د.مصطفى يوسف اللداوي
كاتبٌ وباحثٌ فلسطيني
جولة أخرى جديدة من جولات الحوار الفلسطيني الداخلي في القاهرة ، ولكنها جولةٌ محكومٌ عليها بالفشل مسبقاً ، إذ ستناقش فيها ذات القضايا ، وستطرح ذات المواقف ، ولا تغيير يذكر في مواقف المتحاورين ، ولا في وجوه وأشخاص ممثلي الأطراف ، ولا تغيير في موقف مصر المحابي لطرفٍ دون آخر ، كما أن الأمل في نفوس الفلسطينيين قد تضاءل وتراجع ، وبدأ الفلسطينيون يصفون الجولة القادمة بأنها جولةٌ فاشلة ، ولن يكتب لها النجاح ، وأنها ستكون كسابقاتها بل أكثر إحباطاً منها ، ويشيع الفلسطينيون والمراقبون أن مفتاح نجاح المفاوضات في نظر السلطة الفلسطينية ومصر والولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل ، هو اعتراف حركة حماس الصريح والواضح بدولة إسرائيل ، وأنه بدون اعتراف حماس بشرعية الدولة العبرية ، وهو الشرط الذي قد يتطور في الأيام القادمة إلى مطالبة حماس بالاعتراف بإسرائيل دولةً يهودية ، فإن الحوار الفلسطيني لن يصل إلى أي نتيجة تذكر ، وهذا ما أكده أحمد قريع رئيس وفد فتح المفاوض الذي طالب حماس بالاعتراف الكريستالي الشفاف الواضح بدولة إسرائيل ، مؤكداً أنه بدون تحقيق هذا الشرط فإن أحداً لن يعترف ولن يبارك الاتفاق الفلسطيني ، وبالتالي لن يتم الاعتراف بالحكومة الفلسطينية القادمة ، وستبقى الأزمة الفلسطينية قائمة ، بل قد تتفاقم وتتعقد .
وتدرك حركة حماس أن المطلوب منها يعني أن تثور على ثوابتها وقيمها الوطنية والعقدية ، وأن تتنكر لكل الثوابت الوطنية الفلسطينية ، وأن تتراجع عن كثيرٍ من شروطها التي تضعها على طاولة المفاوضات ، وتدرك أن عليها أن تتنكر للشهداء والأسرى ، ولكل من قدم وضحى من أجل فلسطين ، وأن تقدم على طاولة المفاوضات الجندي الإسرائيلي الأسير جيلعاد شاليط ، بعد أن تتراجع عن قائمة الشروط التي تمسكت بها ، وعرضتها أكثر من مرة على الوسيط المصري .
وعلى حركة حماس أن تقبل بعد ذلك بحكومة تكنوقراط لا تشارك فيها ، ولا تترأسها ، وعليها أن تتخلى عن حقها في تسمية رئيس الحكومة ، وألا يكون من بينها أعضاء بارزون من حركة حماس ، ولا مقربون منها ، ولا يكون مقر الحكومة العتيدة في غزة ، بل يجب أن يكون مقرها في مدينة رام الله عاصمة السلطة الفلسطينية ، وعليها أن تقبل بسلام فياض في حال اختاره رئيس السلطة الفلسطينية رئيساً للحكومة الفلسطينية القادمة ، إذ أنه مرشح الولايات المتحدة والمجتمع الدولي ، كما أنه مرشح إسرائيل ومصر ، وإلا فإن على حركة حماس أن تقبل بحكومةٍ يرأسها ويديرها الرئيس ، وبذا تتخلى حماس عن الحكومة برنامجاً وأعضاءً ورئاسة ، وتنأى بنفسها عن الحكم ، وتتخلى في الوقت نفسه عن دور المعارضة .
كما على حركة حماس أن تتلو فعل الندامة في غزة ، وتفكك أجهزتها الأمنية ، وقواها الشرطية ، وتستسلم لقادة الأجهزة الأمنية القادمين من رام الله ، وتفسح المجال للمدربين والمؤهلين في الأردن وغيرها ليعيدوا بناء الأجهزة الأمنية الفلسطينية بمساعدةٍ عربية على أسسٍ مهنية ، يكون من أولى مهامها جمع سلاح المقاومة الفلسطينية ، واعتقال وتجريم المقاومين ، وإعادة بناء السجون والمعتقلات ، وإعادة ثقافة الإهانة والإساءة والتعذيب ، وتخليص الأجهزة الأمنية الفلسطينية من ذوي اللحى ، ومن أئمة ورواد المساجد ، ورجال الوعظ وخطباء الجمعة ، وعلى حماس أن تنسى أبناءها في الضفة الغربية ، وأن تتوقف عن تحريضهم ودفعهم لنيل حقوقهم ، وإنما عليهم أن يقبلوا العيش الكريم في كنف السلطة الوطنية الفلسطينية ، ووفق الهامش الذي تمنحه لهم ، على أن يكون لحماس بعد ذلك حق المطالبة بتحسين ظروف المعتقلين في سجون السلطة من المنتسبين إليها ، وتمكين ذويهم من زيارتهم والاطمئنان عليهم ، ولكن على حماس ألا تطمع في الإفراج عنهم ، أو إطلاق سراحهم ، فهم مجرمون مخالفون للقوانين يستحقون العقاب ، بينما على أجهزة أمن حماس في غزة أن تفرج عن كل المعتقلين لديها ، وأن تتوقف عن ملاحقة المتهمين بالتعامل أو التخابر مع العدو الإسرائيلي ، لأنهم في حقيقة الأمر لم يكونوا متعاونين مع إسرائيل ، بل كانوا يتعاونون مع السلطة الفلسطينية في رام الله وبتوجيهٍ منها ، التي ترى أنه من حقها كسلطة شرعية أن تستعيد سلطاتها الضائعة في قطاع غزة .
كما أن على حركة حماس أن تضع رأسها بين الرؤوس ، وأن تلتحق بمنظمة التحرير الفلسطينية على الحال الذي هي عليه الآن ، دون أن تطالب أو تشترط إعادة بناءها ، ولا استعادة دورها ، وأن تتوقف عن المطالبة بأن تتمثل في منظمة التحرير الفلسطينية ومختلف مؤسساتها بنسبةٍ تضاهي فيها نسبة حركة فتح ، وألا تصر على مواقفها الداعية إلى اعتماد النظام الانتخابي المختلط آليةً لإجراء الانتخابات القادمة ، وأن تتوقف عن المطالبة بتزامن الانتخابات التشريعية مع تلك التي تشكل المجلس الوطني الفلسطيني ، تمهيداً للخضوع لإعادة انتخاب محمود عباس رئيساً للسلطة الفلسطينية .
هذه بكل بساطة شروط نجاح الحوار الوطني الفلسطيني ، وهي شروطٌ بسيطة وواضحة وسهلة ، قد مشى عليها السابقون فنجو ، واتبعها من سبق فحققوا الأمن والأمان لأبناء الشارع الفلسطيني ، واستطاعوا بعد أن التزموا بها ثلاث عشرة سنة خلت أن يحظوا باحترام وتقدير الإدارات الأمريكية ، التي تفضلت عليهم ومنحتهم صفات الاعتدال ورجال السلام ، وأنهم أصدقاء إسرائيل ، والأمناء على مصلحة الشعب الفلسطيني ، واستطاعوا أن ينزعوا من الإدارة الأمريكية الراحلة وعداً بدولةٍ فلسطينية تتفضل بها إسرائيل عليهم ، كما استطاعوا أن يحققوا ازدهاراً وانتعاشاً اقتصادياً غمر الشارع الفلسطيني ، وحقق نمواً اقتصادياً ، وفائضاً مالياً ، ورفاهيةً عز أن توجد في موناكو ومونت كارلو ، فإذا كانت حماس حريصة على إعادة إعمار قطاع غزة ، وإعادة بناء ما خلفه ودمره العدوان ، فما عليها إلا أن تقبل بكل الشروط التي سبقت ، وأخرى غيرها قد تجد وتسجد ، وأن تبقى قابليتها مفتوحة لأي شروطٍ أمريكية أو إسرائيلية جديدة ، خاصة بعد استلام اليمين الإسرائيلي رئاسة الحكومة الإسرائيلية ، والتي قبلت بأن يكون ليبرمان معبراً عن مواقفها ، ومصرحاً لشروطها وثوابتها الجديدة .
أفلا ترون أن مفتاح الحل كله في يد حركة حماس وحدها ، فهي بكبريائها وصمودها وصلابتها وتمسكها وتشددها وحفاظها على المبادئ والمثل ، وحرصها على معاني العزة والكرامة ، وصدقها مع الشهداء والأسرى إنما تؤخر كل حل ، وتعيق كل اتفاق ، أفلا ترون أن العيش بين الحفر بذلٍ وهوان أفضل بكثير من الموت في الحفر بعزةٍ واقتدار ... انصحوا حركة حماس بما شئتم لتصنعوا معها الحياة ، أو لتموتوا مع أشباه الأحياء بين الحفر .
آخر تحديث لهذه الصفحة : الاثنين 27 ابريل 2009م