فياض وحلم العودة
د. مصطفى يوسف اللداوي
كاتبٌ وباحثٌ فلسطيني
يطمح الدكتور سلام فياض رئيس حكومة تصريف الأعمال بالعودة إلى رئاسة الحكومة الفلسطينية من جديد ، ويتمسك رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس بتسميته رئيساً للحكومة القادمة ، ويعتبر أن على الأطراف المتحاورة في القاهرة وغزة أن تقبل به مرشحاً لرئاسة الحكومة ، موحياً بأنه وحده من يستطيع أن يرفع الحصار المفروض على قطاع غزة ، وأنه الوحيد القادر على إعادة العلاقات الفلسطينية الأمريكية والأوروبية ، فهو محل ثقة الولايات المتحدة الأمريكية ، وصاحب الحظوة والمكانة لدى دول الاتحاد الأوروبي ، وهو الذي يمسك بمفاتيح الدعم المالي الدولية ، وباسمه تتدفق الأموال ، وتتحرر الأرصدة المجمدة ، وينطلق قطار الإعمار والبناء ، ومعه تلتزم إسرائيل باتفاقياتها مع السلطة الفلسطينية ، وتحترم تعهداتها لها ، وتتوقف عن مختلف أعمال الاعتداء والخرق والقتل والاعتقال والاجتياح والمصادرة ، وهو الذي تثق إسرائيل في قدرته على ضبط الأمن في المناطق ، واستعادة الهدوء ، وإطلاق ورشات الإعمار والبناء ، ومكافأةً له ستفتح إسرائيل سجونها ، وستطلق سراح المئات من المعتقلين فيها ، وهو الذي يستطيع إقناع رئيس الحكومة الإسرائيلية بأن يلتقي مع رئيس السلطة الفلسطينية ، فضلاً عن لقاء وزير الخارجية الإسرائيلي المتطرف أفيغودور ليبرمان ، وفياض المشهود له باعتداله ووسطيته وقبول المجتمع الدولي له ، وصيته الذائع في أوساط أرباب المال وسدنة البنوك والمؤسسات المالية ، بنزاهته ومصداقيته ومهنيته ، قادرٌ على أن يفضح تطرف الحكومة الإسرائيلية ، وأن يكشف حقيقتها الرافضة للسلام ، وأنها ليست شريكاً حقيقياً للسلام ، وأنها غير مهيأة لعقد اتفاقيات سلام مع شركائها وجيرانها ، ولهذا فإن على عقلاء الفصائل الفلسطينية أن يقبلوا بسلام فياض رئيساً لحكومتهم القادمة ، فهو طوق النجاة ، وباب الفرج ، وبغيره تغرق البلاد ، ويلحق بالفلسطينيين الموت والدمار والمزيد من الحصار ، وتقاطعنا دول العالم ، ونتهم بأننا نقف ضد مصالح شعبنا ، ونعرقل المعونات الدولية والمساعدات الإنسانية .
وعلى الجانب الفلسطيني يرى محمود عباس أن فياض قادر على أن يجري الانتخابات الفلسطينية الرئاسية والتشريعية ، وأن تكون الانتخابات ديمقراطية ونزيهة ، فتشارك فيها كل أطياف المجتمع الفلسطيني ، ويستطيع فياض أن يبني أسس مجتمعٍ مدني فلسطيني خالٍ من السلاح ، وقائم على النظام واحترام شرعية مؤسسات السلطة ، كما أنه مؤهلٌ لأن يعيد بناء المؤسسات الأمنية الفلسطينية ، بما يخلصها من الفئوية والحزبية ، وأن يكسبها مهنية وعلمية قادرة على ضبط الحياة المدنية في الضفة الغربية وقطاع غزة .
وتؤيد الحكومة المصرية وهي الراعية للحوار الفلسطيني وجهة نظر محمود عباس ، وتعتقد أنه لا بديل في هذه المرحلة عن فياض رئيساً للحكومة الفلسطينية ، وتمارس مختلف الضغوط على حركة حماس لتقبل به رئيساً لحكومة تكنوقراط أو مستقلين ، وينقل عمر سليمان من واشنطن الشروط الأمريكية لإتمام الحوار الفلسطيني الداخلي ، ومنها أن سلام فياض هو رئيس الحكومة الفلسطينية الجديدة ، وهو أمرٌ توافقت عليه أيضاً دول الاتحاد الأوروبي ، ورأت أن فيه مصلحة للشعب الفلسطيني كله ، فهو قادر على صياغة بيان وزاري يلتزم ويحترم الاتفاقيات الدولية ، ويعترف بقرارات الشرعية الدولية ، ولا يجد حرجاً من الاجتماع بالمسؤولين الإسرائيليين ، وهو الذي سبق له الاجتماع عشرات المرات بوزيرة الخارجية الإسرائيلية ، وشارك في مختلف المنتديات والمؤتمرات الدولية ، وكسب احترام وتقدير قادة العالم .
أما حركة حماس فترفض عودة سلام فياض مجدداً رئيساً للحكومة الفلسطينية ، وتتشدد في موقفها الرافض لتسميته أو القبول به ، وتتمسك أولاً بحقها الدستوري كصاحبة أكبر كتلة نيابية في تسمية رئيس الحكومة ، وهي إن كانت تبدي الاستعداد للتنازل عن حقها في أن يكون رئيس الحكومة من بين أعضائها ، فإنها ترفض التخلي عن حقها في التسمية والترشيح ، وترفض تماماً أن يكون فياض رئيساً للحكومة القادمة ، وتتهمه بأنه أمريكي الهوى ، ومرتبط بأجندةٍ أمنية أمريكية ، وأنه جاء ضمن مخطط دايتون الأمني ، بل ترى أنه مغتصب للسلطة الشرعية ، وأن حكومته تفتقر إلى الشرعية الفلسطينية ، وأنها لم تنل ثقة المجلس التشريعي الفلسطيني ، وتتهمه حماس بأنه بعيدٌ تماماً عن الاهتمامات والهموم الفلسطينية الوطنية ، وأنه رعى الممارسات الأمنية البشعة للأجهزة الأمنية الفلسطينية في الضفة الغربية ، وحول حكومته في رام الله إلى حكومة بوليسية همها الأول ملاحقة أبناء حركة حماس واعتقالهم وتعذيبهم ، وتحمله مسؤولية مقتل العديد من معتقليها في السجون جراء عمليات التحقيق والتعذيب الوحشية التي تعرضوا لها على أيدي العناصر الأمنية الفلسطينية ، كما تتهمه بأنه يجري عمليات تنسيق أمنية مع العدو الإسرائيلي ، وأنه أحال حكومته في رام الله إلى حكومة أمنية إسرائيلية بالوكالة ، تمارس ذات الدور القمعي الإسرائيلي لكن بأيدي فلسطينية ، وتتهمه بأنه يمارس الإقصاء السياسي ، والقمع الأمني ، وأنه وراء الكثير من المفاسد التي يعاني منها المجتمع الفلسطيني ، ويهمه أن يفشل الحوار الوطني ، وتتهمه بأن له أزلامٌ يحركها في صفوف حركة فتح ، يطبقون سياسته ، وينفذون أجندته ، بعد أن اشترى ذمم العديد منهم ، فأسر بعضهم بالمال بعد أن أغدق عليهم ، وحارب البعض الآخر وحبس عنهم الموازنات المالية ، وضيق عليهم سبل الصرف ، فأصبح له داخل حركة فتح رغم أنه لا ينتمي إليها ، تيارٌ كبير موالي ، يخدمه ويطبق أجندته الخاصة ، ولهذا طالبت بعض كوادر حركة فتح بإقالة حكومة سلام فياض وتشكيل حكومة فتحاوية خالصة ، تقف بالمرصاد لحكومة حماس في غزة ، وتضع حداً لطموحات فياض الكبيرة ، حيث يتطلع من منصبه كرئيس حكومة أن يحل محل محمود عباس في رئاسة السلطة الفلسطينية مطلع العام القادم .
ويتساءل الفلسطينيون عن الرخاء الاقتصادي الذي يعد به المجتمع الدولي في ظل حكومة فياض القادمة ، فأين كان هذا الرخاء الاقتصادي خلال حكومته الحالية ، إذ لم يرَ الفلسطينيون تحسناً اقتصادياً ولا رخاءاً اجتماعياً ، بل تعيب عليه حركة حماس وفلسطينيو غزة أنه حرم آلاف الموظفين الغزيين من رواتبهم ، بحجة أنهم ينتمون إلى حركة حماس ، ويتبعون الحكومة المقالة في غزة ، فزادت في عهده البطالة ، وتفاقم الفقر ، وضاقت سبل العيش على المواطنين الفلسطينيين ، وأصبحت الوظائف حكراً على فريقٍ دون آخر ، وأخضعها في صغيرها وكبيرها لانتقائية حزبية وفئوية ضيقة ، لا في غزة وحدها بل في مدن الضفة الغربية التي لم تتوقف إسرائيل يوماً عن اجتياحها ، واعتقال المئات من أبناءها ، دون أن يكون لرئيس الحكومة العتيدة أي موقف دولي أو إسرائيلي حيال هذه الممارسات لمنعها ، ولا ينسى فلسطينيو غزة مطالبة فياض للمجتمع الدولي بعدم صرف المعونات الدولية لإعادة إعمار غزة عبر حكومة هنية ، باعتبار أنها حكومة حركة حماس ، مطالباً أن تتم عملية الإعمار عبر حكومته .
والفلسطينيون في أغلبهم ، كما العرب ونخبتهم من المراقبين ، يرون أن سلام فياض غريبٌ عن أهله وشعبه ، شاذٌ في طباعه ومسلكه ، فهو خيار غير أبناء شعبه ، ومسمى أعداء وطنه ، يرخي السمع للغريب ، ويصم آذانه عن القريب ، فاسمه مع دايتون قد ارتبط ، وشاعت حكومته بأنها حكومة دايتون الأمنية الأمريكية ، فمن الغريب أن يتمسك هو بخيار العودة رئيساً ، وهو يعلم أن من سماه هم ألد أعداء وطنه ، وأن شعبه يشك في وطنيته وصدق انتمائه ، أليس حرياً بفياض أن يرحل وأن يعود من حيث أتى ، وأن يرفض أن يكون رئيس حكومة معادية ، تقوم بمهامٍ قذرة بالوكالة ، وليعلم فياض أن حظوته لدى الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا لن تنفعه إن فقد أهله وشعبه ، وأن من فقد داره فقد مقداره ، وإن كان صادقاً في استقالته مدعياً أنها لتسهيل مهمة الحوار الداخلي فليبتعد ، ولينأى بنفسه عن الحياة السياسية الفلسطينية ، وأن يخاطب المجتمع الدولي كله رافضاً أن تكون حقوق شعبه منوطةً بوجوده هو دون غيره ، وإلا فإنها استقالة لذر الرماد في العيون ، ومحاولة لتحسين صورته ليس إلا ، والعودة إلى الحكومة من بابٍ آخر .