بعد أن فتحت الحكومة المصرية معبر رفح لمدة يومين قبل حلول شهر رمضان المبارك ، وسمحت بعبور مئات من الفلسطينيين العالقين على الجانبين ، ممن يحملون إقاماتٍٍ خارج فلسطين ، أو الطلاب الذين تأخروا عن الالتحاق بجامعاتهم ، وبعض المرضى الذين ساءت أحوالهم الصحية ، ألا يحق لنا أن نتساءل عمن يملك قرار فتح وإغلاق معبر رفح ، ومن الذي يقوم بحصار أهل غزة ؟ ويحرم سكانه من السفر والعلاج ومن الطعام والوقود والكهرباء ، ومن الذي تسبب في وفاة عدة مئات من مرضى قطاع غزة ؟ ومن الذي يخلق معاناة السكان المعذبين المحرومين من كل سبل الحياة الكريمة ، ألا يحق لنا أن نتساءل من هو الذي يملك عملياً مفاتيح معتقل " قطاع غزة " ، فيفتح البوابات ويغلقها متى شاء ، أهي إسرائيل التي مازالت تحتل كل الأرض الفلسطينية ؟ أما زال جنودها يقفون على بوابات رفح ، ويمنعون السلطتين الوطنيتين المصرية والفلسطينية من فتح المعابر بينهما ؟ أم أن الولايات المتحدة الأمريكية تمنع مصر من فتح البوابات ، وتجبر الحكومة المصرية على القيام بدور السجان في معتقل قطاع غزة ، أليست مصر دولة مستقلة وذات سيادة ، ومن حقها الدستوري السيادي أن تفتح حدودها من جانبها متى شاءت ، وأن تغلقها متى شاءت ، ولكن الحقيقة أن الحكومة المصرية تحسن إغلاق معبر رفح ، وقد زادت من عدد أفراد الشرطة الذين يحرسون بوابة صلاح الدين ، وزودتهم بكل معدات وآليات قمع الشغب ، ومواجهة المتظاهرين ، والتصدي للجائعين والمرضى من المحاصرين ، وحتى الذين يواجهون الموت بعد ساعاتٍ تعجز الحكومة المصرية عن تقديم العون لهم .
وقد شهدت الحكومة الإسرائيلية ، بناءاً على تقارير أمنية إسرائيلية أخيرة ، بتحسن أداء الشرطة المصرية ، وحرس الحدود المصري ، الذين أثبتوا للجانب الإسرائيلي مصداقية كبيرة في ضبط الحدود الفاصلة بين قطاع غزة ومصر ، حيث أعلن الجانبان معاً أن الأمن المصري تمكن من اكتشاف وتدمير أكثر من مائتي نفق بين رفح المصرية ورفح الفلسطينية ، وكان الإسرائيليون قد طالبوا الحكومة المصرية مراراً بضرورة ضبط حدودها مع قطاع غزة ، متهمين الجانب المصري بالتساهل أو التستر على عمليات تهريب السلاح والأموال عبر الأنفاق ، وكانت الإدارة الأمريكية قد مارست ضغوطاً على الحكومة المصرية للتشديد على ضبط الحدود ، ولإعادة بناء السياج الفاصل على الحدود ، والتزمت بدفع مبلغ 30 مليون دولار لتغطية نفقات إعادة بناء السياج ، وتزويده بمعداتٍ وتجهيزاتٍ إليكترونية لضمان عمد استخدام الحدود في حفر أنفاق جديدة ، وبالتالي لاستخدامها في تهريب السلاح والبضائع ، ونجحت الأجهزة الأمنية المصرية في تدمير الأنفاق ، ولكنها تعمدت قتل من فيها ، إذ تقوم الأجهزة الأمنية المصرية بضخ غاز سامٍ في الأنفاق ، الأمر الذي من شأنه أن يقتل كل من فيها ، وقد سجلت الشهور الأخيرة استشهاد أعدادٍ كبيرة من الفلسطينيين داخل الأنفاق ، أما اختناقاً ، أو نتيجة لانهيار الأنفاق عليها .
وتوقفنا السفينتان الأوروبيتان اللتان تمكنتا من كسر الحصار والوصول إلى شواطئ غزة ، لتسلط الضوء على معاناة أكثر من مليون نصف فلسطيني محاصرين داخل قطاع غزة ، وقد سمحت الحكومة الإسرائيلية للسفينتين بأن ترسوا على شواطئ غزة ، وأن تقدما ما تحمله من مؤنٍ ودواء إلى سكان غزة ، وتعتبر هذه هي المحاولة الإنسانية الأولى لخرق الحصار المفروض على سكان قطاع غزة من قبل الجانب الإسرائيلي ، ولكن يوجد على الجانب المصري عشرات الحملات والقوافل الإنسانية ، العربية والأجنبية ، والتي قطعت آلاف الأميال لتصل إلى غزة ، ولكن الحكومة المصرية تمنع هذه القوافل من الدخول إلى القطاع ، ومازال العديد منها موجود في العريش وفي مناطق قريبة من الحدود المصرية – الفلسطينية ، ولكن السلطات المصرية تحول دون عبورهم ، وكثير من الأدوية والمؤن التي تحملها هذه القوافل قد فسدت نتيجة طوال الانتظار ، في ظل الارتفاع الشديد في درجات الحرارة .
إن من حق المواطن العربي أن يعرف أن الحصار المطبق على قطاع غزة هو مشددٌ أكثر من الجانب المصري ، بينما بقية البوابات الإسرائيلية الأخرى تفتح بين الحين والآخر ، وأحياناً تفتح يومياً ، ويسمح لشاحنات الوقود والمؤن الغذائية بالدخول إلى قطاع غزة ، وأكثر من مرة قام أهلنا الفلسطينيون من أبناء المناطق المحتلة عام 1948 بإدخال مؤنٍ ومساعدات إلى قطاع غزة ، عبر بوابة إيريز الإسرائيلية ، بينما عشرات القوافل الأخرى مازالت مجمدة ومعطلة على بوابات صلاح الدين في الجانب المصري .
إن مصر مطالبة بوقفةٍ عربية سيادية جادة وصادقة ، أولاً تجاه سيادتها التي تخترق أمريكياً وإسرائيلياً ، وتكبل بقيود معاهداتٍ بائسة مع الجانب الإسرائيلي ، فمن حق الحكومة المصرية أن تفتح الحدود من جانبها ، وليس من يلزمها بإغلاقها ، بل من واجبها أن تفتح بوابة رفح لتسمح لمئات المصريين العالقين في الجانب الفلسطيني بالعودة إلى وطنهم ، فليس هناك قانون يمنع دولةً من ممارسة سيادتها في تسهيل عودة مواطنيها إلى بلادهم ، وقد كان بإمكان الحكومة المصر الاعتماد على اجتياح الحشود الفلسطينية في 23 يناير / كانون الثاني الماضي للحدود الفلسطينية – المصرية لتسوية الخلل القائم ، ولفرض معادلة جديدة على الجانب الإسرائيلي ، إما أن تعود إسرائيل لتزويد قطاع غزة بكل احتياجاته الإنسانية ، وهي مازالت دولة احتلال ، ويفرض القانون الدولي عليها حماية السكان الخاضعين للاحتلال ، وتوفير مستلزمات العيش لهم ، أو أن تتوقف إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية عن الضغط على الحكومة المصرية ، كي تحكم إغلاق بوابات العبور بأيدي عربية مصرية ، إنه من حق المواطن العربي في ظل شهر رمضان المبارك ، أن يتساءل من الذي يغلق المعابر ، ويفرض الحصار ، ويزيد في معاناة القطاع ، وإلا فإننا في انتظار هبةٍ جماهيرية فلسطينية جديدة ، يقودها الجوع والفقر والمرض والحاجة ، تجتاز الحدود ، وتحطم البوابات من جديد ، وتخلق تلاحماً شعبياً عربياً نتوق له .