د. مصطفى يوسف اللداوي
كاتبٌ وباحثٌ فلسطيني
الحق دوماً أبلجٌ ُوالباطل لجلجٌ ، والسودان بحقه أبلجٌ ، لا يخشى ولا يتلجلجُ ، يصدح بحقه ولا يخاف ، يعبر عن مواقفه ولا يتردد ، صادق اللهجة ، بَيِّنُ الموقف ، واثق الخطوة ، صريح العبارة ، يبطن ما يظهر ، ويظهر ما يبطن ، صداحٌ بالحق ، حارس العدالة ، وضامنٌ لها ، يرفض الظلم ويأبى الذل ، يبسط الحق وينشر العدل ، يحاسب المسيئ ، ويعاقب المخطئ ، ويكافئ ويجازي المحسن ، ولا يجرمنه شنآن قومٍ على ألا يعدل ، حتى ولو كان الظالم ذا قربى ، والمستهدف بالظلم من الذين يخاصمونه ويناصبونه العداء ، فالعدل في السودان شيمة وخلق وعقيدة ، وهو لديهم اسم للرحمن ، الإيمان والعمل به واجب ، والواثق من نفسه دوماً لا يخاف ، والصادق لا يخشى غير الله ، وكذا حال الرئيس السوداني عمر حسن البشير ، صادق لا يخشى إلا الله ، لم يأبه لقرار محكمة الجنايات الدولية التي أمرت باعتقاله ، وصدرت بحقه مذكرة توقيف دولية ، ولا بما أشيع عن نية بعض الدول الغربية اعتراض طائرته في الجو ، وإجبارها على الهبوط في مطارات دول تسهل اعتقاله ، ولكن البشير لا ينسى دوماً أنه ضابط سوداني ، عمل طويلاً في صفوف الجيش السوداني مدافعاً عن وحدة السودان واستقلال ترابه ، كان ومازال يحمل روحه على كفه دفاعاً عن السودان ، يتوقع الشهادة في أي وقتٍ ، بل يعمل لها ، ويتمنى أن يناله شرف الالتحاق بركب الأنبياء والصديقين والشهداء ، ولا ينسى البشير أنه رئيس السودان ، وراعي البلاد ، والحريص على شؤون بلاده وسكانه ، مسلمين ومسيحيين ووثنيين ، ولذا فإنه لا يتأخر عن القيام بأي واجبٍ يمليه عليه موقعه ومنصبه ، حتى ولو كان الواجب يعرض حياته للخطر ، ويعرضه لخطر القرصنة الدولية التي تهدد باعتقاله ، وهذا ما حذرته منه جبهة علماء السودان ، وأصدرت بذلك فتوى تحرم بموجبها سفر البشير إلى الدوحة ، نظراً لما يكتنف رحلته من مخاطر الاعتراض والاعتقال ، ومع هذا لم يفاجئ الرئيس السوداني المجتمع الدولي عندما زار دارفور بالطائرة شمالاً وسطاً وجنوباً ، وجال في كل أنحاء دارفور ، مكذباً كل المدعين بخطورة الأوضاع فيها ، وأنها أرض حرب وميدان قتال ، وساحة تصفية وإبادة واغتصاب ، فكذبت الصور المنقولة عبر وسائل إعلام غربية كل الإدعاءات والافتراءات التي تحاول النيل من السودان ، ومن حكومة وقيادة السودان ، وتحاول أن تؤكد الاتهامات الدولية ضد القيادة السودانية ، وتبرر إصدار المذكرة الدولية باعتقاله ، إلا أن الرئيس السوداني بدا بين شعبه وأهله مزهواً فخوراً آمناً مطمئناً ، يجالس الناس ويسامرهم ويحدثهم ويأكل معهم من طعامهم ، ومن دارفور أعلن البشير أنه ماضٍ في سياسة التنمية والنهوض بكل ولايات السودان ، ولن يعبأ بأي محاولةٍ دولية تآمرية تحاول النيل من بلاده ، وسيتفرغ وحكومته للنهوض بالسودان اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً ، وسيمد يده لكل إخوانه في دارفور ، لأنهم شركاء في الأرض والوطن والعقيدة ، عدوهم واحد ، وصديقهم واحد ، كرامتهم وعزتهم مشتركة ، فكانت كلماته في دارفور وهو يهز بعصاه فرحاً ويلبس ثيابهم الشعبية تستبشر بغدٍ أفضل للسودان ولدارفور وأهلها ، ولكنه دعا الدارفوريين جميعاً إلى إلقاء السلاح ، والاهتمام بالشؤون الداخلية للإقليم ، وعدم الانجرار وراء القوى الأجنبية التي تتآمر على السودان كله ، فالمقصود ليس الرئيس السوداني ، أو أي شخصية سودانية بعينها ، ولكن السودان كله هو المقصود والمستهدف ، ولهذا فقد دعا كل السودانيين إلى الوقوف صفاً واحداً ضد الهجمات الغربية المتوالية ضد السودان ، وأعلن موقفه الرافض لتسليم أي سوداني إلى محكمة الجنايات الدولية ، واستخف بقراراتها ، متهماً إياها بعدم المصداقية ، ووعد بتحسين الأوضاع المعيشية في دارفور ، وبإعادة تقسيمها إدارياً لضمان المزيد من التنمية وتحقيق خدمات أكثر ، وكان الرئيس السوداني الذي انتقل إلى مدينة الفاشر عاصمة ولاية دارفور بالطائرة ، بعد أربعة أيام من إصدار مذكرة التوقيف الدولية ، قد أعلن مسبقاً عن نيته وعزمه زيارة دارفور ، فسبقته وصاحبته مئات وكالات الأنباء ، التي غطت مختلف جوانب الزيارة ، ورصدت حجم الاستقبال الشعبي الذي رافق زيارته ، حيث تجول البشير في شوارع مدينة الفاشر في عربةٍ مكشوفة ، محيياً الجماهير التي خرجت لاستقباله والترحيب به ، فما بدا عليه خوف ، ولا خالجه قلق .
ولم يكتفِ الرئيس السوداني عمر حسن البشير بزيارة دارفور ، بل عقد العزم على أن يجول على بعض الدول العربية والصديقة ، ليؤكد من أرضها على موقف السودان الصلب والثابت ، دون خوفٍ يرتابه ، ولا قلق يربكه ، رغم التحذيرات الدولية باعتقاله ، والتحريض السافر الحاقد الذي يمارسه موريس أوكامبو ضده ، أن السودان سيبقى بلداً مستقراً آمناً مطمئناً ، وأن أهله سيتعايشون فيما بينهم في حبٍ وسلام ، وأن اتفاقيات السلام الموقعة ستمضي ، ولن يتمكن أي طرف من النيل من استقرار السودان .
وفي الوقت الذي أبدى فيه الرئيس البشير تحدياً لقرار محكمة الجنايات الدولية الظالم ، فإن الدول العربية والصديقة التي استقبلت الرئيس السوداني قد شكلت تحدياً من نوعٍ آخر ، فقد أعلنت باستقبالها البشير رفض الاستعمار القضائي الغربي الجديد ، وأكدت على احترام سيادات الدول ، ودعت إلى عدم اختراقها والتدخل في الشؤون الداخلية لبلادها ، ودعت الغرب إلى التوقف عن محاولات التدخل في الشؤون الداخلية السودانية ، وهي مواقف نضالية تتوق وتتطلع إليها الجماهير ، خاصةً أن بعض حكومات الدول الغربية كانت تتوقع وتأمل أن تقوم هذه الحكومات بتطبيق مذكرة التوقيف الدولية باعتقال البشير ، ولكن أملهم قد خاب ، وها هي كرة التضامن العربية والدولية الرسمية مع السودان تزداد وتكبر يوماً بعد آخر ، والدول التي تستضيف الرئيس السوداني أصبحت تتسابق في دعوته ، ورغم الضغوط الكبيرة التي تتعرض لها قطر التي ستستضيف القمة العربية الحادية والعشرين لعدم دعوة البشير للمشاركة في أعمال القمة ، إلا أنها قد وجهت الدعوة له مرتين للمشاركة ، وجاء استقبال العاصمة الأريتيرية أسمرة للبشير ليؤكد على أن أفريقيا متضامنة ، وأنها لن تسمح لأحدٍ بالتدخل في شؤونها ، وأما استقبال الرئيس المصري محمد حسني مبارك للرئيس البشير في القاهرة فهو موقفٌ يحسب لمصر ، الدولة العربية الكبرى ، والتي ينتظر منها أن تلعب دوماً دوراً كبيراً في الدفاع عن قضايا الأمة العربية ، ولا شك أن استقبال مصر للبشير سيشجع غيرها من الدول على استقباله ، وسيدفعها إلى رفض واستنكار قرار محكمة الجنايات الدولية ، ولهذا شكلت زيارة البشير إلى ليبيا مزيداً من التحدي السوداني والعربي لقرارات المحكمة ، وتأكيداً على الدور العربي المتضامن مع السودان ، بل والمتضامن مع نفسه ، لأن سيل التدخل الأجنبي في شؤون الدول الأفريقية والعربية لن يتوقف عند السودان فقط .
أما الذين يتآمرون على السودان من داخله فإن التاريخ لن يرحمهم ، وقد علمنا التاريخ أن الذين يخونون شعوبهم وبلادهم سيكون الخزي والهوان مصيرهم ، فليست رجولةً ولا وطنية أن ندعو المستعمر الجديد ليتدخل في شؤون بلادنا ، وليس العراق علينا ببعيد ، فماذا جر عليه التدخل الأمريكي سوى ملايين من القتلى والمهجرين العراقيين ، بعد أن نهبت خيراته ، واستبيحت مقدساته ، لذا فإن على بعض الأطراف السودانية أن تؤوب إلى رشدها ، وأن تعود إلى دينها ووطنها ، وأن ترفض أن يهان أبناء وطنها بأيديهم ، وعليهم أن يرفضوا أن يكونوا أدواتٍ في أيدي الغربيين ، يستخدمونها مطيةً ووسيلةً للوصول إلى أهدافهم ومراميهم القذرة ، فالعدو أبداً لا يحترم ولا يقدر من يتعاون معهم ضد بلاده ، ولن يحفظ للخائنين وداً ، مهما بلغ حجم التعاون معهم ، والتاريخ خير شاهدٍ على ذلك ، وأنتم أدرى الناس بأن ما يحدث في دارفور ليس إبادة ولا جرائم حربٍ ولا جرائم ضد الإنسانية ، وإنما هي شعاراتٌ فضفاضة يبثها الغرب ليتمكن من تقسيم بلادكم وتمزيقها ، فأنتم جزءٌ من الشعب السوداني العربي المسلم الذي حمل الإسلام وقيمه إلى قلب أفريقيا ، فكان له الفضل الكبير في حمل منارة الإسلام إلى دياجير أفريقيا ، فلا تتنكبوا لبلادكم ولا تنقلبوا على قيمكم ، ولا تخسروا أنفسكم ، وعودوا إلى بلادكم قلباً واحداً وصفاً واحداً ، والتفوا حول قيادتكم للنهوض بدارفور وكل ولايات السودان .
أما لسان حال الأمة العربية والإسلامية فهو الرفض التام للسياسة الغربية التي تحاول الانتقام من السودان ، لمواقفه وسياساته المؤيدة للحق الفلسطيني ، والمساندة لنضاله ضد العدو الإسرائيلي ، ولذا لا بد من موقفٍ عربي وإسلامي رافض ومستنكر لهذه المذكرة ، بل ولكل التدخلات الغربية في شؤون البلاد العربية والإسلامية ، فالحياة وقفة عز ، والتاريخ يحفظ صناع المجد ، ورواد المرحلة ، فعلى رؤساء وملوك الدول العربية ألا يقبلوا بانعقاد القمة العربية دون مشاركة الرئيس السوداني عمر حسن البشير ، لأن منع البشير من المشاركة يعني القبول بالتدخلات الأجنبية في شؤوننا ، وإذا منع البشير اليوم فسيمنع غيره غداً ، ولن يتوقف الحال عند السودان فقط ، لذا لا بد من وقفةٍ عربية صادقة ، تحقق التضامن العربي ، وترفض أن توجه إهانةٍ لأي عربيٍ أياً كان ، فكرامة العرب اليوم مستهدفة ، وإرادتهم مقصودة ، وليس المقصود من المسعى الدولي ضد السودان إحقاق العدل ، وشيوع السلام ، إذ أن الظلم في غير السودان بينٌ وجلي ، واستهداف المدنيين وقتلهم ، وتخريب البيوت والمساكن والمزارع والمصانع واضحٌ للعيان ، واستخدام القوة المفرطة ، والأسلحة المحرمة الدولية معروفٌ ومرصود ، لا في فلسطين وحدها ، بل في العراق وأفغانستان أيضاً ، ولكن المجتمع الدولي لا يحرك ساكناً ضد المخالفين الحقيقيين للشرعة الدولية ، ويتركهم أحراراً دون مذكرات توقيف ولا محاولات اعتقال ، لأن المقصود ليس العدل بل الانتقام .
آخر تحديث لهذه الصفحة:الأحد 29 مارس 2009م