د. مصطفى يوسف اللداوي
كاتبٌ وباحثٌ فلسطيني
لعل الدم الفلسطيني الذي لون شوارع قطاع غزة كان هو مداد الدعاية الانتخابية الإسرائيلية ، وكان حصاد القتل والتدمير اليومي الذي حققته الآلة العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة هو مؤشر تقدم المتنافسين في الانتخابات التشريعية القادمة ، وكان قتل الأطفال الفلسطينيين أداةً من أدوات الدعاية الانتخابية ، وكان حجم القوة العسكرية الإسرائيلية المهولة يؤشر على حمى التنافس الحزبي الإسرائيلي ، فمن يقتل أكثر يفوز أكثر ، ومن يشرد أكثر يحقق فرصاً للفوز أكثر ، ولذا لا يمكننا عزل نتائج الانتخابات التشريعية الإسرائيلية المبكرة عن أسباب ونتائج العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة ، إذ بدأ العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في السابع والعشرين من ديسمبر / كانون أول من العام الماضي ، أي قبل أقل من شهرين من الاستحقاق الانتخابي ، حيث راهن قادة الكيان الصهيوني على الاستفادة من استهداف المقاومة الفلسطينية في الانتخابات ، وتوظيف نتائجها لصالحهم في صناديق الانتخاب ، وليس من قبيل المبالغة القول بأن الاعتداء على قطاع غزة كان لغاياتٍ انتخابية صرفة ، وأن الترويكا الحاكمة أرادت توظيف حملتها على قطاع غزة لقضايا شخصية محضة ، فأيهود أولمرت الذي سيضطر إلى ترك الحياة السياسية الإسرائيلية ، بعد أن قدم استقالته على خلفية الفضائح المالية التي تعرض لها ، ونتيجةً مباشرة لفشله في حربه على حزب الله في صيف 2006 ، أراد أن ينهي ملفه السياسي ببعض الإنجازات السياسية لتحسين صورته في الشارع الإسرائيلي ، ولشطب بعض ما لحق بشخصيته من تشويهاتٍ واتهامات ، كما رغب في أن يقدم خدمةً أخيرة لحزبه كاديما قبل أن يرحل عن رئاسة الحكومة ، تاركاً إياها لزعامة تسيفني ليفني ، فقد توقع أولمرت أنه سينجح في تحقيق أهدافه من حملته العسكرية على قوى المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة ، وعلى رأسها حركة المقاومة الإسلامية " حماس " ، وأنه سيتمكن قبل رحيله من أن يطلق سراح الجندي الإسرائيلي السير جلعاد شاليط ، وسيتمكن من ووضعِ حدٍ لانطلاق الصواريخ الفلسطينية على البلدات الإسرائيلية ، وهذا من شأنه كله أن يحسن صورته الشخصية التي تشوهت كثيراً ، وأن يخدم حزب كاديما المهدد من قبل حزب الليكود ، ولهذا قرر أن يكون هجومه على قطاع غزة قبل أيامٍ قليلة من الانتخابات التشريعية .
أما تسيفني ليفني التي عجزت عن تشكيل الحكومة الإسرائيلية التي كلفت بتشكيلها بعد استقالة أيهود أولمرت ، فقد كانت تخشى من فوز بنيامين نتنياهو زعيم حزب الليكود ، حيث كانت تشير أغلب استطلاعات الرأي أنه الأوفر حظاً في الانتخابات القادمة ، وهو الذي يحمل برامج سياسية وأمنية وعسكرية واجتماعية واقتصادية مختلفة ، ويدعو إلى تطبيق سياسات أمنية وعسكرية جريئة لضمان أمن إسرائيل ، ووضع حدٍ للهجمات الفلسطينية ، وإزاحة حركة حماس عن رئاسة الحكومة الفلسطينية في غزة ، وكان يتهم حكومة أولمرت بالعجز والتردد ، وعدم قدرتها على اتخاذ قرارات أمنية خطيرة لمواجهة التحديات التي تواجه دولة إسرائيل ، بما فيها التحدي النووي الإيراني ، وكانت ليفني تدرك خطورة المواقف التي يعلنها نتنياهو عليها وعلى مستقبل حزب كاديما ، وقد أربكها كثيراً اتهامه لها بالعجز وعدم القدرة على اتخاذ قرارات إستراتيجية كبرى ، ولهذا أيدت ليفني الحملة العسكرية على قطاع غزة ، بل حرضت وزير الدفاع على سرعة التحرك العسكري ، عله تساعد في تسجيل بعض التحسن على مستقبلها وحزبها ، وتتمكن من مواجهة تنامي قوة وحظوظ نتنياهو .
أما أيهود باراك المتهم بالفشل ، والمهدد هو وحزبه بالخسارة في الانتخابات القادمة ، فقد بات يدرك أنه وحزبه في أفولٍ تام ، وأنه سيفقد منصبه كوزيرٍ للدفاع في أي حكومةٍ قادمة ، وأن حزبه حسب استطلاعات الرأي لن يحصد أكثر من 13-14 مقعد في الكنيست الإسرائيلي القادم ، ولهذا فإن أي مغامرة عسكرية يقوم بها في قطاع غزة من شأنها أن تحسن من وضعه الانتخابي ، خاصةً إذا تمكن من تحقيق بعض الأهداف التي وضعها لحملته العسكرية ، وقد بينت استطلاعات الرأي الإسرائيلية في الأيام الأولى لمعركة غزة تحسناً ملحوظاً في حجم التأييد الإسرائيلي له ، الأمر الذي دفعه لاستخدام المزيد من القوة في مواجهة حركة حماس وقوى المقاومة الأخرى ، مستخدماً قطاع غزة وسكانه دعايةً انتخابية له ولحزبه .
وخدم العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة بنيامين نتنياهو وحزب الليكود ، حيث اعتبر نتنياهو أن الحملة العسكرية على قطاع غزة ضرورة ، وأنها تأتي في الاتجاه الصحيح ، وأنها تخدم الأهداف العليا لدولة إسرائيل ، ومدح كثيراً أداء أيهود باراك خلال أوج العملية العسكرية ، واصفاً إياه بأنه وزير دفاعٍ قادر ، وأنه يصلح أن يكون وزير دفاعه حال فوزه في تشكيل الحكومة الإسرائيلية القادمة ، وأبدى عدم اكتراث لحجم القتل في أوساط سكان قطاع غزة ، وأدار ظهره إلى تنامي الانتقادات الدولية لأداء الجيش الإسرائيلي ، معتبراً أمن سكان دولة إسرائيل أهم من تحسين صورتها في العالم .
كما خدم العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة حزب إسرائيل بيتنا ، وزعيمه المتطرف أفيغودور ليبرمان ، الذي دعا إلى استئصال العرب من الدولة العبرية ، وطردهم خارج حدودها ، ودعا إلى تدمير عشرات البيوت الفلسطينية مقابل كل صاروخٍ فلسطيني ينطلق على البلدات الإسرائيلية من قطاع غزة ، وأيد كثيراً الأداء العسكري الإسرائيلية في قطاع غزة ، ودعا إلى استخدام المزيد من القوة لإسقاط حركة حماس وتفكيكها ، ومنعها من التسلح والسيطرة على قطاع غزة ، ولهذا اعتبر ليبرمان وحزبه أن حجم الدمار الذي تحققه الآلة العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة ، إنما هو جزء من برنامجه الانتخابي ، وأنه يخدم توجهاته وتطلعاته السياسية .
أما الأمر المستغرب أن العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة لم يكن بعيداً عن الحسابات الانتخابية الإسرائيلية لدى بعض قادة الدول العربية ، التي كانت تخشى فوز بنيامين نتنياهو ومعسكر اليمين المتطرف في إسرائيل ، ولذا دعمت توجهات يمين الوسط الإسرائيلي في حملته العسكرية على قطاع غزة ، علها تتمكن من إزاحة شبح فوز نتنياهو برئاسة الحكومة الإسرائيلية ، ورأت أن نجاح حكومة الترويكا في إسقاط حكومة حركة حماس ، ونجاحها في ضرب بنيتها العسكرية ، وتحرير الجندي الإسرائيلي الأسير جلعاد شاليط من شأنه أن يزيد من فرص فوز ليفني في تشكيل الحكومة الإسرائيلية القادمة ، وأنها ستتبنى مبادرة السلام العربية كأساس لحل الصراع العربي – الإسرائيلي ، وستتيح فرصاً أفضل لإعادة إحياء عملية السلام .
مراهنات كثيرة في الشارع الإسرائيلي كان الدم الفلسطيني هو وقودها ومدادها الأول ، لذا فإن أياً كان القادم الإسرائيلي لرئاسة الحكومة الإسرائيلية الثانية والثلاثين ، فإنه سيأتي على أنقاض قطاع غزة ، وعلى وقع دوي الصواريخ التي دمرت القطاع وشردت أهله ، ودمرت بيوته ومؤسساته ، ولكن الحقيقة الأخرى الغائبة عن أذهان البعض أن التطرف الإسرائيلي يخلق تطرفاً فلسطينياً آخر ، وأن التشدد الإسرائيلي سيقابل بتشددٍ فلسطيني أكثر ، وأن القوة الإسرائيلية مهما بلغت في قسوتها ووحشيتها فلن تتمكن من إسكات الفلسطينيين ، ووضع حدٍ لتطلعاتهم الوطنية في وطنهم ودولتهم وعودتهم وعاصمتهم القدس ، وأن أياً كان القادم الإسرائيلي الجديد فلن يكون مختلفاً عن غيره ، فكلهم قاتلٌ لشعبنا ، وكلهم سبق وأن دمر بيوتنا ومساكننا ، فليس فيهم من أحدٍ إلا وأيديه ملطخة بدماء أطفالنا ونساءنا ، فليس فيهم من معتدل ولا وسطيٍ منصف ، فلا نقلق على نتائج الانتخابات ، ولا نراهن عليها ، يميناً كان الفائز أو وسطاً ، وإنما نراهن على قوتنا وصلابتنا وصمودنا وتمسكنا بحقنا ، لأنه الوسيلة الأنجع لنيل الحقوق واستعادة الأرض .
آخـر تحديث لهـذه الصفحـة : 11 فبراير 2009م