من وحي معركة غزة ( 7 )
د. مصطفى يوسف اللداوي
كاتبٌ وباحثٌ فلسطيني
دبلوماسية عربية في الاتجاه الخطأ
لم ينتهي العدوان على قطاع غزة ، ولم تضع الحرب أوزارها ، وإن كانت فوهات المدافع قد سكت ، وتوقفت الطائرات الإسرائيلية المقاتلة عن طلعاتها الجوية ، وامتنعت نسبياً عن قصف قطاع غزة ، وعاد الهدوء يخيم على مختلف مناطق قطاع غزة ، بعد إعلان إسرائيل وقف عملياتها العسكرية من طرفٍ واحد ، أتبعها قرارٌ من المقاومة الفلسطينية بالتزامها بوقف إطلاق النار حال التزام إسرائيل بالانسحاب الشامل من قطاع غزة خلال أسبوعٍ واحد ، ولكن إسرائيل تدرك أن حملتها العسكرية على قطاع غزة قد باءت بالفشل ، وأنها لم تحقق أهدافها العسكرية التي أعلنت عنها ، وأنها أجبرت على التراجع والانكفاء ، بل إن عدوانها على قطاع غزة قد زاد من رصيد المقاومة الفلسطينية ، وعزز مواقعها ، وحسن صورتها ، وأشاع روح المقاومة في الأمة ، ورفع روحها المعنوية ، وأعاد لها الثقة بنفسها من جديد بأنها قادرة على مواجهة إسرائيل ، ووضع حدٍ لطموحاتها ، فكان لابد من الالتفاف على إنجازات المقاومة ، واللجوء إلى وسيلةٍ أخرى لتحقيق ما عجزت عن تحقيقه الآلة العسكرية الصهيونية ، والاستفادة من كل الأطراف في تعويض خسارتها ، وإنقاذها من أزمتها ، فانطلقت لذلك حملةٌ محمومة من النشاط الدبلوماسي الدولي الواسع ، طالت مختلف العواصم الفاعلة والمؤثرة في ساحة الصراع ، وقد بدأ النشاط الدولي للالتفاف على المقاومة قبيل إعلان وقف إطلاق النار ، وفي الساعات الأخيرة لولاية جورج بوش ، وقبيل دخول باراك أوباما البيت الأبيض ، حيث وضعت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كونداليزا رايس مع وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيفني ليفني قواعد وأسس العملية السياسية لأي نشاطٍ سياسي قادم ، ووقع الطرفان اتفاقيةً أمنية ، أفسحت المجال فيها لمختلف الأطراف الدولية والمحلية والإقليمية للمشاركة ، خاصةً العربية منها ، ومنها انطلقت المساعي الدولية المختلفة لتطويق انجازات المقاومة ، وتعويض إسرائيل عن خسارتها أو عجزها ، فكانت مساعي الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي مع مصر لتطبيق وتمرير المبادرة المصرية لوقف إطلاق النار ، التي كانت عناوينها تركز على محاصرة المقاومة ، والتضييق عليها ، وحرمانها من حقها في المقاومة ، وعززت فرنسا جهودها الدبلوماسية بإرسال أول فرقاطة عسكرية لمراقبة سواحل قطاع غزة ، بينما لم تتشكل أي آلية دولية لمراقبة إسرائيل ، ومنعها من تكرار اعتداءاتها على قطاع غزة ، وعلى قاعدة الاتفاقية الأمنية الإسرائيلية – الأمريكية بدأت اللقاءات العربية العربية ، والعربية الأوروبية ، والعربية الأمريكية ، لتبحث كلها في كيفية محاصرة المقاومة ، ونزع سلاحها ، وتبهيت نصرها ، ودفع الناس للتخلي عنها ، فتبنى المبعوث الأمريكي الخاص إلى الشرق الأوسط جورج ميتشيل هذه الأهداف ، وأخذ يدعو ويؤكد عليها في كل محطاته العربية والدولية خلال جولته الأولى إلى منطقة الشرق الأوسط ، فَصَوَّر أن حركة حماس والمقاومة الفلسطينية هم سبب الأزمة ، وهم الذين فجروا معركة غزة ، عندما استفزوا إسرائيل بصواريخهم التي استهدفت مدنهم وسكانهم في البلدات المحيطة بقطاع غزة ، وأن عليهم وقف عملياتهم العسكرية ضد إسرائيل ، التي تفهم رد فعلها إزاء غزة .
ولم يكد جورج ميشيل يغادر المنطقة متوجهاً إلى باريس ولندن حتى التأم في القاهرة لقاء جمع الرئيس المصري حسني مبارك ، إلى رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس ووزير الخارجية السعودي سعود الفيصل ، ليضع الخطوط العامة للدبلوماسية العربية القادمة بعد معكرة غزة ، وبعد قمة الكويت الاقتصادية ، ولم يكن هدف إعادة إعمار غزة ، واستعادة الحياة الطبيعية فيها ، ووقف العدوان الإسرائيلي المتكرر عليها ، وحماية أهلها ، هو هاجس الاجتماع العربي الأول بعد وقف العدوان الإسرائيلي على غزة ، بل كانت هناك أهدافٌ أخرى ، رأوا أنها أهم مما سبق ذكره ، وهي تتمثل في منع التدخلات الأجنبية في القضية الفلسطينية ، والحيلولة دون إخضاع القرار الفلسطيني لجهاتٍ غير عربية ، والعمل على تكريس سلطة محمود عباس المنتهية ولايته كرئيسٍ للسلطة الفلسطينية ، وحماية منظمة التحرير الفلسطينية بصفتها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني ، ورعاية الحوار الفلسطيني وفق الشروط الدولية ، كالاعتراف بقرارات الشرعية الدولية ، وشروط الرباعية ، والالتزامات بالاتفاقيات السياسية الموقعة مع إسرائيل ، والتعهد بوقف جميع عمليات التسلح ، ومن القاهرة وفق هذه المنطلقات انطلق اجتماع بعض وزراء الخارجية العرب في أبو ظبي ، ليناقش بعيداً عن وسائل الإعلام ذات القضايا التي تمت مناقشتها في القاهرة ، ورغم أن وزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد أعلن أن الاجتماع بقصد تنسيق المواقف العربية ، وتحقيق التضامن العربي المفقود ، ودعم مبادرة السلام العربية ، إلا أنه لم يتم دعوة أي دولة ممن تسمى بـ " دول الممانعة " ، وأعلن أن من أهداف اللقاء العمل على ضمان عدم تدخل أي أطراف غير عربية وغير مرغوب فيها في شؤوننا ، وبصورة غير ضرورية ، وأعلن أن هذا اللقاء ، ولقاءاتٍ أعربية أخرى قادمة تستهدف تعزيز التضامن العربي ، والتأكيد على دعم مبادرة السلام العربية ، وتجديد الدعم للسلطة الوطنية الفلسطينية بقيادة الرئيس محمود عباس ، ولمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني ، وتأكيد الدعم العربي للمبادرة المصرية ، وللجهود التي تبذلها القاهرة مع الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي من أجل تثبيت التهدئة وتحقيق الوحدة الفلسطينية ، وناقش وزراء الخارجية العرب في أبو ظبي الخطوط العامة لمؤتمر المانحين لإعادة إعمار غزة ، والذي سيعقد في القاهرة في نهاية الشهر الحالي ، وكان واضحاً لديهم أنه لا يمكن المباشرة في إعادة إعمار قطاع غزة ، ولا البدء في ضخ الأموال إلى أهل غزة قبل إتمام المصالحة الفلسطينية ، وإعادة تمكين السلطة الفلسطينية بعد تشكيل حكومة وفاق أو وحدة فلسطينية ، فيما يبدو أنه محاولة ضغط على المقاومة الفلسطينية لقبول العديد من الشروط المطروحة عليها ، إذا رغبت في إعادة إعمار قطاع غزة ، والتخفيف عن سكانه ، ويدرك الوزراء المجتمعون في أبو ظبي أن هذه القضية ضاغطة على المقاومة في قطاع غزة ، وأن حاجة السكان في تزايدٍ مستمر ، وأن الضائقة عليهم تشتد ، وأنه يصعب على أهل قطاع غزة مواجهة المزيد من الحصار والحرمان ، بعد أن دمرت بيوتهم ومزارعهم ومعاملهم ومدارسهم ، ولكن المقاومة الفلسطينية تدرك أن الهدف من النشاط الدبلوماسي الدولي والعربي الواسع هو رأس المقاومة ، وأن الجهود الدولية كلها تنصب حول الآليات والوسائل التي من شأنها الحد من قدرة المقاومة ، ومنع تسليحها ، والحيلولة دون وصول السلاح إليها ، والعمل على جر أطراف المقاومة إلى طاولة المفاوضات ، وعزلها عن إيران وسوريا ومحيطها المقاوم ، تمهيداً لمعركةٍ قادمة ، ولهذا تتمسك المقاومة الفلسطينية بمواقفها ، وتعض على جراحها ، وستصبر على الحصار ، وعلى المزيد من الحرمان ، وستواجه الضغوط العربية والدولية لكسر إرادتها ، وحرف توجهاتها ، وجرها إلى معسكر الاعتدال الذي تنادي له ، متخليةً عن سلاحها ومقاومتها ، ويخطئ القادة العرب المجتمعون في القاهرة وأبو ظبي وفيا سيلي ، عندما يعتقدون أن هذه الاجتماعات وفق أجندتها المعلنة والخفية ، ستؤدي إلى وفاقٍ فلسطيني ، أو إجماعٍ عربي ، بل إن العكس من ذلك أقرب بكثير ، إذ أن هذه المساعي قد تزيد في حالة التمزق والتشرذم العربي ، وقد تباعد بين مختلف وجهات النظر العربية ، وقد تقضي على فرصة التوافق والمصالحة الفلسطينية ، فهي لقاءات تستثني فريقاً وتقرب آخر ، وتنتصر لوجهة نظر على أخرى ، وتحرم المناصرة والمساندة من أطراف ، وتبيح وتتيح الفرصة للتدخل غير العادل وغير المنصف لأطرافٍ أخرى .
أيها القادة العرب ، ليس هكذا تورد الإبل ، وليست هذه هي الطريقة المثلى لنصرة غزة الجريحة ، فلن يقبل أهل غزة الذين انتفضوا على الهزيمة وهزموها كسرة خبزٍ مشروطة ، ولا لبنة إعمار مرتهنة ، ولا ضوءاً يفقدهم البصيرة ، ولا هدوءاً يورثهم ذلاً وهواناً ، فإياكم أن تعطوا الفرصة الضائعة لإسرائيل الفاشلة من جانبٍ آخر ، فلا تسمحوا لها أن تسجل في مرمى العرب هدفاً بأيدينا نحن ، فقد عجزت إسرائيل عن تحقيق أهدافها بالعدوان علينا ، فلا نسهل لها التسلل إلى مربعاتنا الوطنية والقومية ، ولا نسمح للمتنافسين الإسرائيليين على الدم العربي والفلسطيني الاستفادة منا في تسويق أنفسهم في انتخاباتهم القادمة ، ولا نخلط الأوراق ، ولا نصاب بعمى الألوان ، فليس من ناصرنا وساندنا كمن تآمر علينا ، وليس من يقف إلى جانبنا كمن يقف إلى جانب العدو ويؤازره ، واعلموا أن أحداً لا يستطيع أن يفرض شروطه على المقاومة ، فلا الصديق المناصر يقوى على استخدام المقاومة ورقةً في يده ، ولا غيره سينجح في تقويض المقاومة وترويضها دون تحقيق أهدافها باستعادة أرضها وحقها ، وإياكم أن تخدعوا من جديد بوعود وأماني لن تتحقق ، واذكروا أن التاريخ لن ينسى الوعود الكاذبة ، ولا المراسلات المخادعة ، التي أدت في نهايتها إلى ضياع فلسطين وتمزيق العرب ، ولتكن دبلوماسيتكم المحلية والدولية ، لحماية المقاومة ، وتحصين الصمود ، وتثبيت الأهل ، واركنوا إلى المقاومة واعتزوا بها ، وافخروا أن أبناءكم قد حققوا نصراً ، وأوقفوا عدواً ، فالمقاومة وحدها هي التي تحمي ، ولولا سلاح غزة ، وقوة المقاومة ، وصلابة الأهل ، واستبسال المجاهدين ، واستعداد قوى المقاومة ، لجاس الإسرائيليون خلال الديار مفسدين مخربين ، ليكرروا من جديد نصرهم في عامي 1956 ، و1967، فإياكم أن تبيعوا صمودنا ، وأن تفرطوا في تضحياتنا ، وأن تتخلوا عن انجازاتنا ، لا في غزة وحدها ، وإنما في بيروت قبلها .
آخـر تحـديث لهـذه الصفحـة : 4 فبراير 2009م