في القاهرة أفخاخٌ منتظرة
د. مصطفى يوسف اللداوي
كاتبٌ وباحثٌ فلسطيني
أيامٌ قليلة وتنعقد القمة العربية الحادية والعشرين في الدوحة ، ولكن اتفاق المصالحة الفلسطيني لن يزف في الدوحة ، ولن يعلن ويبارك في قمتها ، كما لن يشارك قادة الفصائل الفلسطينية كما كان متوقعاً فيها ، ضمن الوفد الرسمي الفلسطيني ، حيث كان من المتوقع أن تشهد القاهرة هذا الأسبوع حفل التوقيع الرسمي بين الفرقاء الفلسطينيين ، وقد تسربت أخبار عديدة عن الشخصيات الرسمية التي كانت تنوي المشاركة في حفل التوقيع ، لتكون شاهدةً علية وضامنةً له ، ولكن الحال تبدل ، والتوقعات خابت ، والمواعيد سقطت ، وعاد الوزير عمر سليمان من واشنطن ليعلن انتهاء الجولة الثانية من المفاوضات ، وقد بدا على وجهه أمارات الخيبة الأمريكية ، التي رفضت الحلول الوسطية التي توصلت إليها القاهرة مع الأطراف الفلسطينية ، وحملته شروطها القديمة ، التي ترفض دونها الاعتراف بأي حكومةٍ فلسطينية ، وهي ذات الشروط القديمة التي حاولت فرضها على الحكومتين الفلسطينيتين العاشرة والحادية عشرة ، ولكنها فشلت في ذلك ، فأقدمت على معاقبة الشعب الفلسطيني كله ، فسمحت لإسرائيل بفرضِ حصارٍ مطبق على قطاع غزة ، وأطلقت العنان لجيشها يجوس تخريباً خلال الضفة الغربية وقطاع غزة ، فيقتل ويدمر ويخرب ، وطالبت مصر بأن تحكم إغلاق معبر رفح ، فلا تسمح بدخول وخروج أي فلسطيني حتى ضمن أضيق الظروف الإنسانية ، وأمرت البنوك والمؤسسات المالية بمنع أي تحويلاتٍ مالية إلى الحكومة الفلسطينية في قطاع غزة ، وانتظرت نتيجة هذه السياسات العقابية ، ولما فشلت ولم تنجح ، أعطت الضوء الأخضر للحكومة الإسرائيلية لقيام بحملةٍ عسكرية عدوانية ضد حركة حماس والحكومة الفلسطينية في قطاع غزة ، ولكن العدوان العسكري الإسرائيلي الواسع لم ينجح في تحقيق أهدافه المنشودة ، بل عزز الصمود الفلسطيني دور المقاومة ، وأكد على أهميتها ، وضاعف من عدد المواطنين الفلسطينيين المؤمنين بها ، والمتمسكين بها ، وأضعف كثيراً الجانب الفلسطيني المفاوض ، وعرَّى الكثير من مواقفه وفضحها ، فانفض عددٌ كبير من الملتفين والمؤمنين بنهج المفاوضات عنهم ، ليعزز دور المقاومة وأهميتها ، ولما لم تنجح كل تلك المحاولات الدولية في ثني المقاومة وحركة حماس والحكومة الفلسطينية عن مواقفها ، لجأت مصر بموافقة ومباركة الولايات المتحدة الأمريكية والمجتمع الدولي إلى رعاية الحوار الداخلي الفلسطيني ، فجمعت لفيفاً كبيراً وطيفاً واسعاً من الأطراف والفصائل الفلسطينية ، ووضعت بالتوافق مع رام الله بين أيدي المفاوضين مقترحاً مصرياً ليكون خارطة طريق الحوار ، وفيه الشروط الدولية ، والمواصفات الإسرائيلية وأحلام السلطة الفلسطينية في رام الله .
ومع أن الفلسطينيين وغيرهم قد راهنوا كثيراً على نجاح الحوار الفلسطيني ، وتوقعوا أن القمة العربية ستشهد مباركة المصالحة الفلسطينية ، وسيمثل فلسطين فيها وفدٌ وحدوي ، يمثل غزة ورام الله معاً ، بما تعنيان من طيفٍ سياسي ، ولكن الحقيقة غائبة عن كثيرٍ من المراقبين والمهتمين ، إذ أن الملفات الرئيسة لم يتم الاتفاق عليها ، كما لم يتم حل العقبات التقليدية المعروفة ، وقد بدا واضحاً من خلال جلسات الحوار المطولة أن المطلوب بدقةٍ في كل ملف هو شطب حركة حماس ، وإبعادها عن الحياة السياسية الفلسطينية ، وإن بدا للمراقبين غير ذلك ، ولكن الحقيقة التي يجب أن يعلمها الغيورون هو أن الغاية المقصودة وراء كل خلاف إقصاء حماس ، والنيل من فعاليتها ونشاطها وحضورها وتأثيرها ، وتدرك حماس أن ما ينتظرها في القاهرة إنما هي أفخاخٌ حقيقية ، ومحاولاتٌ محمومة لإضعافها وإخراجها من اللعبة السياسية ، وأن عليها أن تقبل وترضى بالشروط المطروحة على الطاولة وإلا فإن الشطب والإلغاء هو البديل المرتقب ، بل البديل الأنسب ، ولأجل هذا تعمل كل القوى والأطراف المختلفة .
وبالعودة إلى ملفات الخلاف بين فتح وحماس نجد أنها أربعة ، وهي الحكومة الفلسطينية ، حيث تريد رام الله ومعها القاهرة من حركة حماس أن تقبل بحكومةً فلسطينية تتبنى برنامج أوسلو السياسي ، وتعترف بكافة الاتفاقيات الموقعة بينها وبين إسرائيل ، وتقبل بمحددات وشروط الرباعية الدولية ، وهذا يعني شطباً للمقاومة ، وتجريماً للمقاومين ، وإخراجاً لسلاح المقاومة عن الشرعية ، كما يريد فريق رام الله أن يكون رئيس الحكومة الفلسطينية القادم من رام الله ، وأن تكون مدينة رام الله ، بما أنها العاصمة السياسية للسلطة الفلسطينية ، مقراً لرئاسة الحكومة الفلسطينية ، وهذا يعني شطباً كاملاً لغزة ، وإقصاءاً لها عن الحياة السياسية ، فلا يعود لها الدور الكبير في رسم السياسات الفلسطينية ، وبذا تتخلص الحكومة الفلسطينية أو السلطة الفلسطينية من تأثير حركة حماس الواسع في قطاع غزة ، ولا يعود رئيس الحكومة مرتبطاً أو ملتزماً بسياسات حركة حماس الواسعة الانتشار والقوية التأثير في قطاع غزة ، وتكون غزة مدينة فلسطينية نائية ، تترقب المساعدات ، وتنتظر مشاريع الإنماء ، وتفرح وتبش إذا زارها مسؤول ، أو تفضل عليها ضيفٌ بالزيارة .
كما تدرك حماس في ثاني الملفات الخلافية أن رام الله تريد من الملف الأمني أن يكون مقتصراً على غزة دون رام الله ، وأن المطلوب هو تفكيك الأجهزة الأمنية التي بنتها الحكومة الفلسطينية في قطاع غزة ، والعودة إلى المؤسسات الأمنية السابقة ، التي كانت تعمل في غزة والضفة الغربية قبل الرابع عشر من يونيو / حزيران 2007 ، وهذا يعني إعادة بناء الأجهزة الأمنية الفلسطينية وفق ذات الفلسفة والعقيدة التي كانت سائدة ، والتي تعني ارتباطاً وتنسيقاً مع الأجهزة الأمنية الإسرائيلية ، وتطبيقاً للأجندة الأمريكية التي هي نصائح وإرشادات أمنية إسرائيلية بلسانٍ أمريكي ، ومصادرةً لسلاح المقاومة ، وتجريماً للمقاومين واعتقالاً لهم ، وعودةً لبعض الرموز الأمنية التي أساءت كثيراً إلى حركة حماس خاصة والشعب الفلسطيني عامة ، وأحالت الحياة الفلسطينية إلى أجواء بوليسية ، تعتقل وتعذب وتقتل وترهب وترعب ، وفي ذات الوقت تدرك حماس أن المطلوب منها مباركة الأجهزة الأمنية الفلسطينية العاملة في الضفة الغربية ، التي تمارس الدور البوليسي بجدارة ، فتعتقل المقاومين ، وتطارد المطلوبين ، وتصادر السلاح ، وتكمم الأفواه ، وتغلق المؤسسات ، وتصادر الأموال ، وتضيق على كل المنتسبين إلى الحركة تنظيماً أو ولاءاً .
وأما الملف الثالث الذي تتحسس منه حركة حماس ، وتدرك أن الأفخاخ فيه كثيرة وخطيرة ، فهو ملف الانتخابات ، حيث أن المطلوب هو التخلي التام عن نظام الدوائر ، والاكتفاء بالنظام النسبي ، لأن نظام الدوائر يخضع إلى عملية دقيقة من المفاضلة الشخصية ، والانتقاء المسلكي ، وأن المواطن الفلسطيني سيعطي بالضرورة صوته إلى من يعتقد أنهم الأكفأ والأنقى ، والأبعد عن التجاوزات المالية والأخلاقية والمسلكية ، والأنقى والأوضح سياسةً ، مما يعني أن نتائج الانتخابات ستكون بالضرورة لصالح مرشحي حركة حماس ، الذين أثبتوا مصداقية وشفافية عالية ، وأنهم أقرب إلى شعبهم وأهلهم ، وأصدق في نصحهم وإرشادهم من كثيرٍ ممن لا يعيشون هموم الشعب الفلسطيني وآلامه ، ولأن رام الله تدرك هذه الحقيقة فهي تتمسك بنظام النسبية ، وتعرف أنها لو خاضت أمام حركة حماس الانتخابات المباشرة وفق نظام الدوائر فإنها ستخسر وستفقد المزيد من المقاعد التي تشغلها اليوم في المجلس التشريعي ، فضلاً عن أنها تسيطر بالرعب والأمن سيطرةً تامة على الضفة الغربية ، الأمر الذي سيدفع المواطنين في الضفة الغربية إلى الخوف والتحسب من اختيار حركة حماس ، وكأن المطلوب الاتفاق على نظامٍ انتخابي يبعد حركة حماس ، ويقلل من فرص نجاحها أو سيطرتها على المجلس التشريعي القادم .
أما الخلاف الرابع فهو على إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية ، فرام الله والقاهرة لا يريدان أبداً إعادة بناء المنظمة بما يعني سيطرة حركة حماس عليها ، وإخضاعها لنهجها وخطها السياسي ، ولكنهما يريدان من حماس أن تقبل ابتداءاً بكل الاتفاقيات التي وقعتها م.ت.ف ، وأن تلتزم بها وبنتائجها ، والتي تعني اعترافاً بإسرائيل ، وتنازلاً عن جزءٍ كبير من الأرض والحقوق الفلسطينية ، والتراجع عن الكثير من المواقف والرؤى السياسية القائمة على المقاومة وخيارات القوة ، ليسمح لها بعد ذلك بدخول منظمة التحرير الفلسطينية على قاعدة إعادة التفعيل وليس إعادة البناء ، أما أن يكون لها دور ورأي وأثر في سياسات المنظمة فهو أمرٌ مرفوض فلسطينياً وإسرائيلياً ودولياً وربما عربياً .
أمام هذه الملفات الخلافية الأربعة فإن المطلوب ليس حلها ولا تذليلها ، وإنما العمل على إقصاء حركة حماس عن كلٍ منها ، فما ينتظر حركة حماس في القاهرة إنما هي أفخاخٌ سياسية حقيقية ، وعليها أن تقبل بنفسها وبرضاها الوقوع في هذه الأفخاخ ، وأن تتخلى عن حقها الدستوري في تسمية رئيس الحكومة وتشكيلها ، وأن تقبل بتحويل قطاع غزة إلى منطقة فلسطينية نائية ، وأن تقبل بنظامٍ انتخابي يحرمها من حقها في الفوز وتحقيق الأغلبية ، وعليها أخيراً أن تدخل ضمن مؤسسات م.ت.ف وهي على حالها المترهل المتردي ، دون إصلاحٍ بنيوي أو وظيفي ، ودون تغييراتٍ سياسية أو قيادية .
ولهذا ... ألا يحق لحركة حماس أن تتحسب وأن تتخوف من النوايا الفلسطينية والمصرية أحياناً ، ألا يحق لها أن تطلب من القاهرة أن تمهلها بعض الوقت للتشاور قبل أن تقول كلمتها ، ألا يحق لحركة حماس أن ترفض الوحدة القائمة على التفريط والتنازل ، وأن تتمسك بالوحدة القائمة على خيار المقاومة والتمسك بالحقوق ، ألا يحق لحركة حماس أن تطلب من القاهرة أن تكون جولة الحوار القادمة فقط بين حركتي فتح وحماس ، بعد أن رأت أن جمهرةً كبيرة من الوافدين إلى القاهرة إنما جاؤوا ليمارسوا ضغطاً عليها ، وليوهموا الشعب الفلسطيني والأمة العربية أن الإجماع الفلسطيني قائم ، إلا أن حركة حماس ترفضه وتعارضه ، ولكن حركة حماس التي نجحت في الانتخابات التشريعية ، ونجحت في إدارة الحياة المدنية ، ومن قبل نجحت ومازالت في ريادة وقيادة العمل المقاوم ، تدرك كل تلك المخاوف ، وتدرك أن من حقها القفز على الأفخاخ وتجاوزها ، وأن التاريخ والشعب لن يغفرا لها خضوعها وقبولها وتفريطها ، لذا فهي تتمسك بثوابتها ، وترفض الخضوع والانجرار إليها بخديعةٍ أو بنصيحة ، بترغيبٍ أو ترهيب ، وهي التي باتت تؤمن اليوم بأن زمن انتصار المقاومة قد آن ، وزمن هزيمة العدو قد حل .
آخر تحديث لهذه الصفحة : 29 مارس 2009م