المقالات   | التقارير   | الأخبار   | دليل الباحث السوداني   | الباحثون  

 

 

 
 

الراصد مؤسسة ومجموعة بحثية علمية تهتم بتوثيق وإنتاج ونشر المعرفة وهى مؤسسة طوعية مستقلة غير حكومية تدير أعمالها عبر مجموعة مراكز، بطاقم عامل ومتخصص في مجالات عدة في مذاهب العلوم والمعارف، المزيد عن الراصد

 
     

التقارير


تقدير الكيان الصهيونى للوضع فى المنطقة .. متبقي

سادساً : الساحة المصرية

وزير الأمن الداخلى الإسرائيلي آفي ديختر وفى حديثه عن الساحة المصرية إختار أن يركز على ما أسماه ما ينعم به البلدان إسرائيل ومصر من سلام شامل وعلاقات أكثر من طبيعية هذه القناعة التى تمور فى ذهن القيادتين السياسية والأمنية فى إسرائيل هى التى بلورت محددات السياسة الإسرائيلية تجاه مصر وأبرزها

- تعميق وتوطيد العلاقات مع مصر الرئيس المصري والنخبة الحاكمة الحزب الديمقراطي والوزراء والنخب الحاكمة والناظمة لحركة مصر ، النخب الإقتصادية (رجال الأعمال) والنخب الإعلامية والثقافية.

- توسيع قاعدة العلاقة مع المنظومة السياسية والإقتصادية والإعلامية من خلال الإرتباط بمصالح مشتركة تنعكس بالإيجاب على الجانبين.

- السعي لصوغ علاقة أقوى من النخب الإعلامية فى مصر بالنظر لأهمية دور وسائل الإعلام فى مصر فى تشكيل الرأى العام وبلورة إتجاهاته.

- من الطبيعى أن تكون هذه العلاقة تستند على مرتكزات قوية تسعى إسرائيل لنسج علاقة مع أقوى شخصيتين فى مصر هما اللتان ستتوليان مقاليد السلطة فى مصر بعد رحيل الرئيس الحالى حسنى مبارك وهما جمال مبارك نجل الرئيس المصري وعمر سليمان مدير المخابرات المصرية الذى أصبح له حضور واسع داخل مصر وخارجها .

بالتأكيد فإن من مصلة إسرائيل الحفاظ على الوضع الراهن ومواجهة أية تطورات لا يحمد عقباها ، أي حدوث تحولات مناقضة لتقديراتنا بإستمرار الوضع فى مصر فى حالة بعد رحيل مبارك أي التعايش مع إنتقال السلطة من الأب إلى الإبن. مع إنتهاء الحرب مع مصر رسمياً بعد إتفاقية كامب ديفيد 1979 فإن أحد الأسئلة المطروحة على القيادات الإسرائيلية السياسية والأمنية وبقوة : (هو كيف نحول دون حدوث تغير دراماتيكي فى مصر ؟) فيمكن حدوث تغيير وفق ثلاثة سيناريوهات هي:-

1. سيطرة الأخوان المسلمين على السلطة بوسائل غير شرعية أو خارج صناديق الإقتراع . هذا السيناريو المفترض يستند إلى تقييم بأن تدهور الأوضاع الإقتصادية والإجتماعية فى مصر قد ينعكس سلباً على قدرة النظام في التحكم بالوضع وفقدانه السيطرة الأمنية التى ما تزال هي الأداة الأكثر فاعلية فى ضبط الوضع الأمني الداخلي . مثل هذا التدهور قد يفضي إلى فوضى وإضطرابات سيجد الإخوان فيها فرصتهم لتحقيق هدفهم فى الوصول إلى السلطة .

2. حدوث إنقلاب عسكري: هذا السيناريو رغم إستبعاده فى المدى المنظور إذا ما ساءت الأوضاع فى مصر إلى حد خطير . وهذا ما يدفع قيادات شابة طموحة لركب الموجة والإستيلاء على السلطة . أعود إلى التأكيد بأن مثل هذا السيناريو يدخل ضمن السيناريوهات الإفتراضية فهناك أسباب وجيهة تجعلنا نستبعد مثل هذا الإحتمال .

3. أن يعجز خليفة مبارك سواء كان نجله جمال أو رئيس المخابرات العامة عن إدارة أمور مصر وحل أزماتها الداخلية البنيوية فتجر موجات من الفوضى والإضطرابات مثل هذا الوضع قد يدفع بالبلاد للبحث عن خيار أفضل وهو إجراء إنتخابات حرة وبإشراف دولي تشارك فيه حركات أكثر محورية وجذرية من حركة كفاية لتظهر على سطح خارطة التفاعلات الداخلية . ففى كل الأحوال عيوننا وعيون الولايات المتحدة ترصد وتراقب بل وتتدخل من أجل كبح مثل هذه السيناريوهات لأنها ستكون كارثية بالنسبة لإسرائيل والولايات المتحدة والغرب.

بالنسبة لإسرائيل : إنسحاب مصر من إتفاقية السلام وعودتها إلى خط المواجهة مع إسرائيل هو خط أحمر لا يمكن لأية حكومة إسرائيلية أن تسمح بتجاوزه وهي ستجد نفسها مرغمة على مواجهة الموقف وبكل الوسائل. ومن واقع توافر المؤشرات الميدانية التى تبين أن النظام فى مصر يعاني الآن من عجز جزئي فى إحكام سيطرته على الوضع بقبضة من حديد تقوم الولايات المتحدة وإسرائيل بتدعيم الركائز الأساسية التى يستند إليها النظام. ومن بين هذه الركائز نشر نظام للرقابة والرصد والإنذار قادر على تحليل الحيثيات التى تجرى جمعها وتقييمها ووضعها تحت تصرف القيادات فى واشنطن والقدس وحتى فى القاهرة. كما تحرص الولايات المتحدة وإسرائيل عبر ممثلياتها المختلفة فى مصر (السفارات والقنصليات والمراكز الأخرى) على إسناد حملة جمال مبارك للفوز بتأييد الشارع والرأى العام المصري ودعم أنشطته المختلفة الإجتماعية والثقافية ليكون أكثر قبولاً من والده فى نظر المصريين.

إن أى حديث عن أهمية تبنى إستراتيجية إستباقيه حيال مصر من قبل إسرائيل والولايات المتحدة هو تحصيل حاصل. نحن نطبق مثل هذه الإستراتيجية بالتعاون مع الولايات المتحدة . الولايات المتحدة أدركت منذ وطأت أقدامها مصر بعد وفاة عبدالناصر وتولي السادات زمام الأمر إنه لابد من إقامة مرتكزات ودعائم أمنية وإقتصادية وثقافية على غرار ما فعلته فى تركيا منذ الحرب العالمية الثانية. إنطلاقاً من ثقتها بهذه الركائز وقدرتها على لجم أية مفاجآت غير سارة تبدو إنها أقل قلقاً وإنزعاجاً منا . وتعتمد هذه الثقة الأمريكية على ما يلي:-

• إقامة شراكة مع القوى والفعاليات المؤثرة والمالكة لكل عناصر القوة والنفوذ فى مصر المتمثلة في الطبقة الحاكمة وطبقة رجال الأعمال والنخب الإعلامية والسياسية.

• شراكة أمنية مع أقوى جهازين لحماية الأمن الداخلي مباحث أمن الدولة والداخلية والقوات الخاضعة لها وجهاز المخابرات العامة.

• تأهيل محطات إستراتيجية داخل المدن الرئيسية مراكز صنع القرار القاهرة ، الإسكندرية ، الإسماعيلية ، السويس وبور سعيد.

• الإحتفاظ بقوة تدخل سريع من المارينز فى النقاط الحساسة فى القاهرة فى جاردن سيتي ، الجيزة ، القاهرة (مصر الجديدة ) بإمكانها الإنتشار خلال بضع ساعات والسيطرة على مراكز عصب الحياة فى القاهرة.

• مرابطة قطع بحرية وطائرات أمريكية فى قواعد داخل مصر وبجوارها فى القردقة والسويس وبناس.

نحن لا نزعم إننا حققنا مثل هذا المستوى فى توفير الضمانات التى بمقدورها أن تصد أية إحتمالات غير مرغوبة بالنسبة لإسرائيل فى الولايات المتحدة . نحن حققنا بعض الخطوات على الأرض لكنها ليست خطوات كبيرة وواسعة بوسعها أن تكبح أية تطورات مباغتة أو عاصفة وقوية. وعلى هذا الأساس قررنا أن نعظم ونصعد من وتيرة تواجد ونشاط أجهزتنا التى تسهر على أمن الدولة وترصد التطورات داخل مصر الظاهرة منها والباطنة. وعلى صعيد آخر نصحنا خلفاءنا فى الولايات المتحدة أن لا يقلصوا من حجم دعمهم الإقتصادي لمصر لمساعدة نظام الرئيس مبارك على مواجهة الضغوط الإجتماعية والإقتصادية والمستفحلة والتى تولد أزمات داخلية وإنفجارات .

الأزمة الإجتماعية والإقتصادية فى مصر تصنف على أنها من نوع الأزمات غير القابلة للحل. كل الإصلاحات الإقتصادية التى طبقت فى مصر فى عهد مبارك لم تسهم على الإطلاق فى حل هذه الأزمات . حتى المساعدات الأمريكية السنوية(2.5) مليار دولار لم تعالج الخلل فى الهيكل الإقتصادي والإجتماعي المصري . هناك خلل بنيوى فى الإقتصاد المصري يصعب معالجته بمساعدات هى مجرد مسكنات تخفف من الآلام بشكل مؤقت ثم تعود الأزمة لتستفحل وتتفاقم. وعلى هذا الأساس عادت الأوضاع فى مصر إلى ما كانت علية من قبل إنقلاب 1952 الذى قام به الضباط ، سيطرة رأس المال ورجال الأعمال على الحياة السياسية والإقتصادية . مثل هذا التحول يكون مصحوباً بإستقطاب حاد بين الشرائح الإجتماعية بين أقلية لا تتجاوز نسبتها 10% وبين أغلبية من الطبقة الدنيا والسواد الأعظم من المصريين اللذين يعيشون تحت خط الفقر.

هذا الوضع يثير مخاوف حتى لدى النظام القائم ولدى حلفاءه على رأسهم الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبى . هذه المخاوف مبررة ذلك أن أى تغير غير مرغوب فيه فى مصر ستكون له تداعيات لن تكون حبيسة داخل مصر بل ستنعكس على عموم المنطقة . منطق الأشياء يقول هذا ويؤكد أن هذه التطورات إن حصلت ستؤثر فى البيئة الإقليمية وهذه البيئة ستتأثر بالمتغيرات داخل مصر.

النظام فى مصر أثبت حتى الآن كفاءة وقدرة على إحتواء الأزمات وكذلك القدرة على التكيف مع الأوضاع المأزومة .هناك من يسأل داخل مراكز إسرائيلية هامة : (هل هناك تهديد حقيقي بتغير النظام فى مصر؟ وماذا أعددنا لمواجهة هذا التغير؟) لا يمكننى بصفتى الشخصية أو العامة أن أتحدث عن ذلك بتوسيع وإفاضة وإستطراد. لكني أستطيع القول (إن هناك تهديد ناجم عن تشابك وتعقيد المشاكل والأزمات الداخلية الإجتماعية والإقتصادية وحتى السياسية لأن الحزب الديمقراطي الذى يرأسه مبارك يهيمن على الحياة السياسية ولا يسمح بمشاركة أوسع للقوى الأخرى التى تجري أبعادها وتهميشها من خلال سلسلة من الوسائل بينها إحداث الإنقسامات فى صفوفها كما حدث لحزب الوفد وأحزاب أخرى).

فيما يتعلق بإسلوب المواجهة ضد أى تغيرات أو تحولات حادة نحن ننسق مع الولايات المتحدة . ولكن من جانب آخر نحن نستعد لمواجهة أي طارئ بما فيها العودة إلى شبه جزيرة سيناء إذا إستشعرنا إن هذه التحولات خطيرة وإنها ستحدث إنقلاب فى السياسة المصرية تجاه إسرائيل .سيناء عندما إنسحبنا منها ضمنا أن تبقى رهينة هذا الإرتهان تكفله ضمانات أمريكية من بينها السماح لإسرائيل بالعودة إلى سيناء وكذلك وجود قوات أمريكية مرابطة فى سيناء تمتلك حرية الحركة والقدرة على المراقبة بل ومواجهة أسوأ المواقف ، وعدم الإنسحاب تحت أى ظرف من الظروف .تعلمنا من سابقة عام 1967 دروس لا تنسى . سيناء مجردة من السلاح ومحظورة على الجيش المصرى الإنتشار فيها هى الضمانة الوحيدة هي الضمانة الأقوى لإحتواء أى تهديد إفتراضى من جانب مصر . لن أكشف سراً إن أفصحت عن أن الموافقة على إدخال (600) من أفراد الشرطة وحرس الحدود والأمن المركزي المصري إلى سيناء للتمركز على حدود قطاع غزة من قبل الطاقم الأمني جاءت بعد دراسة مستفيضة وبعد مخاض عسير داخل الحكومة . سيناء بعمق (350) كيلومتر مجردة من السلاح هى الضمان الذى لن نتخلى عنه فى كل الظروف .

يبقى أن قاعدة (مصر خرجت ولن تعود إلى المواجهة مع إسرائيل) هى الحاكمة لموقفنا تجاه مصر وهو موقف يحظى بالدعم القوي والعملي من جانب الولايات المتحدة.

سابعاً : على الساحة السودانية

إستهل آفى ديختر وزير الأمن الداخلي الحديث عن البعض فى إسرائيل ممن يتساءل: لماذا نهتم بالسودان ونعطيه هذا القدر من الأهمية ؟ ولماذا التدخل فى شؤونه الداخلية فى الجنوب سابقاً وفى الغرب دارفور حالياً طالما أن السودان لا يجاورنا جغرافياً وطالما أن مشاركته فى إسرائيل معدومة أو هامشية وإرتباطه بقضية فلسطين حتى نهاية الثمانينات إرتباطاً واهياً وهشاً). وحتى لا نطيل فى الإجابة يتعين أن نسجل هنا عدة نقاط محورية تكفي لتقديم إجابات على هذه التساؤلات التى تطرح من قبل ساسة وإعلاميين سواء فى وسائل الإعلام و أحياناً فى الكنيست :-

• إسرائيل حين بلورت محددات سياستها وإستراتيجيتها حيال العالم العربى ، نطلق من عملية إستجلاء وإستشراف للمستقبل وأبعاده وتقييمات تتجاوز المدى الحالى أو المنظور.

• السودان بموارده ومساحته الشاسعة وعدد سكانه كان من الممكن أن يصبح دولة إقليمية قوية منافسة لدول عربية رئيسة مثل مصر والعراق والسعودية لكن السودان ونتيجة لأزمات داخلية بنيوية ، صراعات وحروب أهلية فى الجنوب إستغرقت ثلاثة عقود ثم الصراع فى دارفور ناهيك عن الصراعات حتى داخل المركز الخرطوم تحولت إلى أزمات مزمنة . هذه الأزمات فوتت الفرصة على تحوله إلى قوة إقليمية مؤثرة تؤثر فى البيئة الإفريقية والعربية.

• كانت هنالك تقديرات إسرائيلية حتى مع بداية إستقلال السودان فى منتصف عقد الخمسينات أنه لا يجب أن يسمح لهذا البلد رغم بعده عنا أن يصبح قوة مضافة إلى قوة العالم العربى لأن موارده إن أستثمرت فى ظل أوضاع مستقرة ستجعل منه قوة يحسب لها ألف حساب. وفى ضوء هذه التقديرات كان على إسرائيل أو الجهات ذات العلاقة أو الإختصاص أن تتجه إلى هذه الساحة وتعمل على مفاقمة الأزمات وإنتاج أزمات جديدة حتى يكون حاصل هذه الأزمات معضلة يصعب معالجتها فيما بعد.

• كون السودان يشكل عمق إستراتيجي لمصر. هذا المعطى تجسد بعد حرب الأيام لسنة 1967 عندما تحول السودان إلى قواعد تدريب وإيواء السلاح الجو المصري والقوات البرية هو وليبيا . ويتعين أيضاً أن نذكر بأن السودان أرسل قوات إلى منطقة القناة أثناء حرب الإستنزاف التى شنتها مصر منذ عام 1970 - 1968 . لذلك كان لابد أن نعمل على إضعاف السودان وإنتزاع المبادرة منه لبناء دولة قوية موحدة رغم إنها تعج بالتعددية الإثنية والطائفية – لأن هذا المنظور الإستراتيجى الإسرائيلي ضرورة من ضرورات دعم وتعظيم الأمن القويى الإسرائيلي.

وقد عبَّرت عن هذا المنظور رئيسة الوزراء الراحلة (جولدا مائير) عندما كانت تتولى وزارة الخارجية وكذلك ملف إفريقيا فى عام 1967عندما قالت :(إن إضعاف الدول العربية الرئيسية وإستنزاف طاقاتها وقدراتها واجب وضرورة من أجل تعظيم قوتنا وإعلاء عناصر المنعة لدينا فى إطار المواجهة مع أعداءنا . وهذا يحتم علينا إستخدام الحديد والنار تارة والدبلوماسية ووسائل الحرب الخفية تارة أخرى).

وكشفت عن إن إسرائيل وعلى خلفية بعدها الجغرافى عن العراق والسودان مضطرة لإستخدام وسائل أخرى لتقويض أوضاعهما من الداخل لوجود الفجوات والثقرات فى البيئة الإجتماعية والسكانية فيهما.وقد أورد ديختر معطيات عن وقائع الدور الإسرائيلي فى إشعال الصراع فى جنوب السودان إنطلاقاً من مرتكزات أقيمت فى إثيوبيا وفى أوغندا وكينيا وزائير سابقاً(الكونغو الديمقراطية) حالياً. جميع رؤساء الحكومات فى إسرائيل من بنجوريون وليفى أشكول وجولدا مائير واسحاق رابين ومناحيم بيغن ثم شامير وشارون وأولمرت تبنوا الخط الإستراتيجى فى التعاطي مع السودان الذى يرتكز (على تفجير بؤر وأزمات مزمنة ومستعصية فى الجنوب وفى أعقاب ذلك فى دارفور). هذا الخط الإستراتيجي كانت له نتائج ولا تزال أعاقت وأحبطت الجهود لإقامة دولة سودانية متجانسة قوية عسكرياً وإقتصادياً قادرة على تبوء موقع صدارة فى البيئتين العربية والإفريقية.

فى البؤرة الجديدة فى دارفور تداخلنا فى إنتاجها وتصعيدها وكان ذلك حتمياً وضرورياً حتى لايجد السودان المناخ والوقت لتركز جهودها بإتجاه تعظيم قدراته. ما أقدمنا عليه من جهود على مدى ثلاثة عقود يجب أن لا يتوقف لأن تلك الجهود بمثابة مداخلات ومقدمات التى أرست منطلقاتنا الإستراتيجية التى تضع نصب علينها إن سودان ضعيف ومجزأ وهش أفضل من سودان قوي وموحد وفاعل.

نحن بالإضافة إلى ذلك نضع فى إعتبارنا وفى صميم إهتمامنا حق سكان الجنوب فى السودان فى تقرير المصير والإنعتاق من السيطرة ومن واجبنا الأدبي والأخلاقي أن ندعم تطلعات وطموحات سكان الجنوب ودارفور ، حركتنا فى دارفور لم تعد قاصرة على الجانب الرسمي وعلى نشاط أجهزة معينة. فالمجتمع الإسرائيلى بمنظماته المدنية وقواه وحركاته وإمتداداتها فى الخارج تقوم بواجبها لصالح سكان دارفور.

الموقف الذى أعبر عنه بصفتى وزيراً إزاء ما يدور فى دارفور من فظائع وعمليات إبادة ومذابح جماعية هو موقف شخصي وشعبي ورسمي. من هنا نحن متواجدين فى دارفور لوقف بين الفظائع وفى ذات الوقت لتأكيد خطنا الإستراتيجي من أن دارفور كجنوب السودان من حقه أن يتمتع بالإستقلال وإدارة شؤونه بنفسه ووضع حد لنظام السيطرة المفروض عنوة من قبل حكومة الخرطوم.

لحسن الطالع إن العالم يتفق معنا من إنه لابد من التدخل فى دارفور سياسياً وإجتماعياً وعسكرياً. الدور الأمريكي فى دارفور دور مؤثر وفعَّال ومن الطبيعي أن يسهم أيضاً فى تفعيل الدور الإسرائيلي وإسناده ، وكنا سنواجه مصاعب فى الوصول إلى دارفور لنمارس دورنا المتعدد الأوجه بمفردنا وبمنأى عن الدعم الأمريكي والأوروبي.

صانعوا القرار فى البلاد كانوا من أوائل المبادرين إلى وضع خطة للتدخل الإسرائيلى فى دارفور 2003 . والفضل يعود إلى رئيس الوزراء السابق اريائيل شارون . فقد أثبت النظرة الساقبة لشارون والمستمدة من فهمه لمعطيات الوضع السودانى خصوصاًَ والوضع فى غرب إفريقيا صوابيتها . هذه النظرة وجدت تغيراً لها فى كلمة قاطعة ألقاها رئيس الوزراء السابق خلال إجتماع للحكومة فى عام 2003 (حان الوقت للتدخل فى غرب السودان وبنفس الآلية والوسائل وبنفس أهداف تدخلنا فى جنوب السودان).

لابد هنا من التذكير مرة أخرى بأن قدر هام وكبير من أهدافنا فى السودان قد تحقق على الأقل فى الجنوب وهذه الأهداف تكتسب الآن فرص التحقيق فى غرب السودان فى دارفور. وعندما سئل ديختر ماهى نظرته إلى مستقبل السودان على خلفية أزماته المستصعبة فى الجنوب وفى الغرب والإضطراب السياسي وعدم الإستقرار فى الشمال وفى مركز القرار الخرطوم؟هذا السؤال طرحه نائب وزير الدفاع السابق جنرال الإحتياط إفرايم سنيه. رد ديختر على هذا السؤال (هناك قوة دولية تتزعمها الولايات المتحدة مصرة على التدخل المكثف فى السودان لصالح خيارات تتعلق بضرورة أن يستقبل جنوب السودان وكذلك إقليم دارفور على غرار إستقلال إقليم كوسوفو. لا يختلف الوضع فى جنوب السودان وفى دارفور عن وضع كوسوفو.سكان هذين الإقليمين يريدون الإستقلال وحق تقرير المصير قاتلوا الحكومة المركزية من أجل ذلك).

وقال ديختر : أريد أن أنهي تناولي للمحور السوداني فى هذه المحاضرة بتأكيد أن إستراتيجيتنا التى ترجمت على الأرض فى جنوب السودان سابقاً وفى غربه حالياً إستطاعت أن تغير مجرى الأوضاع فى السودان نحو التأزم والتدهور والإنقسام .أصبح يتعذر الآن الحديث عن تحول السودان إلى دولة إقليمية كبرى وقوة داعمة للدول العربية التى نطلق عليها دول المواجهة فى إسرائيل. السودان فى ظل أوضاعه المتردية والصراعات المحتدمة فى جنوبه وغربه حتى فى شرقه غير قادر على التأثر بعمق فى بيئته العربية والإفريقية لأنه متورط ومشتبك فى صراعات ستنتهى إن عاجلاً أو آجلاً بتقسيمه إلى عدة كيانات ودول مثل يوغسلافيا التى إنقسمت إلى عدة دول البوسنة والهرسك وكرواتيا وكوسوفو ومقدونيا وصربيا ، ويبقى السؤال عالقاً متى؟بالنسبة لجنوب السودان الدلائل كلها تؤكد أن جنوب السودان فى طريقه إلى الإنفصال لأن هذا هو خياره الوحيد وهو بحاجة إلى كسب الوقت لإقامة مرتكزات دولة الجنوب. وقد يتحقق ذلك قبل موعد إجراء الإستفتاء عام 2011 إلاَّ إذا طرأت تغيرات داخلية وإقليمية إما أن تسهم فى تسريع تحقيق هذا الخيار أو فى تأخيره.

 

 

^أعلى

       عن الراصد
       الكتب والدراسات
       النشاطات
       المجلة
       المنتدى
       الراصد السوداني
       الراصد الأسبوعي
       فلسطين اليوم
       التحليلات
       موضوع ورأي
       القائمة البريدية

*  انضمامك لقائمة الراصد البريدية يمكنك

من الاطلاع على اصدارات وانشطة الراصد

 

  المكتبة   |   أرشيف الموقع   |   الوثائق   |   مواقع سودانية   |   اتصل بنا  

كل الحقوق محفوظة © للراصد للبحوث والعلوم السودان - الخرطوم 2008 :::  التصميم والدعم الفني لمسة الهندسية

أفضل تصفح باستخدام دقة شاشة 1024*768 بيكسل