يعيش الكيان الصهيوني أزمةً وجودية حقيقية ، وقد أسفر بوضوحٍ عن أزماته الحقيقية في الذكرى الستين لتأسيس كيانه ، حيث عبر الكثير من المسؤولين الإسرائيليين ، والمعنيون بالملف الإسرائيلي عن أن إسرائيل أصبحت مسكونة بهاجس الحرب ، وأنها تخشى أي حربٍ قادمة ، تشنها بنفسها أو تشن عليها ، ورغم محاولات الإسناد والتطمين الأمريكية والدولية لإسرائيل ، إلا أنها مازالت متخوفة من حربٍ جديدة ، قد تؤثر على مستقبل وجود إسرائيل ، وعلى مستقبل وجود اليهود واستقرارهم في أرض " إسرائيل " ، إذ يرون أن الحرب القادمة ستترك آثاراً مأساوية على ثلاثة ملايين يهودي ، قتلاً وإصابة وتشريداً ونزوحاً ، بما يضمن تدمير المشروع الصهيوني ، ويضع حداً للأحلام الصهيونية في أرض فلسطين .
وقد تناول وزير الأمن والدفاع الإسرائيلي الأسبق ، موشي أرنس في صحيفة " هآرتس " الإسرائيلية ، وهو عسكريٌ وسياسي إسرائيلي مخضرم ، وكان له دور كبير في قمع واضطهاد الشعب الفلسطيني ، تراجع القدرة العسكرية الإسرائيلية لتوفير الحماية للجبهة الداخلية ، فأشار إلى أن إسرائيل عملت على توفير ذلك من خلال تفوقها في سلاح الطيران ، الذي لعب دوراً كبيراً في تحصين وحماية دولة إسرائيل ، وفي منح الشعب اليهودي الثقة الكبيرة في دولته وجيشه ، الأمر الذي أمَّن لإسرائيل المزيد من موجات الهجرة اليهودية إليها ، إلا أن موشيه أرنس أصبح يشكك في قدرة إسرائيل الاستثنائية في المنطقة ، وأن تفوقها العسكري بدأ يفقد بريقه وفعاليته ، مشيراً إلى الخطر الصاروخي الكبير المحدق بالدولة العبرية ، سواء الصواريخ القصيرة المدى التي تملكها حماس وفصائل المقاومة الفلسطينية في داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة ، أو تلك الأكثر تطوراً والتي يملكها حزب الله ، والتي لا يهدد بها شمال " إسرائيل " فحسب ، بل أصبحت قدرته الصاروخية المعلنة تطال قلب " إسرائيل " ، وإذا كان لإسرائيل القدرة على تحمل نتائج الصواريخ قصيرة المدى ، وامتصاص آثارها على السكان والبنية التحتية للبلاد ، فإن إسرائيل غير قادرة أبداً على تحمل أو امتصاص نتائج أي صواريخ بعيدة المدى ، قد تطلق عليها من سوريا أو من إيران ، أو من لبنان .
ويطالب موشيه أرنس بسرعة العمل والتدخل الدولي لإزالة هذه الأخطار المحدقة بدولة " إسرائيل " ، معتبراً وجود هذه القدرة الصاروخية بيد أعداء إسرائيل أنه يشكل خطراً وجودياً على إسرائيل ، ويرى أنه ما لم تقم إسرائيل بالتعاون مع المجتمع الدولي بإعادة تأمين دولة " إسرائيل " ، وإبعاد خطر الصواريخ عنها ، فإن كل المدن الإسرائيلية ستكون بالتأكيد تحت رحمة وابل الصواريخ المعادية .
وأكد أيهود أولمرت رئيس الحكومة الإسرائيلية المنصرف على ذات المخاوف والأخطار التي تهدد الدولة العبرية ، وقد صرح عن مخاوفه لدى زيارته لمقر قيادة الجبهة الداخلية الإسرائيلية ، حيث قال " إن المدن الإسرائيلية ستكون أهدافاً لهجمات الصواريخ في الحرب القادمة " .
ويعتقد فريقٌ كبير من الإسرائيليين أن إسرائيل كانت في السابق قادرة على خوض وشن حروب ضد الدول العربية ، عندما كانت تؤمن أجواءها وسماءها ، وقد كانت الغلبة دائماً للجيش الإسرائيلي في تحطيم أي قدرة معادية على تهديد السماء الإسرائيلية ، أما الآن فإن حماس وحزب الله ، فضلاً عن سوريا وإيران قادرون على تهديد سماء إسرائيل ، وعلى شل قدرة سلاح الطيران الإسرائيلي ، ولو استطاع الجيش الإسرائيلي الصمود في الساعات أو الأيام الأولى للحرب ، فإنه بالتأكيد لن يستطيع الصمود أمام حربٍ طويلة المدى ، لا يبدو في أفقها قرارت دولية أممية تدعو لوقف إطلاق النار ، مما يجعل الجبهة الداخلية الإسرائيلية ساقطة عسكرياً ، نتيجة استهداف المدنيين الإسرائيليين الذين يخشون هذه المواجهة .
كما لم يعد من الممكن القيام باجتياحاتٍ إسرائيلية واسعة داخل الأراضي اللبنانية أو السورية لإبعاد خطر الصواريخ ، وإبعاد مرمى الصواريخ عن الحدود الإسرائيلية ، وذلك لأكثر من سبب ، ومنها امتلاك قوى وفصائل المقاومة لصواريخ ذات مدى أبعد ، قادرة على أن تطلقها من قواعد ومنصات بعيدة عن الحدود ، وقادرة في نفس الوقت على إصابة العمق الإسرائيلي ، فضلاً عن امتلاك حركة حماس والقوى الفلسطينية الأخرى على صواريخ قادرة على الوصول بكل بساطة إلى وسط إسرائيل ، فإلى أي مدى يستطيع الجيش الإسرائيلي إبعاد مدى الصواريخ المعادية ، والقوى الفلسطينية تطلق صواريخها من داخل الغلاف الحيوي الإسرائيلي .
أما الخطر الوجودي الصاروخي الحقيقي الذي تخشاه إسرائيل ، فهو القدرة الصاروخية الكبيرة المنطلقة من سوريا ، التي أصبحت تمتلك منظومات صاروخية أكثر دقة ، ولديها القدرة على حمل رؤوساً كيمائية ، فضلاً عن الخطر الصاروخي المنطلق من إيران ، ذات المساحة الكبيرة ، والتي تمتلك القدرة على إمطار إسرائيل بوابلٍ متصل من الصواريخ ، التي تستطيع الانطلاق من مناطق عديدة في الأراضي الإيرانية ، فضلاً عن الكثافة النارية التي تستطيع أن تؤمنها قواعد ومنصات الصواريخ الإيرانية ، وبعضها محلي الصنع ، بما يضمن استمرارية المعركة من الجانب الإيراني ، ولن تتمكن منظومة الصواريخ المضادة للصواريخ ، سواء أكانت أرو الإسرائيلية ، أو منظومة باتريوت الأمريكية من وضعِ حدٍ لخطورة حرب الصواريخ البالستية ، ويستخف كثير من الخبراء العسكريين بفكرة القبة الفولاذية التي تفكر إسرائيل في إنشاءها ، لأن كثافة الصواريخ وتعدد مصادرها ستضعف كثيراً من فعالية الصواريخ المضادة ، فضلاً عن عجز الطيران الإسرائيلي عن إسكات وتدمير منصات الصواريخ الإيرانية ، نظراً لبعدها ، ولسعة انتشارها في عمق الأراضي الإيرانية ، رغم منظومة الرادارات الأمريكية الحديثة ، والتي تستطيع أن ترصد لحظة إطلاق الصواريخ ومساراتها ، والزمن الذي تستغرقه للوصول إلى أهدافها ، الأمر الذي يسهل عملية تدميرها في الجو قبل وصولها إلى أهدافها ، ومازالت إسرائيل التي تنظر بخطورة شديدة إلى امتلاك إيران للسلاح النووي ، ترى أنه من المستبعد قيام إيران باستخدام ترسانتها النووية في أي حربٍ قادمة ضد إسرائيل ، وبالتالي فإن التخوف الإسرائيلي يقوم على ما هو أقل خطورة وهو الصواريخ البالستية .
إن إسرائيل أصبحت خائفة من أي حربٍ قادمة ، وهي وإن حاولت التعبير عن قوتها وتفوقها ، إلا أنها تدرك أن خصومها وأعداءها باتوا يملكون عوامل قوةٍ أكثر منها ، وأن الزمن ليس في صالح إسرائيل ، التي لن تملك من القوة العسكرية أكثر مما ملكت وتملك الآن ، والتي لم تستطع ترسانتها وآلتها العسكرية إخافة أصحاب الحق ، إلا أن المقاومة التي كانت ضعيفة فإنها اليوم أقوى ، والتي كانت مجردة من السلاح أصبحت اليوم تمتلك أسلحةً متطورة ، وقدرة على الإصابة أكبر ، وقد كانت المقاومة سابقاً أفراداً قلائل ، ولكنها اليوم مجموعات كبيرة ومنظمة ، وقد أصبحت المقاومة ثقافة ومنهجاً وتربية ، بما يجعل من الصعب على إسرائيل اختراقها أو تدميرها مهما بلغ حجم ترسانتها العسكرية .