مصر تلمع صورة ليبرمان
د.مصطفى يوسف اللداوي
كاتبٌ وباحثٌ فلسطيني
هل طُلبَ من الحكومة المصرية أن تُجَمِّل صورة أفيغودور ليبرمان ، وأن تلطف من حدة مواقفه المتطرفة ، وأن تسوقه في العالم العربي رغم مواقفه المتطرفة تجاه العرب الفلسطينيين والمصريين معاً ، وقد كان من المستبعد أن تقوم الحكومة المصرية بهذا الدور ، وربما أن نتنياهو نفسه كان متخوفاً من أن تسبب مواقف ليبرمان المتشددة في عزل حكومته وفشلها ، فعلى الرغم من أنه يقود حكومة اليمين الإسرائيلي المتطرف ، إلا أنه كان يخشى أن تؤدي مواقف ليبرمان الموغلة في التطرف والمستفزة إلى المزيد من الانتقادات الدولية لحكومته ، ولكن اللقاء الذي جمع بين مدير المخابرات المصرية الوزير عمر سليمان وأفيغودور ليبرمان خلال زيارته الأخيرة للكيان الصهيوني ، أراح نتنياهو وأثار في الوقت نفسه لدى العرب الكثير من التساؤلات والعديد من الانتقادات إلى الحكومة المصرية ، فهل نسيت مصر أن ليبرمان قد شتم وأهان الرئيس المصري محمد حسني مبارك ، وهو رأس النظام الحاكم ، وعنوان كرامة وسيادة مصر ، وكان قد خاطبه قائلاً " فليذهب إلى الجحيم " ، وكان قد هدد بتدمير السد العالي ، والذي يعني إغراق مصر ، وحرمانها من الماء والكهرباء ، فهل نسيت مصر أن ليبرمان قد أعلن الحرب على الشعب المصري كله ، وهدده بتدمير أهم مؤسساته المدنية ، وقد كان حرياً بمصر أن ترفض أي لقاء بين أيٍ من مسؤوليها وبين ليبرمان ، وهي التي اشترطت اعتذار ليبرمان العلني عن مواقفه المسيئة لمصر ورئيسها قبل زيارته إلى القاهرة ، أو اجتماعه بأي مسؤولٍ مصري ، ولكن عمر سليمان قد أراح ليبرمان من الاعتذار ، دون أن تكلفه عناء التراجع عن مواقفه ، أو محاولة تجميلها أو تخفيف حدتها ، وقد ذكرت صحيفة يديعوت أحرنوت العبرية أن عمر سليمان قد جند نفسه لخدمة دولة إسرائيل ، وهو أمرٌ مستغرب ومستنكر وغير مفهوم ، فكيف تقدم مصر على تلويث يديها بمصافحةِ رجلٍ يعلن أنه لا يتشرف بمصافحة أي عربي ، ويرى أنه لا حق لأي عربي في العيش فوق الأرض الفلسطينية ، وأنه ينبغي تطهير " أرض إسرائيل " من الأغيار " غير اليهود " ، وقد حقق هذا اللقاء لنتنياهو نصراً كبيراً آخر كان ينتظره بعد تكليفه برئاسة الحكومة الإسرائيلية ، وهو موقفٌ يحتاجه قبل زيارته المرتقبة إلى واشنطن ، ولقاءه برئيسها باراك أوباما ، فهو يطمح في أن يسوق حكومته لدى الولايات المتحدة الأمريكية ودول أوروبا الغربية ، وأن يشيع وسطيتها وقبولها من قبل دول الجوار وخاصةً مصر ، ولكن مصر تجاهلت كل هذه الحقائق وآثرت أن يلتقي رئيس مخابراتها بليبرمان ، وأن يوجه إليه دعوةً لزيارة القاهرة ، دون أن يكلف نفسه عناء مطالبته الاعتذار عن كل مواقفه السابقة ، ودون أن يطالب حكومة نتنياهو بالتراجع عن مواقفها ، وقد كان حرياً بمصر أن تضغط على الحكومة الإسرائيلية ، وأن تطالبها بتوضيح مواقفها إزاء العديد من القضايا ، وأن تعطي تفسيراتٍ واضحة ومقنعة لتصريحات ليبرمان ، الذي استقبل سليمان بتصريحاتٍ رافضة للمبادرة العربية ، معتبراً إياها مدمرة لدولة إسرائيل ، أليس حرياً بالحكومة المصرية أن تمارس ضغوطها على الحكومة الإسرائيلية المتطرفة ، بدلاً من أن تمارس ضغوطها على الفصائل الفلسطينية وعلى أبناء غزة المحاصرين الجوعى ، أليس حرياً بمصر أن تطالب الإدارة الأمريكية بلجم ليبرمان وأمثاله ، وأن تدفعه إلى الاعتراف بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني ، بدلاً من أن تمارس الضغوط تلو الضغوط على بعض القوى الفلسطينية لتجبرها على الاعتراف بشرعية دولة الاحتلال ، وأن تقبل بكل الاتفاقيات الدولية التي تشرع احتلاله للأرض ، واغتصابه للحقوق ، وتغض الطرف عن ممارساته واعتداءاته ، أليس حرياً بمصر أن ترفض لقاء أي وزير في حكومة نتنياهو ، فضلاً عن رفض اللقاء بأفيغودور ليبرمان على وجه الخصوص ، في ظل الحملة الإسرائيلية المسعورة ضد سكان مدينة القدس ، وقد باشرت الحكومة الإسرائيلية مهامها بهدم عشرات البيوت المقدسية ، وتسليم بلاغات بهدم مئات البيوت المقدسية الأخرى ، وطرد أبناءها منها ، وإخراجهم من مدينة القدس ، وحرمانهم من هويتهم المقدسية .
غريب هو الموقف المصري الذي يجاهر بالسيادة والحفاظ على الكرامة وخصوصية الدولة ، فيعتقل المتضامنين مع القضية الفلسطينية ، ويلاحق مناصريها ومسانديها ، ويعتبر أنهم يخترقون السيادة المصرية ، ويعتدون على كرامتها ، وأنهم يسيؤون إلى حكومة مصر ، فهل يستوي مثلاً من يقدم الدعم والعون لأبناء غزة المحاصرين مع من يهدد بتدمير السد العالي وإغراق شعب مصر ، هل يستوي من يقدم لأبناء غزة كسرة خبز ، أو بعضاً من المال يعينهم على الحياة ، مع رجلٍ يجاهر بمواقفه الداعية إلى طرد العرب ، وإخراجهم من أرضهم لتبقى أرض " إسرائيل " نقية من غير اليهود ، ويعلن أن عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى أرضهم مرفوضة .
غريبٌ هو الموقف الرسمي المصري ، الذي يوالي العدو ويحارب الأخ ، ويساند الظالم ، ويتخلى عن المظلوم ، ويسد أذنيه عن سماع آهات وصرخات المعذبين في غزة ، ولكنه يصيخ السمع للمنادين بضرورة تحسين صورة إسرائيل ، وإخراجها من مأزقها وأزمتها ، أليس حرياً بمصر أن تعود إلى نفسها ، وأن تؤوب إلى رشدها ، وأن تعود إلى سابق تاريخها الناصع ، ومواقفها الوطنية والقومية التي رسمها أبناء شعب مصر بقيمهم ومبادئهم ، ورووها بدمائهم ، وضحوا في سبيلها بأرواحهم ، إننا وشعب مصر في حاجةٍ إلى مصر العظيمة التي تصنع مجد الأمة ، وتقف إلى جانب قضايا العرب والمسلمين ، مصر التي تخيف بمواقفها القومية كل الأعداء ، وتسر كل المخلصين الصادقين ، فهل إلى مصر العروبة والإسلام من سبيل ؟ ...
آخر تحديث لهذه الصفحة : الاثنين 27 ابريل 2009م