المقالات   | التقارير   | الأخبار   | دليل الباحث السوداني   | الباحثون  

 

 

 
 

الراصد مؤسسة ومجموعة بحثية علمية تهتم بتوثيق وإنتاج ونشر المعرفة وهى مؤسسة طوعية مستقلة غير حكومية تدير أعمالها عبر مجموعة مراكز وبطاقم متخصص فى عدة مجالات من خلال طرح رسالتها فى كافة الأوساط ذات الأهداف المشتركة   المزيد عن الراصد

 
     

المقالات


من وحي معركة غزة ( 7 )

د. مصطفى يوسف اللداوي

كاتبٌ وباحثٌ فلسطيني

دبلوماسية عربية في الاتجاه الخطأ

لم ينتهي العدوان على قطاع غزة ، ولم تضع الحرب أوزارها ، وإن كانت فوهات المدافع قد سكت ، وتوقفت الطائرات الإسرائيلية المقاتلة عن طلعاتها الجوية ، وامتنعت نسبياً عن قصف قطاع غزة ، وعاد الهدوء يخيم على مختلف مناطق قطاع غزة ، بعد إعلان إسرائيل وقف عملياتها العسكرية من طرفٍ واحد ، أتبعها قرارٌ من المقاومة الفلسطينية بالتزامها بوقف إطلاق النار حال التزام إسرائيل بالانسحاب الشامل من قطاع غزة خلال أسبوعٍ واحد ، ولكن إسرائيل تدرك أن حملتها العسكرية على قطاع غزة قد باءت بالفشل ، وأنها لم تحقق أهدافها العسكرية التي أعلنت عنها ، وأنها أجبرت على التراجع والانكفاء ، بل إن عدوانها على قطاع غزة قد زاد من رصيد المقاومة الفلسطينية ، وعزز مواقعها ، وحسن صورتها ، وأشاع روح المقاومة في الأمة ، ورفع روحها المعنوية ، وأعاد لها الثقة بنفسها من جديد بأنها قادرة على مواجهة إسرائيل ، ووضع حدٍ لطموحاتها ، فكان لابد من الالتفاف على إنجازات المقاومة ، واللجوء إلى وسيلةٍ أخرى لتحقيق ما عجزت عن تحقيقه الآلة العسكرية الصهيونية ، والاستفادة من كل الأطراف في تعويض خسارتها ، وإنقاذها من أزمتها ، فانطلقت لذلك حملةٌ محمومة من النشاط الدبلوماسي الدولي الواسع ، طالت مختلف العواصم الفاعلة والمؤثرة في ساحة الصراع ، وقد بدأ النشاط الدولي للالتفاف على المقاومة قبيل إعلان وقف إطلاق النار ، وفي الساعات الأخيرة لولاية جورج بوش ، وقبيل دخول باراك أوباما البيت الأبيض ، حيث وضعت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كونداليزا رايس مع وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيفني ليفني قواعد وأسس العملية السياسية لأي نشاطٍ سياسي قادم ، ووقع الطرفان اتفاقيةً أمنية ، أفسحت المجال فيها لمختلف الأطراف الدولية والمحلية والإقليمية للمشاركة ، خاصةً العربية منها ، ومنها انطلقت المساعي الدولية المختلفة لتطويق انجازات المقاومة ، وتعويض إسرائيل عن خسارتها أو عجزها ، فكانت مساعي الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي مع مصر لتطبيق وتمرير المبادرة المصرية لوقف إطلاق النار ، التي كانت عناوينها تركز على محاصرة المقاومة ، والتضييق عليها ، وحرمانها من حقها في المقاومة ، وعززت فرنسا جهودها الدبلوماسية بإرسال أول فرقاطة عسكرية لمراقبة سواحل قطاع غزة ، بينما لم تتشكل أي آلية دولية لمراقبة إسرائيل ، ومنعها من تكرار اعتداءاتها على قطاع غزة ، وعلى قاعدة الاتفاقية الأمنية الإسرائيلية – الأمريكية بدأت اللقاءات العربية العربية ، والعربية الأوروبية ، والعربية الأمريكية ، لتبحث كلها في كيفية محاصرة المقاومة ، ونزع سلاحها ، وتبهيت نصرها ، ودفع الناس للتخلي عنها ، فتبنى المبعوث الأمريكي الخاص إلى الشرق الأوسط جورج ميتشيل هذه الأهداف ، وأخذ يدعو ويؤكد عليها في كل محطاته العربية والدولية خلال جولته الأولى إلى منطقة الشرق الأوسط ، فَصَوَّر أن حركة حماس والمقاومة الفلسطينية هم سبب الأزمة ، وهم الذين فجروا معركة غزة ، عندما استفزوا إسرائيل بصواريخهم التي استهدفت مدنهم وسكانهم في البلدات المحيطة بقطاع غزة ، وأن عليهم وقف عملياتهم العسكرية ضد إسرائيل ، التي تفهم رد فعلها إزاء غزة .

ولم يكد جورج ميشيل يغادر المنطقة متوجهاً إلى باريس ولندن حتى التأم في القاهرة لقاء جمع الرئيس المصري حسني مبارك ، إلى رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس ووزير الخارجية السعودي سعود الفيصل ، ليضع الخطوط العامة للدبلوماسية العربية القادمة بعد معكرة غزة ، وبعد قمة الكويت الاقتصادية ، ولم يكن هدف إعادة إعمار غزة ، واستعادة الحياة الطبيعية فيها ، ووقف العدوان الإسرائيلي المتكرر عليها ، وحماية أهلها ، هو هاجس الاجتماع العربي الأول بعد وقف العدوان الإسرائيلي على غزة ، بل كانت هناك أهدافٌ أخرى ، رأوا أنها أهم مما سبق ذكره ، وهي تتمثل في منع التدخلات الأجنبية في القضية الفلسطينية ، والحيلولة دون إخضاع القرار الفلسطيني لجهاتٍ غير عربية ، والعمل على تكريس سلطة محمود عباس المنتهية ولايته كرئيسٍ للسلطة الفلسطينية ، وحماية منظمة التحرير الفلسطينية بصفتها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني ، ورعاية الحوار الفلسطيني وفق الشروط الدولية ، كالاعتراف بقرارات الشرعية الدولية ، وشروط الرباعية ، والالتزامات بالاتفاقيات السياسية الموقعة مع إسرائيل ، والتعهد بوقف جميع عمليات التسلح ، ومن القاهرة وفق هذه المنطلقات انطلق اجتماع بعض وزراء الخارجية العرب في أبو ظبي ، ليناقش بعيداً عن وسائل الإعلام ذات القضايا التي تمت مناقشتها في القاهرة ، ورغم أن وزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد أعلن أن الاجتماع بقصد تنسيق المواقف العربية ، وتحقيق التضامن العربي المفقود ، ودعم مبادرة السلام العربية ، إلا أنه لم يتم دعوة أي دولة ممن تسمى بـ " دول الممانعة " ، وأعلن أن من أهداف اللقاء العمل على ضمان عدم تدخل أي أطراف غير عربية وغير مرغوب فيها في شؤوننا ، وبصورة غير ضرورية ، وأعلن أن هذا اللقاء ، ولقاءاتٍ أعربية أخرى قادمة تستهدف تعزيز التضامن العربي ، والتأكيد على دعم مبادرة السلام العربية ، وتجديد الدعم للسلطة الوطنية الفلسطينية بقيادة الرئيس محمود عباس ، ولمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني ، وتأكيد الدعم العربي للمبادرة المصرية ، وللجهود التي تبذلها القاهرة مع الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي من أجل تثبيت التهدئة وتحقيق الوحدة الفلسطينية ، وناقش وزراء الخارجية العرب في أبو ظبي الخطوط العامة لمؤتمر المانحين لإعادة إعمار غزة ، والذي سيعقد في القاهرة في نهاية الشهر الحالي ، وكان واضحاً لديهم أنه لا يمكن المباشرة في إعادة إعمار قطاع غزة ، ولا البدء في ضخ الأموال إلى أهل غزة قبل إتمام المصالحة الفلسطينية ، وإعادة تمكين السلطة الفلسطينية بعد تشكيل حكومة وفاق أو وحدة فلسطينية ، فيما يبدو أنه محاولة ضغط على المقاومة الفلسطينية لقبول العديد من الشروط المطروحة عليها ، إذا رغبت في إعادة إعمار قطاع غزة ، والتخفيف عن سكانه ، ويدرك الوزراء المجتمعون في أبو ظبي أن هذه القضية ضاغطة على المقاومة في قطاع غزة ، وأن حاجة السكان في تزايدٍ مستمر ، وأن الضائقة عليهم تشتد ، وأنه يصعب على أهل قطاع غزة مواجهة المزيد من الحصار والحرمان ، بعد أن دمرت بيوتهم ومزارعهم ومعاملهم ومدارسهم ، ولكن المقاومة الفلسطينية تدرك أن الهدف من النشاط الدبلوماسي الدولي والعربي الواسع هو رأس المقاومة ، وأن الجهود الدولية كلها تنصب حول الآليات والوسائل التي من شأنها الحد من قدرة المقاومة ، ومنع تسليحها ، والحيلولة دون وصول السلاح إليها ، والعمل على جر أطراف المقاومة إلى طاولة المفاوضات ، وعزلها عن إيران وسوريا ومحيطها المقاوم ، تمهيداً لمعركةٍ قادمة ، ولهذا تتمسك المقاومة الفلسطينية بمواقفها ، وتعض على جراحها ، وستصبر على الحصار ، وعلى المزيد من الحرمان ، وستواجه الضغوط العربية والدولية لكسر إرادتها ، وحرف توجهاتها ، وجرها إلى معسكر الاعتدال الذي تنادي له ، متخليةً عن سلاحها ومقاومتها ، ويخطئ القادة العرب المجتمعون في القاهرة وأبو ظبي وفيا سيلي ، عندما يعتقدون أن هذه الاجتماعات وفق أجندتها المعلنة والخفية ، ستؤدي إلى وفاقٍ فلسطيني ، أو إجماعٍ عربي ، بل إن العكس من ذلك أقرب بكثير ، إذ أن هذه المساعي قد تزيد في حالة التمزق والتشرذم العربي ، وقد تباعد بين مختلف وجهات النظر العربية ، وقد تقضي على فرصة التوافق والمصالحة الفلسطينية ، فهي لقاءات تستثني فريقاً وتقرب آخر ، وتنتصر لوجهة نظر على أخرى ، وتحرم المناصرة والمساندة من أطراف ، وتبيح وتتيح الفرصة للتدخل غير العادل وغير المنصف لأطرافٍ أخرى .

أيها القادة العرب ، ليس هكذا تورد الإبل ، وليست هذه هي الطريقة المثلى لنصرة غزة الجريحة ، فلن يقبل أهل غزة الذين انتفضوا على الهزيمة وهزموها كسرة خبزٍ مشروطة ، ولا لبنة إعمار مرتهنة ، ولا ضوءاً يفقدهم البصيرة ، ولا هدوءاً يورثهم ذلاً وهواناً ، فإياكم أن تعطوا الفرصة الضائعة لإسرائيل الفاشلة من جانبٍ آخر ، فلا تسمحوا لها أن تسجل في مرمى العرب هدفاً بأيدينا نحن ، فقد عجزت إسرائيل عن تحقيق أهدافها بالعدوان علينا ، فلا نسهل لها التسلل إلى مربعاتنا الوطنية والقومية ، ولا نسمح للمتنافسين الإسرائيليين على الدم العربي والفلسطيني الاستفادة منا في تسويق أنفسهم في انتخاباتهم القادمة ، ولا نخلط الأوراق ، ولا نصاب بعمى الألوان ، فليس من ناصرنا وساندنا كمن تآمر علينا ، وليس من يقف إلى جانبنا كمن يقف إلى جانب العدو ويؤازره ، واعلموا أن أحداً لا يستطيع أن يفرض شروطه على المقاومة ، فلا الصديق المناصر يقوى على استخدام المقاومة ورقةً في يده ، ولا غيره سينجح في تقويض المقاومة وترويضها دون تحقيق أهدافها باستعادة أرضها وحقها ، وإياكم أن تخدعوا من جديد بوعود وأماني لن تتحقق ، واذكروا أن التاريخ لن ينسى الوعود الكاذبة ، ولا المراسلات المخادعة ، التي أدت في نهايتها إلى ضياع فلسطين وتمزيق العرب ، ولتكن دبلوماسيتكم المحلية والدولية ، لحماية المقاومة ، وتحصين الصمود ، وتثبيت الأهل ، واركنوا إلى المقاومة واعتزوا بها ، وافخروا أن أبناءكم قد حققوا نصراً ، وأوقفوا عدواً ، فالمقاومة وحدها هي التي تحمي ، ولولا سلاح غزة ، وقوة المقاومة ، وصلابة الأهل ، واستبسال المجاهدين ، واستعداد قوى المقاومة ، لجاس الإسرائيليون خلال الديار مفسدين مخربين ، ليكرروا من جديد نصرهم في عامي 1956 ، و1967، فإياكم أن تبيعوا صمودنا ، وأن تفرطوا في تضحياتنا ، وأن تتخلوا عن انجازاتنا ، لا في غزة وحدها ، وإنما في بيروت قبلها .

آخـر تحـديث لهـذه الصفحـة : 4 فبراير 2009م

 

 

^أعلى

       عن الراصد
       الكتب والدراسات
       النشاطات
       المجلة
       المنتدى
       الراصد السوداني
       الراصد الأسبوعي
       فلسطين اليوم
       التحليلات
       موضوع ورأي
       القائمة البريدية

*  انضمامك لقائمة الراصد البريدية يمكنك

من الاطلاع على اصدارات وانشطة الراصد

 

  المكتبة   |   الوثائق   |   مواقع صديقة   |   اتصل بنا  

كل الحقوق محفوظة © للراصد للبحوث والعلوم السودان - الخرطوم 2008 :::  التصميم والدعم الفني لمسة الهندسية

أفضل تصفح باستخدام دقة شاشة 1024*768 بيكسل