نحو سلام السودان
أمجد عرار
هل نستطيع القول إن الحرب في دارفور إنتهت غداة توقيع الإتفاق بين الحكومة السودانية وحركة العدل والمساواة، وما تبعه من إجراءات لترطيب الأجواء وطي صفحة سوداء في حياة السودان؟ هل وضعت الحرب الأهلية أوزارها واكتفى “فرسانها” ب 300 ألف قتيل و7،2 مليون مشرّد؟
إذا كان الواقع ليس دائماً على وفاق مع الأمنيات، فإن نوايا الناس أكثر تأثيراً في هذا الواقع بالإتجاهين السلبي والإيجابي . من هنا يمكننا أن نتصور أن السودان الحريص على وحدة أراضيه وشعبه، لا مصلحة له في بروز أية بؤرة توتر في هذا الإقليم أو ذاك، وهو أكثر ميلاً لإطفاء جذوة الاشتعال وإنهاء الإقتتال بين أبنائه . وفي الوقت ذاته، ليس من مصلحة أبناء دارفور أو أي إقليم سوداني أن يبقوا منشغلين في حروب لا نهاية لها . وإذا تلاءم انعدام المصلحة هذا مع تفكير ونوايا قادة الحركات المتمردة في الإقليم، فإن عجلات قطار السلام هناك ستتشبث بالسكّة وتمضي إلى محطته الأخيرة .
لكن هذه الأجواء المأمولة لم تتحوّل بعد إلى واقع، فإتفاق وقف إطلاق النار الذي وقّعته الحكومة السودانية في الدوحة مع حركة العدل والمساواة، لم يعجب حركة أخرى لا تقل تأثيراً وحجماً، هي حركة تحرير السودان التي إعتبرت أن إتفاق الدوحة تجاهل الأمر الجوهري وهو تحقيق أمن سكان دارفور . ربما يكون هذا الحكم صحيحاً لو كان الإتفاق نهائياً، لكنه إتفاق إطار ينص على إبرام سلام نهائي قبل الخامس عشر من مارس2010م . وما تم التوصل إليه وفّر أجواء سمحت للسلطات السودانية بإطلاق سراح عشرات الأعضاء من حركة العدل والمساواة الذين ألقي القبض عليهم في هجوم أم درمان قبل عامين، مع وعود بإطلاق سراح المتبقين بعد توقيع الإتفاق النهائي، علماً بأن عدداً منهم محكوم بالإعدام .
في المقابل، أدى إستمرار القتال في جبل مرة حيث معقل حركة تحرير السودان الى نزوح جماعي لسكان المنطقة . فهل هكذا يتحقق أمن السكان أم بالإنضمام إلى عملية جارية لأجل ذلك؟ فالتشبث بالمواقف وإعتبارها ثوابت والقتال حتى النهاية لأجلها، يكون مع عدو خارجي يحتل ويعتدي ويسلب السكان أمنهم وكل حقوقهم، يمزّق الوطن ويصادر مستقبل أجياله، أما عندما يدور الحديث عن حرب داخلية بين أبناء الشعب الواحد، فإن التعامل بين الأطراف يجب أن تسوده روح مختلفة وبآفاق وحدوية تراعي مصالح الناس، وليس النزعات القيادية والطموحات الشخصية .
السودان مقبل على إنتخابات رئاسية وتشريعية وإقليمية في الحادي عشر من إبريل2010م ، وهي الأولى منذ أربعة وعشرين عاماً . وبالتأكيد ستكون هذه الإنتخابات التي نأمل أن تجري بشفافية ونزاهة، كما أكد الرئيس عمر البشير غير مرة، فرصة ذهبية لجميع السودانيين وأحزابهم لكي يحققوا سلاماً داخلياً شاملاً يضع البلاد على طريق التنمية والبناء ويحقق الآمال المشروعة للجميع، بما فيها خصوصيات سكان الأقاليم .
ومن دون شك، فإن هذه الأهداف تتحقق بالتلاقي والمرونة التفاوضية والحوارية، باعتبار أن مصالح الشعب يحققها ممثلوه من القوى السياسية، ولا تحققها القوى الخارجية والإستقواء بجهات تدعي حمل لواء القانون الدولي، وهي تركت مجرمين يعيثون قتلاً وفساداً وتلطيخ جوازات بالدماء، ولم تر أمامها سوى السودان ساحة لتجريب “عدالتها” فيه .
المصدر : الخليج 1 مارس 2010 م