البطالة هي ظاهرة اقتصادية بدأ ظهورها بشكل ملموس مع ازدهار الصناعة إذ لم يكن للبطالة معنى في المجتمعات الريفية التقليدية. طبقاً لمنظمة العمل الدولية فإن العاطل هو كل قادر على العمل وراغب فيه، ويبحث عنه، ويقبله عند مستوى الأجر السائد، ولكن دون جدوى.
وقد شكل البطالة في السودان واحدة من أهم مشكلات التنمية الاقتصادية ، لكن السنوات العشر الأخيرة شهدت تفاؤلاً من بعض قطاعات المجتمع السوداني بتحسن الوضع الاقتصادي وخلق فرص عمل جديدة للشباب، وذلك بعد البدء بتصدير البترول وتوقيع اتفاق السلام الذي أوقف حرباً استمرت لأكثر من عقدين في جنوب البلاد.
ومن خلال التعريف السابق يتضح أنه ليس كل من لا يعمل عاطل فالتلاميذ والمعاقين والمسنين والمتقاعدين ومن فقد الأمل في العثور على عمل وأصحاب العمل المؤقت ومن هم في غنى عن العمل لا يتم اعتبارهم عاطلين عن العمل.
إن مشكلة البطالة من اخطر المشكلات التى تواجه البلاد نظراً لما لها من آثار سلبية خطيرة على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية ، فعلى المستوى الاقتصادي تفقد الدولة عنصراً هاماً من عناصر التنمية ألا وهو عنصر الموارد البشرية وذلك سواء من خلال عدم الاستفادة بهم وتهميشهم أو من خلال هجرتهم إلى الخارج . أما اجتماعياً فان البطالة توفر الأرض الخصبة لنمو المشكلات الاجتماعية وجرائم العنف والسرقة والقتل والاغتصاب والانتحار ...الخ ، وأمنياً تؤدى إلى انتشار ظاهرة الإرهاب الذى يجد فى العاطلين عن العمل ملاذاً له حيث يستغل نقمتهم على حكوماتهم من اجل خدمة أغراضه وأهدافه.
ويمكن أن نشير إلى ثلاث أنواع رئيسة للبطالة وهي:
• البطالة الدورية (البنيوية) والناتجة عن دورية النظام الرأسمالي المنتقلة دوما بين الانتعاش والتوسع الاقتصادي وبين الانكماش والأزمة الاقتصادية التي ينتج عنها وقف التوظيف والتنفيس عن الأزمة بتسريح العمال.
• بطالة احتكاكية وهي ناتجة عن تنقل العمال ما بين الوظائف والقطاعات والمناطق أو نقص المعلومات فيما يخص فرص العمل المتوفرة.
• البطالة المرتبطة بهيكلة الاقتصاد وهي ناتجة عن تغير في هيكل الطلب على المنتجات أو التقدم التكنولوجي، أو انتقال الصناعات إلى بلدان أخرى بحثاً عن شروط استغلال أفضل ومن أجل ربح أعلى.
• البطالة المقنعة وهي تتمثل بحالة من يؤدي عملاً ثانوياً لا يوفر لهُ كفايتهُ من سبل العيش، أو إن بضعة أفراد يعملون سوية في عمل يمكن أن يؤديه فرد واحد أو اثنان منهم.
وتتلخص أسباب تزايد معدلات البطالة في الآتي:-
- عدم وجود تصور وتخطيط واضح لسياسة التوظيف يمكن ان تراعي معيار الكفاءة والمؤهلات العلمية ومدى استيعاب واحتياجات المؤسسات الحكومية للاختصاصات المختلفة .
- استشراء ظاهرة الوساطة والمحسوبية والولاءات الحزبية والتي اضيفت اليها ظاهرة الانتماءات الفئوية الضيقة وعدم الاكتفاء بانتماء المواطن الى وطنه وما يتمتع به من مؤهل علمي .
- التاثيرات السلبية للتعيينات التي تتم بموجب شهادات مزورة وما يترتب عليها من امتيازات ورواتب غير مستحقة وغير مبررة.
- عدم مواءمة مخرجات التعليم مع سوق العمل .
- ضعف المستوى التعليمي والمهاري لخريجي الجامعات .
- عدم الاهتمام بالتعليم الفني والتقني .
- مساهمة الحكومات غير المباشرة من خلال فرض الضرائب والاستقطاعات وغيرها على الأعمال الخاصة مما يضعف رغبة الإنسان في العمل عندما يشعر بأنه يعمل ويكدح دون أن يتمتع بثمار كده واجتهاده.
- ثقافة المجتمع السوداني تجاه العمل ، ورفض أعمال بعينها كالتمريض والجيش وما إلى ذلك من المهن.
- عدم تشجيع الأولاد على العمل وممارسته في العطل الدراسية.
- النظرة المادية للعمل.
- الولع بالتعليم النظامي والرغبة في نيل الدرجات العلمية.
وتتسبب البطالة في الآتي:-
1. تأخر سن الزواج بالنسبة للشباب،وبتأخر سن الزواج ، يتعرض المجتمع إلى مشكلة أخرى أشد خطورة ، وهي الفساد الخلقي أو الاخلاقي ، وهذا ما أخذ في الانتشار بشكل مقلق ، وأحيانا يحاول الفساد الأخلاقي أن يتخفي وراء مسميات زائفة مثل الزواج العرفي أو أي مسميات أخرى.
2. لجوء بعض الشباب إلى المخدرات بأنواعها المختلفة أو إلى وسائل من اللهو الرخيص ، هروباً أو محاولات هروب ، مما هم فيه من ضيق ، وفي الوقت نفسه ـ إذ لا يجدون المال الذي يلزم للانفاق على المخدرات واللهو ، يلجأون إلى أساليب خاطئة في الحصول على هذا المال.
3. نتائج البطالة أيضاً تفكير كثير من الشباب في الهجرة بحثاً وراء الرزق، دون أن يدرسوا ما ينتظرهم من تلك الهجرة . ومثال لذلك نجد تسلل بعض السودانيين إلى إسرائيل.
4. ويصحب كل ذلك شعور من السخط على المجتمع وعلى الدولة التي تتركهم في هذا الضياع بلا حلول.. هذا السخط قد يكون على الأقل عند بعض من الشباب. وهذا كله قد تستغله بعض الجهات التي تقف ضد الدولة والنظام الحاكم ، لكي تثير المشاعر ، وتحاول جاهدة أن تعبئ نفوس الشباب في اتجاه معارض.
5. تنعكس البطالة التي يعاني منها الشباب على سلوكهم وتلقي بظلالها على المجتمع الذي يعيشون فيه ، ومن ثم تنامي الممارسات والسلوكيات الشاذة المتمثلة في تعاطي المخدرات والإتجار بها والسرقة والاغتصاب والإحساس بالظلم الاجتماعي وما تولد عنه من قلة الانتماء والعنف وارتكاب الأعمال الإرهابية والتخريبية . وهناك فئة أخرى تقوم بالكبت بداخلها مما يتحول بمرور الوقت إلى شعور بالإحباط ويخلق شباباً مدمراً نفسياً وعضوياً.
6. تفيد الإحصاءات العلمية أن للبطالة آثارها السيئة على الصحة النفسية كما أن لها آثارها على الصحة الجسدية ، وأن نسبة كبيرة من العاطلين عن العمل يفتقدون تقدير الذات ويشعرون بالفشل وأنهم أقل من غيرهم، كما وجد أن نسبة منهم يسيطر عليها الملل وأن يقظتهم العقلية والجسمية منخفضة وأن البطالة تعيق عملية النمو النفسي بالنسبة للشباب الذين ما زالوا في مرحلة النمو النفسي .
7. تتسم الاضرار الاجتماعية التي تسببها البطالة بثقل تأثيراتها الاقتصادية والسياسية، لكونها الاكثر عمقاً واثراً على الاوضاع العامة في المجتمع والبلد، عند دراستها كظاهرة لكن هذا الاهمال غير المتعمد للاضرار الاجتماعية التي تسببها البطالة لا يخفيها او يقلل من تأثيراتها المباشرة على الفرد والمجتمع ومستقبل البلد، لأن التأثيرات الاجتماعية السلبية للبطالة هي التي تخلق ابعاد انعكاساتها السلبية السياسية والاقتصادية فالبعد الاجتماعي للبطالة والذي يؤثر نفسيا وجسديا وقيميا على الفرد، هو الذي يخلق ذات التأثيرات السلبية على سياسة واقتصاد البلد، من خلال تأثيراته المباشرة على الفرد والمجتمع.
8. تندرج ضمن قائمة التأثيرات الاجتماعية للبطالة على الفرد، عناصر هدم كبير للبناء الاجتماعي والنفسي والقيمي للفرد، والتي سعى الفرد والمجتمع لاكتسابها على مدى عشرات السنين وترسيخها لدى الفرد ليكسبه صفته الاجتماعية التي تسمح له بالانخراط في الحياة العامة، ولهذه العناصر ابعاد تأثيرية بالوصول اليها او السير نحوها في حال عدم ايجاد حلول لظاهرة البطالة ، لترفع معاول الهدم ولتدفع بالفرد والمجتمع نحو الانهيار النسبي المتدرج لمقوماته
وتعمل جهات عديدة على معالجة مشكلة العطالة منها مشروع تشغيل الخريجين والاستخدام المنتج والاتحاد الوطني للشباب السوداني وبرنامج الأسر المنتجة وغيرها
وتقوم بمعالجات عديدة منها:-
- إيجاد فرص عمل للشباب في القطاعين العام والخاص.
- تمويل مشاريع تنموية.
- التأهيل والتدريب وإكساب مهن ومهارات جديدة.
ويمكن إضافة المعالجات التالية:-
1. الاستمرار في التدريب التحويلي .
2. إعادة النظر في العمل بالمشاهرة .
3. تغيير ثقافة المجتمع السوداني بحيث تعلي من قيمة العمل وتستهجن العطالة مهما كانت الدواعي والأسباب بتسخير وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمشاهدة.
4. توجيه السينما والمسرح وإدارات الدراما بالإذاعة والتلفزيون لانتاج عمل درامي يسهم في معالجة هذه المشكلة إعلاءا لقيم العمل واستهجاناُ للعطالة.
5. توجيه جميع مؤسسات التربية والتثقيف من مدارس وجامعات ودور العبادة والأندية الشبابية ودور الروابط وغيرها للطرق المستمر على مشكلة العطالة وبيان الموقف الشرعي والاجتماعي والأخلاقي السليم تجاه العمل.
6. نشر ثقافة وفلسفة العمل الحر بين الشباب.
7. نشر التجارب الرائدة للناجحين في الأعمال الحرة والفنية والتقنية.
8. نشر وإبراز التجارب الناجحة في الثقافة والمعرفة والإسهام العلمي دون الحصول على درجة علمية مرموقة.
9. عدم تصنيف العمل إلى رفيع ووضيع فالرفعة والوضاعة صفات للبشر وليس للأعمال والمهن.
10. ممارسة العمل كقيمة بغض النظر عن الحاجة إلى المال أو عدمه فربما نستغني عن العمل ـ اليوم ـ لمال ورثناه أو ثراء هبط علينا فجاءة ونحتاج إليه غداً.
11. الاهتمام بتنمية المهن والمهارات أكثر من الاهتمام بالدراسة النظرية.
12. الاهتمام بتمويل المشاريع وخلق فرص الاستثمار وعدم التعويل على خلق الوظائف.
13. تشجيع الشباب على العمل لاكتساب الخبرة ولو بدون عائد مادي فقد تؤهلهم هذه الخبرات لأعمال ووظائف مجزية في المستقبل.
14. تشجيع الأعمال الهامشية والحض عليها في الحالات التالية:-
• عندما يكون الإنسان في فترة انتظار بعد تخرجه من الجامعة أو عند فقده لوظيفته أو عمله لأي سبب من الأسباب.
• عندما لا يملك الشخص شهادة تؤهله للوظيفة أو مهارة وخبرة تمكنه من فتح عمل خاص فالعمل الهامشي أفضل من العطالة أو الانحراف.
• للطلاب الفقراء الذين يرغبون في إكمال دراستهم لسداد المصروفات أو مساعدة أسرهم.
• وعلى الدولة إلغاء أو تخفيض أو تقسيط الرسوم التي تحصلها من أصحاب الأعمال الخاصة وتسهيل إجراءات الحصول على التصاديق ووقف الكشات والحملات فهؤلاء (أشراف) رفضوا الانحراف لكسب المال واستنكفوا البقاء في منازلهم حتى لا يكونوا عالة على غيرهم.