التشكيل الوزاري الجديد أثار كثيرا من علامات الاستفهام، بعضها علامات تتعلق بأسماء المرشحين، وأخرى تتعلق بالأحزاب المشاركة، وبعض المهتمين صوب النظر الى أسماء الوزارات نفسها بعد ان دار حديث ليس بالضعيف ان هناك وزارات ستستحدث وأخرى ربما تدمج.
قريبا من ذلك تدور استفهامات حول الاسماء المقترحة للطاقم التنفيذي وامكانية جمعها بين العمل الوزاري وعضوية البرلمان، وأيهما أفضل أن يكون الوزير عضوا في البرلمان؟!، ام ان يكون النائب البرلماني نائباً فقط؟
في فرنسا بعيدا عن السودان هناك تقاليد تجبر الوزير الذى يدخل البرلمان ان يختار واحداً من الموقعين خلال شهر، -أي- أن الجمع بين الوزارة والبرلمان أمر غير وارد في النظام الفرنسي ويحتم الاختيار والمفاضلة بينهما، و كذلك هنالك أنظمة اخرى تمنع الجمع بين عضوية البرلمان ومنصب الوزير.
والسؤال المقترن بهذا الموضوع جوهره كيف سيحاسب البرلمان الوزراء او الحكومة اذا كان الوزراء هم أنفسهم اعضاء في البرلمان ؟ وبصيغه أخرى هل من الأفضل ان يكون الوزير وزيراً وفى ذات الوقت عضواً في البرلمان او المجلس الوطني في حالة السودان ؟
هذا السؤال رد عليه من قبل الأستاذ الدكتور فتحى فكرى أستاذ القانون الدستورى بجامعة القاهرة بقوله ان هذا الأمر يتوقف على طبيعة النظام الموجود فى البلد. اذا كنا فى نظام برلمانى فيجوز الجمع بين المنصبين الوزارى والبرلمانى، اما اذا كنا فى نظام رئاسى (كالنظام المصري) فهنا لا يجوز الجمع بين الوزارة والعضوية بالبرلمان بحكم انفصال السلطتين، ولو راجعنا الدستور المصرى المطبق حاليا سنجد ان مظاهر النظام الرئاسى هى الراجحة والغالبة والمسيطرة وبالتالى ما كان يجب ان يكون هناك جمع بين المنصب الوزارى وعضوية البرلمان.
في السودان يقول الخبير القانوني والبرلماني د. اسماعيل الحاج موسى ان الدستور لا يمنع ان يكون الوزير عضواً في البرلمان ولكن يمنعه ان يكون عضواً في مجلس الولايات، والدستور في المادة (89) يقول انه لا يجوز الجمع بين عضوية مجلس الوزراء والتمثيل في الولايات، واعضاء مجلس الوزراء لا يمثلون في حكومة جنوب السودان كذلك أعضاء المجالس التشريعية للولايات لا يكونوا اعضاء في البرلمان ولا يمكن لوزير ولائي ان يكون عضوا في المجلس الوطني لكن مسموحاً للوزير القومي ان يكون عضوا في المجلس الوطني ويقول ان الدستور له فلسفة في ذلك يمكن ان تشرح في المذكرات التفسيرية.
ويرى الحاج موسى من واقع وجهة نظره الشخصية ان النظام الأمثل هو ان يفصل بين المهمتين، ذلك لأن دور البرلمان في الأصل دور رقابي يقوم بمراقبة الجهاز التنفيذي ويستمع الى بيانات الوزراء حول أداء وزاراتهم، بل ان البرلمان له الحق في ان يطلب من رئيس الجمهورية اعفاء اي وزير وهذا ما تخوله له المادة (91) من الدستور التي تعطيه الحق في ذلك اذا اعتبر البرلمان ان الوزير المعني فاقداً لثقة المجلس الوطني، لذلك من الأجدر الفصل بين المراقب(بكسر القاف) والمراقب (بفتحها) رغم ان الدستور لم يمنع ذلك، ويؤكد الحاج موسى انه لا يوجد نص يمنع الوزراء من عضوية البرلمان لانهم يمثلون كوادر سياسية وادارية ممتازة يمكن الاستفادة منها في التشريع، بالنظر لان التشريع تعرض فيه مسائل ادارية وقانونية تمس كل مجالات الحياة خاصة ان الدستور سكت عن الجمع بين البرلمان والوزارة، والآن قيادات الدولة على مستوى نائب رئيس الجمهورية ممثلون في البرلمان .
حالة الجمع بين الوزارة والبرلمان بشكل عملي وامكانية انجاز المهمتين دون التقصير في مهمة على حساب الاخرى أمر ايضا محل تأييد بغض النظر عن السماح بهذا الجمع من عدمه في الدساتير او النظم المعمول بها، وبالنظر الى هذه الحالة وتقييمها تحضر تجربة دينق ألور وزير الخارجية في البرلمان السابق الذي كان عضوا فيه وفي ذات الوقت يتقلد منصباً وزاريا في وزارة تتطلب في احيان كثيرة وجوده خارج البلاد في مهام خارجية رسمية.. وبالفعل قد تسبب هذا الغياب لألور من البرلمان الى تململ المجلس التشريعي منه خاصة بعد عدم تمكنه من تقديم بيان عن اداء وزارته امام البرلمان رغم ان بيان الوزير وضع في جدول أعمال المجلس أكثر من مرة وارجئ بسبب عدم حضور الوزير، وليس ذلك فحسب، بل ان البرلمان رفض تقديم وزير الدولة البيان نيابة عن الوزير واعتذر لوزير الدولة الذي حضر حاملاً بيان وزارة الخارجية.
واكد دينق ألور ان الجمع بين البرلمان والوزارة أمر صعب فلكل منهما سلطة ذات مهام كبيرة وتتطلب التفرغ، لذلك من الأفضل كما قال ان يكون عضو البرلمان متفرغا له ومستقرا، وأشار الى ان للوزارة اعباء يصعب معها ادارة مهمة البرلمان، ويضيف انه كان يستعين بمكتبه للتنسيق مع البرلمان فهو غالبا يكون خارج البلاد ولا يتمكن من حضور الجلسات رغم وجود اتفاق بين الجهاز التنفيذي والبرلمان بتحديد عدد من الجلسات للوزير بخلاف العضو المتفرغ الذي يطالب بحضور كل الجلسات ولا يغيب الا بأذن معروف، ويضيف ألور ان اشكاله مع البرلمان السابق لأنه عادة يكون خارج البلاد.
الوزيرة سامية أحمد محمد لا تتفق مع اتجاه ألور وتقول في حديثها ان الجمع بين الوزارة والبرلمان امر مسموح به في انظمة عديدة ومعمول به ولا ترى وجود اية اشكاليات في الجمع بين المنصبين.
مصدر برلماني -فضل حجب اسمه- قال ان الجمع بين الوزارة ومقعد البرلمان أمر غير مجدٍ ويرى أن الأمثل ان تفصل المهمتان، وذلك لاعتبارات عديدة وشواهد ضمن التجارب السابقة في البرلمان، ويقول ان الوزراء لا يحضرون الجلسات الا قليلا نظرا لمشغولياتهم، ورغم ان هذا الانشغال لا غنى عنه لأنهم في مهام تنفيذية ضرورية إلاَّ أنه يضعهم في التجربة الشهيرة أيام الترابي التي اصطلح على تسميتها بالقصر والبرلمان.
ويقول المصدر عن تجربة البرلمان السابق: لم يكن هناك التزام يذكر من الوزراء مع البرلمان ولم يشكلوا حضورا في الجلسات، وكان رئيس البرلمان يجدول لهم الحضور في محاولة لتسهيل مهمتهم، ورغم ذلك فهم في الغالب لا يلتزمون، لذلك فالاجدى ان يتفرغ الوزير لوزارته وان تترك المهمة للبرلماني ليتفرغ لها ويحاسب على غيابه منها ويمكن للوزراء توثيق الصلة مع البرلمان وخلق علاقة معه بأوجه عديدة ويمكنهم حضور بعض جلسات البرلمان في الوقت الذي تسمح فيها ظروف الوزير ويلتزم بتقديم تقارير دورية للمجلس الوطني، ويلفت المصدر النظر الى ان دستور دولة اليمن الشقيق يسمح للوزراء حضور جلسات البرلمان دون دعوة منه.
هناك سؤال جوهري حول الاستحقاقات المالية بين منصبي الوزير والبرلماني، دفعت بهذا السؤال الى د. شريف التهامي وزير الطاقة السابق وعضو البرلمان في حقب مختلفة وعضو الهيئة التشريعية القومية الحالية ليجيب علىه، هل يتحصل الوزير البرلماني على استحقاقات الوزارة والبرلمان معا ام احدهما؟
التهامي قال ان الجامع بين المنصبين ينال استحقاقات جهة واحدة فقط يختارها وفي الغالب يختار مستحقات الوزارة، ويقول انه شخصيا في حقبة مايو التي جمع فيها بين منصب الوزير (الطاقة) وعضوية البرلمان كان يتحصل على الاستحقاقات المالية من منصبه الوزاري، ويقول ان مكاسب البرلمان مكاسب أدبية سماها (بالاضواء الادبية).
ويزيد التهامي بأن الانظمة الحديثة لا تجيز الجمع بين الوزارة والبرلمان، ويقول ان الجمع في الاصل يحتاج الى مقدرات لابد ان تتوافر في الشخص ويكون صاحب عطاء جيد في الجهازين التنفيذي والتشريعي وفي الغالب يكون الجمع في الانظمة التي تكون فيها الاغلبية للحكومة، لكن يمكن ان يكون الجمع بين المنصبين في هذه الحالة على حساب العمل التنفيذي لأن وجود الوزير في البرلمان مهم للتصويت.
كتباين تجارب الدول، تتباين آراء المختصين حول الجمع بين الوزارة والبرلمان، ومن الواقع الذي يشهد دفع المؤتمر الوطني بخلاصة كوادره للبرلمان فمن الراجح ان يكون معظم الوزراء في التشكيلة الجديدة اعضاء في المجلس التشريعي، ويصبح في حكم المؤكد انه (لا مفاجأة) في التشكيل الوزاري من هذه الزاوية.
المصدر: صحيفة الرأى العام الخميس 10 يونيو 2010م