وصفت وسائل الاعلام الدولية مشاركة (13) بلداً افريقياً فرانكفونياً فى الاحتفال والعرض العسكرى المصاحب للعيد الوطني الفرنسي بأنها مشاركة مثيرة للجدل، فبعد خمسين عاما تقريبا على استقلال البلدان الافريقية من الاستعمار الفرنسى يأتى الزعماء الافارقة والجيوش الافريقية الى جادة الشانزيليزيه بباريس ويدخلونها ليسوا فاتحين وانما محتفلين مع المستعمر السابق وتحت زخات المطر شاركت الوحدات العسكرية الافريقية المشكلة من بلدان بنين وبوركينا فاسو والكاميرون وافريقيا الوسطى والكونغو والغابون ومدغشقر ومالي وموريتانيا والنيجر والسنغال وتشاد وتوغو في الإستعراض، فى لوحة اراد لها الرئيس الفرنسى نيكولا ساركوزي ان تكون اعترافاً بالدم الاسود الذى أُريق دفاعاً عن التراب الفرنسي في الحربين العالميتين الأولى والثانية، واحتفالاً بالعيد الخمسين لحصول هذه الدول على استقلالها من فرنسا وأثارت دعوة الرؤساء الأفارقة الفرنكفونيين جدلا سياسيا وانتقادات واسعة فى الاعلام الفرنسى فقد احتجت منظمات مدافعة عن حقوق الإنسان على وجود عسكريين من بين الذين دعتهم فرنسا ملاحقين بسبب جرائم حرب ارتكبوها وهم ملاحقون بشأنها، فيما دعت (80) منظمة إلى تجمع في ساحة الجمهورية عشية العرض العسكري لرفض وجود أشخاص لطخت أياديهم بدماء شعوبهم.
دعوة الرؤساء الافارقة الى الاحتفال بالعيد الوطنى الفرنسى أثارت الجدل مجدداً حول سياسة فرنسا الخارجية تجاه افريقيا، واتهمت صحف اليسار الفرنسى الرئيس ساركوزي بإعادة إحياء السياسة الاستعمارية القديمة، باحتواء رؤساء البلدان الافريقية ومحاولة السيطرة عليهم، بينما ذهبت صحف اخرى الى انتقادات الاسلوب والجهات التى تدير سياسة فرنسا الافريقية فى عهد الرئيس ساركوزى حيث يتهم بعض الخبراء الحكومة الراهنة باللجوء إلى أشخاص يلتفون ويتجاوزون على وزارة الخارجية والبعثات الدبلوماسية في التعاطي مع القادة الأفارقة. وكان سفير فرنسا السابق في السنغال جان كلود روفان قد أثار عاصفة قبل أيام، عندما قال في مقابلة مع صحيفة «لوموند» إن كلود غيان، أمين عام الرئاسة، هو المشرف الفعلي على سياسة فرنسا الأفريقية على حساب وزارة الخارجية.
ومن جهتها، نددّت صحف الدول الإفريقية التي شاركت في الاحتفال الفرنسي بتلك الخطوة، وتساءل صحفي سابق في أسبوعية (جون افريك) قائلاً: هل يعقل أن تقوم بريطانيا بدعوة الرئيس الأمريكي للمشاركة في لندن باستقلال الولايات المتحدة.
بعض المراقبين رأى فى دعوة ساركوزى لبعض الرؤساء الافارقة اشارات رضاء من باريس للقادة الافارقة الذين حظوا بالدعوة بينما نجد ساحل العاج، التي تشهد برودة في علاقة رئيسها لوران غباغو مع باريس على خلفية تأجيله المتكرر للانتخابات الرئاسية مستبعدة جزئياً، فكان تمثيلها من خلال وزير الدفاع والذى جاء من غير جنوده فكانت المشاركة العاجية هامشية بالنظر الى العلاقات التاريخية بين البلدين، اما رئيس مدغشقر اندري راجويلينا فلم توجه اليه دعوة للمشاركة في العرض العسكري بسبب طعن باريس بمشروعيته، كونه وصل السلطة عن طريق انقلاب غير مشروع، الا ان جنوده شاركوا في الاحتفال.
قدم موقع يورو نيوز بمناسبة الاحتفال ايجازاً تاريخياً لخروج الاستعمار الفرنسى من افريقيا ولكن ظل التشابك قائماً وطبقاً للإنجاز حصلت الكاميرون فى يناير من العام 0691على استقلاها في الأشهر القليلة التي تلت إعلان سبع عشرة دولة إفريقية استقلالها من بينها إثنتا عشرة دولة مستعمرة من طرف فرنسا،ففي الفترة الممتدة بين أغسطس ونوفمبر من العام 1960 أعلنت كل من السنغال وتوغو ومدغشقر والكونغو وبنين والنيجر وبوركينا فاسو وساحل العاج وإفريقيا الوسطى والغابون ومالي وموريتانيا استقلالها عن فرنسا.
العقود التي تبعت استقلال هذه الدول شهدت اضطرابات سياسية ونزاعات حدودية فضلاً عن أزمات اقتصادية إلا أن فرنسا حافظت على نفوذ سياسي قوي في هذه الدول رغم انسحابها منها عسكريا. هذا النفوذ الذي تطور لاحقاً ليصل اليوم الى ما بات يعرف بمصطلح (فرنسا إفريقيا) و هو يعكس مدى تشابك العلاقات والمصالح بين فرنسا ومستعمراتها السابقة.
الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي ظل يؤكد على أهمية مراجعة العلاقات الفرنسية الإفريقية على أساس المصالح الفرنسية وفي زيارة إلى تشاد العام 2008 أعلن ساركوزي عن رغبته في وضع أسس شراكة جديدة مع إفريقيا تقوم على مبادئ التعاون المشترك وخدمة مصالح هذه الشعوب.
المصدر: صحيفة الرأى العام 18 يوليو 2010م