لن ننسى عام 1989م وثورة السودان التي اقتلعت نظام تهاوى للسقوط ولم نفعل أكثر من رفع الصنم القديم ليسقط على الأرض!! حينها تجرع الياس الهراوى في لبنان كأس تجرعها من قبله النواب الموارنة الطامحون كلما انتخب لهم زميل رئيساً لجمهورية لبنان الديمقراطية التي أحبها السودانيون لأسباب بعضها نجهله والبعض الآخر نلم بأطراف منه وللعشق أسباب بعضها يُرى بالعين المُجردة وآخر في الخاطر والبال ولبنان التي أحبها الشعب السوداني هي لبنان رفيق الحريري ونبيه بري وميشال عون وحسن نصر الله وأولاد حبيقه الذين وضعوا بصمات في التاريخ العربي المشوه بالأدران والرذائل المليء حتى الثمالة بالخيبات والانكسارات وللبنان منها حظ ونصيب.. وهي أي لبنان كانت تطبع لنا الإنتاج الفكري المصري وستينيات القرن الماضي أشاع بعض الوراقين في شارع الحمراء ببيروت وفي شارع أبو نواس في بغداد وقبالة مسجد السيّدة زينب في القاهرة مقولة صدّقناها نحن السودانيين فهل سمعها لبنان «القاهرة تكتب وبيروت تطبع والخرطوم تقرأ.
..ولكن لبنان كانت أيضاً تكتب وتقرأ وتطبع وليست «حمالة حطب» في جيدها حبل من مسد!! كانت بيروت لنا في السودان مثالاً يحتذى لأنها تصدر لنا الكُتاب والأفكار والثقافة والفنون والآداب والمقاومة الناعمة للاستيطان الإسرائيلي والمقاومة الشرسة لليهود ودولة إسرائيل ونحن نقرأ في صحائف كامل مروة الذي أسس صحيفة الحياة ونقرأ للمسيحي عمرو عبد السميع ولانميز بينه وفؤاد مطر وقصة استشهاد الرئيس بشير الجميل بعد 71 يوماً على انتخابه والصدمة كانت على الخرطوم التي لا تعرف في تاريخها الاغتيالات ولم يتقدّم رئيس لدينا باستقالة مكتوبة على ورق (مسطر) مثل كراسات تلاميذ الأساس والابتدائية مثلما فعل الرئيس الحُص وانفجارات طرابلس وأشلاء الجثث.. كيف لنا تبرير الجوار الدائم للعنف والثقافة في لبنان الموت على الشرفات والحياة تحت صقيع بيروت التي تقاوم الاحتلال الإسرائيلي ولا تملك قوة عسكرية مثلما يملك الرئيس الصومالي سياد بري حفنة من الجنود الفاسدين أصبحوا فيما بعد جنرالات حرب وسلام وقراصنة بحار ومتمردين في الياسبة.
هم حفنة من البشر
بيروت عاصمة تجيد الاحتفاء رغم الرصاص والدم والموت وحرب الكتائب والاحتلال الإسرائيلي لنصف الأرض الجنوبية من لبنان.. لكن بيروت تصادر الأفراح لنفسها وتستكثر على السودانيين الاحتفال «خيرياً» ليذهب عائد وحصيلة الحفل لصالح علاج طفل أصابه مرض السرطان وفي كل الدنيا وأركانها لم تنجب الأرض سلطاناً أو نظاماً يتمسح بالديمقراطية أو تنجبه صناديق الانتخابات يصادر حرية الناس في الغناء والرقص والمناسبة حزينة جداً رجل مسكين (غلبان) لا يستطيع تحمّل نفقات علاج ابنه لجأ بعض الأصدقاء لإقامة احتفالية.. لكن جنود لبنان الذين لم يقاتلوا في الجنوب ولم يثير مشاعرهم الاحتلال الإسرائيلي للأرض العربية لم يجد عتاة البوليس اللبناني من مجرم يقبضون عليه وضحية يقدّمونها للسادة الكبار إلا مداهمة الاحتفال السوداني.. بيد أن جنود لبنان البنادق والعصي والأحذية المتسخة والقلوب التي لم تهنئ يوماً لما صنعته الفلسطينية ليلى خالد ولا الفلسطينية سهيلة السايح اندراوس حينما نفذت عملية مطار عنتبي وعملية ميونج تحت تأثير خطاب وديع حداد وجورج حبش والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين ولم يقرأ جنود الأمن اللبناني قصة اختفاء الإمام موسى الصدر في طرابلس الأخرى ولا قصة صبري البنا الذي قد لا يعلم مدير الأمن اللبناني أن اسمه الذي اشتهر به «أبو نضال» كان العرب يدخلون دار لبنان وهم أكثر اطمئناناً لما يقولون في صحف لبنان وليالي لبنان ومقاهي لبنان قبل أن تصبح بيروت مكاناً يتعرّض فيه السودانيون للضرب والركل والإساءة العنصرية..
ولا يردد السودانيون وهم يُضربون في لبنان كالعصافير بين أيدي الصيادين..
قسماً بملتقى النيلين
والشعب الدواس الأسمر
حفيف الأجنحة ملتقى الأنهار
صدق الثائر «مالكولم اكس»
أدرنا الخد الأيمن والأيسر
لتلقي صفعات «سيسل رودس»
وجنرال أطمس والمستر «هاو»
حاكم عام أرض لبنان
وجيلي عبد الرحمن الذي كتب تلك الأبيات من العاشقين لأرض الكنانة وفي الكنانة قبالة مسجد السيدة زينب بنت علي بن أبي طالب يضرب السوداني ويعذّب ويُركل بالأحذية السوداء المتّسخة وقبر السيدة زينب يئن من الغضب وهي من كتب المراثي الزينبية تلك المراثي الشهيرة في مقتل ابن سيدنا علي في كربلاء والنجف وأصبحت المراثي الزينبية من بعد تشكل تراثاً أدبياً يناجي به الشيعة الأثنى عشرية في الليالي وصبغ الحزن سلوك الشيعة وحتى ملابسهم السوداء أما نحن السودانيين وكل من على شاكلتنا فنحن مجرمون بالفطرة فلماذا لا يضربنا الأمن اللبناني ونحن من اغتال كل الحرائر في لبنان ونحن من شوّه وجه المدينة البيضاء بهذه البشرة السوداء القادمة من أفريقيا لم ولن يشفع لنا لسان عربي مُبين وانتماء للجامعة العربية كخيار اختاره الآباء الأوائل للاستقلال ونحن نتبع أبناءنا وأجدادنا وما ألفناه عليهم.
عندما تصبح الأفراح في لبنان بيد وزارة الداخلية أو يشترط حصول تصديق من وزارة الصحة أو وزارة التجارة والتموين تصبح بيروت بلدة إذا زرعت فيها شجرة يبست غابة وإذا حصدت سنبلة واحدة تُصاب بلعنة تجعلك جائعاً أبد الدهر وإذا حفرت خندقاً صغيراً انفتحت الأرض هاوية سحيقة.
كانت بيروت في ذلك المساء جحيماً لا يُطاق على السودانيين يتأوهون من السياط على ظهورهم وهم يتذكرون في كتب التاريخ القديم أن لبنان هي من أنجب عنترة بن شداد وهي من يحتفي دون كل العواصم العربية بطرفة ابن العبد ولأن طرفة ابن العبد في مخيلة الأمن اللبناني أسود اللون وهم يبغضون التاريخ القديم ولا يحبون استعادة ذكريات لوركا وكمال خير بك وكل حملة الأكفان الممزقة واللبنانيون الذين يضربون السودان يسارعون في الخرطوم احتجاجاً على أن بضعاً من السود حرقوا العلم اللبناني.. وما كان لهؤلاء الغاضبين حرق العلم اللبناني الذي يستحق أن نحمله على الأكتاف ونضعه في الصدور لأن السودان لا ينسى فضل لبنان عليه وهي التي تستثمر في المطاعم وتأتي إلينا بثقافة الشيش كباب والبيرقر والمشويات ولبنان علمتنا المطبخ الحديث والحلويات ولكن لبناناً يضيق صدرها وقلبها بشعب أسود جاء من بلاد يستطيع رئيسها أن يرفض الركوع أمام أحذية رعاة العجول الأمريكان ورئيس دولة تطلبه فرنسا ومن يمشي إلى جوار فرنسا ويقول رئيس للسودان لا ..
آلاف السودانيين الذين لجأوا لبعض الدول العربية والدول نصف العربية والدول ربع العربية آن لهم العودة للخرطوم التي مهما بلغ بها الجوع فإن بنات الخرطوم لا يأكلن بأثدائهن وهذا وحده يجعل الأمن اللبناني يُمارس هذه البربرية والوحشية في زمان تقول فيه بيروت لمن يحبها ولمن يرغب في عينيها..
أنا الإنسان الحضاري ذو الغرة الكستنائية حامل العقيدة والمشط وأوراق الزكام..
لقد مضى عهد وجاء عهد جديد..
شكراً لبيروت وهي تعلمنا درساً جديداً في الانتماء للعروبة وثمنه بؤس خيارات النازحين والفارين لأسباب لاعلاقة لها بالحرب في دارفور أو الجنوب وإلا كيف النزوح أو اللجوء لدولة عاشت الحرب وتعيش على الحرب ولا تعد جيشاً ليحمي حرائرها.
المصدر : صحيفة أخر لحظة الاحد 27 يونيو 2010م