تستحضر وسائل الإعلام الإسرائيلية كلما "دق الكوز بالجرة" وتصاعدت حالة التوتر على الجبهة اللبنانية او الفلسطينية تلك النظريات والعقائد الحربية التدميرية ، وفي الآونة الأخيرة تسارعت وتيرة التصعيد الحربي ، فغصت الصحافة العبرية بسلسة تصريحات لقادة ومحللين عسكريين إسرائيليين تحمل التهديد والوعيد بالدمار والخراب والمذابح الجماعية ضد لبنان وسوريا وفلسطين ، وهي العقيدة الحربية التي اخذوا يطلقون عليها اسم:عقيدة الضاحية". فلسطينياً برأي البروفيسور الاسرائيلي المتشدد دان شيفتن فإن هذه العقيدة تتطلب "زرع دمار غير قياسي في النقاط والبؤر الحساسة لمطلقي الصواريخ على إسرائيل ، والهدف ليس اصطياد الصاروخ الأخير ، وإنما فرض تغيير جوهري في معادلة الكلفة والجدوى للمقاومة عن طريق رفع عنصر الكلفة بشكل دراماتيكي.. إن ما سيحدد نتائج الحرب ، استعداد إسرائيل لفعل الأعاجيب ، وبصورة أساسية الرد بشكل منفلت العقال ضد إطلاق الصاروخ الأول بعدها"(يديعوت أحرونوت).
وهذا الوضع سيجعل "حماس -هكذا يأملون- تفكر عشر مرات قبل أن تقرر تنفيذ عملية إرهابية ما من قطاع غزة ، بعد أن ترى كيف تبدو غزة ، ينبغي لها أن تكون مجنونة كي تضغط مرة أخرى على الزناد" ، (أليكس فيشمان) وكان البروفيسور مارتين فان - كرفيلد (أستاذ الدراسات العسكرية في كلية التاريخ في الجامعة العبرية ، وأحد كبار المتخصصين في الإستراتيجية العسكرية) طرح هذا الخيار ، في وقت مبكر ، داعيا إلى توجيه ضربة قاسية للفلسطينيين للانفصال نهائيا عنهم. وقال"لا جسور مفتوحة ولا علاقات اقتصادية ولا سياسية ، وفصل مطلق على مدار جيل أو جيلين ، أو وفقاً لما يحتاجه الأمر..لإعادة ميزان الردع..هذه الأمور يجب أن ننفذها بسرعة مطلقة وبقوة دون أن نتأسف.. أنا في هذه الحالة سأستعمل المدفعية وليس الطيران لأنني أريد أن أنظر إليهم في عيونهم إذ لا فائدة من هذه الحملة إن لم تبرهن بأعمالك أنك يمكن أن تعمل كل شيء.. علينا أن نضربهم بقسوة بكل ما بوسعنا حتى لا نعود إلى ذلك وحتى لا يهاجموننا من الخلف عند خروجنا ، علينا أن نضرب بكل قوة وقسوة بحيث لا نحتاج إلى ضربة ثانية.. من الأفضل جريمة واحدة وثقيلة نخرج بعدها ونغلق الأبواب من خلفنا".
ولبنانياً في اقرب مقال تحليلي له تحت عنوان: "لبنان اثر هجوم الكلمات" قال المحلل العسكري لصحيفة يديعوت احرونوت اليكس فيشمان : "من المحظور ان نقع في الخطأ: التهديد من جنوب لبنان بالنسبة لاسرائيل حقيقي وهو آخذ في التزايد يوما بعد يوم ، رغم ذلك ليست في اسرائيل اية نية لتحقيق الواقع القائم ، هذا لا يمنع السياسيين عندنا من اطلاق تصريحات معاكسة تماما. كما ان هذه التصريحات تتمخض في الواقع عن استراتيجية اسرائيلية جديدة تجاه لبنان: ليس هناك المزيد من الفصل بين حكومة بيروت وحزب الله ، كل حادثة مع حزب الله في اسرائيل او في الخارج هي تحت مسؤولية لبنان كدولة ، ولان حزب الله هو جزء من حكومة لبنان فكل حرب ضد حزب الله تعني الحرب مع دولة لبنان ، ليس هناك شك ان سخونة تموز حزيران قد دفعتنا الى الصعود فوق شجرة عالية".
وكان قد جاء على لسان غيورا آيلاند ، الرئيس السابق لشعبة التخطيط والعمليات في القيادة العامة "أن الهدف الأول للهجمات الجوية حال اندلاع مواجهات مع حزب الله يجب أن يكون البنى التحتية للدولة اللبنانية" ، ويقترح آيلاند ، تحذير لبنان في أقرب وقت ممكن وتهديدها بأنه "في الحرب القادمة سيتم تدمير جيش لبنان وستدمر البنى التحتية المدنية وسيعاني السكان اللبنانيون" ، ويتابع: "لا يمكنهم في بيروت الذهاب إلى البحر بينما في حيفا يجلسون في الملاجئ ـ ".
ويرى آيلاند إن "إسرائيل خسرت حرب لبنان الثانية وقد تخسر الحرب الثالثة ، لأنها تحارب العدو غير الصحيح ، إذ انها تحارب حزب الله بدل دولة لبنان" ، ويتابع قائلا "التحسن في قدرات حزب الله منذ الحرب يتوازن مع التحسن في قدرات الجيش الإسرائيلي ولكن الأهم: لا يمكن الانتصار على تنظيم غوريلا يعمل تحت غطاء دولة محصنة من الرد".
ويتابع: "وكون حزب الله يبني تحصيناته تحت القرى الجنوبية فإن ذلك يشكل صعوبة على قدرات الجيش على المناورة ، كما أن تركيز الجهود على مناطق الإطلاق لن ينجح في تقليص عدد الصواريخ التي ستتلقاها إسرائيل إلى أقل من عدة عشرات في اليوم".
وربما يكون المحلل يارون لندن خير من شرح دلالات وتداعيات "استراتيجية الضاحية اذ كتب في يديعوت احرونوت تحت عنوان:"استراتيجية الضاحية" يقول:"هو تعبير يتجذر في الخطاب الامني الاسرائيلي ، فالضاحية هي الحي الشيعي في بيروت ، والتي في اثناء حرب لبنان الثانية جعله طيارونا مدينة اشباح ، وفي الصدام التالي مع حزب الله -يقتبس على لسان ايزنكوف - لن نكبد انفسنا عناء صيد عشرات الاف وسائل اطلاق الصواريخ ولن نسفك دم جنودنا في محاولة السيطرة على "المحميات الطبيعية" ، بل سندمر لبنان ولن نخشى احتجاجات "العالم" ، وسندمر الـ 160 قرية شيعية التي اصبحت القواعد العسكرية الشيعية ولن نوفر البنى التحتية للدولة التي يسيطر عليها حزب الله عمليا".
ونقول - ليس مفاجئا اليوم كل ذلك ، كما لم يكن مفاجئا ذلك بالامس القريب او البعيد على حد سواء ...فاليوم هو استمرار للامس عندهم ولكن بادوات احدث واشد بشاعة وارهابية . ولذلك نثبت في الخلاصة المفيدة باندهاش كبير: هذه هي الاستراتيجية الاسرائيلية الجديدة اذن ترتكز الى فكر المحارق والابادة الجماعية...، وهذه هي الطبيعة الارهابية الاجرامية الاسرائيلية على حقيقتها...، فلماذا يتهافت العرب في ضوء كل ذلك اذن على التطبيع الشامل مع تلك الدولة ويهربون من المسؤولية التاريخية والعروبية في المواجهة...،؟؟
المركز الفلسطيني للإعلام 18/8/2009