د.مصطفى يوسف اللداوي
كاتبٌ وباحثٌ فلسطيني
تكاد تكون المحافظة على حياة الجندي الإسرائيلي الأسير في قطاع غزة جيلعاد شاليط هي الأهم لدى المقاومة الفلسطينية ، التي تؤمل كثيراً على حياته لإتمام صفقة تبادل الأسرى مع العدو الإسرائيلي ، إذ أن مبادلته حياً بأسرى ومعتقلين فلسطينيين ستكون أفضل بكثير مما لو كان ميتاً ، وستجبر المقاومة الفلسطينية إسرائيل على دفع ثمنٍ باهظ ومؤلم ثمناً لعودته إلى أسرته ، إذ من المتوقع أن تشمل صفقة تبادل الأسرى بين الطرفين قرابة ألف معتقل ، منهم 450 معتقلاً من ذوي الأحكام العالية ، رغم أن الطرفين لم يتوصلا بعد إلى صيغة نهائية للصفقة ، حيث تعثرت المفاوضات بين الطرفين أكثر من مرة ، وتعطلت بسبب التعنت الإسرائيلي المتكرر ، حيث ترفض إسرائيل القائمة التي أعدتها حركة حماس ، وتقوم في الوقت نفسه بوضع معايير جديدة ، واشتراطات مختلفة للإفراج عن المعتقلين الفلسطينيين ، ومنها إبعاد عددٍ منهم إلى خارج الضفة الغربية وقطاع غزة ، لكن التجارب السابقة كلها تفيد بأن العدو الإسرائيلي سيضطر في النهاية إلى إنجاز الصفقة ، وسيدفع الثمن مهما كان باهظاً ، وسيخضع في نهاية المطاف إلى الشروط الفلسطينية ، وكما حرص أيهود أولمرت رئيس الحكومة الإسرائيلية السابق على إنهاء عهده بالإفراج عن شاليط ، فإن اليمين الإسرائيلي بزعامة نتنياهو سيوقع على الصفقة ، وسيكون مستعداً لدفع ثمنٍ أكبر من ذاك الذي كان أولمرت على استعداد لدفعه ، إذ أن مستقبل نتنياهو السياسي يرتبط بدرجة كبيرة بملف شاليط ، وكان قد أعلن في خطابه الأول أمام الكنيست الإسرائيلي أنه سيبذل كل جهده لعودة شاليط إلى بيته وعائلته ، وسيشكل بقاؤه في الأسر أزمةً كبيرة له ولحكومته .
وقد دفع الفلسطينيون ثمناً كبيراً جداً من أجل شاليط ، إذ منذ الساعات الأولى لأسره في قطاع غزة ، في الخامس والعشرين من يونيو / حزيران 2006 ، في عملية الوهم المتبدد الذي قادها مقاتلو كتائب الشهيد عز الدين القسام ، لم تتوقف الغارات الإسرائيلية على قطاع غزة ، ولم تتوقف عمليات الاغتيال والتصفية التي قامت بها إسرائيل ضد مطلوبين وقياديين في الضفة الغربية وقطاع غزة ، وواكبت إسرائيل حملتها العسكرية بحملةٍ أمنية محمومة ، طالت العديد من وزراء ونواب حركة حماس في الضفة الغربية ، وحاولت أن تجعل منهم رهائن في يدها مقابل الإفراج عن جيلعاد شاليط ، ففقد الفلسطينيون المئات من الشهداء ، وآلاف الجرحى والمصابين خلال سعي إسرائيل المحموم لاستعادة جنديها الأسير ، وفرضت إسرائيل حصاراً مشدداً على قطاع غزة ، ألحقت بسببه الأذى الشديد بمختلف قطاعات الحياة في القطاع ، فضلاً عن المعاناة الشديدة التي تسبب بها الحصار ، وحالات الوفاة العديدة التي تعرض لها المرضى والمصابون جراء منعهم من السفر للعلاج ، أو منع وصول الأدوية المطلوبة لهم ، ومنع الطلاب وذوي الحاجات من السفر .
وجاء العدوان الإسرائيلي الأخير نهاية العام 2008 على قطاع غزة لتأديب حركة حماس ، ومنع عمليات التهريب والتسليح ، ولكن كان الإفراج عن شاليط أحد أهم أهداف العدوان على قطاع غزة ، ولكن كل المحاولات الإسرائيلية العسكرية والأمنية قد باءت بالفشل ، وبقي آسروا الجندي الإسرائيلي يحتفظون به أسيراً داخل قطاع غزة ، ومن يعرف قطاع غزة جيداً يدرك أنه من الصعب جداً أن يختبئ فيه أحد ، أو أن يتوارى عن الأنظار بين جنباته طويلاً ، فقطاع غزة صغير في مساحته فهي لا تتجاوز 365 كيلو متراً مربعاً ، وتنشط فيه كل الأجهزة الأمنية الإسرائيلية ، وعشرات الأجهزة الأمنية الغربية ، وبعض استخبارات الدول العربية ، بالإضافة إلى الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية في رام الله ، ولكن أحداً من كل هؤلاء لم يتمكن من رصد أو معرفة مكان وجود جيلعاد شاليط ، ولم تنفع كل محاولات الرصد والمتابعة والتجسس والرقابة والتصوير والتحقيق في كشفِ أي شئ عن حقيقة وجود شاليط ، أو مكان أسره ، على الرغم من وجود عشرات طائرات الاستطلاع الإسرائيلية التي تحلق فوق سماء قطاع غزة ، لياً ونهاراً ، تصور وترصد كل شئ في أنحاء القطاع ، وتتعامل مع كل معلومةٍ صغيرة كانت أو كبيرة ، ولكن إسرائيل بكل ما لديها من تقانة أمنية عالية ، وبالرغم من التعاون الدولي الكبير معها ، إذ جندت الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي ، والرئيس الأمريكي السابق جيمي كارتر ، والحكومة المصرية ، وعشرات الدبلوماسيين الغربيين الذين يحاولون الاتصال بحركة حماس ، والتوسط للإفراج عن شاليط ، إلا أن كل هذه المحاولات قد باءت بالفشل ، إذ لن يتمكن أحدٌ غير الأسرى الفلسطينيين من الإفراج عن شاليط ، فثمن حريته هو حرية المعتقلين الفلسطينيين أنفسهم ، لذا فإن حياة جيلعاد شاليط لدى الفلسطينيين غالية وعزيزة ويجب الحفاظ عليها ، ففي حياته ترى كل أمٍ فلسطينية حرية ابنها المعتقل ، وتنتظر من خلال بقاءه حياً أن ترى ولدها المغيب ، فتدعو الله أن يطيل في عمر شاليط حتى تتم الصفقة ، وأن يحفظ حياته حتى يتم الإفراج عن الأسرى والمعتقلين ، وهذا الأمر ليس بالجديد ، إذ أنه ووفق التجارب السابقة التي تم فيها أسر جنودٍ إسرائيليين ، فإن آسريهم كانوا يحرصون على حياتهم ، ويسهرون على سلامتهم ، ويقدمون لهم أفضل الطعام ، ويخضعونهم لفحوصاتٍ طبية دورية ودقيقة ، للتأكد من صحتهم وسلامتهم وخلوهم من أي أمراض ، حتى أنهم يلقون رعاية طبية ومتابعة يتمناها الكثيرون من آسريهم ، فالجميع يدرك أن سلامة الأسرى الإسرائيليين تعني زيادة عدد المعتقلين المفرج عنهم ، وعلى الرغم من حمم الموت الذي أطلقته القوات الإسرائيلية على قطاع غزة ، ومئات آلاف الأطنان من المتفجرات التي دكت كل مكان في غزة ، فزلزلت جوانب القطاع ، وهزت باطن الأرض فيه ، ولم تترك مركزاً أو مؤسسة أو مدرسة ، فدمرت البيوت والمساكن والمدارس والمساجد ، وقتلت الآلاف ، إلا أن المقاومة تمكنت من الحفاظ على حياة شاليط ، وأن تنأى به عن القتل ، واستطاعت أن تحفظه في أماكن آمنة ، فلم تعرض حياته للخطر ، فلم تنجح إسرائيل من خلال حملتها العسكرية من تجريد حركة حماس من ورقتها الرابحة ، التي تستخدمها بقوة في مساومة إسرائيل لتحرير سجنائها ، وقد تبين أن الجيش الإسرائيلي كان مستعداً لقتل شاليط خلال عدوانه على قطاع غزة ، إذ أن الطائرات الإسرائيلية قد أغارت أكثر من مرة على مجموعاتٍ فلسطينية تمكنت من أسر جنودٍ إسرائيليين في غزة ، فقتلتهم والجنود الإسرائيليين ، إذ كانت تخشى أن تتورط مع المقاومة بأسرى آخرين ، وهي التي جاءت لتتخلص من ورطة شاليط ، فلا تريد أن تغوص في أزمةٍ أشد ، فتدفع ثمناً أكبر .
وكانت حركة حماس قد سمحت لجيلعاد شاليط بتوجيه ثلاث رسائل نصية ، وأخرى صوتية إلى عائلته منذ أسره ، وذلك استجابةً منها لمساعي الرئيسين الأمريكي السابق جيمي كارتر والفرنسي نيكولا ساركوزي ، الذي تعهد أمام والدي جيلعاد بالعمل على الإفراج عنه ، ذلك أن جيلعاد يحمل إلى جانب الجنسية الإسرائيلية الجنسية الفرنسية ، وأوضح جيلعاد من خلال رسائله أنه يلقى رعاية جيدة من آسريه ، وأنه لا يتعرض للأذى ، ولكنه حث رئيس حكومته للعمل الجاد من أجل الإفراج عنه ، وعودته إلى والديه ، لذا فليس غريباً أن تسمع في غزة ولو مزاحاً " اللهم احفظ شاليط " ، " اللهم أمد في عمره " ، أو أن يمازح المقاتلون بعضهم " في صحة شاليط " ، ولا تجد أحداً يدعو عليه بالموت والهلاك ، إذ أن موته قد يشكل خسارة كبيرة لكل الذين يأملون في استعادة الأسرى والمعتقلين ، لذا فإن شاليط آمنٌ في سجنه ، معافىً في بدنه ، سليماً من أي مرضٍ أو عاهة ، وإن الفلسطينيين الذين دفعوا كثيراً في غزة والضفة الغربية وفي القدس ، وبعد العدوان الإسرائيلي الغاشم على قطاع غزة ، الذي خلف آلاف الشهداء والجرحى ، فإن أحداً من أبناء الشعب الفلسطيني لن يقبل أن يتم الإفراج عن شاليط دون الاستجابة الكاملة للشروط الفلسطينية ، ولن يساوموا على شروطهم ، ولن يتنازلوا عن مطالبهم ، بل إن الفلسطينيين لن يتوقفوا عن محاولات أسر جنودٍ إسرائيليين آخرين حتى يتم الإفراج عن جميع أسراهم ومعتقليهم ، وهذا هدفٌ مشروع لهم ، فإسرائيل لم تتوقف يوماً عن اعتقال عشرات الفلسطينيين ، والزج بهم لفتراتٍ طويلة في السجون والمعتقلات ، ومن أجل جندي إسرائيليٍ أسير قامت بتدمير كل قطاع غزة ، أفلا يحق للفلسطينيين أن يعملوا كل شئ من أجل الإفراج عن كل معتقليهم ، فاللهم يا الله " احفظ شاليط ، ومد في عمره ، واحفظه من كل سوءٍ حتى يعود أسرانا " .
آخر تحديث لهذه الصفحة : الاريعاء 8 ابريل 2009م