واقع حركة حماس في ظل المصالحة
د. حسن صنع الله
هناك دائما فرق شاسع بين التصريحات السياسية وبين السياسات الممارسة على ارض الواقع، وعليه فان أي حركة أو حزب سياسي لا يمكن الحكم على تصريحاتها السياسية إلا إذا وافقت تصريحاتها سياساتها وممارساتها، وهذا الكلام ينطبق على حركة حماس التي يصرح قادتها أن الحركة لن تنجر إلى مستنقع التسوية الوهمية مع المؤسسة الإسرائيلية بعد أن تتم المصالحة مع حركة فتح الحاكمة في الضفة الغربية.
الواقع يقول أن كلا الحركتين فتح وحماس، بغض النظر عن التعاطف مع أي حركة منهما، يعانيان من تأثير خارجي على القرار ، وليس أدل على ذلك بحق حركة حماس من وقوفها في المربع الرمادي في موقفها من الثورة السورية. والواقع يشير إلى أن كل حركة سياسية تبني مواقفها على أساس موازنات مصلحيه، سواء كانت خاصة أو عامة، وعادة ما تتأثر هذه المواقف بالسياسة الخارجية، والحكم عليها سلبا أم إيجابا يجب أن يخضع دائما لموازنات المصلحة العامة. ولكي نوضح أكثر نقول أن موازنات المصلحة العامة للشعب الفلسطيني تقتضي التحرر من مستنقع أوسلو ووهم التسوية ووعودها الكاذبة، لان القضية باتت مرهونة بيد أمريكا والرباعية المحابية للمؤسسة الإسرائيلية، وعليه يجب عدم التسرع في الحكم على مواقف حماس الحالية بالنسبة لموضوع المصالحة مع حركة فتح، حتى نرى إلى أين ستقود المصالحة هذه الحركة، فالتصريحات السياسية لقادة الحركة، كما أسلفنا، تؤكد أن هذه المصالحة لن تجرهم إلى مستنقع التسوية، كون نهج المفاوضات يتناقض مع مسار المصالحة الوطنية الفلسطينية. والسؤال الذي ستجيب علية ممارسات حركة حماس على ارض الواقع هل هذه التسوية ستكون مدخلا للانخراط في عملية التسوية أو تزكيتها أم لا؟
إن موضوع المصالحة بين حركتي فتح وحماس لا شك انه مصلحة وطنية فلسطينية، وعليه فان الحديث عن أن هذه المصالحة قد تشكل غطاءً للنهج التفاوضي لحركة فتح مع المؤسسة الإسرائيلية، سابق لأوانه وهو بلا شك حكم متسرع، لان حركة حماس أعلنت مرارا أنها تبذل جهدا من خلال حوارات المصالحة لكي يجد الفلسطيني بديلا عن المفاوضات مع المؤسسة الإسرائيلية، وهذه المصالحة قد تشكل قناعات مستقبلا لدى الطرفين بضرورة الانحياز لخيار الشراكة والمصلحة الوطنية، وعليه فإن دخول حماس إلى الإطار القيادي لمنظمة التحرير، لا يمكن أن يفسر بآي شكل من الأشكال على انه يوفر غطاء للمفاوضات مع المؤسسة الإسرائيلية، فالدخول في هذا الإطار جاء من اجل النظر في منظمة التحرير وسيعقب هذه الخطوة انتخاب للمجلس الوطني الفلسطيني الذي سيكون مخولا للنظر في البرنامج السياسي للمنظمة، وكل الهياكل الموجودة، وهو المخول لمراجعة العملية السياسية، وعليه وجود حماس في هذا الإطار ضروري لترميم هذا الجسم المتآكل على أسس وطنية صحيحة، وعليه صرح قادة حماس أن عملية المصالحة وانضمام الحركة للإطار القيادي لمنظمة التحرير على طريق استدراجهم لمربع المفاوضات هو أمر لن يكون.، وأيضا هذه الكلام الصادر عن قادة حماس لن يحكم عليه إلا من خلال الممارسات السياسية على ارض الواقع، فحركة حماس حاليا ترفض الاعتراف بالمؤسسة الإسرائيلية، ولكنها في نفس الوقت لن تعارض إقامة دولة فلسطينية على حدود الرابع من حزيران عام 1967. وهذا بحد ذاته تنازلا من قبل حركة حماس، ما كان ليحصل لو أن قادة حماس من الصف الأول بقوا على قيد الحياة، ولكن هذا التنازل سيكون عاملا مؤثرا في نجاح استمرار المصالحة بين الحركتين، تمام كما أن قبول الحركة بمبدأ المقاومة الشعبية ولو بشكل مؤقت، دفع باتجاه فشل المؤسسة الإسرائيلية بنزع الشرعية عن الحركة أمام المجتمع الدولي وخصوصا أمام الاتحاد الأوروبي. وهنا يجب الإشارة إلى أن مخاوف المحللين في أن تقع حركة حماس في أحابيل الاتحاد الأوروبي، تماما كما وقعت حركة فتح لها ما يبررها، ولكن من السابق لأوانه أيضا أن نحكم على هذا الموضوع. ولكن ما نفهمه حاليا هو انه من حق حركة حماس الدفاع عن نفسها امام كل من يحاول نزع الشرعية ليس عنها وإنما عن مشروع التحرر الوطني الفلسطيني، فما تقوم به قيادة حماس من جولات في أوروبا والعالم العربي، هو محاولة لتصحيح مسار الرؤية لطبيعة الصراع الدائر في فلسطين ولوضع حد لسياسة التضليل التي تمارسها المؤسسة الإسرائيلية ضد الشرعية والحق الفلسطيني.
إن قبول حركة حماس بالمقاومة الشعبية ضد الاحتلال على حساب المقاومة المسلحة خلال الفترة القادمة، لا شك انه سيشكل بالون اختبار للنوايا الأوروبية والمجتمع الدولي برمته اتجاه القضية الفلسطينية، وعليه فان المقاومة المسلحة ستعود لتأخذ دورها من جديد إذا ما تبين أن سياسة المجتمع الدولي، الذي لطالما تذرع بموضوع العنف وما يسمى "الإرهاب"، اتجاه الاحتلال الإسرائيلي بقيت على ما هي عليه سياسة محاباة، وهي أيضا ستكون فرصة أخيرة للسلطة في رام الله التي لن يكون أمامها حجة أخرى للاستمرار في نهجها التفاوضي مع المؤسسة الإسرائيلية، وعليه فان تسرع بعض الفصائل في الحكم على حركة حماس لم يكن صائبا وكان بعيدا عن الواقعية السياسية، التي تحتم مراجعة الواقع السياسي بعناية شديدة على مختلف الأصعدة، والتعاطي معها بايجابية وواقعية، بعيدًا عن التشنج السياسي والحسابات الضيقة، وبما يخدم المصلحة العليا لشعب الفلسطيني. فالواقع يشير إلى أن التحولات في العالم العربي تصب في صالح المشروع الوطني الفلسطيني، ولكن هذه الدول بحاجة إلى وقت من اجل أن تلملم جراحها وتعيد بناءها الذاتي من اجل الالتفات إلى المشروع الفلسطيني ودعمه في مواجهة الغطرسة الإسرائيلية.
2012-01-25