حينما ضُمِّن بند تقرير المصير في اتفاقية السلام، أبدى طرفا الاتفاقية حرصهما على جعل خيار الوحدة جاذباً وفقاً لما ورد في ثنايا تفاصيل الاتفاق وحينئذ جددت الحركة الشعبية تمسُّكها بأطروحاتها المبدئية القائمة على قيام مشروع السودان الجديد وشرعت في تنزيل أفكارها النظرية إلى الإطار العملي من خلال تأسيس مؤسساتها التنظيمية في الشمال والجنوب على حد سواء، لكن بعد وفاة زعيمها د. جون قرنق برزت تيارات داخل التنظيم السياسي الوليد، تباينت رؤيتها حول جملة من المسائل المصيرية كان من بينها مسألتيْ الوحدة والانفصال، وتدريجياً قاد هذا التباين إلى انحياز قيادات وحدوية إلى الانفصاليين في الحركة، ومنذئذ أصبح خطاب النُّخب السياسية يؤثر على توجهات العامة التي بدأت تتبنى هذه الدعوة والرؤية. المؤتمر الوطني كذلك على ما يبدو كان يضم بداخله تيارات مختلفة في توجهاتها حيال موضوع الوحدة والانفصال وعندما فشلوا في التوصل إلى رؤية موحدة حاول كل تيار التمسك بمواقفه، أما القوى السياسية المعارضة فقد اكتفت بتحميل المؤتمر الوطني مسؤولية تغليب خيار الانفصال على الوحدة إضافة إلى عدم سعيه لتحقيق مطلوباتها، لكن في الوقت الذي بدأت فيه كل الدلائل تُشير إلى ترجيح كفة الانفصال وشرع الشريكان في مناقشة قضايا ما بعد الاستفتاء في اجتماعاتهما الخاصة، أعلن المؤتمر الوطني تبنيه موضوع جعل الوحدة جاذبة وضمّن هذا الهدف في أجندته الانتخابية.
بعد الانتخابات أعلن الرئيس البشير نفير الوحدة، بينما أبدى نائبه علي عثمان استعداده للاستقرار في الجنوب كما ورد في الإعلام. وبالمقابل خففت بعض قيادات الحركة الشعبية المعروفة بتوجهاتها الانفصالية من حدة خطابها السابق ودخل الشريكان الأسابيع الماضية في اجتماعات قيل أنها تسعى لترتيب قضايا ما بعد الاستفتاء لم تُنشر تفاصيلها للعامة، لكن هناك حديث عن تنازلات تمت ومساومات من أجل الوحدة كانت سبباً في اقناع الجنوبيين، هذه التحولات في المواقف جعلت الناس يجزمون بأن هناك مستجدات طرأت على مواقف الشريكين مؤخراً خاصة المؤتمر الوطني، فيما حاولت مجموعة أخرى البحث عن الأسباب التي دعت إلى اتخاذ هكذا خطوة، حيث أرجع بعضهم هذا الأمر إلى المخاوف التي أصبحت تنتاب السلطة الحاكمة في الشمال من تعاظم رغبة المجتمع الدولي في فصل الجنوب عن شماله، وربما التفكير مستقبلاً في إلحاق أقاليم أخرى وحينها ستخضع البلاد لخطة خارجية قد تنتهي بتقسيم السودان إلى دويلات، آخرون تحدثوا عن اتفاقيات تمت بين الشريكين، لحل مشاكل البلاد مع بعضهما البعض ممثلة في مشاكل المهمشين والصراعات القبلية في الجنوب إلى جانب القضايا المعقّدة والمشتركة بين الشمال والجنوب لا سيما أن العالم الآن أصبح يتجه نحو التوحُّد وليس الانفصال. وهؤلاء لم يستبعدوا أن تكسب الوحدة الرهان رغم اقتراب موعد الاستفتاء طالما أن السياسة قائمة على المتغيرات التي يمكن أن تحدث في أي وقت وتحكمها المصالح دون التقيُّد بالثوابت، هذا على المستوى العام.
على مستوى المختصين كذلك دعونا نرى ماذا قال المراقبون عن ما يتم الآن بين الشريكين من أجل الوحدة ودواعي التحولات وما المطلوب عمله لتحقيقها؟
د. إبراهيم ميرغني عميد كلية الاقتصاد جامعة الأزهري أكد أن ما يتم الآن هو محاولة اللحاق بركب الوحدة بعد تقدم قطار الانفصال والدليل على ذلك أن المؤتمر الوطني والحركة الشعبية يتحدثان الآن عن ماذا يجب فعله بعد الانفصال لكن في ذات الوقت لم يستبعدا امكانية تجاوز التحديات الموجودة وتحقيق الوحدة مع الشمال وربط ذلك بابتعاد المؤتمر الوطني عن سياسته الرامية إلى عزل القوى الشمالية المعارضة عن المشاركة في هذا الموضوع، وكذلك ابتعاد الحركة الشعبية عن عزل القوى الجنوبية وطالب القوى الحزبية الأخرى بلعب دور فاعل من أجل الوحدة إذا كانت وما تزال فاعلة وتمثل قوى جماهيرية ومدركة لدورها والحال هكذا بالنسبة للأحزاب الجنوبية، مضيفاً أن التنظيم الوحيد الذي يعمل من أجل التوازن هو الحركة الشعبية التغيير الديمقراطي وليس لصالح الوحدة لكن لمعاكسة الحركة الشعبية لتحرير السودان.
وحذّر ميرغني من الآثار الاقتصادية السالبة التي سيفرزها الانفصال عند حدوثه عندما قال البترول يمثل 60% من الدخل القومي وهذا الأمر سينعكس على الميزانية، وتساءل هل إذا حدث انفصال ستكون المفاصلة ناعمة أم خشنة؟ لأن أي صراع سيؤثر على الاستقرار في الجنوب والشمال وربما يحتاج الجنوب إلى تدخل قوى خارجية بالإغاثة والسلاح وهذا معناه الغرق في مستنقع التدخلات الأجنبية اجتماعياً سيكون الانفصال بمثابة الحدث الكارثي لأن هناك أعداد كبيرة من الجنوبيين يعيشون في الشمال ولا أحد يستطيع التكهن بموقف الشمال تجاه هذه الشريحة، كذلك الشماليين في الجنوب على قلتهم لا أحد يعلم مصيرهم إذا انفصل الجنوب وتعتبر الجنسية من الموضوعات المعقّدة التي ستحتاج إلى إعادة نظر ووفقاً للوضع الجديد هل سيُمنح الجنوبيين الجنسية القديمة أم أنها ستُلغى؟ وتأتي بعد ذلك مسألة القبائل حيث لا تسمح القوانين للدولية بطرد الشمال للمواطنين الجنوبيين الذين ولدوا في الشمال وهذا يعني أن الشمال سيُعاني من ضغوط المجتمع الدولي عند الانفصال.
ومن جانبه أرجع دكتور حيدر إبراهيم مدير مركز الدراسات السودانية التوجُّه الجديد نحو خيار الوحدة إلى علو صوت التيار الوحدوي هذه الأيام داخل المؤتمر الوطني على حساب التيار الانفصالي الذي كان يرى ضرورة ذهاب الجنوب غير مأسوفاً عليه، بعدما كان هناك سوء تقدير لازم سياسات الحزب خلال السنوات الماضية فيما يخص قضية الجنوب.. برز ذلك من خلال الأطروحات المتقاطعة لهذه التيارات وأشار على أن دليل انتصار تيار الوحدة وضح من خلال إغلاق صحيفة «الانتباهة» ولم يخف تخوُّفه من تأثير قيادات التيار الانفصالي في الجنوب على نتيجة الاستفتاء على ضوء المظاهرات التي لم تكن عفوية «حسب قوله» وحصر التحديات التي تواجه مشروع الوحدة في عدم توفر الإرادة الوطنية لدى الشريكين بجانب الجدل الدائر حول نظام الحكم في الشمال وربط تحقيقها بتنازل المؤتمر الوطني عن خيار الدولة الدينية وتوفير ضمانات العدالة والمساواة.. وتطابقت وجهة نظره مع د. إبراهيم ميرغني الذي أشار إلى أن الحركة الشعبية قالت إن ما يجبرها على الانفصال هو تمسك المؤتمر الوطني بنظام الحكم وحديثه عن أن السودان العلماني خط أحمر وهذا يؤكد أن سبب الكارثة وجود الصراع بين البرنامجين وكلاهما فشلا عسكرياً وسياسياً ولهذا السبب حدثت المواجهة وكان الخيار الوحيد هو التقسيم وإذا تنازل المؤتمر الوطني عن الشريعة يمكن أن تكون هناك وحدة.
المصدر: صحيفة الاهرام الثلاثاء 27 يوليو 2010م