حققت الوساطة القطرية اختراقاً مهماً لجهة حل قضية دارفور وتوج أحمد عبد الله آل محمود وزير الدولة بالخارجية القطري وجبريل باسولي الوسيط الدولي المشترك (لمفاوضات الدوحة) جهودهما بإقناع عبد الواحد محمد نور رئيس حركة تحرير السودان بالتفاوض مع الحكومة والمبدأ الذي ظل يرفضه منذ العام 2005م عندما وقعت الحكومة اتفاقاً في أبوجا مع زميله السابق في الحركة مني أركو مناوي.
ويأتي موقف عبد الواحد الجديد من المفاوضات في ظل ضغوط فرنسية عليه للالتحاق بمفاوضات الدوحة. وطرح الحكومة إستراتيجية جديدة للتفاوض مع التمسك بمنبر الدوحة. وقرب أفول نجم د. خليل إبراهيم رئيس حركة العدل والمساواة بعد طرده من تشاد في مايو الماضي ووجوده في طرابلس بعيداً عن قواته التي فقدت موقعها الإستراتيجي في جبل مون.
وبدت باريس التي تعرضت لانتقادات لاستضافتها لـ (نور) في أراضيها أكثر سعادة وقال بيرنارد كوشنير وزير الخارجية الفرنسي في حفل العشاء الذي أقامة على شرف آل محمود وباسولي مساء الخميس بحضور نور، إن موقف نور هو ثمرة جهود استمرت.. لعدة شهور وأعرب عن أمله في أن يلتحق «نور» بالمفاوضات قريباً.
لكن يحفظ الوسطاء الدوليون والرئيس النيجيري أبوسانجو «مواقف مترددة» لنور عند اتخاذ القرارات الخاصة بالسلام فرئيس حركة تحرير السودان الذي طالبه الأسبوع الماضي إبراهيم قمباري بمغادرة مسكنه المريح في باريس والمجيء إلى الدوحة لحل مشكلة دارفور كان قاب قوسين أو أدنى من التوقيع على اتفاق أبوجا في مايو 2005 م، ويقول محمد عبد الله آدم أحد قيادات الحركات المسلحة التي انحازت إلى السلام مع كبير مفاوضي حركة عبد الواحد وقتها البروفيسور الراحل عبد الرحمن موسى الذي أسس فيما بعد حركة تحرير السودان «الإرادة الحرة» التي أصبحت جزءاً من اتفاقية سلام دارفور (أبوجا) بجانب مني أركو مناوي يقول إنه عندما بدأت مراسم التوقيع على الاتّفاقية بالقصر الرئاسي لاحظ الحضور بمن فيهم الرئيس النيجيري آنذاك أبوسانجو ارتباك نور فطلب من الوساطة منحه الوقت للتشاور مع «أحمد حمدين» أحد قيادات حركته المقيمين في كندا. ثم طلب مرة أخرى إعطاءه مهلة للاجتماع - بقيادة حركته فرد عليه المبعوث الأمريكي روبرت زوليك وبعنف «أنا أمثل دولة عظمى ويجب ألا تخرج للتشاور مرة أخرى» مما جعله يعود للصالة ومن ثم طلب أعطاءه مهلة للتفكير فقط فرد عليه أبوسانجو بعنف أيضاً وقام بطرده من القصر الرئاسي.
وقال أحمد : إن نور كان يريد التوقيع على الاتفاقية لكن هناك جهات ظلت تمارس الضغط عليه موضحاً أنه عندما تأكدت قيادات الحركة بأن عبد الواحد سيوقع على الاتفاقية انسلخوا من حركته وكونوا مجموعة الـ (19). بقيادة خميس أبكر وأبو القاسم مفوض التعويضات بالسلطة الانتقالية، القائد جار النبي بحركة التحرير والعدالة ذكر أنه في ذلك الوقت. عندما علم خليل إبراهيم رئيس حركة العدل والمساواة أن نور لن يوقع على الاتفاقية هتف «الله أكبر.. هذا هو الموقف الصحيح» وذكر أن عبد الواحد ظل يتخذ موقفه حيال التفاوض مع الحكومة بناءً على التأثيرات الخارجية ويرفض المفاوضات رغم أنه لا يملك البديل العسكري. كما أنه يجد الرعاية والدعم الأوربيين خاصة من فرنسا. واعتبر موقف باريس الأخير تطوراً مهماً في ملف دارفور. وهو دليل على إنتهاج الدول الداعمة لـ (نور) سياسة جديدة تفضي إلى سلام دارفور.
ووصف الخبير الاستراتيجي الدكتور عمر مهاجر التطور الجديد في مواقف عبد الواحد التي كانت (متعنتة) في السابق وقوله إنه مستعد للتفاوض في (الخرطوم) أو (الدوحة) حال قبول الحكومة حزمة مطلوبات ذكر منها توفير الأمن ووقف العنف والهجمات ونزع السلاح في دارفور وصفه بأنه يسترعي الانتباه لأن عبد الواحد ظل أسيراً لوجهة النظر الأمريكية والإسرائيلية خاصة فيما يتعلق بدارفور وقال إن الخطوة تمت بعد أن طبخت داخل (الدهاليز) في الغرب بواسطة الدول العظمى وأنها لم تكن وليدة صدفة، مشيراً في ذلك إلى ان برنارد كوشنير وزير الخارجية الفرنسي أكد أن عبد الواحد محمد نور مستعد للمشاركة في مفاوضات الدوحة لتحقيق السلام في دارفور وان (كوشنير) هذا يمثل الوجه الآخر للرئيس الفرنسي ساركوزي اذن أن الخطوة جاءت بموافقة ودفع الدول الغربية وليس بقناعة مطلقة لعبد الواحد مبيناً أن الاستراتيجية الجديدة التي انتهجتها الحكومة السودانية في التعامل مع أزمة دارفور بالاتجاه إلى المعالجة الداخلية والتركيز على التنمية أثرت في الاستراتيجية الغربية تجاه الأزمة ورؤية عبد الواحد نفسه لأن تلك الاستراتيجية حال تنفيذها ستؤدي إلى الاستقرار في دارفور وهذا ما يفقد الجهات التي تعمل لتأزيم القضية وهي (إسرائيل - أمريكا - فرنسا) لأن هدفها لا يتحقق إلا باستمرار أزمة الاقليم وهي ترى أن عبد الواحد هو اللاعب الأساسي لتحقيق ذلك لكن يبدو أن التطور الجديد باتجاه الحل من خلال استراتيجية الحكومة من الداخل بالتركيز على التنمية والمفاوضات من خلال منبر الدوحة مع فصيل يرأسه الدكتور التجاني سيسي رئيس حركة التحرير والعدالة صاحب الثقل القبلي المعروف والقبول وسط أهل دارفور بجانب أنه ينحدر من القبيلة التي ينحدر منها عبد الواحد نفسه بجانب اتجاه الحكومة لتعويض المتضررين. شعر عبد الواحد وداعموه بأن تلك الخطوات ستسحب البساط من تحت أقدامه خاصة وأنه لا يعتمد على العمل العسكري لاعتماده على المعسكرات الذين هم أيضاً ملوا الوعود والانتظار وأنا أقول إن ما قاله عبد الواحد بأنه مستعد حتى للتفاوض في الخرطوم مناورة لأنه خاف أن تفلت المعسكرات من بين يديه حال مجيء (سيسي).
المصدر: صحيفة أخر لحظة الاربعاء 14 يوليو 2010م