ماجد عزام*
ليس خلاف عادي ذلك الذي اندلع مؤخراً بين إسرائيل والولايات المتحدة أو بالأحرى بين إدارة بارك أوباما وحكومة بنيامين نتنياهو المتطرفة، إنه أكثر من خلاف، بدليل الإهانة الفظة التي تعرض لها أقرب المسوؤلين إلى الدولة العبرية والذى يصف نفسه "كصهيونى" أيضا نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن. غير أنه حتماً أقل من أزمة، بدليل تصريحات التهدئة الأخيرة التي أطلقت، خاصة من قبل مسؤولين في إدارة أوباما و حتى هذا الأخير نفسه والتي تتضمن الجملتين الأكثر شيوعاً، "التحالف الراسخ غير القابل للفصل بين البلدين، و الالتزام الأمريكي الثابت والمطلق بأمن إسرائيل ".
عندما يتعرض نائب الرئيس الأمريكى وهو أحد أكثر الشخصيات السياسية الأمريكية تاييداً لإسرائيل لإهانة فظة على هذا النحو سواء كانت من موظف متوسط الدرجة أو نتيجة خطأ بيروقراطى، أم من حكومة بأكملها، فإن ثمة مشكلة كبيرة، وعندما يصل الأمر إلى مطالبة الإدارة الأمريكية بتحقيق رسمي مع التوجس من شبهة تعمد الاساءة، خاصة ضمن المستويات المهنية فى وزارة الداخلية الإسرائلية. يصبح الأمر أكثر من خلاف عادي وتحديداً إذا ما تذكرنا التباين حول عملية التسوية وآليات ووسائل الوصول إلى اتفاق نهائى للصراع فى فلسطين والمنطقة.
رغم الاهانة والشعور الكبير بالغضب فى أوساط الإدارة الأمريكية إلا أنّ الأمر لم يصل إلى حد الأزمة لعدة أسباب : منها التحالف الاستراتيجى الراسخ بين البلدين والالتزام الأمريكى المطلق بأمن إسرائيل بوصفها جزءاً من المصالح الأمريكية الحيوية فى المنطقة ومنها أيضا الوضع السياسى والحزبى الداخلى فى واشنطن حيث لإسرائيل حلفاء وأصدقاء أكثر من باراك أوباما حسب تعبير اليوت ابرامز.
غير أنّ انتهاء الخلاف وطى صفحته بشكل مرحلي، لا يعنى أنّ النار ليست تحت الرماد لعدة أسباب منها، المنهجى أو المبدئى والمتمثل بانتخاب أمريكا لأوباما وإنحياز العالم ككل إلى نهج هذا الأخير مقابل انتخاب إسرائيل لنتنياهو وانحيازها إلى نهج وأسلوب جورج بوش المناقض تماما. ومنها تبلور مستجد مهم فى واشنطن حيث أضحت الدولة الفلسطينية مصلحة قومية أمريكية وحيث أضحى الانحياز لإسرائيل ضارا للمصالح الأمريكية فى المنطقة وعاملا سلبيا فى العلاقات الرسمية والشعبية وليس ذلك فقط بل إنّ عدم التوصل إلى حل للصراع فى فلسطين يترك آثاراً سلبية حتى على حياة الجنود الأمريكيين المنتشرين فى طول المنطقة وعرضها.
الآن رغم طي صفحة الخلاف مرحليا، وقبل تحوله إلى أزمة إلاّ أنّ تكراره وارد جدا إذا ما سعت إدارة أوباما إلى الدفاع عما تراه مصلحة قومية، وإذا ما انسجمت حكومة (نتياهو، ليبرمان،بيغن ) اليمينية المتطرفة مع مواقفها التى لا ترى فرصة للتسوية سوى بإبقاء الوضع الراهن فى أحسن الأحوال، وفى أسوئها تقديم حكم ذاتى بلدى موسع للفاسطينين مع امكانية غض النظر عن إطلاق إسم دولة عليه وهو أمر لا يمكن أن يقبل به أى مسوؤل فلسطينى أو عربى.
ثمة أمر مقلق يتمثل بنزوع إدارة أوباما كما الإدارات الأمريكية المتعاقبة إلى التوصل إلى حل وسط مع إسرائيل كما جرى مع مطلب التجميد التام للاستيطان ومن ثم الضغط على الفلسطينيين والعرب لقبوله بمعنى تحسين شروط الحكم الذاتى الموسع وتزيينه بإطار الدولة الخادع وتقديمه بصفته الحل الواقعى والمنطقى والممكن بعد بلورة حل وسط مع إسرائيل وفق ثوابت أو لاءات الاجماع الصهيونى، لا لحق عودة اللاجئين، لا لتقسيم القدس، لا للعودة الى حدود حزيران يونيو 1967، هذا لا يمكن أن يواجه بالطبع إلاّ بأعلى مستوى ممكن ليس فقط من الوحدة وإنما التوافق والتفاهم والوعى أيضا على المستوى الفلسطينى كما العربى أيضا.
مدير مركز شرق المتوسط للاعلام.