المقالات   | التقارير   | الأخبار   | دليل الباحث السوداني   | الباحثون  

 

 

 
 

الراصد مؤسسة ومجموعة بحثية علمية تهتم بتوثيق وإنتاج ونشر المعرفة وهى مؤسسة طوعية مستقلة غير حكومية تدير أعمالها عبر مجموعة مراكز وبطاقم متخصص فى عدة مجالات من خلال طرح رسالتها فى كافة الأوساط ذات الأهداف المشتركة   المزيد عن الراصد

 
     

المقالات


الشيخ أحمد ياسين يطل من عليائه

د. مصطفى يوسف اللداوي

كاتبٌ وباحثٌ فلسطيني

خمس سنواتٍ مرت على فجر يوم الاثنين الثاني والعشرين من شهر مارس لعام 2004 ، عندما استهدف صاروخٌ إسرائيلي عربة الشيخ القعيد ، فنالت منه ومن مرافقيه ، وقد خرج للتو من المسجد بعد أن أدى صلاة الفجر ، ناوياً صيام يومه ، ولكن القدر كان قد هيأ له جمعاً وصحبةً طيبة ، مع الأنبياء والصديقين والشهداء ، وهو الذي عقد العزم مع ربه دوماً أن يلقاه شهيداً ، مقبلاً غير مدبر ، ثابتاً غير متردد ، صابراً غير جزع ، فكانت شهادته نصراً لشعبه ، ورفعةً لأمته ، وفتحاً لحركته ، شهادةً تمناها وعمل لها ، فكانت شهادته باباً عبرت منه حركته التي أسسها وكد من أجلها ، وضحى في سبيلها ، فعبرت نحو العلياء ، وسمت نجومها في كبد السماء ، تضيئ ليل الأمة ، وتنير ظلام وبهيم سنوات الضياع ، وتتلمس بصدق سبل النجاة ، صادقةً مع شعبها ، أمينة على قيمه ، حريصةً على موروثاته ، رحل الشيخ في مثل هذا اليوم كطفل الأخدود ، ليهزم الجلاد ، ويؤذن برحيل الاحتلال ، ويرسم نهايات شارون قعيداً لكنه مشلول الإرادة ، غائب الحس ، مسلوب الإدراك ، ميتٌ وما هو بميت ، يتمنى الموت ولا يدركه ، رحل ليؤسس لمرحلةٍ جديدة ، يكون فيها الحق محمياً بالقوة ، مصاناً بالعزم ، محروساً بقبضات رجال المقاومة ، الذين عرفوا طريق النصر ، فخططوا لنيله ، وعملوا على تحقيقه .

في مثل صبيحة هذا اليوم امتطى شيخ فلسطين صهوة جواده ، ليرحل عن الدنيا ، مودعاً فلسطين وأهلها ، وغزة وأزقتها ، وبيته الصغير ، والمجمع الإسلامي الذي شهد بواكير العمل الإسلامي الكبير في غزة ، فكان ومازال منارة فكر حماس الأول ، غادر مرفوع الرأس ، موفور الكرامة ، شامخ الإرادة ، عزيز النفس ، مطمئناً إلى الشعب الفلسطيني وإرادته ، راضياً عن الجيل الذي رباه ، والقيادة التي خلفها ، والمواقف التي أطلقها ، والسياسات التي وضعها ، رحل دون أن يودع أهله ، ودون أن يلقي على مسامع مريديه خطبة الوداع ، ولكن كلماته التي أطلقها من قبل بقيت خالدة ، وقد أودعها أمانةً في أعناق من بعده ، فلسطين كلها أرضنا ووطننا ، الجورة قبل غزة ، وعسقلان قبل رفح ، وحيفا ويافا واللد والرملة قبل رام الله والخليل ونابلس وجنين ، والقدس كلها عاصمةً لفلسطين من بحرها إلى نهرها ، كما القلب من الجسد ، فلا تفريط فيها ولا تنازل عنها .

وكلنا في فلسطين أهلٌ ، أبٌ وولد ، عمٌ وجارٌ وصديق ، أبناء أسرةٍ واحدة ، فلا خصومة بيننا ، ولا احتراب ولا قتال يفرقنا ، يجمعنا الوطن ، ويطهر نفوسنا الألم والمعاناة ، ويقرب القيد والسجان بين نفوسنا ، فدمنا على بعضنا حرام ، والقتال بيننا جريمة ، والاحتكام إلى البندقية مرفوض ، والركون إلى العدو واللجوء إليه خيانة ، والتفريط له بحقنا والتنازل عنه عمالة ، عدونا من احتل أرضنا ، واغتصب حقوقنا ، ودنس مقدساتنا ، وشرد وقتل أهلنا ، في وجهه نرفع البندقية ، نقاتله بلا هوادة ، ونواجهه بكل قوة ، لا نستسلم له ، ولا نخضع لقوته ، ولا نقدم مصالحه وأمنه على مصالح وأمن أهلنا .

رحل الشيخ ياسين قبل خمسة سنوات وهو يحمل هم الأسرى والمعتقلين ، فلم ينسَ عزلهم ولا عزلتهم ، ولم يغفل معاناتهم وألمهم ، ولم يغض الطرف عن حزن أهلهم ، ولا عن حرمان أطفالهم ، فأقسم أن يرى الآباء نور الشمس ، وأن يلقي الأطفال برؤوسهم في أحضان آباءهم ، رحل والحزن يملأ قلبه ، ويعتصر فؤاده ، فآلافٌ خلف القضبان قد تركهم ، يحلمون بغدٍ تكون فيه الحرية عنوان ، والوطن مكان ، ينعمون جميعاً بين أهلهم ومع أطفالهم ، فهم أسود الوطن ورجاله الصيد الأباة فلا ننساهم ، ولا نألُ جهداً في العمل على تحريرهم ، وكسر القيد والأغلال التي تكبل أطرافهم .

رحل الشيخ مؤذناً بفجرٍ جديد ، وزمن آخر ، تكون فيه الغلبة والرفعة لرجاله وأبناءه ، فهم من صنعوا معه النصر ، وتكبدوا معه الآلام ، وعانوا من قيد السجان ، وعسف وظلم الإخوان ، رحل تاركاً دخاناً وشمعة ، يوقدان على نار المقاومة ، ويشعلان فتيل الانتصار ، فكانا ومن معهما من خيرة المؤسسين خير خلفٍ لخير سلف ، فجمعا من بعده الكلمة ، ووحدا الصف ، ونظما الرجال ، ليفرح الشيخ بحركته التي صدقت الأهل فقدموها ، وتقدمت الصفوف فاختاروها ، وتبارت في البذل والعطاء والاستشهاد فكان الفوز لا في غزة وحدها ، بل في الضفة قبل القطاع خير جزاءٍ لها ، لتنوب عن الشعب ، وتعبر عن مواقفه وطموحاته وآماله ، ولكأني بالشيخ في عليائه فرحٌ بنصر غزة ، غير مستغربٍ لصمود أبناءها ، فهو أدرى الناس بأهلها ، وبقوة شكيمتهم ، وقدرتهم على الصبر والعطاء ، فما استغرب النصر الذي كان يستعجله ، بل تاه فخراً بما حققته غزة ، وشد على أيدي أبناءها لئلا يفرطوا بما أنجزوا ، وألا يعطوا ما عجز العدو عن تحقيقه ، وأن يحافظوا على ثوابتهم وقيمهم وحقوقهم ، وأن يجعلوا من نصر غزة بوابةً نحو الوحدة والاتفاق ، فهذا زمن انحسار إسرائيل وتراجعها ، فلم تعد إسرائيل قوةً لا تقهر ، وجيشاً لا يهزم ، بل هي دولةٌ مهزوزة ضعيفة وخائفة ، فليكن نصر غزة يومنا ، الذي منه ننطلق نحو الوحدة والاتفاق ، اتفاق يحقق وحدة الأرض ، وتماسك الأهل ، وثباتٌ على الثوابت والمواقف ، ولنجعل من نصر غزة الذي أعاد البهاء والنقاء والطهر إلى القضية الفلسطينية ، والصدق والمصداقية إلى رجالها المقاومين ، فليكن هذا النصر فرصةً لاستعادة تأييد أبناء الأمة العربية والإسلامية للقضية الفلسطينية ، فأمتنا بخير ، وأهلنا صادقون في تأييدهم وعطاءهم إلى فلسطين وأهلها ، ولكنهم ينتظرون من الفلسطينيين وحدة واصطفافاً وثباتاً على الحقوق والمواقف .

رحل الشيخ أحمد ياسين عن غزة ، ولكن فكره ما زال في فلسطين متقداً ، وصورته في كل أرجاء الوطن مرفوعة ، وعربته أصبحت للعالمين مثالاً على العزم ، وثورةً على العجز ، رحل الشيخ ولكن رجاله صنعوا من بعده صورايخ الياسين ، التي أقضت مضاجع الإسرائيليين ، وأنبأتهم أننا عن حقنا لا ننام ، وأن قذائف الياسين والقسام ستبقى تلاحقهم ، تدك حصونهم ، وتدمر دباباتهم ، وتنال من جنودهم ، وتضع من هيبة جيشهم ، حتى يرحلوا عن أرضنا ، ويغادروا تراب وطننا ، ولكنه رحل قبل أن تتطهر غزة من رجس المحتلين ، وتتخلص من بقايا المستوطنين ، ويتخلى قادتها عن أحلامهم في غزة ، وهم الذين رأوا فيها الموت الزؤام يلاحقهم في كل مكانٍ من غزة ، رحل مؤذناً بأن طهر غزة قادم ، وحريتها على الأبواب ، ونصرها مع الأيام يتشكل ويكبر .

خمس سنواتٍ مرت على رحيل الشيخ ياسين ، وحركته حماس أصبحت ملء سمع الدنيا وبصرها ، يخافها العدو ، ويخشاه جيشه ، ويجبن جنوده عن مواجهة رجالها ، ويحرص ساسة العالم على لقاء قادتها ، والاستماع إلى وجهات نظرها ، فلا يتجاوزها أحد ، ولا يغفل دورها أحد ، فلا لقاء يعقد دونها ، ولا اتفاقية تبرم دون موافقتها ، ولا سلام ينتظر دون أن تبدي فيه وجهة نظرها ، فحماس اليوم التي أرسى الشيخ قواعدها ، وعمق في الأرض المباركة جذورها ، أصبحت أغصانها وفروعها في السماء ، لها تحت الشمس مكان ، وأثرٌ في الزمان لا يمحى ، وأمل في الغد لا ينسى .

سلام الله عليك أيها الشيخ الجليل ، سلام الله عليك مع النبي المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم ، ومع الأنبياء والصديقين والشهداء ، في مقعدِ صدقٍ عند مليكٍ مقتدر ، ننتظر اليوم الذي فيه معك نرد مع رسول الله الحوض ، ونشربُ سويةً من يديه المباركات شربةَ النصر التي لا نظمأ بعدها أبداً .

آخر تحديث لهذه الصفحة :الأثنين 23 مارس 2009م

 

 

^أعلى

       عن الراصد
       الكتب والدراسات
       النشاطات
       المجلة
       المنتدى
       الراصد السوداني
       الراصد الأسبوعي
       فلسطين اليوم
       التحليلات
       موضوع ورأي
       القائمة البريدية

*  انضمامك لقائمة الراصد البريدية يمكنك

من الاطلاع على اصدارات وانشطة الراصد

 

  المكتبة   |   الوثائق   |   مواقع صديقة   |   اتصل بنا  

كل الحقوق محفوظة © للراصد للبحوث والعلوم السودان - الخرطوم 2008 :::  التصميم والدعم الفني لمسة الهندسية

أفضل تصفح باستخدام دقة شاشة 1024*768 بيكسل