قال رئيس الحركة الشعبية ورئيس حكومة الجنوب إن الشمال لم يجعل الوحدة ممكنة وإن سياسات الحكومة طوال الفترة الماضية لم تسهم في جعل الوحدة جاذبة لسكان الجنوب، وأنهم في الحركة الشعبية يدعمون خيار الوحدة ويقاتلون دعاة الانفصال. وبسبب سياسات الشمال جعلت من الصعب إقناع الجنوبيين أن الوحدة مع الشمال هي الخيار الأفضل، وأنه لا يستطيع أن يقول لشعب الجنوب يجب أن تصوتوا للوحدة، فقط هو يكتفي بالجلوس في المقاعد الخلفية ويدع الآخرين يتحدثون. هذا ما قاله سلفا كير، إذن دعوني أقول لكم أنا:
أولاً، لاحظوا معي الآتي:
قال إن الحكومة لم تسهم في جعل الوحدة جاذبة «يعني مجرد مساهمة ما في الحكومة «تطيِّر عيشتا» نفذت أكثر ٩٠٪ من الاتفاقية المشؤومة، إتفاقية السلام ورغم ذلك لم تسهم في جعل الوحدة جاذبة، الاتفاقية والحكومة التي مكنتهم من حكم كل الجنوب وثلث الشمال لم تسهم في جعل الوحدة جاذبة. الاتفاقية والحكومة التي نالوا منها أموالاً طائلة وسلطة مطلقة وكان الأحرى بهذه الأموال وتلك السلطة أن تجعل من الجنوب جنة الله في أرضه لكن رغم ذلك الحكومة لم تجعل خيار الوحدة جاذباً!! الحكومة التي صبرت كل الصبر الممكن وغير الممكن، الحكومة التي ضبطت أعصابها ومارست كل أنواع الحكمة في أحلك وأشد لحظات تهور وطغيان الحركة الشعبية وقادتها، ترجو من ذلك أن يرعوي هؤلاء البغاة إلى رشدهم وصوابهم، الحكومة تتحمل وتتجمل بكل هذا السمت العجيب من الصبر والرغبة الأكيدة في التصالح والتسامي فوق المرارات والخلاف. ولكن رغم ذلك الحكومة لم تجعل خيار الوحدة جاذباً «مش لم تجعل بل لم تسهم حتى!!.
الاتفاقية والحكومة التي مكنت هؤلاء القوم من كل هذا وذاك وغيره كثير هي لم تجعل الوحدة جاذبة، هم كانوا يقولون تقسيم السلطة والثروة وهذا نفذ على الوجه الأتم وعلى داير المليم. إذن لماذا كل هذا النكران والتنكر لكل هذا الذي تم تنفيذه، ولماذا لم يكن كل هذا سبباً لجعل خيار الوحدة جاذباً بل لم يشكل أدنى درجة من المساهمة في جعل خيار الوحدة جاذباً أو حتى ممكناً. إذن ماذا يريد هؤلاء القوم لجعل خيار الوحدة جاذباً إن لم يكن كل ذلك هو المطلوب؟ من هذه المعطيات يتضح أن المطلوب ليكون مهرًا وثمناً للوحدة هو أمر آخر بخلاف السلطة والثروة وقد تم الوفاء بهما وتوفيرهما لهم بشكل كامل. فكل ذي بديهة وعقل يجب أن يدرك وأن يكون لبيباً فيعرف ماذا يريد هؤلاء ثمناً للوحدة، هذا الثمن ليست له علاقة بالجنوب من إيجاد تنمية وتطوير خدمات وترقية أوضاع بالجنوب. فهو إذن أمر متعلق بالشمال لو أعطاه الشمال لهم جاءت الوحدة طوعاً وجرياً على ساقين لينهض من جديد مشروع السودان الجديد الذي ظل يتراجع يوماً بعد يوم حتى اختفى أخيراً من قاموس الحركة ويممت وجهها شطر الجنوب تسعى وتريد انفصاله. مشروع السودان الجديد الذي كان حلماً طال انتظاره والقتال لأجله طيلة تاريخ الحركة الشعبية التي ما انفك قائدها السابق جون قرنق منذ تمرده حتى آخر لحظة من حياته يعمل لتحقيق هذا المشروع، وبعد أن أدركوا استحالة ذلك تراجعوا إلى جنوبهم. يريدون أن يكون مهر الوحدة وقربانها هو هوية هذه الأمة دينها ومعتقدها وشريعتها، إذن هل عرفتم الثمن الحقيقي المطلوب للوحدة حتى تصبح خياراً جاذباً وممكناً؟ بل هل عرفتم حجم المأساة والابتلاء والمحن التي جرتها اتفاقية السلام المعروفة باتفاقية نيفاشا، فقد رأيتم بأم أعينكم وسمعتم بآذانكم ما ترتب على هذه الاتفاقية المسماة ظلماً وجوراً باتفاقية السلام والسلام منها براء، السلام الذي يعني الطمأنينة والسكون والهدوء والوئام فإني استحلفكم بالله هل رأيتم أي سلام واتفاق وطمأنينة وهدوء ووئام منذ أن قدم هؤلاء القوم يمتطون ظهر هذه الاتفاقية، هل رأيتم ذلك، أصدقكم القول أنا لم أرى أي شيء من ذلك. فهل تصدقوني القول أنتم كذلك؟ أنا رأيت شراً كثيراً ترتّب على هذه الإتفاقية ليس على الشمال فقط بل الجنوب كذلك. فما هو حال الشمال والجنوب قبل الاتفاقية وحالهما الآن. الجنوب ازداد بؤساً وتخلفاً وتردياً واحتراباً. والشمال ظل طوال الوقت منشغلاً وملهياً بهذا الملف وتراجيديا ومسرحيات الحركة الشعبية التي ما انتهت من واحدة إلا جاءت بأختها، وهكذا حتى اليوم. فيقول قائل إن الاتفاقية أوقفت الحرب التي أصبحت في ركن قصي وقتها وكانت الحركة أقرب لأن تلفظ أنفاسها لكن فلنقل نعم أوقفت الاتفاقية الحرب فكان ذاك ابتلاء، لكن ماذا جرّت هذه الاتفاقية للبلاد من ابتلاءات أخرى جعلت هؤلاء القوم يساوموننا على ديننا بعد أن قاتلوا عشرين عاماً ولم ينالوا شرف الدخول لمدينة رئيسية واحدة بالجنوب، والآن يحكمونه بأكمله، نعم يساوموننا على ديننا فضلاً عن كونهم أضاعوا علينا زمناً غالياً في خلافات ومغالطات وجدل وتشاكس بل وتآمر على الدولة والبلد. وقت الحرب كان الخلاف والتآمر والتنسيق والتحالف من أعداء البلد من الغابة وخارج الحدود لكن يتم هذا الآن ومن داخل البلد بل ومن داخل مؤسسات الدولة وبإمكانات الدولة وفي وضح النهار!! ودونكم تصريحات رئيس الحركة وأمينها العام في كل المنابر وماذا يفعل الآن أمين عام الحركة باقان أموم في أمريكا، وإلى ماذا يدعو وبأي شيء يطالب وماذا قال عن الحكومة والسودان الشمالي هل سمعتم يوماً واحداً كلمة واحدة قالها هذا الباقان منذ وطئت أقدامه أرض هذا البلد هل لمستم منه ولو مرة واحدة أي روح إيجابية أو خطوة إلى الأمام في اتجاه التصالح، هل لمستم منه غير كراهية زائدة وحقد دفين؟ إذن ماذا ترجون من شعب هذه قيادته فكل هذا التطاول والطغيان جرته علينا الاتفاقية إياها. فثمن الوحدة المطلوب هذا دونه المهج والأرواح وأقرب منه دخول إبليس إلى الجنة ولكن ماذا أنتم فاعلون وهل ما زال القادة وأهل السياسة يرجون ويعملون لأجل الوحدة وقد اتضح ثمنها ومهرها المطلوب فأنتم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما إن تدفعوا هذا المهر وتسددوا ذاك الثمن وهو غالٍ ونفيس ومحرم أو تكون الأخرى طلاقاً بائناً بينونة كبرى وهو ما نرغب فيه ونعمل له.. أخيراً سؤال نوجهه لسلفا كير عن قناعاته بالوحدة لماذا لم يدعُ شعبه للتصويت لصالح الوحدة طالما هذه هي قناعاته بل يقاتل دعاة الانفصال فهو القائد، والقائد يدعو الناس إلى فكره وقناعته وكيف يجلس القائد في الصفوف الخلفية ويدع الآخرين يقومون بهذا الدور! وكيف نتخيل وجود قائد يجلس في المقاعد الخلفية، فهذا تناقض صريح يؤكد أن هذا القول هو مجرد استهلاك سياسي ومخادعة يقتضيها الظرف الراهن حتى يزيد توهم الحالمين بالوحدة لحين الوصول إلى الميس وهو الاستفتاء. من كل هذا وذاك هل عرفتم لماذا جاء منبر السلام العادل؟ فتبينوا معنى الاسم السلام العادل واطلعوا على وثائقه وفكره وطرحه. ثم هل عرفتم بعد كل هذا الرهق والضنى السياسي والمادي والمعنوي، وغيره، لماذا لم تصبح الوحدة جاذبة.. إذا عرفت فالزم.
الحصدر: صحيفة الانتياهة الاثنين 21 يونيو 2010م