النقاش حول خيار الدولة ثنائية القومية والدولة الواحدة
الأستاذ مجدي طه
ثمة نقاش قائم في الأروقة السياسية والأكاديمية حول مستقبل المؤسسة الإسرائيلية ويثير هذا النقاش جدلا سياسيا حول المضامين والأسس التي ينبغي أن تقوم عليها التسوية السياسية في المفاوضات التي تجري بين الدبلوماسية الإسرائيلية والفلسطينية، وعلى هذا الأساس طرح العديد من الأكاديميين والسياسيين والمفكرين منظومة مختلفة من الأطروحات والاقتراحات والتي قدمت على شكل نصائح للمفاوضين من كلا الطرفين بشأن حل الصراع العربي الإسرائيلي والمعروف بالقضية الفلسطينية ولكن كل هذه الاقتراحات ما زالت بين الأخذ والرد عند متخذي القرار السياسي، بالإضافة إلى ذلك فقد تعرضت هذه الاقتراحات إلى موجة كبيرة جدا من الانتقادات وأثارت جدلا سياسيا وأكاديميا.
ومن أبرز الأطروحات والمقترحات التي قدمت من قبل بعض الأكاديميين والسياسيين فيما يتعلق بحل الصراع بين الطرفين خيارات مثل حل الدولتين أو الدولة الواحدة وخيار الدولة ثنائية القومية. وفي الحقيقة فأن التحولات التي حصلت في المفاهيم السياسية والإستراتيجية لمنظمة التحرير الفلسطينية فتحت المجال أمام هذه المقترحات، فقد تبنت حركة فتح ومنظمة التحرير منذ نشأتها في العام 1965 خيار الكفاح المسلح لتحرير فلسطين التاريخية والانتدابية من قبضة الحركة الصهيونية وتأثرت منظمة التحرير بالنجاحات التي حققتها حركة التحرير الجزائرية والحركات الثورية المقاومة التي ظهرت في مناطق مختلفة من العالم في نفس الفترة كما ونص الميثاق الوطني الفلسطيني في بنوده على أن "الحركة الصهيونية هي حركة كولونيالية وعنصرية يجب محاربتها" ولكن الظروف التنظيمية والسياسية التي حدثت أثرت على أيديولوجية منظمة التحرير وبدأت تظهر ملامح التغير في خطابها السياسي في بداية سنوات السبعين وتحديدا بعد حرب أكتوبر\ رمضان عام 1973.
عكس التحول في مطالب حركة فتح ومنظمة التحرير من أقامة دولة ديمقراطية وعلمانية على كل أرض فلسطين التاريخية إلى أقامة دولة فلسطينية في الضفة والقطاع أو على الأراضي التي تحرر من الاحتلال الإسرائيلي ومن ثم جاءت التسويات في أوسلو والمطالبة بالتمسك بمبدأ حل الدولتين بحدود عام 1967 والتي كانت بخلاف الميثاق الوطني الفلسطيني وسببت في التصدعات والانشقاقات التنظيمية والحزبية بين الفصائل الفلسطينية وكذلك أتاحت الفرصة وأعطت المساحة لنشوء مثل هذه التصورات والاقتراحات على أساس إنهاء حالة الاحتراب بين الفلسطينيين والإسرائيليين والوصول إلى نوع من المصالحة التاريخية.
أدى التحول في المفاهيم السياسية والذي أعتبره البعض تغييرا تكتيكيا وخطة مراحل إلى تغيير في لهجة خطاب منظمة التحرير الممثلة للفلسطينيين وفتح المجال للتفاوض والتوصل للتسويات بعد تخلي المنظمة رسميا وفعليا عن خيارات المقاومة والكفاح المسلح التي أعلنت عنه وتأسست من أجله مما أفقد المنظمة مصداقيتها وشعبيتها وفتحت المجال للتنازل بصورة أكبر وللأستسلام للضغوطات الخارجية وللمطالب الدولية، وفي اطار هذه التسويات والمفاوضات قدمت هذه التصورات التي أثارت جدلا واسعا داخل المجتمع الاسرائيلي بكافة مركباته الاجتماعية والسياسية، فهناك من رأى بأن دولة فدرالية ثنائية القومية فلسطينية وإسرائيلية من شانها أن تنهي الصراع التاريخي الذي طال قرونا من الزمان.
وتقوم فكرة ثنائية القومية على شكل من أشكال التعايش بين جماعتين قوميتين في دولة واحدة ومن خلال إطار موحد يضمن اعترافا وتوافقا وتضامنا بين الجماعتين من خلال دستور يقوم على المساواة والعدالة والهوية المدنية والمواطنة بشكل متكافئ بين الطرفين بحيث يحظى كل شعب بحكم ذاتي واستقلالية ذاتية فيما يتعلق بالشؤون الداخلية مع أقامة برلمان تمثيلي مشترك وحكومة إدارية واحدة مكونة من وحدات فدرالية صغيرة تدير شؤونها الداخلية بشكل مستقل تخضع للحكم المركزي ويمنح حق النقض "الفيتو" لكلا القوميتين فيما يتعلق بالقضايا الأساسية والجوهرية في مواضيع يتم الاتفاق عليها، وتلغى جميع القوانين التي تعرف إسرائيل كدولة يهودية وتغير تلك القوانين التي تعطي أفضلية لليهود، وقد أثار هذا الطرح موجة شديدة من الانتقادات في الجانب الإسرائيلي بسبب تهديد هذا التصور للمشروع الصهيوني وللوجود الإسرائيلي وللهوية اليهودية بسبب كل ما يترتب على ذلك من تخوفات في حق تقرير المصير للشعب اليهودي وتهديدا للحلم القومي اليهودي في تكوين هوية ذاتية ومستقلة. (ابراهام يهوشع، هارتس،23.12.2011)
وبالرغم من تبني مجموعات أكاديمية وسياسية إسرائيلية هذا الطرح إلا أنه لم يبرز في برامج أي من الأحزاب السياسية وهو خيار مستبعد وغير ناضج في الشارع الإسرائيلي، وهناك من أشار إلى أن هذا الخيار سيفرض على الحكومة الإسرائيلية مثل "ابراهام بورغ" ويجب الاستعداد لمثل هذا الخيار ولكن هناك من أشار إلى صعوبة تطبيق مثل هذا الخيار بسبب السياسة الاستيطانية التي تجريها الحكومات والسلطات الإسرائيلية، كما ويشير "الكسندر يعكوبسون" إلى أنه لا يجب منح المستوطنين مهمة تحديد سياسة ومستقبل إسرائيل، ويجب أن لا يسمح للمستوطنين منع تقسيم البلاد وأن الدولة دولة ثنائية القومية ستكون دولة عربية وإسلامية ولا يمكن تجاهل حقيقة أنه الحل الأقل ضررا، ويشير على أن خيار الدولة ثنائية القومية هو خيار أفضل من الدولة الواحدة مع وجود إشكاليات وتعقيدات في تطبيقه ويرى أيضا بأن أقلية يهودية في دولة فلسطينية هو حل أفضل من استمرار الاحتلال وتحوله إلى أبرتهايد إسرائيلي وهو أفضل من أقامة دولة عربية وإسلامية على كل أرض فلسطين التاريخية في اطار حل الدولة الواحدة أو خيار الدولتين ( الكسندر يعكوبسون، هارتس، 7.1.2012).
2012/1/25