د. مصطفى يوسف اللداوي
كاتبٌ وباحثٌ فلسطيني
وكأن إسرائيل لم تهاجم قطاع غزة ، ولم تجرد ضدها حملةً عسكرية ضخمة لتأديب فصائلها العسكرية ، وقواها السياسية كي تنسى المقاومة ، وتستسلم لإرادتها ، وتخضع لشروطها ، فنتيجة معركة غزة أعادت الحوار إلى مربعاته الأولى قبل العدوان ، فعاد المتحاورون أنفسهم إلى القاهرة من جديد ، يحملون نفس الشروط وذات المواقف ، ولم ينفع إسرائيل عدوانها ، ولم تغير آلتها العسكرية من مواقف المقاومة ، ولم تنل من صمود أهل غزة ، فقد هاجمت إسرائيل قطاع غزة المحصور بين القضبان ، والمسجون بين الأسلاك ، المحروم من كل سبل العيش ، وحاجات الحياة ، وهو المكتظ بالسكان ، ففيه تتزاحم الأقدام ، ويضيق بالسكان المكان ، وظنت أنها قد نالت بحصارها من إرادة الغزيين وصمودهم ، بعد أن أوصدت في وجوههم كل البوابات التي تربطها بقطاع غزة ، وأحكمت إغلاقها ، ولم تعد تسمح لأحدٍ أن يعبر منها ، لا إلى القطاع ولا منه ، وقننت ومنعت أحياناً دخول الشاحنات التجارية ، التي تحمل إلى سكان غزة بعض المؤن الغذائية ، وتنقل الجرحى والمصابين وذوي الحاجات إلى الخارج ، وتحكمت في صهاريج الوقود التي تدخل إلى غزة ، لتصبح الكهرباء بأيديها ، فتحرم سكان القطاع من الكهرباء لأيامٍ طويلة ، وتوقفت حركة المواصلات لانقطاع الوقود لفتراتٍ أطول ، ولكن حصار إسرائيل لغزة لم يقتصر على البوابات التي تربطها بالقطاع ، بل أحكمت إسرائيل الإغلاق تماماً عندما استجابت مصر لطلبها وأغلقت معبر رفح ، المعبر العربي الفلسطيني – المصري ، وقبلت بأن تسلم مفاتيحه لإسرائيل ، ولم تبالِ إسرائيل كما مصر بكل الدعوات الدولية والإنسانية لفتح معبر رفح ، وهي ترى معاناة السكان ، ودرجة الحرمان التي يعانون منها ، وحاجتهم إلى الغذاء والدواء ومختلف سبل الحياة ، وتبنت مصر الشروط الإسرائيلية لفتح معبر رفح ، وربطت مصيره بمصير بقية المعابر والبوابات التي تربط القطاع بإسرائيل ، ولكن مصر تبرر رفض فتح معبر رفح بأنها لا تريد أن تعفي إسرائيل من مسؤوليتها القانونية والدولية كقوة احتلال ، إذ أن إسرائيل بموجب اتفاقيات جنيف ملزمة بتوفير الأمن والحماية والغذاء لسكان المناطق المحتلة ، وترى مصر أن قطاع غزة مازال يخضع للاحتلال الإسرائيلي ، وترى أن إسرائيل تسعى لتكريس فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية ، وتحميلها مسؤولية قطاع غزة ، وهو حلمٌ إسرائيلي قديم ، ولهذا تبرر مصر رفضها فتح معبر رفح أمام حركة المسافرين والبضائع التجارية ، لأن هذا الأمر من شأنه أن يعفي إسرائيل من مسؤولياتها ، وأيد جون هولمز منسق الشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة الموقف المصري عندما دعا إسرائيل إلى إعادة فتح المعابر مع قطاع غزة بدون تأخير لدخول المساعدات الدولية إلى سكان قطاع غزة ، وقال في كلمةٍ له أمام مجلس الأمن الدولي " إن إسرائيل مسؤولة بشكل خاص بوصفها قوة محتلة عن احترام معايير القانون الإنساني الدولي ذات الصلة " ، ودعا المجتمع الدولي إلى اتخاذ إجراءات جديدة على الفور من قبل السلطات الإسرائيلية لإعادة فتح المعابر ، ولكن الموقف المصري يتناقض مع تصريحاتٍ مصرية أخرى تؤكد رفض مصر فتح معبر رفح في غياب السلطة الفلسطينية ، وبما لا يتفق مع اتفاق عام 2005 ، حيث ترفض مصر ضمنياً وجود عناصر فلسطينية تتبع حكومة حماس في غزة لإدارة معبر رفح الحدودي ، وتطالب بعودة عناصر الحرس الرئاسي لإدارة المعبر حال إعادة فتحه .
ولما عجزت إسرائيل عن فرض شروطها على حركة حماس لجأت إلى العدوان عليها ، ودمرت أغلب الأنفاق التي تربط غزة بمصر ، والتي يتم من خلالها نقل المؤن والسلع الغذائية ، التي تمكن أهل غزة من العيش الكفاف ، ولكنها مع الحصار والعدوان وتدمير الأنفاق لم تفلح في ثني المقاومة ، فخرجت من ميدان القتال لتدخل ميدان المفاوضات في القاهرة ، علها تنجح في إملاء شروطها ، وهي تدرك أن الحصار المطبق على قطاع غزة هو السبب الأول والمباشر في كثير من الأحداث المتبادلة بين الطرفين ، ونقل المفاوض الأمني الإسرائيلي عاموس جلعاد الشروط الإسرائيلية إلى القاهرة ، لموافقة إسرائيل على فتح المعابر كافة ، ولتعود من جديد إلى التهدئة التي حكمت الطرفين معاً لستة أشهرٍ مضت ، فتبين أن إسرائيل تطمح في تهدئةٍ أطول ، تمتد لسنواتٍ عدة ، تكفلها وتضمنها القوى الدولية بما فيها مصر ، وتلتزم بها حماس وبقية القوى الفلسطينية المقاومة ، لأجل وقف دائم ومتواصل لإطلاق النار ، مقابل امتناع المقاومة الفلسطينية عن إطلاق صواريخها على المدن والبلدات الإسرائيلية ، وتلتزم فيها حماس وبقية الفصائل الفلسطينية بالوقف الفوري لكل أشكال إطلاق الصواريخ واستهداف القوات والمستوطنات الإسرائيلية ، ولكن إسرائيل تشترط أن تشمل التهدئة إطلاق سراح الجندي الإسرائيلي الأسير جلعاد شاليط ، على أن تلتزم من طرفها وحدها بالإفراج عن عددٍ متفق عليه من المعتقلين الفلسطينيين ، لكن على أن يكون لها وحدها الحق في اختيار نوعية وأسماء المعتقلين المفرج عنهم ، وقالت وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبي ليفني في بيان لوزارة الخارجية الإسرائيلية " الأمران مترابطان ولا يمكن فصلهما ، لن يكون هناك أي تقدم في ما يتعلق بإعادة فتح المعابر قبل تحقيق تقدم في ما يهمنا جميعاً وهو إطلاق جلعاد شاليط " ، وأضافت ليفني " من البديهي في هذه المرحلة أن تمارس حماس والمجتمع الدولي ضغوطاً على إسرائيل حول إعادة فتح المعابر وموضوعات أخرى ، لذلك أقول بوضوح ، إذا كانت حماس تريد أن تحصل على شيء من إسرائيل ، فهناك شخص نريد استرجاعه وهو جلعاد شاليط " ، وتبنى جورج ميتشيل المبعوث الأمريكي الجديد إلى منطقة الشرق الأوسط الشروط الإسرائيلية ، وبدأ في ترويجها وتسويقها لدى مختلف اللاعبين في المنطقة ، وصرح " بأن فتح المعابر بصورة دائمة مع قطاع غزة مرتبط بقضية الجندي جلعاد شاليط الذي اختطفته مجموعات فلسطينية " ، وأضاف " أن وقفاً طويل الأمد لإطلاق النار في غزة يجب أن يستند إلى وقف عمليات تهريب الأسلحة إلى القطاع ، ووقف الأعمال العدائية ، وفتح المعابر الحدودية على أساس الاتفاقية المبرمة عام 2005 " .
كما تشترط إسرائيل لتثبيت التهدئة وقف عمليات تهريب السلاح إلى قطاع غزة ، وتدمير كافة الأنفاق التي تربط القطاع بمصر ، وخلق شريطٍ حدودي بطول خمسمائة متر بعيداً عن الحدود المصرية في رفح ، يمنع خلالها البناء والتعمير ، وتكون منطقة مكشوفة تماماً ، بحيث يصعب حفر الأنفاق تحتها ، مع تعهدٍ واضح من قبل حركة حماس والقوى الفلسطينية الأخرى بوقف مختلف عمليات تهريب السلاح إلى قطاع غزة .
وتطالب إسرائيل مصر بوضع مخططٍ عملي لمحاربة عمليات بناء الأنفاق ، وتدمير المكشوف منها ، وتكثيف العمل الأمني لكشف المزيد من الأنفاق السرية وتدميرها ، والقضاء على تجارة وتجار الأنفاق ، عبر خلق فرص عمل جيدة لبدو سيناء ، وللعاملين في مجال الحفر ونقل السلاح وتهريب المعدات ، ولمزيدٍ من الطمأنينة تطلب إسرائيل من مصر حفر قناةٍ مائية بطول 16 كم على طول حدودها مع قطاع غزة ، على أن تخضع القناة المائية لشروط الحماية الأمنية عالية المستوى ، وذلك عبر السماح بإدخال معدات وتقنيات أمريكية لمراقبة الحدود ، ووضع مجسات حرارية تكشف أدق التفاصيل داخل القناة ، ومعداتٍ أخرى تكشف الأنفاق الجوفية .
وتترافق هذه الشروط الإسرائيلية مع الضمانة الأمريكية والغربية بتطبيق بنود الاتفاقية الأمنية الإسرائيلية – الأمريكية ، والتي بدأتها فرنسا بإرسال فرقاطة عسكرية لمراقبة سواحل قطاع غزة ، وكانت الإدارة الأمريكية الجديدة قد وعدت إسرائيل بتفعيل آليات محاربة عمليات تهريب الأسلحة إلى قطاع غزة ، والعمل على عدم إعادة تسليح حركة حماس ، ضمن أي اتفاقية للتهدئة يتم التوصل إليها .
كما تطالب إسرائيل مصر بتعديل بعض بنود اتفاقية كامب ديفيد الأمنية ، والتي فرضت على مصر ألا تزيد تعداد قواتها شبه العسكرية على الحدود بأكثر من 750 جندي ، فتطالب بزيادة عدد حرس الحدود إلى أربعة أضعاف العدد المسموح به ، لضمان المزيد من دوريات المراقبة والتفتيش على الحدود ، فضلاً عن نقاط التفتيش الثابتة والمتنقلة على مختلف الطرق والشوارع المؤدية إلى مدينة رفح ، على أن ترفق تقارير دورية إلى لجان التنسيق المشتركة لتلافي أي أخطاء سابقة ، وللعمل على تحسين الأداء في المستقبل .
ولكن حركة المقاومة الإسلامية " حماس " ومعها مختلف القوى الفلسطينية في قطاع غزة ، ترفض معظم الشروط الإسرائيلية لإعادة فتح المعابر ، كما ترفض فتح مدة التهدئة لأكثر من عامٍ ونصف العام ، ولكنها تقبل بوجود عناصر من الأمن الرئاسي لإدارة معبر رفح ، ولكنها تشترط أن يكون عناصر الأمن الرئاسي من سكان قطاع غزة ، فلا يتم جلب عناصر فلسطينية تم تدريبها وتأهيلها على أيدى خبراء أمنيين أمريكيين .
وترفض حركة حماس إقحام قضية الجندي الإسرائيلي الأسير في مسألة المعابر ، وتعتبر أن قضيته مختلفة كلياً ، وهي مرتبطة باستجابة إسرائيل لشروط صفقة تبادل الأسرى ، ويؤيدها في ذلك قطاعٌ عريض من الفلسطينيين ، الذين يرون أنهم دفعوا ثمناً باهضاً مقابل شاليط ، ولذا فإن ربطه بمفاوضات فتح المعابر أمرٌ ترفضه حماس وبقية القوى الفلسطينية ، وترى أن التهدئة هي فقط مقابل رفع الحصار وفتح المعابر ، ووقف الخروقات والاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على سكان قطاع غزة ، ووقف إطلاق النار هو جزء من التهدئة وليس كل التهدئة ، حيث تدرك حركة حماس أن إسرائيل غيرت من شروطها ، ورفعت سقفها التفاوضي بسبب موسم الانتخابات البرلمانية ، حيث يسعى كل طرف فيها إلى إظهار مدى تمسكه وحرصه على حياة الجندي الأسير شاليط ، في محاولة لنيل المزيد من الأصوات في صناديق الانتخاب .
ومخطئ من يظن أن المقاومة الفلسطينية وأهل غزة سيخضعون للشروط الإسرائيلية ، خاصة بعد العدوان على غزة ، فالمقاومة لم تهزم ، وإرادة الأهل لم تكسر ، وقد زاد العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة قناعة الفلسطينيين بأهمية وضرورة امتلاك السلاح ، وتسليح المقاومة وتطوير قدراتها القتالية والدفاعية ، لأن المقاومة هي التي حمت قطاع غزة ، وهي التي أوقفت الاجتياح الإسرائيلي ، وهي التي ستخضع إسرائيل – بعد انتخاباتها القادمة – إلى شروط المقاومة ، وستجبرها على العودة إلى الشروط التي سبقت العدوان ، وهي تهدئة محدودة الزمن مقابل رفع دائم للحصار وفتح المعابر التجارية وغيرها وفي مقدمتها معبر رفح ، وبعدها يتم الانتقال إلى قضية شاليط ، والمصالحة الفلسطينية الفلسطينية ، ولكنها ملفاتٌ منفصلة ، ولكلٍ شروطها وعوامل نجاحها ، وإن كانت مصر هي القاسم المشترك بينها جميعاً .
آخـر تحديث لهـذه الصفحـة : الأحـد 1 فبراير 2009م