منذ توقيع اتفاقية السلام عام ٢٠٠٥م كان واضحاً أنها عملت على ترجيح كفة الانفصال على الوحدة ورغم ورود بعض الإشارات والنصوص التي تدعو إلى جعل الوحدة جاذبة، وربما كان هذا رأي بعض المسؤولين في الطرفين آنذاك الذين قاموا بوضع سيناريوهات البنود حتى جاء إخراجها هكذا مفصلاً على مقاسات الانفصال.. تمهيداً لخطوة قادمة تركت بحسب نيفاشا إلى شعب الجنوب ضاعت كذلك ملامح السودان الجديد الموحد بعد وفاة د. قرنق الذي كانت تدعو له الحركة وأقبرت مع زعيمهم، لا سيما أن الفريق سلفا كير ميارديت كما قيل كان معروفاً بتوجهاته الانفصالية ثم دعم هذا الاتجاه من خلال الممارسة الفعلية للشراكة التي سادها كثير من عدم الثقة والتوتر في العلاقات جعلت بعض الناس يتحدّثون عن استحالة الاتفاق على نظام حكم في دولة واحدة، وبدأت الحركة الشعبية بالفعل في تأسيس مقومات الدولة عن طريق تدريب أفرادها والشروع في استجلاب أسلحة كما قالت بعض الإصدارات الخارجية التي تحدّثت عن شحنات تم ضبطها، ولم تخفِ أمريكا مجهوداتها في هذا الشأن كمموِّلة لمشروع التدريب والأسلحة هذا بجانب سعي الحركة لبناء علاقات خارجية مع بعض الدول عن طريق مكاتبها في الخارج بعيداً عن مظلة السفارات السودانية، على صعيد التصريحات والخطب السياسية ظل كل طرف «المؤتمر الوطني والحركة الشعبية» طيلة سنوات الشراكة يسعى إلى خدمة مشروعه السياسي والفكري دون الالتفات لتغذية القواسم المشتركة بين الشعوب في الشمال والجنوب، واكتفوا على مستوى النظر بتبادل الاتهامات التي حاول فيها كل طرف تحميل الآخر مسؤولية عدم جعل الوحدة جاذبة، وفي الوقت الذي كانت تحث فيه الحركة الشعبية شعبها للتصويت للانفصال بعبارات بسيطة ولغة تحريضية مثل كلام سلفا كير عن أنهم إذا أرادوا أن يكونوا مواطنين من الدرجة الثالثة؛ فليصوتوا للانفصال وتكرار هذه العبارة في أكثر من موقع، وكان رد المؤتمر الوطني يشير على أنه حسم هذا الموضوع والدليل على ذلك أن أوضح رداً جاء من أعلى سلطة حينما قال الرئيس قبل ذلك إذا اختار شعب الجنوب الانفصال؛ فسنكون أول من يعترف بدولتهم..
ووفقاً لما تم توارده بين المصادر أن هناك مساومة بين الشريكين نصت على قيام الانتخابات في موعدها مقابل إجراء الاستفتاء في زمنه المحدَّد، ووضح ذلك قبل إجراء الانتخابات حينما تعقدت الأمور وأصرَّت قوى تحالف جوبا على مقاطعة الانتخابات وأرادت أن تكسب أصوات الحركة الشعبية إلى جانب حلفها.. وبالفعل ترددت هي الأخرى في اتخاذ قرار يدعم شريكها؛ فهدد المؤتمر الوطني بحسم هذه المسألة بتعطيل الاستفتاء حسب ما جاء على لسان الرئيس البشير «ما في انتخابات ما في استفتاء.
كذلك إنسحاب الحركة الشعبية من انتخابات الشمال واكتفائها بالجنوب ومناطق جنوب النيل الأزرق وجنوب كردفان كان بمثابة رسالة من الحركة إلى من يهمهم الأمر بتفضيلها لخيار الانفصال بعد الانتخابات حظي موضوع الوحدة والانفصال باهتمام كبير من قبل القوى السياسية وكأنها استنهضت من نوم عميق ووجدت أن ما يفصلها عن الانفصال «7» أشهر، أما الحركة الشعبية فقد أصبحت بعد الانتخابات أكثر وضوحاً في العمل لضمان فصل الجنوب على المستويين الداخلي والخارجي، على المستوى الداخلي أبدت زهدها في تقلّد مناصب وزارية رفيعة في الشمال ودفعت بقيادات الصف الثاني لشغل منصب وزير أو وزير دولة، وحتى هذه المناصب لم تتجاوز الـ «9» وزارات وبالمقابل وجهت وزراء الصف الأول لحكومة الجنوب التي سيعلَن ميلادها في أوائل شهر يناير.
وكشفت حديثها حول الوحدة والانفصال، ومخاوفها من إجهاض هذا الحق أو التلكؤ في إجراء الاستفتاء حسب ما ورد في اتفاقية السلام كما اختارت بعض قياداتها الخروج إلى دائرة العلن والحديث صراحة عن هذا الموضوع مثلما قال أحدهم للرأي العام: كل قيادات الحركة الشعبية مع الانفصال بعدما كان هذا الدور يقوم به أشخاص محددين أمثال باقان أموم.. أيضاً تطورت وسيلة وطريقة التعبئة الشعبوية وظهر ذلك في دعوة حكومة الجنوب الرسمية لشعبها للخروج في مسيرة داعمة للانفصال، وقيل إن هذه المسيرة كانت بدعوى من الفريق سلفا كير شخصياً.. وتزامنت مع لقائه بجون بايدن نائب الرئيس الأمريكي بنيروبي، حتى يطمئنه بأنهم ماضون في تنفيذ رغبتهم ورغبة أمريكا في فصل الجنوب التي أعلنتها منذ الانتخابات عندما أكد مبعوثها للسودان غرايشن لأبناء الجالية الجنوبية في واشنطن أنهم يعلمون أن الانتخابات مزورة وواجهت صعوبات، لكن اعترفنا بها من أجل الوصول إلى استقلال الجنوب.
على المستوى الخارجي تقوم الآن الحركة الشعبية بحملة خارجية واسعة وفقاً لرأي المراقبين لإقناع الدول بضرورة قيام دولة الجنوب ابتدرتها بواشنطن وأكد مصدر لـ«الأحداث» أن الوفد الزائر أتى إلى واشنطن بدعوة من الإدارة الأمريكية ويهدف إلى إقناع صناع القرار الأمريكي بأن تقوم أمريكيا بإقناع الدول للاعتراف بدولة الجنوب وطمأنة دول جوار السودان بأن الانفصال لن يؤثر عليها وتهيئتها لهذا الحدث المرتقب، وربما هناك دول مجاورة سبق أن ألمحت لإمكانية الاعتراف بهذه الدولة أو كما قال الزعيم القذافي قبل ذلك، رغم كل هذه التحركات والقناعات شهدت الأيام الماضية تحركاً كبيراً من قبل الحكومة المركزية ممثلاً في الرئيس البشير ونائبه علي عثمان ودعوة لتغليب خيار الوحدة على الانفصال.
وصلت حد إعلان الرئيس لنفير الوحدة واستعداد نائبه علي عثمان للهجرة والاستقرار في الجنوب حتى تتحقق الوحدة؛ فيما بادرت بعض قيادات الحركة بالتشكيك في هذه النوايا وعدم الترحيب بالفكرة.
المنتديات كذلك لم تكن غائبة عن هذا الحدث الذي أصبح مطروحاً ومطروقاً بشدة في المنابر كافة هنا وهناك والحال هكذا كان بالنسبة للمتحدثين في منتدى السفير جمال محمد أحمد بالنادي الدبلوماسي الذي أعدته وزارة الخارجية الأسبوع الماضي، حيث قال بروفيسور حسين أبوصالح: إن هناك إصراراً شديداً من شركاء الحكم على إقامة الاستفتاء في مواعيده بجانب دول أخرى في مقدمتها أمريكا وإذا تم في الظروف الراهنة سيؤدي لانفصال الجنوب، وربما إلى عنف وبوابة انهيار لذلك لا بد من حل للخروج من المأزق، والمشكلة الأساسية وصل الناس فيها لحل بتوقيع اتفاق سلام لكن كان السودان يدار بنظامين وكان يفترض تطوير هذه الصيغة وهذا لم يتحقق..
ومن جهته جدّد محمد يوسف «القيادي بالحركة الشعبية» خلال المنتدى الحديث حول ضرورة إجراء الاستفتاء في مواعيده؛ لأنه مربوط بحقائق موضوعية تعنى ممارسة شعب الجنوب لحقه الديمقراطي، وإذا أردنا حل القضايا الخلافية لا بد منه، ـ حسب تعبيره.
والاتفاقية حقّقت للجنوبيين مكتسبات واختيار الوحدة يزيد منها بجانب أنها تحفظ وحدة الحركة الشعبية وعلاقتها بشرائح المهمشين؛ فعلى ضوء اقتراب موعد الاستفتاء وابتعاد الحركة الشعبية من دوائر الفعل السياسي في الشمال وتفعيل آليات الحكم في الجنوب هل سينجح نفير البشير وهجرة علي عثمان وتتحقق أحلام محمد يوسف القيادي الشمالي بالحركة الشعبية، الذي لا يحق له التصويت لتقرير مصير الجنوب في جعل الوحدة خياراً لقادة الجنوب الذين يقومون بتشكيل خيارات شعبية أم أن الأشواك سبقت الأشواق.
المصدر: صحيفة الانتباهة الاحد 20 يونيو 2010م