المقالات   | التقارير   | الأخبار   | دليل الباحث السوداني   | الباحثون  

 

 

 
 

الراصد مؤسسة ومجموعة بحثية علمية تهتم بتوثيق وإنتاج ونشر المعرفة وهى مؤسسة طوعية مستقلة غير حكومية تدير أعمالها عبر مجموعة مراكز وبطاقم متخصص فى عدة مجالات من خلال طرح رسالتها فى كافة الأوساط ذات الأهداف المشتركة   المزيد عن الراصد

 
     

المقالات


في القاهرة أفخاخٌ منتظرة

د. مصطفى يوسف اللداوي

كاتبٌ وباحثٌ فلسطيني

أيامٌ قليلة وتنعقد القمة العربية الحادية والعشرين في الدوحة ، ولكن اتفاق المصالحة الفلسطيني لن يزف في الدوحة ، ولن يعلن ويبارك في قمتها ، كما لن يشارك قادة الفصائل الفلسطينية كما كان متوقعاً فيها ، ضمن الوفد الرسمي الفلسطيني ، حيث كان من المتوقع أن تشهد القاهرة هذا الأسبوع حفل التوقيع الرسمي بين الفرقاء الفلسطينيين ، وقد تسربت أخبار عديدة عن الشخصيات الرسمية التي كانت تنوي المشاركة في حفل التوقيع ، لتكون شاهدةً علية وضامنةً له ، ولكن الحال تبدل ، والتوقعات خابت ، والمواعيد سقطت ، وعاد الوزير عمر سليمان من واشنطن ليعلن انتهاء الجولة الثانية من المفاوضات ، وقد بدا على وجهه أمارات الخيبة الأمريكية ، التي رفضت الحلول الوسطية التي توصلت إليها القاهرة مع الأطراف الفلسطينية ، وحملته شروطها القديمة ، التي ترفض دونها الاعتراف بأي حكومةٍ فلسطينية ، وهي ذات الشروط القديمة التي حاولت فرضها على الحكومتين الفلسطينيتين العاشرة والحادية عشرة ، ولكنها فشلت في ذلك ، فأقدمت على معاقبة الشعب الفلسطيني كله ، فسمحت لإسرائيل بفرضِ حصارٍ مطبق على قطاع غزة ، وأطلقت العنان لجيشها يجوس تخريباً خلال الضفة الغربية وقطاع غزة ، فيقتل ويدمر ويخرب ، وطالبت مصر بأن تحكم إغلاق معبر رفح ، فلا تسمح بدخول وخروج أي فلسطيني حتى ضمن أضيق الظروف الإنسانية ، وأمرت البنوك والمؤسسات المالية بمنع أي تحويلاتٍ مالية إلى الحكومة الفلسطينية في قطاع غزة ، وانتظرت نتيجة هذه السياسات العقابية ، ولما فشلت ولم تنجح ، أعطت الضوء الأخضر للحكومة الإسرائيلية لقيام بحملةٍ عسكرية عدوانية ضد حركة حماس والحكومة الفلسطينية في قطاع غزة ، ولكن العدوان العسكري الإسرائيلي الواسع لم ينجح في تحقيق أهدافه المنشودة ، بل عزز الصمود الفلسطيني دور المقاومة ، وأكد على أهميتها ، وضاعف من عدد المواطنين الفلسطينيين المؤمنين بها ، والمتمسكين بها ، وأضعف كثيراً الجانب الفلسطيني المفاوض ، وعرَّى الكثير من مواقفه وفضحها ، فانفض عددٌ كبير من الملتفين والمؤمنين بنهج المفاوضات عنهم ، ليعزز دور المقاومة وأهميتها ، ولما لم تنجح كل تلك المحاولات الدولية في ثني المقاومة وحركة حماس والحكومة الفلسطينية عن مواقفها ، لجأت مصر بموافقة ومباركة الولايات المتحدة الأمريكية والمجتمع الدولي إلى رعاية الحوار الداخلي الفلسطيني ، فجمعت لفيفاً كبيراً وطيفاً واسعاً من الأطراف والفصائل الفلسطينية ، ووضعت بالتوافق مع رام الله بين أيدي المفاوضين مقترحاً مصرياً ليكون خارطة طريق الحوار ، وفيه الشروط الدولية ، والمواصفات الإسرائيلية وأحلام السلطة الفلسطينية في رام الله .

ومع أن الفلسطينيين وغيرهم قد راهنوا كثيراً على نجاح الحوار الفلسطيني ، وتوقعوا أن القمة العربية ستشهد مباركة المصالحة الفلسطينية ، وسيمثل فلسطين فيها وفدٌ وحدوي ، يمثل غزة ورام الله معاً ، بما تعنيان من طيفٍ سياسي ، ولكن الحقيقة غائبة عن كثيرٍ من المراقبين والمهتمين ، إذ أن الملفات الرئيسة لم يتم الاتفاق عليها ، كما لم يتم حل العقبات التقليدية المعروفة ، وقد بدا واضحاً من خلال جلسات الحوار المطولة أن المطلوب بدقةٍ في كل ملف هو شطب حركة حماس ، وإبعادها عن الحياة السياسية الفلسطينية ، وإن بدا للمراقبين غير ذلك ، ولكن الحقيقة التي يجب أن يعلمها الغيورون هو أن الغاية المقصودة وراء كل خلاف إقصاء حماس ، والنيل من فعاليتها ونشاطها وحضورها وتأثيرها ، وتدرك حماس أن ما ينتظرها في القاهرة إنما هي أفخاخٌ حقيقية ، ومحاولاتٌ محمومة لإضعافها وإخراجها من اللعبة السياسية ، وأن عليها أن تقبل وترضى بالشروط المطروحة على الطاولة وإلا فإن الشطب والإلغاء هو البديل المرتقب ، بل البديل الأنسب ، ولأجل هذا تعمل كل القوى والأطراف المختلفة .

وبالعودة إلى ملفات الخلاف بين فتح وحماس نجد أنها أربعة ، وهي الحكومة الفلسطينية ، حيث تريد رام الله ومعها القاهرة من حركة حماس أن تقبل بحكومةً فلسطينية تتبنى برنامج أوسلو السياسي ، وتعترف بكافة الاتفاقيات الموقعة بينها وبين إسرائيل ، وتقبل بمحددات وشروط الرباعية الدولية ، وهذا يعني شطباً للمقاومة ، وتجريماً للمقاومين ، وإخراجاً لسلاح المقاومة عن الشرعية ، كما يريد فريق رام الله أن يكون رئيس الحكومة الفلسطينية القادم من رام الله ، وأن تكون مدينة رام الله ، بما أنها العاصمة السياسية للسلطة الفلسطينية ، مقراً لرئاسة الحكومة الفلسطينية ، وهذا يعني شطباً كاملاً لغزة ، وإقصاءاً لها عن الحياة السياسية ، فلا يعود لها الدور الكبير في رسم السياسات الفلسطينية ، وبذا تتخلص الحكومة الفلسطينية أو السلطة الفلسطينية من تأثير حركة حماس الواسع في قطاع غزة ، ولا يعود رئيس الحكومة مرتبطاً أو ملتزماً بسياسات حركة حماس الواسعة الانتشار والقوية التأثير في قطاع غزة ، وتكون غزة مدينة فلسطينية نائية ، تترقب المساعدات ، وتنتظر مشاريع الإنماء ، وتفرح وتبش إذا زارها مسؤول ، أو تفضل عليها ضيفٌ بالزيارة .

كما تدرك حماس في ثاني الملفات الخلافية أن رام الله تريد من الملف الأمني أن يكون مقتصراً على غزة دون رام الله ، وأن المطلوب هو تفكيك الأجهزة الأمنية التي بنتها الحكومة الفلسطينية في قطاع غزة ، والعودة إلى المؤسسات الأمنية السابقة ، التي كانت تعمل في غزة والضفة الغربية قبل الرابع عشر من يونيو / حزيران 2007 ، وهذا يعني إعادة بناء الأجهزة الأمنية الفلسطينية وفق ذات الفلسفة والعقيدة التي كانت سائدة ، والتي تعني ارتباطاً وتنسيقاً مع الأجهزة الأمنية الإسرائيلية ، وتطبيقاً للأجندة الأمريكية التي هي نصائح وإرشادات أمنية إسرائيلية بلسانٍ أمريكي ، ومصادرةً لسلاح المقاومة ، وتجريماً للمقاومين واعتقالاً لهم ، وعودةً لبعض الرموز الأمنية التي أساءت كثيراً إلى حركة حماس خاصة والشعب الفلسطيني عامة ، وأحالت الحياة الفلسطينية إلى أجواء بوليسية ، تعتقل وتعذب وتقتل وترهب وترعب ، وفي ذات الوقت تدرك حماس أن المطلوب منها مباركة الأجهزة الأمنية الفلسطينية العاملة في الضفة الغربية ، التي تمارس الدور البوليسي بجدارة ، فتعتقل المقاومين ، وتطارد المطلوبين ، وتصادر السلاح ، وتكمم الأفواه ، وتغلق المؤسسات ، وتصادر الأموال ، وتضيق على كل المنتسبين إلى الحركة تنظيماً أو ولاءاً .

وأما الملف الثالث الذي تتحسس منه حركة حماس ، وتدرك أن الأفخاخ فيه كثيرة وخطيرة ، فهو ملف الانتخابات ، حيث أن المطلوب هو التخلي التام عن نظام الدوائر ، والاكتفاء بالنظام النسبي ، لأن نظام الدوائر يخضع إلى عملية دقيقة من المفاضلة الشخصية ، والانتقاء المسلكي ، وأن المواطن الفلسطيني سيعطي بالضرورة صوته إلى من يعتقد أنهم الأكفأ والأنقى ، والأبعد عن التجاوزات المالية والأخلاقية والمسلكية ، والأنقى والأوضح سياسةً ، مما يعني أن نتائج الانتخابات ستكون بالضرورة لصالح مرشحي حركة حماس ، الذين أثبتوا مصداقية وشفافية عالية ، وأنهم أقرب إلى شعبهم وأهلهم ، وأصدق في نصحهم وإرشادهم من كثيرٍ ممن لا يعيشون هموم الشعب الفلسطيني وآلامه ، ولأن رام الله تدرك هذه الحقيقة فهي تتمسك بنظام النسبية ، وتعرف أنها لو خاضت أمام حركة حماس الانتخابات المباشرة وفق نظام الدوائر فإنها ستخسر وستفقد المزيد من المقاعد التي تشغلها اليوم في المجلس التشريعي ، فضلاً عن أنها تسيطر بالرعب والأمن سيطرةً تامة على الضفة الغربية ، الأمر الذي سيدفع المواطنين في الضفة الغربية إلى الخوف والتحسب من اختيار حركة حماس ، وكأن المطلوب الاتفاق على نظامٍ انتخابي يبعد حركة حماس ، ويقلل من فرص نجاحها أو سيطرتها على المجلس التشريعي القادم .

أما الخلاف الرابع فهو على إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية ، فرام الله والقاهرة لا يريدان أبداً إعادة بناء المنظمة بما يعني سيطرة حركة حماس عليها ، وإخضاعها لنهجها وخطها السياسي ، ولكنهما يريدان من حماس أن تقبل ابتداءاً بكل الاتفاقيات التي وقعتها م.ت.ف ، وأن تلتزم بها وبنتائجها ، والتي تعني اعترافاً بإسرائيل ، وتنازلاً عن جزءٍ كبير من الأرض والحقوق الفلسطينية ، والتراجع عن الكثير من المواقف والرؤى السياسية القائمة على المقاومة وخيارات القوة ، ليسمح لها بعد ذلك بدخول منظمة التحرير الفلسطينية على قاعدة إعادة التفعيل وليس إعادة البناء ، أما أن يكون لها دور ورأي وأثر في سياسات المنظمة فهو أمرٌ مرفوض فلسطينياً وإسرائيلياً ودولياً وربما عربياً .

أمام هذه الملفات الخلافية الأربعة فإن المطلوب ليس حلها ولا تذليلها ، وإنما العمل على إقصاء حركة حماس عن كلٍ منها ، فما ينتظر حركة حماس في القاهرة إنما هي أفخاخٌ سياسية حقيقية ، وعليها أن تقبل بنفسها وبرضاها الوقوع في هذه الأفخاخ ، وأن تتخلى عن حقها الدستوري في تسمية رئيس الحكومة وتشكيلها ، وأن تقبل بتحويل قطاع غزة إلى منطقة فلسطينية نائية ، وأن تقبل بنظامٍ انتخابي يحرمها من حقها في الفوز وتحقيق الأغلبية ، وعليها أخيراً أن تدخل ضمن مؤسسات م.ت.ف وهي على حالها المترهل المتردي ، دون إصلاحٍ بنيوي أو وظيفي ، ودون تغييراتٍ سياسية أو قيادية .

ولهذا ... ألا يحق لحركة حماس أن تتحسب وأن تتخوف من النوايا الفلسطينية والمصرية أحياناً ، ألا يحق لها أن تطلب من القاهرة أن تمهلها بعض الوقت للتشاور قبل أن تقول كلمتها ، ألا يحق لحركة حماس أن ترفض الوحدة القائمة على التفريط والتنازل ، وأن تتمسك بالوحدة القائمة على خيار المقاومة والتمسك بالحقوق ، ألا يحق لحركة حماس أن تطلب من القاهرة أن تكون جولة الحوار القادمة فقط بين حركتي فتح وحماس ، بعد أن رأت أن جمهرةً كبيرة من الوافدين إلى القاهرة إنما جاؤوا ليمارسوا ضغطاً عليها ، وليوهموا الشعب الفلسطيني والأمة العربية أن الإجماع الفلسطيني قائم ، إلا أن حركة حماس ترفضه وتعارضه ، ولكن حركة حماس التي نجحت في الانتخابات التشريعية ، ونجحت في إدارة الحياة المدنية ، ومن قبل نجحت ومازالت في ريادة وقيادة العمل المقاوم ، تدرك كل تلك المخاوف ، وتدرك أن من حقها القفز على الأفخاخ وتجاوزها ، وأن التاريخ والشعب لن يغفرا لها خضوعها وقبولها وتفريطها ، لذا فهي تتمسك بثوابتها ، وترفض الخضوع والانجرار إليها بخديعةٍ أو بنصيحة ، بترغيبٍ أو ترهيب ، وهي التي باتت تؤمن اليوم بأن زمن انتصار المقاومة قد آن ، وزمن هزيمة العدو قد حل .

آخر تحديث لهذه الصفحة : 29 مارس 2009م

 

 

^أعلى

       عن الراصد
       الكتب والدراسات
       النشاطات
       المجلة
       المنتدى
       الراصد السوداني
       الراصد الأسبوعي
       فلسطين اليوم
       التحليلات
       موضوع ورأي
       القائمة البريدية

*  انضمامك لقائمة الراصد البريدية يمكنك

من الاطلاع على اصدارات وانشطة الراصد

 

  المكتبة   |   الوثائق   |   مواقع صديقة   |   اتصل بنا  

كل الحقوق محفوظة © للراصد للبحوث والعلوم السودان - الخرطوم 2008 :::  التصميم والدعم الفني لمسة الهندسية

أفضل تصفح باستخدام دقة شاشة 1024*768 بيكسل