تقدير الكيان الصهيونى للوضع فى المنطقة )1(
ملخص:
أبعاد الحركة الإستراتيجية الإسرائيلية القادمة فى البيئة الإقليمية كانت عنوان محاضرة خاصة ألقاها (آفى ديختـر) وزير الأمن الداخلى الإسرائيلي يوم الخميس 4 سبتمبر 2008 فى معهد أبحاث الأمن القومى. هذه المحاضرة تعاطت مع محاور لها علاقة مباشرة ليس فقط بالوضع فى الساحة الفلسطينية وإنما طالت عدة ساحات عربية حتى البعيدة عن خط التماس والمواجهة مع إسرائيل .
المحاور الهامة والمفصلية فى محاضرة ديختـر – بحسب إنطباعاته وتسجيلاته – ركزت على ثلاثة مبادئ أساسية للحركة الإستراتيجية فى البيئة الإقليمية مستقبلاً تتمثل في:-
الأول : خيار إستخدام القوة العسكرية لحسم تحديات صعبة وخطيرة ومستعصية يتعذر حسمها بالوسائل الأخرى الدبلوماسية وخلق الفوضى وإثارة الصراعات وإستخدام قوى داخلية وتوظيفها لتؤدى المهمة بدلاً من التدخل المباشر. ديختـر أشار إلى أنه سيجرى التوسع فى خيار إستعمال القوى العسكرية إذا ما اختلفت الخيارات الأمريكية فى المنطقة بعد إنتخاب رئيس أمريكى جديد وإنسحاب القوات الأمريكية فى العراق ومناطق أخرى.
الثانى : التوظيف لجماعات غثنية وطائفية أو قوى معارضة لديها الإستعداد للتعاون مقابل دعم تطلعاتها للوصول إلى السلطة .
الثالث : العودة إلى إقامة أو تحديد تحالفات إسرائيل مع دول الجوار على غرار حلف المحيط الذى شكله (دافيد بن جوريون) فى منصف الخمسينات مع تركيا وإيران وإثيوبيا فى نطاق إستراتيجية شد الأطراف أى شل قدرات دول مثل العراق وسوريا أو السودان حتى لا تستخدم فى المواجهة مع إسرائيل وتحييد الشطر الأكبر منها على حدود دول الجوار ، إيران تركيا إثيوبيا .
فى الظروف الحالية – بحسب ديختـر - زاد عدد دول الجوار التى بمقدورها أن توظف فى نطاق إستراتيجية شل الأطراف . عدد هذه الدول على النحو التالي : تشاد وجمهورية إفريقيا الوسطى وإثيوبيا وأوغندا وكينيا فى مواجهة السودان . تشاد فى مواجهة ليبيا ومالي فى مواجهة الجزائر ، أما سوريا فقد أشار إلى أن تركيا توقفت عن آداء وظيفة شد الأطراف فى المرحلة الراهنة ولكن هذا التوقف لا يمكن إعتباره نهائياً ، كما أن عنصر جديد ظهر فى معطيات المنطقة تمثل فى وجود كيان كردي فى شمال العراق أخذ يتحول تدريجياً إلى قوة إقتصادية وعسكرية قادرة على أداء هذه الوظيفة فى مواجهة سوريا . علاوة على ذلك فإن هناك بيئة جديدة تتوالد على حدود سوريا من شمال لبنان لا يقل حدة عداءها لسوريا عن عداء القوى المحيطة الأخرى .
ويقرر (ديختـر) أن الأهداف الإستراتيجية الإسرائيلية لا تتحقق بالضرورة بالإعتماد المطلق على خيار القوة العسكرية . هناك من وجهة نظره خيارات أخرى برهنت على فاعليتها وقدرتها إن حسن إستخدامها . يذكر فى هذا السياق عدة أمثلة :-
- توظيف العلاقات مع كل من إيران فى عهد الشاه وتركيا وأثيوبيا للتأثير السلبى على كل من العراق وسوريا والسودان . واستشهد بما قاله بن جوريون وهو يحصي مزايا وفوائد إستراتيجية شد الأطراف التى طبقت فى نطاق التعاطي مع سوريا والعراق والسودان وبالتالى مصر .
وعزا إلى بن جوريون قوله: "نحن لا نملك القدرة على الدخول فى مواجهة جبهوية مع كل الدول العربية (دفعة واحدة فى وقت واحد) ولكننا نملك الخيارات الأخرى لإضعاف هذه الدول وإستنزاف طاقتها وقدرتها على التخوم أو من خلال علاقتها مع دول الجوار أو الجماعات والأقليات التى تعيش على التخوم".
فالحركة الإستراتيجية الإسرائيلية على الساحات العربية حسب منظور آفى ديختـر ستنطلق على النحو الاتي:-
أولاً : على الساحة الفلسطينية
فى هذا السياق تحدث (ديختـر) عن إن إسرائيل ستعتمد أسلوب المزاوجة بين خيار القوة وخيار إنتاج الفوضى والإضطراب والصراع مؤكداً أن إسرائيل استخدمت كل البيانات .
خيار القوة :- جرى إستخدامه على كافة المستويات الدنيا والوسطى والعليا ضد قطاع غزة ومستوى أقل فى الضفة الغربية.
خيار زرع الإختلال فى مناطق السلطة : ووفقاً لإعترافات ديختـر وبناء على معايشته للعلاقة الإسرائيلية الفلسطينية كرئيس لجهاز الأمن العام الشاباك ثم وزير للأمن الداخلي كانت مهمته تركز على تعميق فجوة الصراع بين من أسماها المنظمات الإرهابية بعضها مع بعض وبينها وبين السلطة التى ولدت فى أوسلو 1993.
نطق ديختـر بإعترافات خطيرة عندما أفصح عن أنه كان يشارك فى إعداد الحملات والملاحقات من قبل الأجهزة الأمنية وخاصة جهاز الأمن الوقائى ضد من أسماها المنظمات الإرهابية وإنه وجد تعاوناً على أوسع نطاق من محمد دحلان وجبريل رجوب. وصرَّح بأن تلك الحملات أدت إلى إفشال مئات العمليات التخريبية وإلى إعتقال عشرات العناصر من قيادات وكوادر تلك المنظمات والمساعدة فى وصول اليد الإسرائيلية إلى قيادات هامة مثل المهندس عياش وعبد العزيز الرنتيسى والشيخ ياسين وأبو شنب وأبو على مصطفى وغيرهم ....
خيار تعميق الصراع فى الساحة الفلسطينية : يتباهى (ديختـر) بأن الصراع الذى دارت رجاه بين حركتى حماس وفتح ومازال كان نتاج سياسة إسرائيلية لتعميق الصراع فى الساحة الفلسطينية . هنا أيضاً لم ينكر أن دوره كان مهما وحاسماً .نجاح هذا الدور أرجعه ديختـر إلى الأسباب التالية :-
• ما لمسه من عداء مستحكم لدى قادة المؤسسة الأمنية التابعة للسلطة محمد دحلان وجون والطيرواى وكذلك قيادات من قبل السلطة وحركة فتح وعلى الأخص بعد رحيل عرفات ضد قيادات حماس والجهاد الإسلامى.
• توليد حالة من الشك والخوف لدى قيادات فى الأجهزة الأمنية وحركة فتح والسلطة حيال حركة حماس وتصويرها بأنها خطر داهم عليهم لابد من مواجهته وقمعه.
• بلورة خيار للحسم لدى القيادات الأمنية وحتى القيادات السياسية العليا فى مؤسسة الرئاسة بعد تولى محمود عباس الرئاسة خلفاً لعرفات.
• تأمين الدعم المالى واللوجستى والسياسي للتيار الذى يمتلك خيار الحسم فى الأجهزة الأمنية من عدة مصادر من الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي وتشكيل إئتلاف دولي وإقليمي لصالح تيار الحسم . وقال ديختـر بالحرف الواحد : "لابد أن نعرف إن هذا الخيار حقق نتائج ضئيلة فى يهودا والسامرة الضفة الغربية ولكنه لم يحقق هدف الحسم الكلى ". ويقول أيضاً :"إن هذا الخيار وكذلك حيازة القوة يجب أن يتواصلا لتغيير البيئة فى قطاع غزة لأن هذا التغيير سوف يكشف مزيداً من الداعمين حتى فى العالم العربي".
الحرب فى الساحة الفلسطينية تندرج ضمن العوامل المعززة للأمن القومي لإسرائيل وإستمرارها هو أحد ضرورات القدرة الإسرائيلية على تقليص الطموح الفلسطينى وإضعاف إرادة الفلسطينيين حتى تتواضع مطالبهم.
كل الخيارات يجب أن تكون مفتوحة وجاهزة (القوة العسكرية) ، ويجب الإبقاء على جذوة الخلاف والنزاع ملتهبة بين الفلسطينيين بعد أن حققت نتائج مهمة ، وقال ديختـر (إن هذا النزاع وهذا الخلاف يحقق مصلحة إسرائيلية من الدرجة الأولى وهذا ما حرصت القيادة السياسية والأمنية الإسرائيلية على حث قيادة السلطة وتحذيرها من المصالحة مع حركة حماس لأنها ستفتقد الكثير . من وجهة نظره بقاء الصراع على الساحة الفلسطينية تسهم فى تحديد المسارات المستقبلية لمعادلة النزاع الإسرائيلي الفلسطيني لصالحنا).
وخلص فى حديثه عن هذه الخيارات الإسرائيلية الى التأكيد بأن عملية الإستقطاب الفلسطيني ستشتد وتتفاقم فى ظل توافق دولي وإقليمي على أن هذا الإستقطاب لا يحسم إلاَّ إذا حسمت السلطة صراعها مع خصمها حركة حماس.
ثانياً : الساحة اللبنانية
ديختـر استهل حديثه بالإشارة إلى أن الحرب اللبانية الثانية 2006 لم تحقق الهدف الإستراتيجي المنشود فى خلق بيئة سلمية تصالحية تجاه إسرائيل على غرار ما أعقب حملة سلامة الجليل 1982 ووصف البيئة اللبنانية بأنها أكثر بيئة إقليمية تفرض التحدى الإستراتيجي على إسرائيل . وبات معلوماً أن التحدي يشكله حزب الله . خطورة التحدى وتفاقم هذه الخطورة رغم ما أصاب حزب الله من ضرر وأذى خلال تلك الحرب يستدعي ويبرر إستخدام كل الخيارات فى مواجهة هذا التحدي. والسؤال الذى طرحه ديختـر على نفسه : "أي مستقبل ينتظر هذه الخيارات ثم ما حدود الحركة الإسرائيلية فى ضوء تعاظم تحدي حزب الله؟" . الإجابة قدمها ديختـر على النحو التالى:-
خيار القوة: بعد أن جربنا خيار القوة لحسم خطر وتحدي حزب الله عام 2006 لا يعني أبداً أننا سنطوي صفحة هذا الخيار لأننا لم ننجح فى جولة ولذلك لابد أن تعقبها جولات. لكن الجولات الجديدة يجب أن تدار وفق وضوح الهدف والتصميم على تحقيقه وفق الكفاءة على مختلف المستويات لدى القيادة السياسية والعسكرية. نحن نقوم بكل ما تتطلبه تلك المواجهة على الجبهتين العسكرية والمدينة وستظل هذه الإجراءت والإستعدادات تتخذ بوتيرة عالية إلى أن تحين الساعة المناسبة.
خيار العمل على إضطراب الساحة اللبنانية والإبقاء على الخلافات بين المكونات السياسية والطائفية والمذهبية فى لبنان. هنا يتحدث ديختـر عن إن لإسرائيل تجربة طويلة فى التعامل مع هذه الساحة بمختلف الخيارات . من أهم عناوين هذه التجربة:-
• جهود ناجحة فى مختلف المستويات السياسية والأمنية والإستخباراتية لخلق بيئة معادية للمنظمات الفلسطينية توجت فى إندلاع الحرب الأهلية عام 1975. وقد أورد ديختـر معطيات عن الدور الإسرائيلي بتنسيق سياسي وأمني مع قوى لبنانية عبر تزويدها بالسلاح بموافقة رئيس الوزراء آن ذاك إسحاق رابين ووزير الدفاع شمعون بيرتس وضخ الأموال إلى تلك العناصر وإقامة بيئة إستخباراتية فى معظم المناطق اللبنانية . ويستطرد ديختـر قائلاً:"ثمة من لا يعرف أن المجهودات الإسرائيلية الأمنية والإستخباراتية فى داخل لبنان والسياسة فى المحافل الدولية والأمريكية والفرنسية هى التى أجبرت السوريين على الإنسحاب من لبنان مكرهين لأنها ولدت بيئة لبنانية عدائية منافية للوجود السوري وللعلاقة مع سوريا لن تتوقف تداعياتها السلبية عند فترة زمنية محددة".
• جهود إسرائيلية سبقت وأعقبت الحرب الثانية على لبنان 2006 لخلق بيئة معادية ومحاصرة ومستنزفة لقوة حزب الله السياسية والعسكرية والنفسية . هنا ذهب ديختـر إلى التأكيد على أن الحرب ضد حزب الله لم تتوقف بمجرد الإعلان عن وقف إطلاق النار بل إستمرت لكن من خلال خيارات ووسائل وأساليب أخرى . إسرائيل – كما يقول – كان عليها أن تستعيد حركتها وأن تعيد لنفسها زمام المبادرة . ديختـر أمسك عن الخوض فى التفاصيل مبرراً ذلك أن المجهودات الإسرائيلية الحالية فى لبنان هى إمتداد للمجهودات السابقة ولكي تحقق هذه المجهودات النتائج المرجوة علينا أن نبقي على تفاصيل ما قمنا به ضمن الأسرار العليا للدولة طالما أن المواجهة على هذه الساحة لم تحسم. ومما قاله "لابد أن أشير إلى إننى أتحمل المسؤولية الكبرى فى الحفاظ على الأسرار الإسرائيلية وقد سبق لي أن حذرت وسائل الإعلام بل كشفت الوزراء وأعضاء الكنيست الذين يسربون معلومات وإعتبرتهم بأنهم لا يقلون خطراً عن الإرهابيين والمخربين لأن كشف هذه الأسرار يخدم أعداء إسرائيل" .
ورغم حرص ديختـر على كتمان أسرار الدولة – كما إدعى – فقد تسربت من بين كلمات ومضمون المحاضرة التي ألقاها أمور لا تخفى عن العين الراصدة والعقل المستوعب لكن واردة وشاردة . من هذه الأمور أن إسرائيل تعمل بالتعاون مع الولايات المتحدة على تعظيم قدرة البيئة المعادية لحزب الله وسوريا وإيران فى لبنان لتكون قادرة على شن حروب إستنزاف صغيرة تتسع وتتصاعد إلى مستوى إرباكه وخلخلته على الساحة اللبنانية لأن هذا الخيار من الخيارات المهمة والوسائل الفعَّالة التى نمارسها ضمن حركتنا فى الساحة اللبنانية. وقال "نحن والولايات المتحدة نقيم تشكيلات ومعسكرات من فرق مختلفة يجمعها هدف واحد معنا ومع الولايات المتحدة وهو التخلص من خطر حزب الله".
وأضاف ديختر : فى هذا الخصوص أذكر أمراً مهما وهو أن حركتنا فى الجوانب الخفية فى الحرب السرية كخيار وكوسيلة من وسائل الحرب ضد حزب الله تسير بتسارع وتيرة الخيارات الأخرى . وفى ختام حديثه عن خيارات إسرائيل على الساحة اللبنانية أشار ديختر إلى :-
• القوة العسكرية ستبقى الخيار الأكثر إستخداماً إذا كانت الخيارات الأخرى عاجزة عن تحقيق الهدف الإسرائيلي .لوم يحاول ديختـر أن يحدد سقفاً زمنياً للالتجاء إلى هذا الخيار لعلاقة هذا الأمر بالأسرار الأمنية والعسكرية .
• أن إسرائيل تجرب خيارات أخرى بالعمل مع الولايات المتحدة يداً بيد لإختراق الساحة اللبنانية وزرع الإختلالات فيها مما يعمق النزاعات السياسية والمذهبية والطائفية وقطع الطريق أمام تحقيق توافق فعلي.
لقد تحدث ديختـر عن وجود معسكرين تتطلب عودتهما وتعظيم قوتهما فى لبنان إستعداداً للدخول فى مواجهة حاسمة إضافة إلى مجهودات إستخباراتية إسرائيلية تعمَّد عدم الحديث عنها والبوح بالأسرار.
ثانياً: الساحة السورية
فى حديثه عن الحركة الإستراتيجية الإسرائيلية بإتجاه الساحة السورية خلا الحديث عن الجهود الإسرائيلية للتوصل إلى سلام مع سوريا ، فقد لوحظ أن المفاوضات غير المباشرة مع سوريا لم تحتل مساحة فى حديث ديختر سوى بضع عبارات هي أن رئيس الوزراء (أولمرت) رأى من وجهة نظره أن يجرب اسلوب المفاوضات كأحد الخيارات للتعاطي بأكثر فاعلية مع تحديات إيران وحزب الله الخطيرة ، هذا عندما قال :"إن (أولمرت) يعتبر المفاوضات مع سوريا وسيلة لخدمة خيارات إسرائيلية فى التعامل مع كل من إيران وحزب الله".
ومن وجهة نظره فإن هذه الوسيلة لم تثبت فاعليتها ، وفي هذا السياق قال ديختر "من الواضح أن سوريا لم تبرهن حتى الآن عملياً وبعيداً عن المناورة السياسية وحملة العلاقات العامة أنها فعلاً فى طريقها إلى إعادة النظر فى نهجها – نهج ينطبق على الحالة المصرية أو الأردنية – نهج يحقق السلام وإقامة العلاقات الشاملة بين إسرائيل وسوريا. الشكوك حول نوايا سوريا ورغبتها فى تحقيق السلام تزداد يوماً بعد يوم وبعد عقد أربع جولات من المفاوضات مع السوريين فى تركيا ، غالبية الشكوك هى حول جهود السوريين تعظيم قدراتهم العسكرية عن طريق تكديس منظومات أسلحة متطورة فى مواجهة إسرائيل" .
في هذا الإطار تساءل (ديختـر) :"هل زيارة الرئيس السوري بشار الأسد لموسكو هي لأجل السلام أم من أجل الحرب؟" الإجابة – من وجهة نظره - نجدها فى طلب الرئيس السوري أسلحة متطورة صواريخ أكثر قدرة على الإضرار بإسرائيل والفتك بها ، صواريخ أبعد مدى وأكثر دقة ، منظومات دفاع جوي لتحييد السلاح الجوي الإسرائيلي، قواعد عسكرية روسية ومنظومات إنذار مبكر. ويستطرد :"قائمة طموح كبيرة وكثيرة لدى السوريين لتعزيز قدراتهم العسكرية التقليدية وغير التقليدية ولكن إذا كانت سوريا تريد السلام فلماذا إقتنت هذه الأسلحة وضد من ستستخدم؟" ويضيف : أما من وجهة نظرى الشخصية لا يمكن أن يعول على التصريحات السورية وجود رغبة قوية لدى القيادة السورية لإنهاء الحرب مع إسرائيل وتبادل العلاقات معها . هناك أيضاً وجه آخر لإزدواجية السياسة السورية يدحض كل المزاعم السورية عن السلام والحرص عليه ، هذا الوجه هو إستكمال لعملية تعظيم القدرة العسكرية السورية وللإستراتيجية السورية فى التعامل مع إسرائيل على الصعيد الفعلي بأسلوب المواجهة . إستمرار بل وتعزيز وتوثيق علاقة التحالف مع حزب الله وهو ما حرص الرئيس السورى على تأكيده فى الآونة الأخيرة دليل آخر على أن السلام هو ليس خيار سوريا الإستراتيجى وأنما هو خيار تكتيكى لتحقيق فوائد سياسية فك العزلة والعودة إلى الحظيرة الدولية.
وفى مقاربته عن التعاطى مع الساحة السورية عبر (ديختـر) عن عدة خيارات:-
• خيار إستخدام القوة العسكرية : شدد فى هذا الأمر على أن الخيار يظل مطروحاً ومقبولاً بل ضرورياً فى الحالات التالية :-
- إذا واصلت سوريا قدرتها العسكرية فى نطاق تعظيم هذه القدرات خارج الإحتياجات والضرورات الدفاعية .
- إذا بقيت سوريا عند مستوى تحالفها مع إيران ، لأن إستمرار هذا التحالف يرتب على سوريا واجبات مثل إسناد إيران إذا عوقبت عسكرياً على خلفية برنامجها النووي من جانب إسرائيل والولايات المتحدة ولم يستبعد (ديختـر) إحتمال أن تقف سوريا إلى جانب إيران فى حالة بقاء إيران قادرة ومالكة للقدرة على الرد.
- إحتفاظ سوريا بعلاقاتها مع حزب الله والإستمرار فى إيصال الأسلحة إليه ، مثل هذا الموقف لا يجب السكوت عنه. فعبر سوريا تلتقى حزب الله أكثر من 30 ألف صاروخ بمديات مختلفة لتهديد الجبهة الداخلية الإسرائيلية ، هذا عمل عدوانى وإسرائيل مضطرة أن ترد عليه برد فعل يتناسب مع خطورة الموقف السوري .
- دعم سوريا للمنظمات الفلسطينية الراديكالية وتوفير المأوى والرعاية لقيادتها فى دمشق. وأضاف ديختر :"هذه الأسباب منفردة ومجتمعة تنتج حالة حرب مع إسرائيل وليس أجواء سلمية.هل من المنطق والحكمة والفعالية أن نضع رؤوسنا فى الرمال كالنعامة ونغفل رؤية هذا المشهد العدوانى والمنافى لأبسط قواعد السلام؟
(ديختـر) قدم نفسه خلال الندوة على أنه أحد الذين عارضوا مبادرة أولمرت إجراء مفاوضات مع السوريين بشكل مباشر وبرر هذه المعارضة بوجود شكوك قوية لديه حول عدم جدية الموقف السوري والمفاوضات . هذه المفاوضات من وجهة نظره بلا محتوى وبلا مضمون وأن رئيس الوزراء أقدم عليها مدفوعاً بإعتبارات سياسية تعنيه هو أكثر مما تعنى إسرائيل. وجهة النظر التى عبَّر عنها حيال إستخدام خيار القوة هى ليست وجهة نظر فردية أو شخصية بل هى سائدة لدى قطاع عريض من القيادة السياسية والعسكرية. وجهة النظر هذه تتعلق بضرورة إخضاع سوريا للمراقبة والرصد والمتابعة من أجل إستخلاص التقييم الصائب والسديد. فإذا جاء هذا التقييم بـ أن سوريا تعزز قدرتها العسكرية لغرض ضد إسرائيل فعليها أن تبادر بلا تردد إلى توجيه الضربة الإستباقية لعرقلة الإستعدادات العسكرية السورية.
على صعيد ما يمكن أن تقوم به إسرائيل عبر إستخدام هذا الخيار ،توجيه تحذير قوى إلى سوريا بأنها لن تكون بمنأى من عمل عسكرى إسرائيلي ، هذا التحذير لا يجب أن يقتصر على تصريحات لقيادات سياسية وعسكرية بل من خلال رسائل عملية وحركة مستمرة للجيش الإسرائيلي فى الجولان وتدريبات وتمرينات. يجب أن يتضمن التحذير أيضاً تهديد سوريا بعدم التدخل إذا ما بادر جيش الدفاع الإسرائيلي إلى شن عملية عسكرية ضد حزب الله – إستخدام هذا الخيار كان سيصبح واقعاً عملياً خلال عام 2007 أو أكثر من مرة لكنه أوقف فى اللحظة الأخيرة لإعتبارات لم يحن الوقت للحديث عنها.
• خيارات أخرى : لدينا خيارات أخرى منها إستراتيجية شد الأطراف وأن فقدت هذه الإستراتيجية أركاناً مهمة كانت ترتكز عليها عندما بلورت فى الخمسينات من القرن الماضي ، فقدت الركن التركي الذى كان دائماً عاملاً مهما فى ممارسة لإستراتيجية شد الأطراف تجاه سوريا. فتركيا الآن على علاقة جيدة بل وممتازة مع سوريا ، هذا التحول من السياسة التركية تجاه سوريا نجم عن تحولات سياسية داخل تركيا منها فوز حزب العدالة والتنمية فوزاً كاسحاً ووضعه على رأس السلطتين التشريعية والتنفيذية. لكن إلى جانب خسارة هذا الركن ثمة فرصة لتعويضه بركن آخر وإن أقل كفاءة وفاعلية ، العامل الجديد هو وجود الحكم الذاتى أو الإقليم الكردى فى شمال العراق الذى أصبح دولة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى .إسرائيل إدراكاً منها لأهمية وجود هذا الكيان أو إن شئنا هذه الدولة، تستخدم منذ خمسة أعوام كل المحفزات من أجل أن يكون هذا الإقليم منطلقاً لممارسة إستراتيجية شد الأطراف مع سوريا أى أن يكون قادراً ومستعداً فى ذات الوقت على لعب دور تركيا فى السابق . هذا الإدراك لدى القيادة الإسرائيلية لا ينطلق من فراغ بل من أسس راسخة بأن القيادة الكردية التى لها علاقات تاريخية مع إسرائيل تدرك بعمق حيوية وأهمية شراكة شاملة مع إسرائيل لأنه يتعذر عليها إقامة شراكة مع الدول التى تحيط بالمنطقة الكردية من كافة الإتجاهات ، هذه الشراكة مبنية فى الأصل على مفهوم تبادل المصالح أى تبادل الدعم وتبادل المصالح.
من أهم التساؤلات الأمنية المثارة فى هذا الإطار هل بإمكان الأكراد أن يكون لهم دور فى الضغط على سوريا فى نطاق إستراتيجية شد الأطراف تجاه سوريا؟ فى الحقيقة يجب أن نؤكد أن ذلك يتوقف على تطور الأوضاع فى العراق وبقاء القوات الأمريكية. ولا يجب أن ننسى إن الأكراد قاموا بهذا الدور على أحسن وجه ولكن فى نطاق توظيفهم من قبل إيران فى عهد الشاه وحتى فى عهد النظام الإسلامى أثناء الحرب بين إيران والعراق كما إستخدموا من قبل تركيا فى إطار نفس الإستراتيجية. ويضيف ديختر : يجب أن نؤكد أنه رغم عدم تناظر قوة الأكراد مع قوة إيران وتركيا فإن ثمة ما يؤكد أن الأكراد فى العراق أصبحوا قوة عسكرية وسياسية وإقتصادية ، أى أنهم آداة فاعلة وقادرة على أن تتجاوز عند إستخدامها أداة الردع إلى أداة فعل وأداة إضعاف وإرباك للسوريين ، هذه الفاعلية مصدرها التقارب والتداخل الجغرافي والديمغرافي لمنطقة شمال العراق مع المنطقة الكردية فى سوريا فى الشمال الشرقي.
هناك شيئاً ثانياً فى هذا الخصوص ، هذا يرتبط بإمكانية توظيف خيارات أخرى للضغط على سوريا ، من بين هذه الخيارات الساحة اللبنانية .البيئة اللبنانية زاخرة بالعوامل التى يمكن الإفادة منها لممارسة هذا الضغط من أجل تحقيق الأهداف والمطالب الإسرائيلية وفى ذات الوقت المطالب الأمريكية منها:-
- إلغاء التحالف مع إيران.
- قطع الإمدادات والمساعدات إلى حزب الله فى لبنان عبر سوريا.
- إغلاق مكاتب المنظمات الفلسطينية التخريبية وعلى الأخص حماس والجهاد الإسلامي.
فوق الساحة اللبنانية هناك حلفاء وأصدقاء للولايات المتحدة ولنا أيضاً حلفاء وأصدقاء ولكنهم يجدون حرجاً فى الكشف عن العلاقة بإسرائيل والمجاهرة بها:هؤلاء الحلفاء لديهم الحماس والإستعداد للتعاون مع "الشيطان" إذا كان ذلك يخلصهم من التهديد السوري المستمر ومن خلفه حزب الله نحن لا نضيع الفرصة فى الإفادة من هذا الخيار ولكن بالتعاون مع الولايات المتحدة.
الخيار الثالث الذى نجد فائدة وجدوى فى محاولة إستخدامه – والقول لديختر - فى نطاق ممارسة الضغوط على سوريا هو خيار الوصول إلى المعارضة السورية فى الخارج وفى الداخل ، وقد أثبت هذا الخيار فاعليته على الساحة العراقية ، حيث كانت لنا علاقات مع المعارضة العراقية - فيما عدا الأكراد – فى الولايات المتحدة وفى بريطانيا. نحن ساهمنا فى التأثير لصالحهم داخل الولايات المتحدة والتعامل معهم كخيار يمكن توظيفه لتغيير النظام فى العراق .فتحنا لهم أبواب الإدارة الأمريكية والكونغرس ووكالة الإستخبارات ودوائر أخرى ، وضمنا لهم دعماً أمريكياً وإعلامياً وسياسياً وكذلك تدريب عناصر تنتمي إلى المعارضة على عمليات عسكرية داخل العراق .أقمنا علاقات مع قوى معارضة أخرى فى دول عربية فى السودان وفى لبنان. المعارضة السورية فى الخارج لها حضور وإمتدادات فى الولايات المتحدة وفى بريطانيا وفرنسا وفى الأردن وحتى فى لبنان.
على أى حال نحن نقوم بجهود كثيرة فى هذا المجال لا نستطيع أن نسلط الضوء عليها لأن المصلحة تقتضى أن نبقيها بعيداً عن دائرة الضوء. يبدو لى إن هذا الخيار ليس خياراً إسرائيلياً فقط ، فالولايات المتحدة أيضاً تعول على هذا الخيار فهى تعمل على تنظيم هذه المعارضة ، هذه المعارضة كما فهمنا من خلال إتصالات معها أو من خلال العلاقة بينهما وبين الولايات المتحدة تطمح فى تغيير النظام والعودة إلى سوريا لتولي زمام الحكم أسوة بنظيرتها المعارضة العراقية.لم تعد تجد حرجاً فى التعاون مع الولايات المتحدة أو مع دول أخرى حتى بما فيها إسرائيل لتحقيق هذا الطموح هناك سوابق جديرة بالذكر ومناسبة لأن تطبق فى الساحة السورية.
الوصول إلى الساحة السورية ليست عملية مستحيلة أو شاقة لوجود منافذ عديدة للولوج إلى داخلها ، الأردن ، العراق ، منطقة كردستان ، لبنان. هذه كلها فجوات نحن نعمل على إستثمارها فى نطاق إستراتيجية شد الأطراف تجاه سوريا، إذ لم يتغير النظام ويعدِّل سلوكه.
رابعاً : الساحة العراقية
ليس بوسع أحد أن ينكر أننا حققنا الكثير من الأهداف على هذه الساحة بل وأكثر مما خططنا له وأعددنا ، فى هذا الخصوص يجب إستحضار ما كنا نريد أن نفعله وننجزه فى العراق منذ بداية تدخلنا فى الوضع العراقى بداية عقد السبعينات من القرن العشرين ،جل وذروة هذه الأهداف هو دعم الأكراد لكونهم جماعة إثنية مضطهدة من حقها أن تقرر مصيرها بالتمتع بالحرية شأنها شأن أى شعب.
فى البداية كان المخططون فى الدولة وعلى رأسهم (أوري ليبراني) المستشار الأسبق لرئيس الوزراء ثم سفيرنا فى تركيا وأثيوبيا وإيران قد حدد إطار وفحوى الدعم الإسرائيلي للأكراد ، هذا الدعم كان فى البداية متواضعاً ، دعم سياسي ، إثارة قضية الأكراد وطرحها فوق المنابر . لم يكن بوسع الأكراد أن يعتلوها فى الولايات المتحدة وفى أوروبا وحتى داخل بعض دول أوروبا الشرقية ، كان دعم مادى أيضاً ولكنه محدود. التحول الهام بدأ عام 1972 هذا الدعم إتخذ أبعاد أخرى أمنية ، مدّ الأكراد بالسلاح عبر تركيا وإيران وإستقبال مجموعات كردية لتتلقى التدريب فى إسرائيل بل فى تركيا وإيران .
هكذا أصبح هذا الدعم المحرك لتطور مستوى العلاقة الإستراتيجية بين إسرائيل والأكراد ، وكان من المنتظر أن تكون له نتائج مهمة لولا أن إيران الشاه والعراق توصلا إلى صفقة فى الجزائر عام 1975 ، هذه الصفقة وجهت ضربة قوية إلى الطموح الكردي لكن وفق شهادات قيادات إسرائيلية ظلت على علاقة بزعيم الأكراد مصطفى البرزانى "الأكرد لم يتملكهم اليأس ، على العكس ظلوا أكثر إصراراً على الإستمرار فى صراعهم ضد السلطة فى بغداد".
بعد إنهيار المقاومة الكردية كنتيجة للإتفاق مع إيران توزعت قياداتهم على تركيا وسوريا وإسرائيل . إسرائيل وإنطلاقاً من إلتزام أدبي أخلاقي كان من واجبها أن تظل إلى جانب الأكراد وتأخذ بأيديهم إلى أن يبلغوا الهدف القومي الذى حددوه والمتمثل في تحقيق الحكم الذاتى فى المرحلة الأولى ومرحلة الإستقلال الناجز بعد ذلك.
الآن فى العراق دولة كردية فعلاً ، هذه الدولة تتمتع بكل مقومات الدولة أرض شعب و سلطة وجيش وإقتصاد ريعي نفطي واعد ، هذه الدولة تتطلع إلى أن تكون حدودها ليست داخل منطقة كردستان ، بل ضم شمال العراق بأكمله ، مدينة كركوك فى المرحلة الأولى ثم الموصل وربما محافظة صلاح الدين إلى جانب جلولاء خانقين. الأكراد حسب مالمسناه حسب لقاءات من مسؤولين إسرائيليين لا يدعون مناسبة دون أن يشيدوا بنا ويذكروا دعمنا ويثمنوا مواقفنا ، والإنتصار الذى حققوه فى العراق فاق قدرتهم على إستيعابه.
بالنسبة لنا لم تكن أهدافنا تتجاوز دعم المشروع القومي الكردي لينتج كيان كردى أو دولة كردية ،لم يدر بخلدنا لحظة أن تتحقق دفعة واحدة مجموعة أهداف نتيجة للحرب التى شنتها الولايات المتحدة وأسفرت عن إحتلاله العراق الذى ظل فى منظورنا الإستراتيجى التحدي الإستراتيجي الأخطر بعد أن تحول إلى قوة عسكرية هائلة ، فجأة العراق يتلاشى كدولة وكقوة عسكرية بل وكبلد واحد متحد ، العراق يقسم جغرافياً وإنقسم سكانياً وشهد حرباً أهلية شرسة ومدمرة أودت بحياة بضع مئات الآلاف. إذا رصدنا الأوضاع فى العراق منذ عام 2003 فإننا سنجد أنفسنا أمام أكثر من مشهد:-
• العراق منقسم على أرض الواقع إلى ثلاثة كيانات أو أقاليم رغم وجود حكومة مركزية .
• العراق ما زال عرضة لإندلاع جولات جديدة من الحروب والإقتتال الداخلي بين الشيعة والسنة وبين العرب والأكراد.
• العراق بأوضاعه الأمنية والسياسية والإقتصادية لن يسترد وضعه ما قبل 2003 .
نحن لم نكن بعيدين عن التطورات فوق هذه الساحة من عام 2003 ، هدفنا الإستراتيجى مازال عدم السماح لهذا البلد أن يعود إلى ممارسة دور عربي وإقليمي لأننا نحن أول المتضررين ، سيظل صراعنا على هذه الساحة فاعلاً طالما بقيت القوات الأمريكية التى توفر لنا مظلة وفرصة لكى تحبط أية سياقات لعودة العراق إلى سابق قوته ووحدته. نحن نستخدم كل الوسائل غير المرئية على الصعيد السياسي والأمني . نريد أن نخلق ضمانات وكوابح ليس فى شمال العراق بل فى العاصمة بغداد. نحن نحاول أن ننسج علاقات مع بعض النخب السياسية والإقتصادية حتى تبقى بالنسبة لنا ضمانة لبقاء العراق خارج دائرة الدول العربية التى هى فى حالة حرب مع إسرائيل ، العراق حتى عام 2003 كان فى حالة حرب مع إسرائيل وكان يعتبر الحرب مع إسرائيل من أوجب واجباته . إسرائيل كانت تواجه تحدي إستراتيجي حقيقي فى العراق ، رغم حربه مع إيران لمدة ثمانية أعوام واصل العراق تطوير وتعزيز قدراته التقليدية والإستراتيجية بما فيها سعيه لحيازة سلاح نووي.
هذا الوضع لا يجب أن يتكرر ، نحن نتفاوض مع الأمريكان من أجل ذلك ، من أجل قطع الطريق أمام عودة العراق ليكون دولة مواجهة مع إسرائيل. الإدارة الأمريكية حريصة على ضمان مصالحنا وعلى توفير هذه الضمانات عبر وسائل مختلفة تتمثل في:-
• بقاء القوات الأمريكية فى العراق لفترة لا تقل عن عقد إلى عقدين حتى فى حالة فوز (باراك أباما) الذى يحبذ سحب القوات الأمريكية حتى نهاية عام 2009 .
• الحرص على أن تشمل الإتفاقية الأمنية بين الولايات المتحدة والحكومة العراقية أكثر من بند يتضمن تحييد العراق فى النزاع مع إسرائيل وعدم السماح له بالإنضمام إلى أية تحالافات أو منظومات أو الإلتزام بمواثيق تتأسس على العداء ضد إسرائيل كمعاهدة الدفاع العربي المشترك ، أو الإشتراك فى أى عمل عدائي ضد إسرائيل إذا ما نشبت حرب فى المنطقة مع سوريا أو لبنان أو إيران .
إلى جانب هذه الضمانات هناك أيضاً جهود وخطوات تتخذها نحن بشكل منفرد لتأمين ضمانات قوية لقطع الطريق على عودة العراق إلى موقع الخصم. إستمرار الوضع الحالي فى العراق ودعم الأكراد فى شمال العراق ككيان سياسي قائم بذاته ، يعطي ضمانات قوية ومهمة للأمن القومى الإسرائيلي على المدى المنظور على الأقل. نحن نعمل على تطوير شراكة أمنية و إستراتيجية مع القيادة الكردية رغم أن ذلك قد يثير غضب تركيا الدولة الصديقة ، نحن لم ندخر جهداً فى سبيل إقناع الزعامة التركية وعلى الأخص رجب أردوغان وعبدالله غول ، بل القادة العسكريين بأن دعمنا للأكراد فى العراق لا يمس وضع الأكراد فى تركيا. أوضحنا هذا أيضاً للقيادة الكردية وحذرناها من مغبة الإحتكاك بتركيا ، أو دعم أكراد تركيا بأى شكل من أشكال الدعم ، أكدنا لهم أن الشراكة مع إسرائيل يجب أن لا تضر بالعلاقة مع تركيا وأن ميدان هذه الشراكة هو العراق فى الوقت الحالي . وقد يتسع فى المستقبل لكن شريطة أن يتجه هذا الإتساع نحو سوريا وإيران.
مواجهة التحديات الإستراتيجية فى البيئة الإقليمية يحتم علينا أن لا نغمض العين عن تطورات الساحة العراقية وملاحقتها ، لا بالوقوف متفرجين بل فى المساهمة بدور كي لا تكون تفاعلاتها ضارة ومفاقمة للتحديات. فتحييد العراق عن طريق تكريس أوضاعه الحالية ليس أقل أهمية وحيوية عن تكريس وإدامة تحييد مصر. فتحييد مصر تحقق بوسائل دبلوماسية لكن تحييد العراق يتطلب إستخدام كل الوسائل المتاحة وغير المتاحة حتى يكون التحييد شاملاً كاملاً.
لا يمكن الحديث عن إستخدام خيار القوة لأن هذا الشرط غير قائم بالنسبة للعراق ولأن الخيار مارسته القوة الأعظم فى العالم ، الولايات المتحدة ، وحققت نتائج تفوق كل تصور ، كان من المستحيل على إسرائيل أن تحققه إلاَّ بوسيلة واحدة وهى إستخدام كل عناصر القوة التي بحوزتها بما فيها السلاح النووى.
تحليلنا النهائى إن العراق يجب أن يبقى مجزءاً ومنقسماً على نفسه ومعزولاً ومنعزلاً داخلياً بعيداً عن البيئة الإقليمية ، هذا هو خيارنا الإستراتيجي . ومن أجل تحقيقه سنواظب على إستخدام الخيارات التى تكرس هذا الوضع:دولة كردية فى العراق تهيمن على مصادر إنتاج النفط فى كركوك وكردستان. وهناك إلتزام من القيادة الكردية بإعادة تشغيل خط نقل النفط من كركوك إلى حيفا خط IBC سابقاً عبر الأردن وقد جرت مفاوضات أولية مع الأردن وتم التوصل إلى إتفاق مع القيادة الكردية ، وإذا ما تراجعت الأردن فهناك البديل التركى أى مد خط كركوك ومناطق الإنتاج الأخرى فى كردستان ثم إلى تركيا وإسرائيل ، أجرينا دراسات لمخطط أنابيب للمياه والنفط مع تركيا ومن تركيا إلى إسرائيل. فالمعادلة الحاكمة فى حركتنا الإستراتيجية فى البيئة العراقية تنطلق من مزيد من تفويض حزمة القدرات العربية فى دولها الرئيسية من أجل تحقيق المزيد من الأمن القومي لإسرائيل .
خامساً : على الساحة الإيرانية
بدأ ديختر حديثه عن الساحة الإيرانية واصفاً إياها بأنها أكثر الساحات تهديداً لإسرائيل وتصديراً للتحديات. فى حديثه عن مواجهة تلك التحديات على هذه الساحة إستخدم ديختر عبارة (خطورة هذه التحديات هى من نوع الخطر الوجودي بالنسبة لإسرائيل وللقضاء على هذا الخطر لابد أن تكون خيارات التعاطي معه خيارات حاسمة وحازمة وساحقة). على صعيد يمكن أن تلجأ إليه إسرائيل فى مواجهة هذه التحديات حدد ديختر ثلاث خيارات أساسية هي :-
• خيار إستخدام القوة لحسم الخطر النووى الإيرانى وهى مهمة إستراتيجية ستتولاها إسرائيل بنفسها إن تقاعس المجمع الدولي عن دوره في تفكيك البرانامج النووى الإيرانى أو ترددت الولايات المتحدة فى اللجوء إلى خيار القوة.
• خيار تقويض النظام المتزمت فى إيران النظام الإسلامي والمجئ بنظام علماني منفتح . مثل هذا الخيار ليس بمقدور إسرائيل وحدها أن تحققه بل يجب أن يتولاه المجتمع الدولى وعلى الأخص الديمقراطيات الغربية الولايات المتحدة ودول الإتحاد الأوروبى.
لم يخف ديختر دوافع إسرائيل من وراء طرح هذا الخيار . وأشار إلى إن إيران ستظل ساحة لتصدير التحديات إلى المنطقة والعالم وفى المقدمة منها إسرائيل طالما بقي هذا النظام ممسكاً بزمام السلطة فى طهران . وبدون تقويض النظام فى طهران تظل إيران مصدراً للتهديد وللخطر وفرض التحديات على الساحتين الإقليمية والدولية.
وفى تلميح كشف ديختر عن أن إسرائيل وإنطلاقاً عن تبنيها لهذا الخيار . لجأت إلى تعزيز علاقاتها مع قوى للمعارضة الإيرانية فى العديد من الدول فى ألمانيا وبريطانيا والولايات المتحدة وفرنسا . ومما قاله فى هذا السياق : )نحن ننسق ونتعاون مع الولايات المتحدة فى هذا المجال ويمكن للولايات المتحدة أن تفعل الشئ الكثير). وربط ذلك بما بحوزة الولايات المتحدة من إمكانيات لوجستية ومادية تتمثل في :-
- مرابطة قوتها فى العراق وفى مناطق محاذية لإيران على طوال 600 كيلو متر إضافة إلى منطقة الخليج.
- قدرة الولايات المتحدة على إستخدام منظمات المعارضة الإيرانية منها منظمة مجاهدي خلق على النظام بعملية عسكرية داخل إيران.
- تطويقها لإيران من الغرب العراق ودول الخليج ومن الشرق باكستان وأفغانستان ومن الشمال منطقة كردستان العراق وتركيا.
- نفوذها القوي فى منطقة الخليج وإمكانية توظيفه للضغط على إيران على الصعيد الإقتصادي والأمني .
الخيار الثالث : التوجه لتفكيك الدولة الإيرانية من الداخل : فى كل الأحوال- والقول لديختر – نحن ندرك أن مثل هذه العملية ليست سهلة التحقيق . لكن لابد أن نحاول ونجرب ، فهناك نقاط ضعف بنيوية فى النسيج الإجتماعى الإيرانى .هذا المجتمع هو فسيفساء ، هناك جماعات عرقية أكراد وبلوش وعرب وفرس . وهناك طوائف وأديان مختلفة مسلمين وصابئة وبهائيين وأقلية يهودية . حسب إطلاعي تبلورت لدى القيادات الأمنية منذ عامين أو أكثر تصورات حول ثلاثة وسائل للعمل فى هذا الإتجاه هي :-
الوسيلة الأولى: الإنطلاق فى إتجاه العمل والنشاط داخل إيران لزعزعة وضعها الداخلي إنطلاقاً من شمال العراق ومن المنطقة التي يسيطر عليها الأكراد وهي منطقة متداخلة جغرافياً وديمغرافياً مع شمال إيران التى يقطنها أكراد إيران.
الوسيلة الثانية : العمل من مناطق أخرى قريبة من إيران مثل أفغانستان المنطقة الغربية (هيرات) وكذلك أذربيجان وحتى باكستان.
تحدث ديختر عن وجود إسرائيلي مؤثر فى دول أوسط آسيا وحتى بالقرب من بحر قزوين.مشاركة الولايات المتحدة المنتشرة عسكرياً وإقتصادياً وسياسياً فى هذه المهمة ضرورية وأساسية من أجل أن تكون حركتنا فى البيئة الإيرانية حركة مؤثرة وفاعلية.
أولوية خيار إستخدام القوة ضد إيران:
ينظر آفى ديختر إلى خيار القوة العسكرية كمهمة عاجلة لا تحتمل التأخير فبل أن تنجح إيران فى حيازة السلاح و يتساءل:( هل يمكننا أن ننتظر حتى نجد بحوزة إيران سلاحاً نووياً تستخدمه للقضاء على الحلم الصهيونى ممثلاً فى دولة إسرائيل؟) فخطوة أولى لإحتواء هذا الخطر والقضاء عليه لابد أن نتحرك بإتجاه إستخدام خيار القوة فإذا ما إستخدمنا هذا الخيار وأفلحنا فى تقويض حلم إيران بإمتلاك السلاح النووق سيصبح من السهل بعد تجسيد الخيار الثاني وهو تقويض النظام المتطرف فى إيران ، وإذا لم نعالج الخطر النووى الإيرانى عن طريق القيام بعملية جراحية مفصلية سنجد أنفسنا نحن – أى دولة إسرائيل – تتعرض لمظاهر سلبية خطيرة تتمثل في :-
• تدهور حركة الهجرة إلى إسرائيل من قبل يهود العالم خوفاً على أنفسهم من الخطر النووي الإيراني.
• موجة عارمة عن النزوح من إسرائيل أى عملية إفراغ من سكانها اليهود وهو ما يهدد هويتها اليهودية ويعزز دعاوى الفلسطينيين عن الهوية العربية الفلسطينية كصاحبة حق وشرعية ومرجعية.
• تدهور معنى خطير بين سكان الدولة مما يؤثر سلباً على كل مظاهر ومناحي الحياة فيها.
ولفت ديختر نظر الحضور إلى حقيقة وصفها بأنها خطيرة وهى ورود معلومات تبين إن إيران قد تنتهى من صنع أول رأس نووي عام 2009 وإنها قد تجري تجربة نووية تحت الأرض إما فى ظروف التعتم أو الإشهار من أجل توجيه رسالة للعالم مفادها : (نحن هنا ، بحوزتنا سلاح نووى لا تقتربوا من إيران فهى منطقة خطرة).
ثم إنتقل ديختر للحديث : من الأفضل أن تهاجم إيران الآن قبل إمتلاك السلاح النووى سيكون غير مجدى لأن إيران ستخبئ هذا السلاح في أقبية تحت الأرض كما أنه سيكون من الصعب والمستحيل مهاجمتها ولديها السلاح النووي لأنها قد ترد بإستخدام هذا السلاح.
وعن الخيارات الأمريكية لمعالجة التهديد النووى الإيرانى أشار إلى أن القيادات الإسرائيلية إستجبت من خلال إثارة هذا الملف فى كل الإتصالات والمحادثات بين السياسيين والعسكريين من الجانبين الإسرائيلي والأمريكي إن الولايات المتحدة تضع الخيارات الدبلوماسية كأولوية ولا تزال تراهن على أن مجموعة الحوافز المتقدمة إلى إيران يمكن أن تقنع الإيرانيين بقبولها.
ولاحظ أن الولايات المتحدة يمكن أن تسلم بإستمرار بعض الأنشطة النووية الإيرانية مثل محطة بوشهر . لكنه عاد وأوضح أن الولايات المتحدة ستدعم وتشارك فى الخيار العسكري سواء كانت هي المبادرة أو إسرائيل إذا يئست من فعالية الوسائل السلمية والدبلوماسية.
إن الخيار العسكري فى مواجهة البرنامج النووي الإيرانى سيظل حتمياً وواجباً إن لم يتجاوب إيران مع المبادرات الدولية وتفكيك برنامجها وتوقيف بشكل نهائي عمليات التخصيب بإشراف دولي كما فعلت ليبيا التى وضعت نهاية لبرامجها النووي عام 2003 .
وأنهى ديختر حديثه فى إطار محاضرته بالقول نحن ندرك المصاعب اللوجستية فى تنفيذ هذا الخيار وتجسيده خاصة على ضوء المتغيرات فى المنطقة وتحسن العلاقات الإيرانية التركية والتطورات الأخيرة فى جورجيا وتزايد المؤشرات حول إحتمال إنسحاب القوات الأمريكية من العراق وحصول إيران على منظومات متطورة جداً مضادة للجو من روسيا وتغير ملحوظ فى الإستراتيجية الروسية . لكن مع ذلك ليس أمامنا خيار آخر.