والدولية من العبور إلى قطاع غزة عبر معبر رفح الحدودي ، وأجبرت بعضهم على العبور عبر معبر العوجا الإسرائيلي ، بحجة أن المعدات المرافقة لهم معداتٌ ثقيلة ، والاتفاقيات المبرمة بينها وبين إسرائيل تحول دون دخولها عبر معبر رفح الحدودي ، وتعتقد الإدارة المصرية أنها بتشديدها وتضييقها على سكان قطاع غزة الذي يتطلع إلى إعادة الإعمار ، وإلى دخول المساعدات الغذائية والطبية والإنسانية إليه ، تستطيع أن تفرض على المفاوضين الفلسطينيين بعض المواقف ، وتستطيع أن تحصل من بعضهم على بعض التنازلات .
ولكن الحقيقة أن الإدارة المصرية الراعية للحوار الفلسطيني تخطئ عندما تسعى لتحقيق أهدافها عبر ممارسة الضغط على سكان قطاع غزة ، إذ أن الفلسطينيين الذين هم في أمس الحاجة إلى المصالحة الوطنية ، وإلى رفح الحصار المطبق عليهم ، يدركون أن الحكومة المصرية تواجه مأزقاً حقيقياً ، فهي تخشى أن تفشل في المهمة الموكلة إليها من الإدارة الأمريكية ، إذ ليس من المسموح للقاهرة أن تفشل من جديد ، وقد فشلت أكثر من مرة في تحقيق المصالحة الفلسطينية ، رغم أنها جمعت الأطراف الفلسطينية في القاهرة أكثر من مرة ، وتمكنت من التوصل إلى أكثر من اتفاق ، ولكن كل المحاولات السابقة لم تعمر طويلاً ، ولم يكتب لها النجاح ، ويغيب عن الإدارة المصرية أن من أهم أبجديات نجاح الوسيط في مهمته أن يكون نزيهاً في دوره ، وسطياً في مواقفه ، وأن يقف على مسافةٍ واحدة من أطراف الحوار ، فلا ينحاز لطرفٍ دون آخر ، ولا ينسق مواقف طرف لمواجهة الآخر ، ولعل التجربة القطرية الناجحة في الوساطة بين فرقاء الأزمة اللبنانية يعطي دليلاً واضحاً على أثر النزاهة في تحقيق الهدف المنشود ، وهو الدور الذي تكرر مع حوار المصالحة السودانية في الدوحة بين حركة العدل والمساواة والحكومة السودانية .
المهام الملقاة على القاهرة بعد العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة كثيرة وعديدة ، وقد أوكلت إليها بموافقةٍ إسرائيلية وأمريكية ، وبمباركةٍ عربية ، وهي فضلاً عن تحقيق المصالحة الفلسطينية وتشكيل حكومةٍ فلسطينية جديدة ، بعد إزالة كافة العقبات التي تعترض تشكيلها ، فإن المطلوب من القاهرة إنهاء ملف الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط والإفراج عنه في ظل حكومة أيهود أولمرت المنصرفة ، وقبل أن يتسلم نتنياهو مهامه كرئيسٍ للحكومة الإسرائيلية ، ومطلوب من مصر تجديد التهدئة الفلسطينية – الإسرائيلية ، وضمان عدم قيام الفصائل الفلسطينية بخرقها ومنعها من إطلاق الصواريخ على المدن والبلدات الإسرائيلية ، وهذه هي المهام الأساس والتي بموجبها أعطيت الحكومة المصرية الضوء الأخضر من الإدارة الأمريكية للمضي في مشروح المصالحة الفلسطينية ، وتدرك الحكومة المصرية أن لهذه المهمة سقفٌ زمني ، وأن المهلة المعطاة لها مهلةٌ محددة ، ومن المستبعد تجديدها أو تمديدها ، لذا عليها أن تنجح في تحقيق وظيفتها في المنطقة كأكبر دولة عربية ، ولهذا طلبت من المفاوضين الفلسطينيين أن يمددوا إقامتهم في القاهرة ، وأن يواصلوا حواراتهم الداخلية ، وحافظت في كل لجنة على وجود ضابطٍ أمني كبير ، يرعى الحوارات ويوجهها أحياناً ، ويحاول تجاوز بعض العقبات التي تعترضها ، وأوفدت عمر سليمان إلى واشنطن لينقل إلى الإدارة الأمريكية صورة ما يجري من حواراتٍ في القاهرة ، وليحاول أن يتجاوز الفيتو الأمريكي الذي وضعته وزيرة الخارجية الأمريكية الجديدة هيلاري كلينتون ، بأن الإدارة الأمريكية لن تقبل بحكومةٍ فلسطينية لا تقبل بقرارات الشرعية الدولية ، ولا بقرارات الرباعية الدولية ، ولا تعترف بالاتفاقيات الموقعة بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل ، والتي يعني القبول بها الاعتراف بدولة إسرائيل ، إذ بموجب الشروط الأمريكية والمطالب الإسرائيلية فإن التوصل إلى اتفاقٍ أمرٌ في غاية الصعوبة ، فحركة حماس لن تقدم تنازلاً في كثيرٍ من الملفات المطروحة ، فلن تقبل بالاعتراف بالاتفاقيات الموقعة بين م.ت.ف وإسرائيل ، كما لن تقبل بغير التزامن على مختلف الصعد الأمنية في الضفة والقطاع ، والانتخابية للمجلسين التشريعي والوطني ، ولن تقبل بالإفراج عن الجندي الأسير دون أن تستجيب إسرائيل إلى طلباتها بالإفراج عن جميع المعتقلين الذين أوردتهم حماس ضمن قائمتها ، ولن تقبل بمبدأ الالتزام المسبق دون وجود ضماناتٍ دولية ، وهذه ليست مطالب حركة حماس ، إنما هي مطالب الشعب الفلسطيني كله ، كما هي اعتراضات الفلسطينيين كلهم ، الذين يرفضون أن يقدموا لإسرائيل ما عجزت عن أخذه منهم بالقوة .
فحتى تنجح القاهرة في مساعيها ولا تفشل ، وحتى يكون لها دور في المنطقة مقدر ومحترم ، فإن عليها أن تصغي السمع إلى المطالب الوطنية الفلسطينية ، وأن تبتعد عن المحاباة والانحياز ، وعليها أن تتقن دور الوسيط ، نزاهةً وإنصافاً وعدلاً ، وعليها أن تتوقف عن ممارسة الضغوط على بعض المتحاورين ، وألا تستخدم مشروع إعادة إعمار قطاع غزة ورقة ضغط ، وعليها أن تصم آذانها عن المطالب الأمريكية والإسرائيلية ، وأن ترفض الخضوع والانصياع إلى الاعتراضات الأمريكية والإسرائيلية ، كما عليها أن ترفع ضغوطاتها وأن تخفف من تشددها المفروض على أبناء قطاع غزة ، فالحصار والتشديد ، الذي يقود إلى التجويع والموت ليس طريقاً إلى الوفاق والاتفاق ، فالفلسطينيون لم يعرفوا طوال القرن الماضي أيام رخاء ، ولا ساعات رفاهية وهناء ، ومع ذلك فإنهم لم يتخلوا عن نضالهم ، ولم يتنازلوا عن حقوقهم ، وعلى مصر أن تدرك أن القادم الإسرائيلي الجديد إنما هو يميني متطرف ، بل يميني موغل في التطرف والتشدد والعدوانية ، ولا يؤمن بالسلام ، ولن يسعى لتحقيقه ، ولذا فإن كان من ضامنٍ لدور مصر ونجاحها ، فإنما هي المطالب الفلسطينية الوطنية المتمسكة بالحق ، والرافضة لمنطق الهزيمة والاستسلام ، فهي التي تحفظ لمصر دورها الطليعي القومي التاريخي ، وإلا فإنها ستفقد فرصتها لاستعادة الدور الذي فاتها ، ولن يحسب الفشل إلا مصرياً .
آخر تحديث لهذه الصفحة :الثلاثاء 17مارس 2009م