القادة الأربعة الكبار
د. مصطفى يوسف اللداوي
كاتبٌ وباحثٌ فلسطيني
ربطت إسرائيل التهدئة مع قوى المقاومة الفلسطينية بالإفراج عن الجندي الإسرائيلي الأسير جلعاد شاليط ، وكانت المفاوضات بين الطرفين عبر الوسيط المصري قد وصلت إلى نهايتها ، وكان من المفترض أن يتم الأسبوع الماضي توقيع الاتفاقية بين الطرفين ، وذلك بعد عدة جولات قام بها المفاوض الإسرائيلي عاموس جلعاد بين القاهرة وتل أبيب ، وبلغ التفاؤل في الأوساط الفلسطينية الشعبية قمته عندما وصل إلى القاهرة القيادي البارز في حركة حماس الدكتور محمود الزهار من غزة للمرة الأولى بعد العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة ، حيث أكد المراقبون أن وصول الزهار إلى القاهرة يعني أن الاتفاقية بين الطرفين سترى النور في غضون أيامٍ قليلة ، ولكن رئيس الحكومة الإسرائيلية المنصرف أيهود باراك فاجأ الجميع بتراجعه عن تعهداته السابقة ، وربط التوقيع على الاتفاقية بالإفراج عن الجندي الإسرائيلي الأسير ، ولم تعترض حركة حماس على تزامن القضيتين معاً ، ولكن مع الحفاظ على خصوصية وشروط كلٍ منها ، فهي ترى أن القضيتين منفصلتان عن بعضهما ، فللتهدئة استحقاقات مختلفة تماماً عن استحقاقات صفقة تبادل الأسرى ، لكن الأجهزة الأمنية الإسرائيلية سارعت بالإعلان عن رفضها الإفراج عن أربعة من كبار الأسرى الفلسطينيين الذين تحتجزهم ، في الوقت الذي غيرت فيه من معايير الإفراج عن المعتقلين الفلسطينيين ، واعتبرت أن الإفراج عن القادة الأربعة غير وارد ، إلا أن بعض التصريحات الإعلامية الإسرائيلية أشارت إلى أنه من الممكن الإفراج عنهم ولكن على أن يتم إبعادهم إلى غزة ، أو إلى أي دولةٍ عربية أو أجنبية ، ولكن حركة حماس وآسري الجندي الإسرائيلي يصرون على القائمة المقدمة من طرفهم ، ومن ضمنها القادة الأربعة الكبار ، ويقف الأسير أحمد سعدات الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين على رأس الأسرى الأربعة الكبار ، وهو الذي اختطفته إسرائيل من سجن أريحا ، حيث كان محتجزاً لدى السلطة الفلسطينية بموجب اتفاق أمني بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل ، وتعتبر إسرائيل أحمد سعدات مسؤولاً عن الخلية الفلسطينية التي اغتالت وزير السياحة الصهيوني الأسبق المتطرف رحبام زئيفي ، وقد حكت عليه محكمة عسكرية إسرائيلية بالسجن عدة مؤبدات ، وأما الأسرى الثلاثة الآخرون الذين ترفض إسرائيل الإفراج عنهم ، فهم أعضاء في الجناح العسكرية لحركة حماس ، ويعتبرون من أهم قادة كتائب الشهيد عز الدين القسام ، وقد نفذوا عملياتٍ عسكرية موجعة ضد أهدافٍ إسرائيلية ، وهم عباس السيد مسؤول الجناح العسكري لحركة حماس في منطقة طولكرم ، والذي أرسل منفذ عملية نتانيا التي أدت إلى مقتل 29 إسرائيلياً ، والتي قام في أعقابها رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق أرييل شارون باجتياح الضفة الغربية وإعادة احتلالها ، وفرض الحصار على الرئيس الفلسطيني الشهيد ياسر عرفات ، وحكم على عباس السيد بـ 35 مؤبداً ، إضافة إلى 150 سنة إضافية ، وعبد الله البرغوثي الذي حكم عليه بالسجن المؤبد 67 مرة متراكمة ، وتتهمه السلطات الإسرائيلية بأنه يقف وراء سلسلة طويلة من العمليات الاستشهادية التي أدت إلى مقتل 66 إسرائيلياً ، وجرح نحو 500 آخرين بجروح ، وإحداث دمار هائل في الممتلكات العامة تقدر خسائرها المباشرة بملايين الدولارات ، وتتهم البرغوثي بأنه يقف وراء عملية مطعم سبارو في القدس المحتلة في شهر أب / أغسطس عام 2001 ، والتي قتل فيها 15 إسرائيلياً ، وتتهمه الأجهزة الأمنية الإسرائيلية بأنه يقف خلف عملية الجامعة العبرية ، ومقهى مومنت ، والنادي الليلي في ريشون لتسيون قرب تل أبيب ، والتي قتل فيها نحو 35 إسرائيلياً ، كما تدين البرغوثي بالمسؤولية عن إدخال عبوات ناسفة إلى شركة الغاز الرئيسة في مدينة القدس المحتلة ، وبالمسؤولية عن إدخال سيارة مفخخة إلى محطة الغاز وتكرير البترول قرب تل أبيب .
أما الأسير الرابع الذي ترفض إسرائيل الإفراج عنه فهو إبراهيم حامد ، الذي اعتقل في عملية مشتركة قام بها جهاز المخابرات العامة " الشاباك " والمخابرات العسكرية والشرطة الإسرائيلية ، وتصفه إسرائيل بأنه قائد جناح حماس العسكري في الضفة الغربية ، وتتهمه بأنه الرأس المدبّر لكتائب القسام ، وأنه يقف وراء سلسلة عمليات نوعية وصعبة ، أدّت إلى مقتل أكثر من 60 إسرائيلياً وإصابة المئات بجراح ، وقد أوصت الأجهزة الأمنية الإسرائيلية بعدم الإفراج عن الأسرى الأربعة الكبار ، ورغم أن أيهود أولمرت الذي يرغب في أن ينهي ملفه السياسي بالإفراج عن شاليط ، إلا أنه فاجأ الجميع بخضوعه للتوصيات الأمنية ، وأكد عدم نية إسرائيل الإفراج عن القادة الأربعة الكبار ، وفي الوقت الذي أعلنت فيه الحكومة الأمنية المصغرة أنها لن تعقد أي صفقة مع حماس لفتح المعابر ورفع الحصار دون الإفراج عن شاليط ، تدرك أن حركة حماس لن تقبل بربط فتح المعابر ورفع الحصار بملف شاليط ، حيث ترى أن ملف شاليط مرتبط فقط بصفقة تبادل الأسرى ، وتقول حماس في الوقت الذي تقبل فيه إسرائيل بقائمتنا ، بما فيها الأربعة الكبار ، فإنه من الممكن ساعتئذ أن يتمكن شاليط من العودة إلى بيته ، وهذا يعني أن أولمرت وحكومته هم الذين يعرقلون عودة شاليط ، وأنهم لا يريدون أن يطلق سراحه ليعود إلى بيته ، فالتعنت الإسرائيلي هو الذي عرقل المفاوضات ، وهو الذي يؤخر عودة شاليط ، أما حماس فهي تتطلع إلى اليوم الذي ترى فيه أسراها أحراراً في بلداتهم وقراهم وبين أهليهم ، ولذا فليس من المتوقع أن تقبل حركة حماس بأي صفقة لتبادل الأسرى مع إسرائيل دون الإفراج مثلاً عن الأسير مروان البرغوثي أو أحمد سعدات وغيرهم ممن وردت أسماؤهم ضمن قائمة ألـ 350 معتقلاً الخاصة بذوي الأحكام العالية ، ولن تقبل بشطب اسم أي معتقل تصر إسرائيل على وصفهم بأنهم خطرين على أمن دولة إسرائيل ، وترى أن الإفراج عنهم داخل الضفة الغربية سيعرض أمنهم إلى مزيدٍ من الخطر ، كما لن تقبل حماس والقوى الفلسطينية الآسرة للجندي الإسرائيلي أي قائمة تعدها إسرائيل بنفسها ، وتتفرد وحدها بتحديد الأسماء ومعايير الإفراج ، علماً أن الحكومة الإسرائيلية لا تعترض على الأسماء الأربعة فقط ، وإنما هناك أسماءٌ أخرى تعترض عليها الأجهزة الأمنية الإسرائيلية ، وترفض مبدأ الإفراج عنها ، رغم أنها قد اعتمدت معايير أخرى للإفراج عن المعتقلين الفلسطينيين ، وتجاوزت الفيتو الذي وضعته لنفسها بأنها لن تفرج عن معتقلين فلسطينيين أيديهم ملطخة بدماء إسرائيليين ، ومنهم أمين سر حركة فتح مروان البرغوثي ، وآمنة منى الناشطة في حركة فتح التي أغوت الضابط الإسرائيلي اوفير رحوم ، وقادته إلى مصيدة أختطف فيها وقتل ، والأسير حسن سلامة بطل العمليات الاستشهادية عام 1996 ، وغيرهم من الأسرى والأسيرات ، كما تبدي إسرائيل تشدداً إزاء عودة المعتقلين الفلسطينيين المفرج عنهم إلى بيوتهم وبلداتهم في الضفة الغربية وقطاع غزة ، لقد صعبت إسرائيل المفاوضات على نفسها ، وعقدت مسألة الصفقة بإعلانها عدم نيتها الإفراج عن بعض المعتقلين ، الأمر الذي سيدفع حركة حماس نحو مزيدٍ من التشدد على القائمة التي طرحتها وسلمتها إلى الحكومة المصرية ، لجهة العدد والأسماء ، حيث ترفض حماس استثناء أي معتقل من القائمة التي أعدتها ، وتعتبر نفسها أمينة على هذه المفاوضات ، ولن تتنازل عن موقفها ولا عن قائمتها ، علماً أن عدد المعتقلين الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية يتجاوز 11 ألف معتقل ، حيث يتطلع الفلسطينيون جميعاً إلى اليوم الذي يحتضنون فيه أبناءهم الأسرى وقد تحرروا من قيد السجن وأسلاك المعتقلات .
آخر تحديث لهذه الصفحة : الأحد22 فبراير 2009م