من وحي معركة غزة ( 6 )
د. مصطفى يوسف اللداوي
كاتبٌ وباحثٌ فلسطيني
تركيا العثمانية والأمل المعقود
أجل إن المقاومة مباركة ، ذات بريقٍ وسنا ، بركتها وارفة ، وظلها مديد ، وخيرها عميم ، وفعلها مبارك ، وأثرها كبير ، وقدرتها على التغير أكبر ، عزيزٌ من حمل رايتها وعقد لواءها ، فالجنة هي العزة والكرامة والحرية والإباء تحت ظلال السيوف ، يصنعها المقاومون ، ويحميها المجاهدون ، ويحيا في كنفها المؤمنون بها ، ويستظل بظلها العاملون لأجلها ، المقاومة قادرة على تغيير الكثير من الموازين ، وتعديل الكثير من المعادلات ، وخلق واقعٍ جديد ، ورسم خرائط مختلفة ، وتكوين رؤىً مغايرة ، إنها المقاومة التي تصنع النصر ، وتخلق المعجزات .
المقاومة في غزة جعلت من تركيا لاعباً أساسياً في المنطقة ، وطرفاً محورياً في معادلة صراع الشرق الوسط ، وهي التي ارتبطت لسنواتٍ طويلة بعلاقاتٍ استراتيجية بالدولة العبرية ، وحكمتها بها اتفاقياتٌ ومعاهداتٌ كثيرة ، اليوم تقف قيادتها العليا لتدافع عن الشعب الفلسطيني ، وتؤازر مقاومته ، وتساند نضاله ، بل وتسخر المنابر الدولية المختلفة للدفاع عن حقوقه ، وتهاجم السياسة الإسرائيلية العدوانية ضد الشعب الفلسطيني ، وتتهمها بقتل الأطفال والنساء والشيوخ ، وأنها تستهدف الآمنين والمصطافين ، وتغتال الحياة الآمنة في قطاع غزة ، وتستخدم ضد السكان المدنيين القوة المفرطة ، وتخرق الأعراف العسكرية باستخدامها أسلحةً محرمة ، وقد استغلت تركيا أوروبيتها في تعرية حقيقة إسرائيل ، فما قام به رجب طيب أردوغان رئيس الحكومة التركية لنصرة أهل غزة ، ومساندة الشعب الفلسطيني ، أمرٌ فاق التصورات ، وتجاوز التوقعات ، وأعاد الأمل إلى الشعب الفلسطيني أن قضيته مازالت هي القضية الأهم لدى العالم العربي والإسلامي ، فقد بادر أردوغان منذ اليوم الأول لمعركة غزة بالدفاع عنها وعن أهلها الصامدين المقاومين ، وفعَّلَ الدبلوماسية التركية ، وأطلق لها العنان لتنتقد السياسة الإسرائيلية ، وقد سبقها بقوله " إن دماء غزة ستغرق المسؤولين الإسرائيليين في المنطقة " ، مسلطاً الضوء بقوة على الاعتداءات الإسرائيلية القاسية على سكان غزة ، وهاجم الحكومة الإسرائيلية ، واتهم رئيسها بالخداع والتضليل ، وأنها تستخدم الدم الفلسطيني في بازار الانتخابات البرلمانية ، وساعد أردوغان الدول العربية الأخرى على التلويح بورقة العلاقات العربية – الإسرائيلية ، وتهديدها بقطع علاقاتها الدبلوماسية بإسرائيل ، أو إعادة النظر في علاقتها معها ، والأمر هنا يتجاوز حكومتي قطر وموريتانيا ، ليشمل الأردن ومصر ، ومن المتوقع أن يكون هناك صدىً كبير لمواقف الحكومة التركية على الساحة السياسية .
لقد فضح أردوغان بمواقفه التاريخية الزعامات العربية ، وأسقط ورقة التوت التي لا تكاد تستر عورة الكثير من الحكومات العربية والإسلامية ، فقد انبرى ومستشاريه للعمل على وقف نزف الدم الفلسطيني ، وأبدى استعداده لتقديم كل عونٍ ممكن لحماية أبناء غزة ، وبادر بالاتصال بالحكومات العربية ، عارضاً بذل وساطة تركيا لجمع شمل العرب ، وتوحيد كلمتهم ، ورص صفوفهم ، من أجل حماية الشعب الفلسطيني .
وقد صدم الموقف التركي القيادة الإسرائيلية وأربكها ، فهي تعول كثيراً على علاقتها بتركيا ، وتحرص على بناء علاقاتٍ متينة معها ، وقد قبلت بواسطتها في مفاوضاتها غير المباشرة مع سوريا ، ولهذا فقد ذهب بعض المحللين الاستراتيجيين في إسرائيل إلى القول بأن ما قاله أردوغان ليس سوى جزء من الدعاية الانتخابية المبكرة التي ستجري في تركيا ، ولا يعبر عن حقيقة الموقف التركي تجاه إسرائيل .
ما قام به رجب طيب أردوغان في مختلف المنابر الدولية أمرٌ صدم الغربيين ، وصناع القرار فيها ، وفاجأ الحكومة الإسرائيلية وأسقط في يديها ، وكأنه زلزال أصاب المحافل السياسية الغربية ، وقد فرح العرب والمسلمون كثيراً بالموقف التركي ، وبدأوا في استعادة دور دولة الخلافة العثمانية ، وذكَّروا أنفسهم والآخرين بأن أردوغان هو حفيد العثمانيين ، ووارث ملكهم ، مثمنين دوره ، ومقدرين جهوده ، ولكن علينا ألا نحمل الحكومة التركية فوق طاقتها ، وألا نطلب منها ما يفوق قدرتها ، وألا نرهقها بمزيدٍ من المواقف ، إذ سبقت الكثيرين بمواقفها ، وشجعت آخرين على أن يحذوا مثلها .
معركة غزة ، وصمود أهلها وثباتهم أمام الآلة العسكرية الإسرائيلية قد غيرت من خريطة التحالفات السياسية عالمياً وإقليمياً ، وأقحمت تركيا في معادلة الصراع ، وذكرتها بدور تركيا التاريخي في القضية الفلسطينية ، وكأن قيادتها تعترف بواجبها الأخلاقي تجاه الشعب الفلسطيني ، الذي حكمته لمئات السنوات قبل أن يؤول حكمها إلى الانتداب البريطاني ، وأنها ستعمل بعد أن وضعت الحرب أوزارها على رسم خارطة جديدة للمنطقة يكون لأنقرة فيها دورٌ ملحوظ ، معتمدةً على الصمود البطولي لأبناء غزة ، وقد حرص أردوغان على أن يذكر قادة إسرائيل بأنه ينحدر من دولة ذات تاريخ عريق ، وأن ما تقوم به إسرائيل وقادتها إنما يشكل وصمة عار كبرى في جبينهم وجبين الإنسانية ، وأن عليهم إيقاف هذه المجزرة التي ترتكب ضد الأبرياء في قطاع غزة ، لأنها لن تجلب لهم الأمن أو السلام ، ولن تكون نتيجتها سوى المزيد من الدم والأحقاد .
فقد دعا رجب طيب أردوغان المجتمع الدولي إلى احترام نتائج الديمقراطية التي يدعوها إليها ، وهي التي أدت إلى فوز حركة المقاومة الإسلامية " حماس " بغالبية مقاعد المجلس التشريعي الفلسطيني ، ودعا المجتمع الدولي إلى إشراك حركة حماس في حل المشكلة الفلسطينية ، وحذر من مغبة استبعادها وعدم الاعتراف بدورها ، وعزز دور الدبلوماسية التركية في أروقة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي ، والتي أدت إلى صدور قرار مجلس الأمن رقم 1860 ، الذي دعا إلى وقفٍ فوري لإطلاق النار ، وإن لم يكن القرار قوياً ، إذ لم تلتزم به إسرائيل ، إلا أنه يكشف بقوة عن دور الدبلوماسية التركية في تحريك الرأي العام الدولي ضد السياسة الإسرائيلية ، وكان أردوغان قد أعلن أنه سينقل إلى أروقة مجلس الأمن الدولي وجهة نظر حركة حماس ، قائلاً إن حماس تثق في بلاده ثقةً تامة ، وفي خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة طالب بسحب عضوية إسرائيل من الأمم المتحدة ، كما انتقد مجلس الأمن وطالب بمعاقبة إسرائيل ، معتبراً أن ما جرى في غزة عدوان همجي ونقطة سوداء في تاريخ الإنسانية .
إن دخول رجب طيب أردوغان إلى ميدان المعركة السياسية بهذا الحجم ، مثيراً هذا القدر الكبير من الصخب المفاجئ ، سيهيئ لتركيا الفرصة لتلعب دوراً محورياً في رسم ملامح مستقبل المنطقة ، وسيفرض على الساحة لاعبين جدد ، وسيؤدي دورها إلى تنحي لاعبين مخضرمين ، كان لهم دور تاريخي ونفوذٍ قديم في المنطقة ، وستجبر تركيا الإدارة الغربية والاتحاد الأوروبي على الاعتراف بدور تركيا في المنطقة ، وستجعل من معركة غزة مدخلاً لتركيا إلى قلب الاتحاد الأوروبي الموصد في وجهها ، فالاتحاد الأوروبي يبحث عن دورٍ حقيقي مؤثر في معادلة الصراع في الشرق الأوسط ، وسيعترف بقدرة تركيا على التأثير في أطراف الصراع المختلفة ، وخاصة مع حركة حماس ، التي اعترضت على تصنيفها ضمن الحركات الإرهابية ، وحرصت على وصفها بأنها حركة مقاومة مشروعة ، وكانت تركيا قد دعت المجتمع الدولي إلى إعادة تعريف مفهوم الإرهاب ، على قاعدة حق الشعوب في المقاومة لنيل حقوقها ، وتقرير مصيرها ، ودعت الرئيس الأمريكي الجديد باراك أوباما إلى إعادة تصنيف المنظمات الداعية للإرهاب ، خاصة منظمات الشرق الأوسط .
ومخطئ من يظن أن مواقف الحكومة التركية التي عبر عنها رئيسها رجب طيب أردوغان إنما تمثل موقفه الشخصي ، وموقف حزب العدالة والتنمية ذي الميول الإسلامية ، وإن كان لهذا دورٌ كبير في توجيه الخطاب الرسمي التركي ، ولكن القطاع العام من الشعب التركي ، بمختلف توجهاته السياسية يؤيد مواقف حكومته في نصرة الشعب الفلسطيني ، وفي توجيه الانتقاد إلى سياسة الحكومة الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني ، وقد ظهر التأييد التركي الجلي لرئيس حكومته عندما خرجت الحشود الشعبية التركية لاستقباله لدى وصوله أنقره قادماً من منتدى دافوس الاقتصادي العالمي ، بعد مشادته مع الرئيس الإسرائيلي شيمعون بيرس ، وانسحابه من جلسات المنتدى ، فقد عبرت الجماهير التركية عن اعتزازها وفخرها برئيس حكومتها الذي حافظ على كرامة وكبرياء تركيا ، وعبر عن موقفها بكبرياء وشموخ ، عندما انسحب من الجلسة رافضاً غمط حق تركيا ، وتجاوز حقها في الرد ، احتجاجاً وغضباً على التحيز الذي أبداه رئيس الجلسة عندما أعطى الرئيس الإسرائيلي شيمعون بيرس الوقت الكافي لتبرير قتل الأطفال والشيوخ والنساء والكوادر الطبية والصحفيين في قطاع غزة بأنه دفاع عن أمن دولة إسرائيل ، ولم يكتفي أردوغان بمحاولة تفنيد أقوال وادعاءات بيرس ، فوصف جيشه بأن جيش قاتل ، وأن قادته يفخرون بقتل الفلسطينيين ، ويشعرون بالسعادة وهم يركبون الدبابة الإسرائيلية التي تصف الفلسطينيين ، بل وجه انتقاداته إلى جمهور الحضور الذي صفق لبيرس وهو يبرر عمليات القتل والقصف والتدمير ، ويصف قتل الأطفال والنساء بأنه دفاع عن أمن إسرائيل ، ويبرره أحياناً بأنه تم عن طريق الخطأ ، وأكد أردوغان أن ما جرى في دافوس لم يكن مسألة شخصية ، ولا تعبيراً عاطفياً ، وإنما هو أمر يتعلق بمكانة تركيا وشعبها الذي يمثله ، وهو ما كان سيقوم به أي رئيس وزراء تركي آخر .
ولكنا لا نغفل مواقف بعض الأطراف القومية التركية ، التي استنكرت مواقف رئيس الحكومة التركية ، واعتبرت أنها تمس بالعلاقات التركية – الإسرائيلية ، مشيرةً إلى أن وقوف أردوغان إلى جانب الشعب الفلسطيني بهذا الشكل لن يكون مفيداً لتركيا ، وأن الشعوب العربية والفلسطينية لن تقف إلى جانبه ، أو وفي أحسن الأحوال لن تقف مع تركيا بنفس القوة التي وقف بها أردوغان مسانداً الموقف الفلسطيني ، وهذه الأصوات التركية المعارضة تحمل انتقاداً واضحاً إلى مواقف الدول العربية المتخاذلة ، بأنها مواقف ضعيفة مترددة وغير ثابتة ، ولا ترقى في قوتها إلى الموقف التركي .
وتدرك حكومة رجب طيب أردوغان أن إسرائيل لن تسكت عن هجومه ، ولن تتجاوز فعلته ، بل ستعمد إلى الانتقام منه ومن حكومته ، وأنها قد تلجأ إلى تحريك المجتمع الدولي ضد دور تركيا في مذابح الأرمن ، لتطالبها بتحمل مسؤوليتها تجاه الأرمن ، كما أن إسرائيل قد أعلنت أن تركيا لم تعد الوسيط الأنسب للمفاوضات مع سوريا ، ما يعني العمل على تقليص دورها في المنطقة مستقبلاً ، والعمل من خلال حلفاءها في الغرب والولايات المتحدة الأمريكية على تحريك الرأي العام ضد تركيا ، وعرقلة مساعي تركيا المحمومة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي ، وستحرك إسرائيل تهمتها التقليدية الحاضرة دوماً وستوجهها ضد أردوغان بأنه معادٍ للسامية ، وستنطلق الأبواق الصهيونية تحرض ضده ، وتشوه صورته لدى الرأي العام المحلي والدولي ، ولكن هذه المخاطر لم تمنع رجب طيب أردوغان وحكومته من ممارسة دورهم الأخلاقي تجاه الشعب الفلسطيني ، الذي لن ينسى يوماً هذه المواقف ، وسيحفظها لتركيا وشعبها ، فما من بيتٍ فلسطيني إلا أصبح يعرف صورة رجب طيب أردوغان ويدعو له ، وقد عرف العالم كله العلم التركي الأحمر الذي أخذ يرفرف في كل المسيرات والمظاهرات .
إنها المقاومة الصادقة والواعدة ، التي تعهدت بتغيير الصورة النمطية لإسرائيل بأنها دولة لا تهزم ، وأنها وجدت لتبقى ، فالمقاومة هي التي أفسحت المجال لتركيا لأن تدخل إلى ملعب الشرق الأوسط بكل قوة ، وهي التي ستجبر قادة العالم على الاعتراف بدورها وأهميتها ، ولكن على قادة العالم العربي أن يكونوا ردءاً لتركيا ، وأن يؤازروا دورها ، وأن يتعاونوا معها في إعادة رسم صورة إسرائيل الحقيقية في المنطقة ، الصورة التي بدأ رسمها أردوغان في مؤتمر دافوس الاقتصادي العالمي بأنها دولةٌ قاتلة ، وأن جيشها جيش قاتل ، وأنها تقتل النساء والأطفال ، وتقصف المساجد والمدارس ومقرات الأمم المتحدة .
آخر تحديث لهذه الصفحة : الأثنين 2 فبراير 2009م