أخبار 

محمود عباس رئيسا لحكومة انتقالية توافقية فلسطينية    |   إسرائيل تهدد بترحيل لاجئي جنوب السودان قسراً بعد نهاية مارس    |   روسيا تعلن استعدادها للتوسط بين الخرطوم وجوبا    |   الحكومة تحمل دولة الجنوب أي محاولة لإستهداف أو تخريب لحقول النفط بالسودان    |   نتنياهو يفوز بانتخابات الليكود    |   خلافات بجلسة أممية بشأن سوريا    |   " رئيس جمهورية جنوب السودان سلفا كير يدرس مد خط أنابيب لتصدير النفط"    |   جلسة لمجلس الأمن اليوم حول سوريا    |   إسرائيل تخطط لإقامة خط حديدي بين "الأحمر والمتوسط"    |   خبير أمريكي : وقف تصدير نفط الجنوب مناوشات لإحداث إضراب ومواجهات    |  
التقارير     الكتاب المدرسي لمن استطاع إليه سبيلاً..!

طالت أيدي الخصخصة مطبعة هيئة الطباعة والنشر التي كانت تخص وزارة التربية والتعليم، الأمر الذي شرَّد الكتاب المدرسي وجعله تائهاً يتخبط بين المطابع، ويتأجل العام الدراسي بسبب عدم جاهزيته.. وتدخلت رئاسة الجمهورية لمعالجة القضية بتكوين آلية لذلك.. إلا أن هذه الآلية اتفقت على بيع أصول الكتاب المدرسي للمطابع الراغبة في القيام بعملية الطباعة، في اجتماع ضم أعضاء غرفة الطباعة والتغليف باتحاد الغرف الصناعية وبحضور وزير الدولة بوزارة التربية والتعليم (حليمة محمد).

هذا الخبر تناولته الصحافة في الأيام السابقة.. مما ولَّد عدداً من الأسئلة التي طرحت نفسها حول مساوئ ومحاسن بيع أصول الكتاب المدرسي للمطابع الخاصة- أي للذي يدفع أكثر!! ومدى تأثير هذا القرار على الأخطاء في المنهج التي انتشرت في السنوات الأخيرة والتي تلت خصخصة مطبعة الوزارة.. وهل أصبح مستقبل التعليم متمثلاً في الكتاب المدرسي- الذي هو أساس العملية التعليمية- سلعةً في أيدي المطابع الخاصة تُباع للذي يدفع أكثر؟!«و طرحت هذه الأسئلة وغيرها على خبراء في التربية والتعليم والذين أبدوا أسفهم لهذا القرار، وتخوّفوا من عقبات أن يصبح الكتاب المدرسي مثل المدارس الخاصة والعلاج الخاص «لمن استطاع إليه سبيلاً». حيث قال الموجه التربوي الأستاذ النوراني الحاج الفاضلابي: لقد تعودنا أن تشرف وزارة التربية والتعليم على إعداد وطباعة الكتاب المدرسي بجودة ومواصفات علمية وفنية عرفها المعلمون عبر فترات طويلة، وبالتالي تعود الكتاب أن يخرج جيداً في الإعداد والإخراج والطباعة.. وتساءل هل تملك تلك الجهات التي يُسند إليها الكتاب التخصص في الطباعة التربوية؟ واستدرك قائلاً أنا أشك في ذلك، لأن الطباعة التربوية تعتمد أساساً على المعرفة العملية الدقيقة المناسبة في طرح المعلومة في تدرج يتناسب وانتقال المادة من جزئية إلى أخرى مرتبة ترتيباً علمياً يعرفه المتخصصون في الطباعة التربوية، على سبيل المثال كتب العلوم والرياضيات لها أرقام ورموز تحتاج إلى التخصص الدقيق فوضع علامة ما بغير محلها يجعل المسألة خطأ.. وكتاب اللغة العربية يعتمد أساساً على مُخرج ملم باللغة، فإن أُهملت علامة التعجب يختلف المعنى.. ويرى الأستاذ النوراني أن تظل الوزارة ملتزمة بمسؤوليتها، لأن الكتاب هو أس العملية التربوية، والدفع به إلى جهات أخرى من أجل الكسب المادي يكون على حساب المعارف العلمية والفنية. وأضاف لكي يكون هذا الكلام صادقاً لننظر إلى الكتاب التجاري الذي يؤلفه بعض المعلمين ويدفعون به لمخرجين غير متخصصين «التجار»، نجد فيه الكثير من الأخطاء إلا ما رحم ربي، وما أقل هؤلاء.. واستدرك قائلاً هذا لا يعني أن الجودة مقصورة على الوزارة وحدها. وتساءل لكن هل في ساحات الطباعة المحلية من هو مُعد لهذا العمل الفني؟ وقال إذا عجزت الوزارة عن الطباعة فلتدفع بها إلى الخارج في بعض الدول الشقيقة المتخصصة في ذلك. وأضاف نحن نقول هذا ولا حساسية لنا مع أحد إلا أن تجاربنا علمتنا أن عمل المعلمين لايجوده إلا من تخصص فيه أكاديمياً وفنياً.. وأوضح قائلاً: إذا نجحت الدولة في خصخصة طباعة ما تملكه الدولة والدفع به إلى السوق للكسب المادي -فإنه من الخطر أن تبيع الكتاب وهو فكر الأمة التربوي إلى السوق ومعيار السوق الربح والخسارة، ومعيارنا نحن في التربية أننا نعطي فكرنا ولا نفكر في الكسب المادي بقدر ما نفكر في عرض كتاب جميل رشيق، لأن النظر إلى الكتاب المدرسي يعد في صحة المعلومة التي فيها نظرة جمالية ولاسيما لدى الأطفال الصغار، لأن غرس الذوق يكون في عدة أشياء منها النظر إلى الجميل وهذا ليس من لغة السوق.

ويرى دكتور رشاد محمد سعيد- الخبير التربوي أن هذا القرار يُعد تهرباً من الوزارة من مسؤوليتها خاصة أن هنالك أخطاء كثيرة في الفترة الأخيرة.. وقال: إذا حدث ذلك سوف يكون هنالك تلاعب في المقررات على حسب مزاج المطبعة، والمطابع تطبع المناهج بالصورة التي تراها ولاتوجد دولة عاقلة ورشيدة تعطي المناهج للقطاع الخاص لأنه بذلك لن يكون هنالك سيطرة للوزارة على المناهج وسوف تفقد الوزارة التسلسل في المناهج من الأساس إلى الثانوي وبذلك ينهار التعليم لانعدام الأهداف المقصودة.

وقال إذا كان هنالك مشكلة في الكتاب المدرسي فالوزارة عندها خبراء في هذا المجال .. وتساءل لماذا لا تستشيرهم الوزارة في القرارات الخاصة بالمناهج؟ ولماذا تقع الوزارة في أخطاء تقع فيها من حفرة إلى حفرة أعمق؟ وأكد أن الوزارة لا تحل مشكلة الكتاب بأن تعطيه للمطابع الخاصة، وقال إذا كانت في الآونة الأخيرة وضعت الكتب المدرسية بصورة عشوائية جداً دون الرجوع إلى مستويات الطلبة فماذا سوف يحدث بعد بيع أصول الكتاب؟ وطالب الدكتور رشاد الخبراء في التعليم وكل المختصين أن يشاركوا في وضع المنهج، وقال إذا كانت الوزارة قد رفعت يدها من المناهج فيجب على المختصين أن يكون لهم ضلع في المقرر. وشبَّه الوزارة بالمنزل قائلاً إذا «تصدع المنزل سوف ينهدم ولابد أن يبنى من جديد».وقال إن الأساتذة الخبراء السابقين الذين خرجوا إلى دول أخرى استقبلتهم وأعطتهم جنسياتها.. ويجب على الدولة أن تتناسى الانتماءات السياسية.. فهم وطنيون وتعنيهم مصلحة البلد وعليها أن تنتدبهم كخبراء أجانب في المجال لأن الدولة تهتم بالخبراء الأجانب.

فيما قال دكتور إبراهيم عثمان الخبير التربوي ورئيس قسم المناهج السابق بكلية التربية جامعة الخرطوم: إن الكتاب المدرسي من المسؤوليات المهمة لوزارة التربية والتعليم ولا بد أن تكون هنالك جهة فنية تابعة لوزارة التربية تكون مسؤوليتها الكتاب المدرسي.. وأشار إلى أن بعض الدول مثل الولايات المتحدة يوجد لديها مجلس تربوي مناط به المناهج، وهناك توجيهات عامة للدولة، لكن كل ولاية لها الحق في تعديل مناهجها مع ما يناسبها- الأمر الغير موجود في السودان.. وبالتالي عندما يناط الكتاب المدرسي إلى مكتبات تجارية سوف يكون فيه أخطاء جمة من حيث عدم مراعاتها للمواصفات وأوضح أن الكتاب جيد من حيث الشكل والمضمون والمحتوى، أما المطابع التجارية فكل همها هو الربح المادي، أكثر من القيمة التربوية والعلمية للكتاب المدرسي مما يؤثر سلباً في درجة تعلم الطلاب، لأن اختلاف الطباعات يكون اختلافاً في النسخ والمحتوى ويصعب متابعتها من حيث درجة الورق والاختلاف من مطبعة إلى أخرى.. وتخوف من أن يتجه التعليم إلى اتجاه إقطاعي بأن تختلف كتب الأغنياء عن الفقراء، وقال هذا لا يساعد على الوحدة، بالرغم من أن غالبية دول العالم يتبع لها الكتاب المدرسي، ولها نفس الدرجة من الدقة وتحت إشراف جهة واحدة وتكون مسؤولة عن أي أخطاء تصدر عنها.. أما إذا تعددت الجهات يصعب رصد الأخطاء ومحاسبة الجهات المقصِّرة وبالتالي لا بد من الرجوع إلى وجود مطبعة حكومية تتبع للمركز القومي للمناهج فتكون مسؤولة عن هذا العمل وإلا سوف يحصل ما لا يحمد عقباه. وأضاف قائلاً: في السودان لا يوجد مجلس تربوي مسؤول ومعني بأمر التربية، و اللجنة التربوية المكونة من التعليم العالي غالبية أعضائها ليسوا من التربويين، الأمر الذي لا يوجد في أي دولة في العالم.. إن المجالس المتخصصة تتكون من المتخصصين في المجال مثل المجلس الهندسي والطبي، وبنفس السياق لابد أن يكون المجلس التربوي يتكون من التربويين..ولكن أن تكون شركات تجارية تقوم بطباعة الكتاب ولا توجد أي جهة من قبل الوزارة، فهذا يؤثر سلباً على مستوى الطلاب الأكاديمي، ومن المحتمل أن تتجه هذه الشركات إلى اتجاهات برمجية دون الاهتمام الكامل بالنواحي التربوية وهذه هي الكارثة.

بذا أكد المراقبون والخبراء التربويون أن القرار يحمل كل المساوي ولا توجد به محاسن على الأقل في الوقت الراهن.. مما فتح الباب على مصراعيه لمزيد من الأسئلة.. على أي أساس قررت وزارة التربية والتعليم بيع أصول الكتاب المدرسي؟! ولماذا تتدخل وزارة الصناعة في طباعة الكتاب المدرسي وهي جهةٌ دورها الصناعة ولا علاقة لها بالعملية التربوية؟!. وإذا أكد الخبراء أن هذا القرار يحمل مساوي تؤدي إلى انهيار التعليم فمن الذي استشارته الوزارة في هذا القرار؟!.. وهل بهذا القرار تكون وزارة التربية والتعليم قد حرَّرت شهادة وفاة التعليم في السودان ببيعها «لضناها»؟!

المصدر: صحيفة أخر لحظة الاحد 20 يونيو 2010م

 

^ أعلى

 

 

المكتبة     الوثائق     أرشيف الموقع     مواقع صديقة     اتصل بنا    

 

 
 
 

 

جميع الحقوق محفوظة للراصد للبحوث والعلوم:: السودان - الخرطوم 2010 ::: ص..ب ـ 10755 .info@arrasid.com ::  التصميم والدعم الفني لمسة الهندسية