أن تعترض قوات كوماندوز اسرائيلية سفينة متجهة الى سوريا، وبغض النظر عن حمولتها، فهذا يشكل عملاً من اعمال القرصنة، وانتهاكاً للقانون الدولي، وبما يصب في نهاية المطاف في مصلحة تشريع الإرهاب، وتوسيع دائرته، وزعزعة إستقرار المنطقة والعالم بأسره ايضاً. نقل شحنات أسلحة من ايران الى سورية امر منطقي، تماماً مثله مثل نقل اسلحة من موسكو إلى ايران او صربيا او سوريا، فلا يوجد نص في القانون الدولي يحرّم هذه المسألة، والا كيف جرى تسليح جيوش اكثر من مئتي دولة عضو في الامم المتحدة، وكيف بلغت مبيعات السلاح العالمية اكثر من مئة مليار دولار سنوياً، تحتل اسرائيل المرتبة الرابعة على قائمة الدول المصدرة للأسلحة؟ اسرائيل تعطي لنفسها الحق في بناء صناعة عسكرية متطورة، تقليدية ونووية، وتصدير انتاجها التدميري الى مختلف دول العالم الراغبة في الشراء، بما في ذلك الهند والصين، حتى ان افيغدور ليبرمان وزير الخارجية الإسرائيلي اصطحب معه عشرة ممثلين لهذه الصناعة اثناء جولته الأفريقية الاخيرة، التي شملت دول منابع النيل، لتسليح هذه الدول وتحريضها على تحويل مياه النيل باقامة سدود قد تقلص من حصة مصر مستقبلاً، ولكنها تعمل في الوقت نفسه على مصادرة حق الدفاع عن النفس بالنسبة للآخرين، والعرب على وجه الخصوص.
واعمال القرصنة الإسرائيلية، البحرية والجوية والأرضية، كثيرة يتعذر سردها في هذا المكان، وكلها تتم في وضح النهار ودون اي اعتراض دولي، خاصة من الدول التي تدعي الإنتماء الى العالم الديمقراطي الحر، ولكننا نرى مؤتمرات دولية، وتنسيقات عسكرية، وتجريماً غير مسبوق لجوعى صوماليين يقدمون على خطف سفن، بطريقة بدائية، من اجل الحصول على فديات مالية، بعد ان دمر الغرب المتحضر دولتهم، وحوّلها الى دولة فاشلة. هذه هي المرة الثانية في اقل من ستة اشهر تقدم فيها اسرائيل على التحرش بسوريا، وتتعمد إستفزازها بطريقة مهينة. ففي المرة الاولى ارسلت طائراتها لتدمير موقع عسكري في منطقة الكبر في الشمال الشرقي (قرب دير الزور) تحت ذريعة انه معمل نووي قيد الانشاء بمساعدة كورية شمالية، وها هي تعترض سفينة متجهة الى أحد الموانئ السوريا. لم نسمع اي رد فعل سوري على اعمال القرصنة هذه، وربما لن نسمع، فالسوريون مقتّرون في الحديث عن مثل هذه الاعتداءات الاسرائيلية، على عكس القضايا الأخرى، ولكن الصمت لا يفيدهم في هذه الحالة، بل ربما يعطي نتائج عكسية تماماً، فقد بدأ السوريون، والعرب جميعاً من خلفهم، يشعرون بحرج كبير من جراء تواصل مثل هذه الاهانات وغياب اي رد عليها بطريقة او اخرى.
إسرائيل تستعد للحرب لإستعادة ما تبقى من كرامتها المهدورة بعد هزيمة قواتها اثناء حرب لبنان صيف عام 2006، وللخروج من ازماتها الحالية، وعزلتها الدولية، وتصاعد الكراهية لها عالمياً، بعد مجازرها في قطاع غزة، وادانتها بارتكاب جرائم حرب من قبل تقرير غولدستون الأممي، ولهذا لن يكون مستبعداً ان تحاول خلط الاوراق من خلال عدوان مزدوج على لبنان وقطاع غزة، لجر سوريا وايران الى حرب اكثر اتساعاً. ولهذا لا تريد وصول اي اسلحة جديدة، وخاصة صواريخ مضادة للطائرات، الى حزب الله حتى تظل الاجواء اللبنانية مرتعاً لها 'تتبختر' فيها طائراتها الحربية دون اي ازعاج.
وما يجعلنا نرجح هذا الافتراض عدة أمور:
اولاً: مفاوضات الغرب مع ايران حول برنامجها النووي ووقف تخصيبها اليورانيوم وصلت الى طريق مسدود، ورفض المرشد الاعلى السيد علي خامنئي للمقترح الغربي المقدم اثناء محادثات فيينا بنقل اليورانيوم الايراني منخفض التخصيب الى روسيا وفرنسا يعــــني ان ايران ماضية قدماً في مشاريعها النووية، وان لا خيار امام الغرب، والولايات المتحدة، غير القبول بهذه المشاريع والتعايش معها، او مواجهتها بحصار اقتصادي خانق، او هجمات عسكرية، او الاثنين معاً. ثانيا: منذ اشهر و'الخبراء' الإسرائيليون يتحدثون عن نقل سوريا مخزونها من الاسلحة الى حزب الله في لبنان، ونجاح حركة 'حماس' في قطاع غزة بتطوير قذائف صاروخية يصل مداها الى مدينة تل ابيب، الامر الذي يجعل من اجتياح القطاع مسألة حتمية، بسبب التهديد الخطير الذي يشكله امتلاك 'حماس' لمثل هذه القذائف الصاروخية. ثالثا: حدوث انقلاب في الموقف الامريكي تجاه العرب والمسيرة السلمية، عبرت عنه السيدة هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية اثناء جولتها الاخيرة في المنطقة، بتأييدها غير المتحفظ لخطط نتنياهو الاستيطانية، وتخليها عن شرط تجميد البناء في المستوطنات لاستئناف المفاوضات والعملية السلمية بالتالي. فهذا الانقلاب يعني ان ادارة اوباما بدأت تعطي اولوية للبرنامج النووي الإيراني، وتتبنى وجهات النظر الاسرائيلية المطالبة بازالته بالقوة العسكرية.
العرب، ونحن نتحدث هنا عن الانظمة، منقسمون حالياً الى ثلاثة معسكرات رئيسية: الاول يؤيد بالكامل الموقف الامريكي، والإسرائيلي بالتالي، بتدمير اي طموحات نووية ايرانية، ويفضل هذا المعسكر الوسائل العسكرية. والثاني يتحالف مع ايران (سوريا) ويقف في خندقها علناً، وينسق معها سياسياً وعسكرياً. والمعسكر الثالث يضم مجموعة من الدول التي لا تريد اي دور عربي في مواجهة اسرائيل او غيرها، بعضها بحجة الإتجاه افريقياً، والبعض الآخر بحجج التركيز على التنمية، والبعض الثالث بحجة عدم اغضاب امريكا، وهكذا.وغياب الفعل العربي، واتباع السلام كإستراتيجية وحيدة، واسقاط جميع الخيارات الأخرى، ولو نظرياً، هو الذي أدى الى تشجيع هذه العربدة الإسرائيلية وتغوّلها، مثلما نرى حالياً. السيد عمرو موسى امين عام جامعة الدول العربية قال لنا اثناء انعقاد مؤتمر القمة الاقتصادية في الكويت، ان مبادرة السلام العربية لن تظل مطروحة الى الابد، وانه سيتولى 'شخصيا' البحث عن بدائل اخرى لمواجهة الرفض الإسرائيلي المهين لها. ولا نعرف ما اذا كان السيد موسى يبحث عن هذه البدائل، ام انه نسيها، مثلما نسي والزعماء العرب الآخرون، شيئاً اسمه الكرامة العربية المهدورة امام هذه الاستفزازات الاسرائيلية المتكررة.
لا نتوقع رداً رسمياً عربياً على اعتراض إسرائيل لسفينة الاسلحة المزعومة هذه، فقد اعتدت اسرائيل على لبنان وقطاع غزة ولم يتحرك احد، وخطفت سفينة تقل نشطاء دوليين من المياه الاقليمية المصرية كانت في طريقها لكسر الحصار على غزة، وجاء الرد المصري على هذه الاهانة بتدمير المزيد من الانفاق، وتشديد الحصار اكثر على قطاع غزة، فانتهاك السفن الحربية الاسرائيلية للمياه الاقليمية المصرية امر عادي، لكن محاولة افريقي جائع التسلل الى اسرائيل عبر الحدود مع سيناء فأمر خطير، عقابه القتل رمياً بالرصاص. والسؤال الذي يتبادر الى ذهني وربما ذهن الملايين من العرب الآخرين هو متى ستستطيع الحكومات العربية التصدي لمثل هذه الاختراقات الفاضحة لسيادتها واجوائها؟ وهل سيأتي اليوم الذي نرى فيه فرق كوماندوز عربية تتصدى الى سفن تحمل اسلحة الى اسرائيل في عرض البحر وتقودها الى الموانئ العربية لتفتيشها لانها تنقل هذه الاسلحة لدولة معتدية تحتل اراضي عربية، وترتكب جرائم حرب في حق عرب ومسلمين ابرياء.
المصـدر القـدس العـربي : 5 نوفمـبر 2009