أخبار 

محمود عباس رئيسا لحكومة انتقالية توافقية فلسطينية    |   إسرائيل تهدد بترحيل لاجئي جنوب السودان قسراً بعد نهاية مارس    |   روسيا تعلن استعدادها للتوسط بين الخرطوم وجوبا    |   الحكومة تحمل دولة الجنوب أي محاولة لإستهداف أو تخريب لحقول النفط بالسودان    |   نتنياهو يفوز بانتخابات الليكود    |   خلافات بجلسة أممية بشأن سوريا    |   " رئيس جمهورية جنوب السودان سلفا كير يدرس مد خط أنابيب لتصدير النفط"    |   جلسة لمجلس الأمن اليوم حول سوريا    |   إسرائيل تخطط لإقامة خط حديدي بين "الأحمر والمتوسط"    |   خبير أمريكي : وقف تصدير نفط الجنوب مناوشات لإحداث إضراب ومواجهات    |  
التقارير     نظرة غربية جديدة لدولة جنوب السودان

في أكبر مدن جنوب السودان تركض الشاحنات نحو النيل الأبيض لتنقل المياه الملوثة إلى خزانات، حيث يضاف إليها الكلور بنسب عشوائية ثم تأخذها شاحنات أخرى توزعها على أكواخ الطين المنثورة في المدينة، ويدفع المواطن 4 دولارات على برميل المياه الملوثة، وبعد تفريغ المياه تمر الشاحنات على خط إمداد مائي تم إنشاؤه لنقل المياه المعالجة من خط البلدية منذ وقت طويل ولكنه لم يعد صالحاً للاستعمال الآن.

وتشير التقارير إلى أن 80 إلى 90% من المياه المنزلية بمدينة جوبا تأتي من مياه النيل الأبيض الملوثة والتي تنقل من مكان غير بعيد من ذلك الذي يتم فيه التخلص من النفايات القذرة في النهر، معرضة أكبر مدن الجنوب وأسرعها نمواً سكانياً لأمراض الكوليرا والأمراض الأخرى.

ويعتبر جنوب السودان من أكبر المناطق فقراً في العالم وتهدده المجاعة والعنف القبلي ومعدلات عالية من سوء التغذية والوفيات بين الأطفال والأمهات، مع توقعات أن يصبح هذا الإقليم البائس أحدث دولة في العالم.

وبعد مرور نصف قرن على الحقبة الاستعمارية تصبح الولادة الوشيكة لدولة جديدة بجنوب السودان أكبر تهديدات القارة ذات الاصطناعية التي وضعها المستعمر الأوربي الذي يجهل الحقائق العرقية والجغرافية في أفريقيا، والذي ما زال يؤجج نيران الحروب والصراعات ويعيق التجارة والنمو الاقتصادي بها.

وعندما يتصرف الغرب كقابلة تعمل على ولادة شعب جديد، هل يعلم أنه يكرر نفس الخطأ الذي ارتكبه منذ خمسين عاماً مضت؟.. وهل الدولة الوليدة تملك مقومات السباحة في بحور الاستقلال العميقة؟

إن ترسيم حدود جديدة لن يحل مشكلة القارة الأفريقية، كما أن تقسيم السودان الذي تروج له استراتيجية واشنطن سوف يذكي نيران الصراع على طول الشريط الحدودي الجديد، وسيخلق قطراً جديداً هشاً وضعيفاً ومغلقاً وفقيراً يعتمد كلياً على المساعدات الخارجية مثله مثل كثير من الدول الأفريقية التي نشأت قبل نصف قرن من الآن.

وفي الوقت الذي تحتفل فيه معظم الدول الأفريقية بمرور خمسين عاماً على الاستقلال، إذ إن ثلث أقطار القارة حصل على الاستقلال في العام 1960م، هناك مناسبات أهم يجب الاحتفال بها والعكوف على دراستها وهي مرور 125 عاماً على مؤتمر برلين الذي قسم أفريقيا على القوى الأوربية وفي ذروة التدافع من أجل الحصول على أكبر نصيب في القارة، استمرت هذه القوى في تمزيق أفريقيا وحتى يومنا هذا.

وكما وثق المؤرخ مارتن ميريديث فإن الحدود الاستعمارية قد فصلت وبشكل عشوائي 190 مجموعة عرقية وثقافية كانت موجودة منذ قرون، ومعظم هذه الحدود كان عبارة عن خطوط هندسية سهلة التحديد وليست لها علاقة بالواقع على الأرض، وتم تمزيق المئات من المجموعات العرقية ذات الأصول الواحدة ودمج المئات من المجموعات العرقية ذات الأصول المتباينة، حيث تم دمج 250 مجموعة عرقية في أفريقيا وحدها، وتقسيم 10.000 مملكة وسلطة ومشيخة وامبراطورية في أربعين مستعمرة أوربية.

وفي اعتراف للورد سالسبيرى رئيس الوزراء البريطاني فيما يخص الطريقة التي تم بها ترسيم الحدود يقول: (لقد تنازلنا عن الجبال والبحيرات والأنهار لبعضنا البعض، مستندين على حدود افتراضية نجهل حتى موقعها الحقيقي).

ويقول جيران كابلان مؤلف كتاب خيانة أفريقيا السودان المثال الكلاسيكي ونيجيريا مثال آخر، يقول: (في أواخر العام 1950 - 1960م أعطيت هذه الدولة الافتراضية استقلالها واختارت القوى الاستعمارية جماعات عرقية لتدير مستعمراتها من بعدها، إلا أن هذه الدول سرعان ما تصارعت من أجل النفوذ فحملت الحدود الجديدة بذور الدمار وأذكت نيران الحروب العرقية والقومية والتي أصبحت أكبر ابتلاءات أفريقيا في المستقبل).

وأصاب المستعمر التنمية الاقتصادية في أفريقيا بالشلل التام عن طريق الحدود الاصطناعية، إذ إن هناك 15 دولة أفريقية غير ساحلية صنع موقعها المغلق حاجزاً كثيفاً لنموها، وبقيت معظم الشعوب الأفريقية تابعة لأسيادها المستعمرين السابقين الذي استمروا في استنزاف ثرواتها، إذ لم يتعدَ حجم تجارتهم في أفريقيا 8% .

ويقول الملياردير محمد إبراهيم0: لقد قطعتنا الحدود الإستعمارية لـ 53 دولة، لكننا مصممون على التواصل ونقل التجارة فيما بيننا.

ويعتبر السودان خير مثال للحدود الاستعمارية العشوائية، إذ تمت إدارت شقيه إبان الإستعمار ثم تم دمجه عندما منح الاستقلال في العام 1956م وحاول الشمال الناطق باللغة العربية والذي يدين بالدين الإسلامي، فرض سيطرته على الجنوب الذي يتكون من قبائل أفريقية تعتنق الدين المسيحي والديانات التقليدية الأخرى، الشيء الذي أدى إلى اندلاع الحروب والنزاعات التي راح ضحيتها الملايين من البشر حتى توقيع إتفاقية السلام الشامل.

وستصبح دولة الجنوب الجديدة والتي بلا شك سوف ترى النور عقب الاستفتاء المزمع قيامه في يناير من العام 2011م الدولة الثانية التي تم صنعها في أفريقيا منذ الاستقلال بعد أريتريا، وبلا شك الدولة الأفريقية المغلقة والمعتمدة على الإعانات والتي يعاني نصف سكانها من سوء التغذية، إذ تعد نسبة 85% من خدمات الصحة والتعليم تقدم من قبل وكالات الإغاثة الأجنبية وتسببت الاشتباكات بين القبائل والعشائر في مقتل 250 ألف العام الماضي، و400 ألف هذا العام.

إضافة للفساد الإداري والسياسي الذي يعصف بها، إذ إنه لم تتم الإستفادة من 7 مليارات دولار من عائدات النفط، وتفتقر العاصمة جوبا إلى شبكة مياه وكهرباء جيدة، ويعيش معظم المواطنين في أكواخ من الطين والمنازل المؤقتة، وتضطر اليونسيف لتوفير المياه النقية لمنع انتشار مرض الكوليرا.

نعم قد يؤدي انفصال جنوب السودان إلى إيجاد حليف عسكري للولايات المتحدة الأمريكية بالمنطق، لكنه لن ينهي الأمية والفقر والمجاعة وتفشي الأمراض، وفي حال لم يحس الشعب في جنوب السودان بتحسن حالته المعيشية فإنه سينتهك معاهدات السلام ويتجدد العنف القبلي من جديد.

ويقول بيتر كراوي مدير برنامج اليونسيف بجنوب السودان: (إذا لم يسعد الناس بفوائد السلام فإن احتمالات العودة للصراع ستكون أكبر، إذ لماذا يكافح الناس من أجل السلام الذي لا يجلب لهم منفعة).

المصدر: صحيفة أخر لحظة الخميس 10 يونيو 2010م

 

^ أعلى

 

 

المكتبة     الوثائق     أرشيف الموقع     مواقع صديقة     اتصل بنا    

 

 
 
 

 

جميع الحقوق محفوظة للراصد للبحوث والعلوم:: السودان - الخرطوم 2010 ::: ص..ب ـ 10755 .info@arrasid.com ::  التصميم والدعم الفني لمسة الهندسية