بقلم : طه خليفة
حصل حزب "الليكود" بزعامة نتنياهو على أغلبية أصوات الناخبين الإسرائيليين على أساس برنامجه السياسي المتطرف تجاه الحقوق الفلسطينية والعربية .اللاءات التي يرفعها هذا الحزب اليميني في وجه العرب والفلسطينيين لا تترك فرصة لـ "نعم" واحدة.
انه ينطلق من فرض شروط فوقية مذلة ومهينة على الطرف الفلسطيني إذا رغب في استئناف التفاوض ليحصل على ما يريد أن يعطيه له من فتات دولة، وليس على ما يطالب به من حقوق مشروعة تمكنه من أن تكون دولته ذات قيمة على الخريطة وذات سيادة وسلطات وصلاحيات على أرض الواقع. وهكذا أيضاً هي سياسات الحكومات التي شكلتها أحزاب أخرى غير «الليكود» مثل «كاديما» و«العمل»، لكن حكومات «الليكود» شديدة الوضوح والصراحة في مواقفها وسياساتها، فهي لا تناور و لا تلف أو تدور، هي حكومات غير دبلوماسية تتحدى الجميع وعلى رأسهم الحليف الأكبر أمريكا.
تمارس حكومة نتنياهو سياستها بوضوح إلى حد الصفاقة والوقاحة ولا تربأ بما يقال عنها. وما بالنا إذا كان التحالف الحكومي يضم كل متطرفي إسرائيل من أحزاب قومية ودينية توراتية صهيونية ويكفي أن يكون من بينها «إسرائيل بيتنا» بزعامة ليبرمان الذي يزايد على نتنياهو وكل متطرفي إسرائيل منذ قيامها في التطرف والتشدد. وقضية الاستيطان هي الكاشفة لمدى تطرف حكومة نتنياهو، وهو لا يلعب هذه الورقة ليضغط بها على الفلسطينيين ليحصل منهم على مزيد من التنازلات، فهم لم يعد لديهم ما يتنازلون عنه، كما لا يلعب بورقة الاستيطان ليحصل على مزيد من الامتيازات من الحليف الأمريكي والأوروبي، فهو يحصل على ما يريد في أي وقت دون أن يستخدم أي أوراق لديه، إنما تلك الحكومة جادة جداً في الاستيطان، وهي تريد سرعة الانجاز فيه في القدس الشرقية المحتلة حتى تنجح في تهويدها وجعل العرب أقلية فيها لتفرض واقعاً مراً بإسقاط مطلب أساسي بأن تكون عاصمة للدولة الفلسطينية المفترضة، وحينئذ وأمام التهويد الكامل واستحالة اقتلاع المستوطنين من القدس بعد زرعهم سيضطر العرب والفلسطينيون للقبول ببدائل أخرى غير القدس الشرقية المهودة عاصمة لهم، ومنها توسيع حدود القدس لضم قرى وبلدات قريبة منها واعتبارها جزءا من المدينة المقدسة لتكون هي العاصمة ويطلق عليها للترضية القدس أيضاً.
تعالوا نطالع عدة عناوين منذ بدأت أزمة الاستيطان بين إسرائيل وأمريكا، وهي ليست أزمة بالمعنى الحقيقي للكلمة، إنما هي تحد من جانب نتنياهو لإدارة اوباما وهذا التحدي يكسبه نتنياهو حتى الآن بسبب ضعف اوباما وانكساره في قضية الاستيطان تحديدا، فقد بدأها اوباما برفض شبه قوي ثم أخذ يتراجع ويميع موقفه حتى تلاشى هذا الموقف ورضخ لمنطق إسرائيل وضاعت هيبته وهيبة إدارته أمام حكومة نتنياهو. هل من دليل على هزيمة اوباما في قضية الاستيطان التي تحمس لها وأراد من خلالها إثبات وجوده لحل الملف الفلسطيني من أن تعلن إسرائيل عن بناء 1600 وحدة استيطانية بالقدس المحتلة في وجود نائب الرئيس الأمريكي بايدن بإسرائيل لمحاولة حلحلة الملف الفلسطيني ليحرز اوباما بعض النجاح أمام إخفاقات مستمرة داخليا وخارجيا .
ولهذا خرجت تصريحات غاضبة من هيلاري تصف فيها ما حدث بأنه اهانة شديدة لأمريكا، لكنه مجرد غضب طارئ أو شكلي ولهذا سرعان ما عاد الأحبة لبعضهم وأخذت واشنطن الغاضبة تدلل إسرائيل المغضوب منها وعليها وكأن ما حدث مسرحية يمثلونها على العرب .هذه عناوين سريعة بالغة الدلالة على ما نقول فاقرؤوا معي:
الخميس 18 مارس نتنياهو يتحدى أمريكا قائلا:لا قيود أبدا على البناء في القدس.
الأحد 21 مارس نتنياهو يقول :أوضحنا لواشنطن أن البناء بالقدس مثل البناء بتل أبيب.
الاثنين 22 مارس نتنياهو يعلن تمسكه بالاستيطان قبيل لقاء إدارة أوباما بواشنطن.
الثلاثاء 23 مارس نتنياهو يقول أمام مؤتمر أيباك: القدس ليست مستوطنة.. إنها عاصمتنا.
هل من تعليق على هذه التصريحات المتسلسلة في وقت تردد فيه كلام عن وجود أزمة بين تل أبيب وواشنطن؟.
التعليق الوحيد انه تحد إسرائيلي لإدارة اوباما الضعيفة العاجزة عن فعل أي شيء في الملفات الأساسية الداخلية والخارجية بعد مرور العام الأول لها. ولا ندري هل النجاح اليتيم الذي حققته تلك الإدارة في الداخل بإقرار الكونجرس لمشروع نظام الرعاية الصحية يمكن أن يعيد بعض التوازن لتلك الإدارة وتنتبه إلى أنها باتت في موقف حرج بفقدان شعبيتها وتأثير ذلك على انتخابات التجديد النصفي للكونجرس بعد أشهر واحتمال فقدان الديمقراطيين للأغلبية داخله ثم اهتزاز موقف اوباما في انتخابات الولاية الثانية له وهناك حديث من الآن بأنه يمكن أن يواجه صعوبات شديدة في الفوز بالولاية الثانية.
لكن ماذا عن الطرف الفلسطيني والعربي مما يحدث الآن؟الواضح اننا غير قادرين على تحدي، إسرائيل أو أمريكا أو أي أي احد في العالم. العرب يتحدون بعضهم بعضا فقط. كان يجب أن ينتفض العرب لاتخاذ مواقف سياسية وعملية تتناسب وخطورة التوسع الاستيطاني الذي يأكل القدس الشرقية والضفة الغربية، وكذلك التهديدات السافرة للمسجد الأقصى بعد افتتاح كنيس الخراب الذي يؤذن بأن عمر بقاء المسجد أصبح معدودا ليهدمه اليهود ويقيموا هيكلهم الثالث المزعوم مكانه.
العرب وافقوا على مفاوضات إسرائيلية فلسطينية غير مباشرة فرد نتنياهو بالإعلان عن المزيد من بناء الوحدات الاستيطانية والمزيد من التهديدات الواضحة للمسجد الأقصى. الموقف يحتاج من العرب مواقف متحدية وقوية لمواجهة كارثية سياسات حكومة نتنياهو على الأراضي المحتلة وتهديداتها لسوريا ولبنان، ولإيران أيضاً باعتبار أن أي عمل عسكري ضد طهران سينعكس على المنطقة بنشوب حرب عالمية إسلامية ثالثة كما أشارت لذلك صحيفة أمريكية مؤخراً.
لا نطالب العرب بإعلان الحرب على إسرائيل وأمريكا فهذا من سابع المستحيلات لكن من المهم اتخاذ موقف جماعي قوي لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من القدس الشرقية ومن الضفة ومن الأقصى وقد آن الأوان للفلسطينيين المنقسمين أن يتحدوا ويتوحدوا لأنهم أكبر الخاسرين ونتنياهو أكبر الفائزين من انقسامهم ومن ضعف وتشتت العرب.
المصدر : جريدة الراية 25 مارس 2010م