تنطلق في العاصمة المصرية القاهرة اليوم المفاوضات النهائية بين الفصائل الفلسطينية والسلطة الفلسطينية ، فيما يبدو أنها مفاوضات الفرصة الأخيرة ، وضمن الوقت الإضافي بعد ضياع كل الفرص السابقة ، وتحت سيف حاجة كل الأطراف المشاركة ، وتحت ضغط الشعب الفلسطيني كله ، بل وشعوب الأمة العربية والإسلامية ، الذين يتطلعون بأمل إلى مفاوضات اللجان الخمسة ، علها تفضي إلى إعادة اللحمة بين شطري الوطن ، وتعيد جسور الثقة بين مختلف أبناء الشعب الفلسطيني ، وتعيد النقاء إلى صورة الفلسطينيين ، بعد أن غزة من استعادة الوضاء والبهاء لصورة المقاومة الفلسطينية ، ولن يغفر الفلسطينيون لقيادتهم تجاوز حاجتهم ، ولا إغفال ضائقتهم ، فمازال أبناء غزة يعيشون في الخيام ، ويفتقرون إلى كل وسائل العيش البسيطة ، بعد أن دمر العدوان الإسرائيلي بيوتهم ومساكنهم ، وقضى على مشاريعهم وخططهم ، فهؤلاء وغيرهم يتطلعون بأمل إلى نجاح المفاوضات بين فرقاء الشعب ، ورفاق الدرب ، وشركاء الوطن ، لأنه باتفاقهم تتدفق المعونات ، وتنطلق مسيرة الإعمار وإعادة البناء ، وتسري في غزة والوطن كله روح الحياة .
اللجان الخمسة المجتمعة في القاهرة تدرك أن الأمانة الملقاة على عاتقها كبيرة ، وتدرك أن الفلسطينيين في غزة ، ممن يجلسون في المقاهي ، أو يصطفون طوابير أمام المخابز ، أو يجلسون أمام خيامهم ، يرتشفون فنجان قهوة أو كوب شايٍ ساخن ، يناقشون فيما بينهم بمسؤولية كبيرة مختلف النقاط المطروحة على جدول أعمال اللجان الخمسة ، يقترحون الحلول ، ويجترحون المخارج ، ويخلقون القواسم المشتركة ، ويؤكدون على معاني الوحدة والاتفاق ، ولكن على قاعدةٍ أصيلة من الثبات على المواقف ، والحفاظ على الثوابت ، وعدم التفريط في الحقوق ، وأولاها الحق في المقاومة ، والحفاظ على الانجازات الوطنية ، ويرقب المتحاورون في القاهرة النساء والأمهات والأخوات اللاتي كن في فترة العدوان خير سندٍ للمقاومة ، وخير معين على القتال ، فصبرن على القتل ، وتحملن الفقد ، وتنازلن عن الأحلام ، ونمن في بيوتهن أو خارجها ، وقد لبسن ساتر الثياب في انتظار الشهادة ، خشية أن يلقوها من غير حشمة ، فإنهن يتطلعن اليوم بعيون الأمل إلى المجتمعين في القاهرة أن يتحسسوا آلامهم ، وأن يتلمسوا جراحهم ، وأن تكون مصلحة الوطن وأبنائه نصب أعينهم ، فبعض أبنائهن مازالوا جرحى ومصابين ، يخضعون للعلاج والرعاية ، ويحتاجون إلى المزيد من العلاج ، وقد عجزت مستشفيات قطاع غزة عن استقبالهم وتقديم العلاج الكافي واللازم لهم ، ومازلن ينتظرن الفرصة المناسبة للانتقال بأبنائهن إلى الخارج ، لتلقي العلاج ، وتجاوز الخطر ، ومازال الظلام يلف ليل غزة ، ويرخي بسدوله على مختلف جوانب الحياة ، فلا وقود ينير ظلمة ليلهم ، ولا وقود يسير سياراتهم ويحرك آلياتهم ، والكل في انتظار ساعة التئام الشمل وتوحيد الصف ، إذ أن المصالحة شرطاً لاستعادة الحياة الطبيعية في غزة ، ومدخلاً للعمل البنَّاء .
أفلم يأن للفلسطينيين أن يرتاحوا من عناء ملاحقات الأجهزة الأمنية الفلسطينية لهم ، حيث تزج بهم مختلف الأجهزة الأمنية الفلسطينية التابعة لحكومة سلام فياض في رام الله في السجون والمعتقلات ، وبعضهم قضي نحبه خلال استجوابه بعد ساعاتٍ قليلة من اعتقاله ، مع ما يتركه هذا الاعتقال من غصةٍ وألم لدى الفلسطينيين ، إذ يتم على أيدي أخوة السلاح ورفاق المقاومة ، وهم الذين كانوا معاً شركاء زنزانة إسرائيلية واحدة ، ثم يتبجح بعض الناطقين باسم الحكومة ، أو المعبرين عن مواقف السلطة الفلسطينية بأن سجونهم خالية من المعتقلين الأمنيين أو المعتقلين السياسيين ، وكأن كل عناصر حماس والجهاد الإسلامي وقوى المقاومة الأخرى المعتقلين في سجون السلطة ، إنما هم لصوص ومجرمون وقتلة ، رغم أن العدو الإسرائيلي يكذب دعواهم ، ويؤكد خطورة المعتقلين على أمنه ، فمتى يكون للفلسطينيين حماة ورعاة ، يحفظون أمنه ، ويسهرون على راحته ، ولا يتبارى فيها القائمون على الأمن في بناء المزيد من السجون والمعتقلات ، ليزج فيها خيرة أبناء الشعب الفلسطيني ممن كان لهم شرف النضال والمقاومة ، ومتى تتوحد الأجهزة الأمنية الفلسطينية في أجهزةٍ محددة ومعروفة ، تتكامل في أدوارها ، وتتنافس في وظيفتها الوطنية ، وتنتهي التعددية الأمنية المقيتة ، وتتوقف ظاهرة المنافسة في اعتقال المزيد من أبناء الشعب الفلسطيني ، تحت حجة التجاوزات الأمنية ، علَّ الفلسطينيون ينسون مرارات المخابرات العسكرية والأمن الوقائي والأمن الوطني والمخابرات البحرية والأمن الجنائي والمخابرات العامة والأمن القومي والشرطة العسكرية وغيرها من الأجهزة التي دأبت على إدارتها شخصياتٌ ورموز أساءت كثيراً إلى الشعب الفلسطيني .
ومتى يكون للفلسطينيين حكومة واحدة ، وقيادة مشتركة ، يقودها المخلصون ، ويترأسها الغيورون على مصالح الشعب الفلسطيني ، يكون همها رفع الحصار ، وإعادة البناء واستعادة الحقوق ، وتخفيف المعاناة عن المواطنين ، فلا تعيش القيادة أو الحكومة بمنأى عن هموم وحاجات الشعب الفلسطيني ، وتكون حكومة شرعية ، تحترم الديمقراطية وتحترم نتائجها ، وتكون مستقلة في قراراتها وسياساتها عن أي إملاءاتٍ خارجية ، ولا تخضع لأي ضغوطٍ دولية أو عربية لتتجاوز المصالح الوطنية الفلسطينية ، ولتكن هناك انتخاباتٌ فلسطينية جديدة ، يخضع لها جميع الأطراف ، تكون رئاسية وتشريعية ، وليحترم الفرقاء نتائجها ، وليقبل الجميع بكلمة الشعب وخياره ، رغم أن المجلس التشريعي الفلسطيني مازال ضمن دورته القانونية ، ولم يستوفِ مدته ، ولم يتجاوز فترته ، في حين أن الرئاسة قد أخلت بالقانون الأساسي ، واعتدت عليه فتجاوزت المدة الدستورية ، ولكن أمام خيار الوحدة والاتفاق فلتكن هناك انتخاباتٌ متزامنة ، يحترم الجميع نتائجها .
إن الحوار القائم اليوم في القاهرة بين حركة المقاومة الإسلامية " حماس " والسلطة الفلسطينية بما فيها حركة فتح يجب أن ينجح ، ويجب أن يرى الفلسطينيون النتائج الإيجابية للحوار ، وأن تنعكس مظاهره على الشعب الفلسطيني كله ، إفراجاً عن الأسرى والمعتقلين السياسيين والأمنيين ، ووقفاً لكل حملات الإثارة والتشويه والاتهام ، ويجب أن تتوقف الأبواق الدعائية ، وبرامج المحطات الفضائية التحريضية ، كما ينبغي أن تخرس الألسن التي تبث السم الزعاف ، وتنشر الأراجيف وتثير الفتن ، فقد آن الأوان ليعود تلاميذ المدارس إلى مدارسهم ، ومعهم حقائبهم وكتبهم ، بلا خوفٍ يلاحقهم ، ولا قلق يساورهم ، إنها بصدق الفرصة الأخيرة للمتحاورين في القاهرة ، الفرصة الأخيرة للبقاء ، والفرصة الأخيرة لكسب احترام وتقدير الشعوب العربية والإسلامية ، إنها الفرصة الأخيرة لاستعادة ثقة الشعب الفلسطيني بقيادته ، كما كان واثقاً بصلابة مقاومته وقدرته على الصمود والثبات ، وليتذكر المحاورون في القاهرة وقيادتهم أينما كانت أننا مازلنا نعيش مرحلة التحرر ، وأن فلسطين مازالت تخضع للاحتلال الذي لم يغادر أرضنا ولم يفارق سماء بلادنا ، فالاحتلال مازال يجتاح أطراف غزة ، وينتهك حياة مواطنيه ، ومازالت طائراته وصواريخه وقذائف مدافعه تستهدف وتقتل أبناء غزة ، ومازال الجيش الإسرائيلي في مدينة رام الله عاصمة السلطة الفلسطينية ، وفي نابلس وجنين والخليل وبيت لحم وقلقيلية وطولكرم ، ومازالت سجونه تحتجز آلاف الفلسطينيين ، وعشرات النساء ومئات الأطفال ، فما زلنا أيها المجتمعون في القاهرة تحت الاحتلال ، ولم يخرج الإسرائيليون من مدننا وقرانا ، ومازلنا نعاني من مصادرة المزيد من أرضنا ، ومازالت جرافات الاحتلال تهدم بيوتنا ، وتخرب حقولنا ، وتخلع أشجارنا وتقلع زيتون بلادنا ، وها هي القدس بأهلها تتطلع إليكم وقد داهم الإسرائيليون بيوتها ، يدمرون المساكن ويطردون السكان ، ويحاولون إزالة الآثار العربية من المدينة ، انتبهوا أيها السادة ، فلا تضيعوا الفرصة الأخيرة من بين أيديكم ، وسارعوا إلى اللقاء والوفاق والاتفاق ، ولكن على قاعدة المصلحة الوطنية فقط .
آخر تحديث لهذه الصفحة: الأربعاء 11 مارس 2009م