الهجوم على غزة والسقوط الأخلاقي للغرب (الإنساني)
لاشك في أن العمليات العسكرية التي قامت بها إسرائيل ضد الفلسطينيين المحاصرين في قطاع غزة والتي سميت بـ(الرصاص المسكوب أو المصبوب) وضعت العالم الغربي بصورة عامة في امتحان اخلاقي لا مثيل له في التاريخ الحديث ، وقد كان سقوط الغرب (إنسانياً) و(قيمياً) سقوطاً فاضحاً ومخجلاً .
فعندما يؤيد الرئيس الامريكي جورج دبليو بوش هذه الحرب الدموية على قطاع غزة المحاصر ، وعندما تقول جمهورية التشيك ، رئيسة الاتحاد الاوروبي ان اسرائيل تخوض حرباً 'دفاعية' وليست هجومية ، وعندما تتردد معظم وسائل الاعلام في نشر صور اشلاء الاطفال الذين مزَّقت اجسادهم الطاهرة الصواريخ الاسرائيلية وتسهب في نقل آثار صواريخ 'حماس' على بعض البيوت الاسرائيلية ، فإن هذا هو قمة السقوط الاخلاقي والديني والانساني. انه سقوط انعكس بشكل فاضح على الامم المتحدة التي تخضع لسيطرة الغرب عليها وعلى تعاطيها مع مجمل القضايا الماثلة ، وتلكئها في اتخاذ خطوات عملية سريعة لوقف مجازر القطاع والجرائم النازية التي تجري بين اروقة مدنه واحيائه الضيقة الفقيرة المعدمة ، وتحصد ارواح الأبرياء.
الامم المتحدة اُستخدمت بشكل مخجل لإشعال فتيل الحروب في العراق وافغانستان، وقتل الملايين ولكنها عجزت ، او تم منعها عن اصدار اي قرارات ملزمة لوقف هذا العدوان، ولم نر اي تحرك عربي رسمي لإصلاح هذا الخلل المزري ، ولو بالتهديد بمقاطعة جلساتها، ناهيك عن التهديد بالانسحاب منها احتجاجا على انحيازها للقتل والعدوان. هذا مع العلم بأن الدول العربية تمتلك أوراق يمكن إستخدامها لتحقيق إحترامها على الصعيد الدولي ولكن فقدانها الإرادة هي التي أوصلتها إلى هذه المستوى المريع من الخنوع والهوان . ومن ثم أصبحت كل الأنظمة العربية خارج دائرة الفعل وإنما تتعامل مع ردود الأفعال سعياً لحفظ ماء الوجه. الحكام العرب – حسب كثير من الكتاب والمحللين - يراهنون على اسرائيل لتخليصهم من اشرف ظاهرة في تاريخ هذه الأمة ، وهي ظاهرة المقاومة، وينسون ان جميع الذين راهنوا على اسرائيل من قبلهم لم يجنوا سوى الخزي والعار.
مجازر غزة فضحت نفاق العالم الغربي مرة اخرى ، وبشكل اقوى وأعمق، فالرئيس بوش الذي ينحاز الى العدوان على المحاصرين المجوعين المرتجفين برداً فوق ركام منازلهم ، كان اول من سارع الى ادانة 'العدوان الروسي' على اوسيتيا الجنوبية في روسيا ، وكاد ان يخوض حرباً نووية للتصدي له ، وهو يعلم جيداً ان جورجيا هي المعتدية ، ورئيسها هو الذي اشعل فتيل الحرب وارتكب المجازر. هذا الرئيس المتحضر لم يتردد ، وحكومته ، لحظة في مساندة سرقة اوكرانيا للغاز الروسي، وتبريره بأن هؤلاء محقون في الإقدام على هذه السرقة لمواجهة الصقيع ، بعد ان قطعت عنهم الحكومة الروسية امداداته.
انها اول حرب في التاريخ الحديث، تتم ضد اناس معتقلين خلف القضبان، ومحرومين من اي امدادات انسانية او عسكرية، وممنوع عليهم النجاة بأرواحهم. في جميع الحروب الأخرى، يتم ترك منافذ لخروج الابرياء الى مناطق آمنة خارج نطاق المعارك الحربية، الا في قطاع غزة، فقد جرى اغلاق جميع المعابر ووضعت كل من حكومتي مصر واسرائيل قوات لاطلاق النار على اي انسان يعبر الحدود للنجاة بحياته واطفاله من جراء القصف الجوي والبري والبحري الذي يستهدفهم.
قبل الهجوم الامريكي الهمجي على العراق المحاصر عام 2003 اقامت الولايات المتحدة ، والمنظمة الدولية ، معسكرات لإيواء اللاجئين داخل الحدود السورية والاردنية ، والشيء نفسه حصل في باكستان لاستيعاب اللاجئين الافغان، ولكن عندما يكون الضحايا هم من العرب الفلسطينيين ، ويكون الجلاد اسرائيلياً ، فالملام هو الضحية ، وعليه الموت جوعاً وتمزيقاً وقهراً. اسرائيل القت عشرات الآلاف من المنشورات تطالب فيها اهالي قطاع غزة بمغادرة منازلهم ، ولم تقل لهم الى اين؟ هل ستفتح الحدود لهم لإيوائهم؟ أم ستطلب من حليفتها حكومة مصر القيام بهذه المهمة؟ بل ذهبت إلى أكثر من ذلك حين طلبت في مساء الرابع من يناير بإخلاء مستشفي الوفاء التأهيلي من المرضى بحجة أن حركة (حماس) وفصائل المقاومة الفلسطينية الاخرى تنصب صواريخها بين المدنيين ، لاستخدامهم كدروع بشرية. وهذه الحجج تجافي الواقع تماماً فمساحة قطاع غزة صغيرة ومكتظة بالسكان إلى درجة كبيرة ، كما أنه لا توجد غابات ولا جبال ولا وديان. وحتى اذا كانت تلك الحجج التي تروِّج لها اسرائيل حقيقة ، فلماذا لا تفتح حدودها للمدنيين الفلسطينيين وتستقبلهم على ارضها ، التي هي ارضهم في الأساس، وتقدم لهم كل المعونات وكرم الضيافة طالما انها تدعي الحرص على حياتهم، مثلما يردد المسؤولون الاسرائيليون في لقاءاتهم مع القنوات العربية والأجنبية. وقد ظهر جليَّاً أن اسرائيل تستهدف كل الفلسطينيين خاصةً المدنيين، والأطفال منهم بالذات ، حتى تطمئن الى عدم وجود اجيال قادمة ترفع راية المقاومة ، وتواصل ما بدأته الاجيال الحالية والسابقة ، وهذا ما يفسر وحشية العدوان والقصف المستمر على الجامعات والمدارس والاحياء المدنية والمساجد ليل نهار.
وقد أعلن الفلسطينيون مراراً ورغم كل الغارات والمجازر بأنهم لن يغادروا منازلهم ، وسيصمدون في مواجهة العدوان، لانهم قرروا المقاومة والشهادة على ارضهم في مخيماتهم، ومساجدهم. فقد امتصوا صدمة الغارات الجوية التي استمرت لسبعة ايام ولم تنجح في ترويعهم، وهاهم يمتصون 'صدمة' العدوان البري، ويتأهبون لخوض اشرف المواجهات رغم الفارق الكبير في التسليح والعتاد.
الحرب الاسرائيلية على قطاع غزة هي امتداد للحروب الامريكية على العراق وافغانستان، وقبلها على جنوب لبنان ، ومثلما خسرت امريكا وحلفاؤها الاسرائيليون جميع الحروب السابقة ، ولم تنتصر في اي منها، فمن المؤكد ان هذه الحرب لن تكون استثناء. اسرائيل ابتزت العالم بأسره من خلال المحرقة النازية (الهولوكوست) واعمت زعماء الغرب وشعوبه عن رؤية بشاعة الجرائم التي ترتكبها في حق الفلسطينيين ضحايا محارقها على مدى الستين عاماً الماضية، ولكن هذا الابتزاز بدأ يتآكل ويعطي نتائج عكسية تماماً ، فقد ظهرت معالم الصحوة ، وعبرت عن نفسها في هذه المظاهرات الغاضبة التي تجتاح العواصم الغربية. الغربيون يتظاهرون ليس دفاعاً عن الفلسطينيين فقط ، وانما عن امنهم الذي باتت اسرائيل تعرضه للخطر ، وعن اقتصادهم الذي انهار بفعل الحروب التي خيضت دفاعاً عن اسرائيل ، ولإبقائها القوة الأعظم في المنطقة.
بعض القوى الغربية تساند المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية (أوكامبو) في إدعاءاته التي اتهم فيها رئيس الجمهورية بإرتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في دارفور ، ومن ثم طالب بتقديم السيد رئيس الجمهورية عمر حسن أحمد البشير لمحاكم جرائم الحرب ، وقد كانت إدعاءاته سياسية بدرجة أساسية ومدفوعة من قبل بعض القوى الغربية خاصةً الولايات المتحدة ، وفي المقابل كان يجب على المحكمة الجنائية الدولية ومدعيها العام والقوى الغربية التي تدعي حرصها على حقوق الإنسان أن تسعى إلى بتقديم كل الزعماء الاسرائيليين المتورطين في محرقة غزة الى المحاكم نفسها ، ودفع التعويضات لكل ضحايا العرب في العراق وفلسطين ولبنان. ولكن ذلك لن يكون فإسرائيل وقواتها – كما القوات الأمريكية – فوق القانون بسبب إختلال موازين القوى والتعامل مع كل القضايا بإزدواجية فاضحة في المعايير .
اسرائيل بهجومها البري ، وارسال دباباتها الى قطاع غزة افرغت كل ما في جعبتها من اسلحة وخطط ، ولم يبق لها سوى ان تضرب قطاع غزة بقنابلها النووية اذا ارادت حسم هذه الحرب لمصلحتها بسرعة. فقد تورطت مع اشرس شعوب الارض واكثرهم عناداً في الحق، والدفاع عن كرامة هذه الأمة وعقيدتها وعزتها، وهي حتما ستدفع ثمناً غالياً بسقوطها في معترك غزة
آخر تحديث لهذه الصفحة : 5/1/2009م