إشكالية التحول الديمقراطي في العراق
د. عبد المنعم محمد صالح عبد الله
استاذ مساعد جامعة أم درمان الإسلامية
كلية الاقتصاد والعلوم السياسية
تمهيد :
أن عملية التحول التي مر بها العراق جاءت بالقوة( التحول الديمقراطي القسري )، وعلى يد دولة خارجية كان تأثيرها مباشرا و رئيسيا ، لذا فإن ما يفهم لدى البعض من عملية الانتقال الديمقراطي خاصة إذا ما جرى تغيير السلطة فيه إلى سلطة أخرى ، والتحول يعرفه البعض بأنه" عملية يقصد بها انتقال المجتمعات تدريجيا عن طريق تعديل مؤسساتها السياسية واتجاهاتها من خلال عمليات وإجراءات شتى ترتبط بطبيعة الأحزاب وبنية السلطة التشريعية ونمط الثقافة السياسية السائدة وشرعية السلطة السياسية". ويشير لفظ التحول لغة إلى التغيير ، فيقال حول الشيء أو غيره أو نقله ، وتعتبر عملية التحول المرحلة الأولى للتحول نحو النظام الديمقراطي ، وهي فترة انتقالية تمتد بين مرحلة تقويض دعائم نظام سياسي سابق وتأسيس نظام سياسي لاحق .
عقب انهيار نظام حزب البعث فى العراق بقيادة صدام حسين الذي وصف بانه نظام ديكتاتورى وجد العراقيون انهم امام خوض تجربة نوعية جديدة – لم يعتادواعليها- من خلال نمط حكم مغاير تماما الا وهو النظام الديمقراطى ، فهل يستطيعون خوض هذه التجربة بنجاح وفقا لمعطيات المرحلة الحالية والمستقبلية التى يمر بها العراق فى ظل التحديات – الداخلية والخارجية –التى تواجهه، فقد وضح أن هناك أجماعاً عراقياً من قبل كافة الفصائل والقوى السياسية وفي داخل مجلس الحكم الإنتقالي على ضرورة إقامة نظام ديمقراطي، غير أن هذا الطموح الوطني المشروع يجابه بإشكالات عدة تهدد سلامة عملية التغيير الديمقراطي منها:مؤسسات المجتمع المدنى، ثقافة الديمقراطية،الدستورالعراقى، الاحزاب العراقية ، الإشكال القومي ، الإشكال الديني، دول الجوار ، الولايات المتحدة الامريكية. ومن الملاحظ أن النظام الديمقراطي يقوم على حجر الزاوية الأساسي ألا وهو الدستور العراقي ، الذي يمثل القانون الأساسي للدولة العراقية، وعلى ضوء ذلك وضعت اللجنة الخاصة للقيام بمهمة الدستور خطة عمل تتمثل في النشاطات المختلفة التي تتضمن عقد ندوات ولقاءات مع رجال الدين والشخصيات المستقلة والمنضوية في القوى والتنظيمات السياسية ، وفي نهاية عملها رفعت اللجنة التحضيرية لإعداد الدستور دراسة إلى مجلس الحكم تضمنت مقترحات أساسية لتحقيق أهدافها ، ومن تلك المقترحات رفض فكرة إجراء الإنتخابات المباشرة في الوقت الحاضر، بسبب هشاشة الوضع الأمني مما قد يتسبب بالأذى للمواطنين المشاركين بالإقتراع وعدم توفر المعلومات الإحصائية الدقيقة عن المواطنين الذين يحق لهم الإقتراع ، وهناك صعوبات إضافية تُضعف مقترح الإنتخاب الآن منها وجود عدد كبير من المواطنين حالياً خارج العراق بسبب ظروف العهد السايق ، مما سوف يحرمهم من المشاركة في الإنتخاب ، وأخيراً حالة ضعف الوعي الدستوري الجماهيري في الوقت الحاضر.
سنحاول من خلال هذا البحث التطرق الى اهم التحديات والاشكالات التى تقف عائقا امام تجربة العراق فى تطبيق النظام الديمقراطى وفقا لمعطيات داخلية واقليمية ودولية مستصحبين العوامل التى لها اثر ودور فى عملية الانتقال النوعى من الديكتاتورية الى الديمقراطية.
تعريف الديمقراطية:-
تعتبر الديمقراطية وسيلة اجرائية يتم من خلالها تداول السلطة ،واذا كان اصلها اليوناني يعني حكم الشعب ،فان فهمها بهذا الشكل لايوضح حقيقتها ،لذا جرت محاولات كثيرة لتعريفها ،فهذا ’’ ليسلي لييبسون ‘‘ يقول :ان الديمقراطية ’’هي نظام سياسي يترك سلطة زعمائها ابدا تحت المراقبة ،وقيد الاشراف مع افساح المجال لعبقرية الفرد السياسية للتعبير عن ذاتها ‘‘، وعرفها ’’ ليوناردو وولف ‘‘ ’’ بانها الفكرة القائلة بان اية حكومة ،انما تقوم بغرض السهر على مصلحة مواطنين احرار ومتساوين اتحدوا سياسيا من اجل تحقيق هدف عام وهو سعادة الفرد والمجتمع ‘‘.واذا كانت الديمقراطية ’’نظام السلطة الذي يكفل الحريات فانها لاتخلق الحريات حيث لاتوجد ،ولا توجد هي نفسها من دون نمو روح الحرية في المجتمعات ،ففي غياب هذه الروح ليس هناك مايمنع السلطة من ان تكون لا ديمقراطية ‘‘ وهذه الحقيقة جعلت الفقيه الفرنسي ’’ جورج بوردو ‘‘ يقول عن الديمقراطية : بانها ’’فلسفة واسلوب حياة وشكل للحكم .. ‘‘ ، لذا فان فهم الديمقراطية على انها شكل للحكم يعد فمها قاصرا ، اذ لا قيام لنظام الحكم الديمقراطي بدون وجود المجتمع الديمقراطي ، ولن تتحقق الديمقراطية مع وجود قوى سياسية تؤمن بفلسفة القوة المسلحة في العمل السياسي ، فمن الامور التي جعلت المجتمع العراقي يعاني الكثير من الانتكاسات خلال عمر الدولة العراقية منذ عام 1921م والى الان هو غياب الروح الديمقراطية في علاقات القوى السياسية والاجتماعية ببعضها ، وايمان اكثرها بالفكر المطلق الذي ينزهها الذات وعدم الاعتراف بالآخرين. (1)
ان فهم الديمقراطية على انها فلسفة للحكم وأسلوب في الحياة هو عينه ما دعا اليه الاسلام قبل اكثر من 1400 سنة ، اذ جاء في كتاب الله ((عز وجل)) قوله سبحانه وتعإلى {وشاورهم في الأمر}( آل عمران الاية 159 ) ، وهذا خطاب موجه إلى قمة السلطة السياسية ممثلة في رسول الله (( صلى الله عليه وسلم)) لكي تكون علاقتها بقاعدتها الاجتماعية مبنية على اساس الشورى وحرية الرأي ، ثم يأتي الخطاب الرباني في آية اخرى فيقول{ والذين استجابوا لربهم واقاموا الصلاة أمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون } ( سورة الشورى الآية 38 )، قرن الله الشورى بأقامة الصلاة في علاقة المسلمين ببعضهم ، وهو تأكيد للمسلمين انه لا تكفي ديمقراطية السلطة حتى تكونوا احرارا ، بل لابد من ان تكون روح الحرية متغلغلة فيكم من خلال علاقتكم ببعضكم ، أي كن حرا لتفرض حريتك على السلطة ، ولا تكن عبدا فتساس بالاستبداد .
أن ما يهمنا هنا هو " مدخل الديمقراطية " أو عملية التحول من نظم غير ديمقراطية إلى نظم ديمقراطية تستند إلى أشكال من التعددية السياسية والحزبية .
استنادا لما تقدم ذكره فإن ما نود الاعتماد عليه في دراستنا هذه سيكون مدخل " التحول الديمقراطي " ، مستندين لما يفرزه الواقع من معطيات ألا وهو " التحول الديمقراطي القسري " باعتبار أن عملية التحول التي مر بها العراق جاءت بالقوة وعلى يد دولة خارجية كان تأثيرها مباشرا ومباشرا رئيسيا ، لذا فإن ما يفهم لدى البعض من عملية الانتقال الديمقراطي خاصة إذا ما جرى تغيير السلطة فيه إلى سلطة أخرى ، أي تغيير الأشخاص الحاكمين بأشخاص متهمين ، لا تغيير السلطة فيه من سلطة تعتقد بالحزب الواحد وكتم الأصوات إلى سلطة تؤمن بالتعددية والرأي المضاد بأنها عملية " ثورية " لما تحمله تلك اللفظة من ثقافة متراكمة لمعنى التحول وما ينتج عنه من عنف وملاحقة ، وما يؤول إليه من نتائج أصبحت مع الزمن المفهوم أو التصور الملاصق لمفهوم " الثورة " ، فالتناقض واضح في التحول الديمقراطي مع مفهوم الثورة فاستراتيجية العنف بادية بشكل واضح في الثانية بعكس الأولى في التحول رغم أن الكثير من الثورات وصفت ب" البيضاء " لم يجر في أنهرها الدماء ، وعليه فإن الانتقال الديمقراطي ، إذ يعيد النظر في مفهوم الثورة بوصفه تعيينا نظريا لمنهج التغيير وأدواته الوظيفية ، يبقي على معنى الثورة ومضمونها في تصوره للهدف الديمقراطي ، إذا في وسعنا أن نحسب استراتيجية الانتقال الديمقراطي قطيعة مع استراتيجية الثورة في أدواتها وأساليبها وفي منهجها ، واستمرارية لها في مضمونها الاجتماعي _ السياسي ، بوصفها تغييرا جذريا لعلاقات السلطة في المجال السياسي ، وللعلاقات في الحقل الاجتماعي.
تفعيل دور مؤسسات المجتمع المدني .
ان المجتمع المدني يمثل تلك القوى الاجتماعية العاملة في الوسط الموجود بين الاسرة والسلطة ، كالاحزاب السياسية (خارج السلطة) ، منظمات حقوق الانسان ، المنظمات الدينية ، النقابات المهنية ، وسائل الاعلام المستقلة ، المنظمات غير الحكومية الاخرى .(2) ان وجود مجتمع مدني فاعل يعد ضرورة كبرى في نجاح الديمقراطية ، لانه يمثل قوة الفرد والمجموعة في التأثير على قرارات السلطة ، واجبارها على عدم السير في طريق الاستبداد ، وتحقيق التوازن بين ممارسات السلطة وحاجات الشعب ، حتى يمكن القول انه لا وجود للدولة الديمقراطية بدون وجود مجتمعها المدني ، والسمات الرئيسة لمؤسسات المجتمع المدني هي :- الطوعية ، والاستقلالية ، والتنظيم ، والجماعية ، اضافة الى البعد الاخلاقي – السلوكي الذي يحكم علاقات هذه المؤسسات ببعضها و تجاه السلطة ، لذلك لابد من تفعيل منظمات المجتمع المدنى باستخدام كل الاليات والوسائل من اجل ان تؤدى هذه المنظمات دورها باعتبار انها تمثل دعامة اساسية وبنية تحتية للديمقراطية ، لانه فى حالة عدم الاهتمام بها سوف يؤدى ذلك الى هدم اهم اركان النظام الديمقراطى ومن ثم ينعكس سلبا على الاستقرار السياسي فى الدولة .
ثقافة الديمقراطية
ثقافة الديمقراطية لايمكن أن تستوعب وتفهم دون أن تسبق بديمقراطية الثقافة(الثقافة العامة المتحضرة)، ثقافة الديمقراطية هي ثقافة متخصصة ومعقدة، ومن أجل فهمها واستيعابها بالشكل الصحيح والسوي، فلابد أن تسبق بفصول من الثقافة العامة المستندة على أسس وقواعد المدنية والتحضر والتطور والانفتاح، وليس التقوقع والانكماش وتهميش الطبقة المثقفة من أبناء المجتمع وإقصائهم ، فضعف الحالة الثقافية العامة للناخب والمنتخب، على حد سواء، ستؤدي الى نتائج عكسية تضر بالديمقراطية ومساراتها، وتشكل خطرا كبيرا على المستقبل الديمقراطي ، فان فلاسفة السياسة يتفقون فيما بينهم على أن ديمقراطية الثقافة أولا ثم ثقافة الديمقراطيّة، وذلك من أجل ممارسة ديمقراطية سليمة وصحيّة، على كلّ حال لا يلمس المرء على واقع الحال العراقي لا ثقافة الديمقراطية ولا ديمقراطية الثقافة، فكلاهما مغيّب عن الوجود.(3)
ان الديمقراطية ’’ يمكن تدميرها اما من أعلى على يد سلطة مستبدة ، واما من اسفل عن طريق الفوضى والعنف والحرب الاهلية ، واما انطلاقاً من ذاتها عــــــــن طريق المراقبة التي تمارسها على السلطة كل من الاوليغارشيات(انظمة حكم القلة) ، او الاحزاب التي تقوم بتكديس الوسائل الاقتصادية او السياسية لتفرض اختيارها على مواطنين تحولوا الى ناخبين ليس الا‘‘، ولكي نبعد التحول الديمقراطي العراقي المنشود عن العقبات لابد من وجود الثقافة الديمقراطية ، وليست هذه الثقافة ’’ … نشراً للافكار الديمقراطية فقط ، او مجموعة من برامج التربية والبث التلفزيوني او المطبوعات الموجهة الى الجمهور الواسع ،ان ثقافة الديمقراطية هي تصور الكائن البشري الذي يبدي المقاومة الاشد صلابة في وجه أية محاولة للحكم المطلق حتى المثبت شرعياً عن طريق الانتخابات ، ويبدي في الوقت نفسه عزيمة على خلق الشروط القانونية للحرية الشخصية والحفاظ عليها ‘‘ ، ولكي توجد هذه الثقافة الديمقراطية ، هناك بعض المبادئ الاساسية التي يجب ان تحظى بأهتمام الجميع في العراق وهي :
1-ان الانسان بغض النظر عن انتماءه العرقي او الطائفي او الديني ، يجب ان يحظى بالأحترام والتقدير والحرية ، وهو ليس اداة يتلاعب بها السياسيون .
2- ان المواطنة مبدأ اساسى في أي دولة ديمقراطية ، لذا يجب اعتمادها في التعامل مع الانسان العراقي ، وترك الانتماءات الضيقة .
3- أن الاختلاف في القيم بين ابناء الوطن الواحد حقيقة أزلية وسنة إلهية ينبغي عدم انكارها بل لابد قبولها والتحاور على اساسها .
4- يجب التخلي عن الفكر المطلق الذي يعد صاحبه على حق دوماً ، والاخر على باطل دوماً ، فمثل هذا الفكر هو الذي يفتح الباب للاستبداد .
الدستور العراقي:-
في الوقت الذي نثمنى انجاز اللجنة المكلفة بأعداد مسودة الدستور عملها المناط بها وفق امكانياتها وتصوراتها، نتمنى على المدققين أعادة صياغة بعض فقرات النصوص وفق الصياغة المتماسكة والقانونية المختزلة والوافية والواضحة، حيث كانت العديد من الجمل والتعابير خالية من فن الصياغة القانونية، مما يستوجب أن يتدخل المعنيين في رسم تلك النصوص بمنهجية وأختصار واف وواضح.
ومن يقرأ الديباجة يشعر انها خطاب سياسي لمرحلة مؤقتة يشرح معاناة العراقيين من نظام صدام وكأن صدام سيبقى في الذهنية العراقية مع الدستور الدائم، متناسين أن هذا الدستور لفترة زمنية طويلة وللأجيال القادمة، دستور للمستقبل العراقي، وأن هذه الديباجة ستبقى تتقدم على نصوص الدستور، ولايعقل ان يبقى صدام وماخلفه من اثار سالبة على شعب العراق مع الأجيال القادمة في دستورها الدائم .
ماورد في المادة 3 كون العراق بلد متعدد القوميات والشعب العربي فيه جزء لايتجزأ من الأمة العربية يستوجب أن تذكر القوميات الأخرى، حيث أن الكرد هم أيضاً جزء لايتجزأ من الأمة الكردية، والأوفق ان يرد ذكر القوميات الأساسية المكونة للشعب العراقي من العرب والكرد والتركمان والكلدان والاشوريين والأرمن، والنص بهذا الشكل يوحي بأن العرب جزء من أمة بينما بقية المكونات مجرد توابع. وهذا الأمريتناقض مع الغاية والهدف الذي يراد به من الدستور،حيث ان المنطق والحقيقة العراقية تقتضي ذكر المكونات الاساسية للعراق من العرب والكرد والتركمان والكلدان والاشوريين.
واذا دققنا مليا في النصوص نجد التجاهل المتعمد في نصوص الدستور لشريحة الشبك والكرد الفيلية، وهما من الشرائح التي لها خصوصية عراقية ولها اشكالاتها وتضحياتها، مما يوجب ان لايتم تجاهلهما ً تحت اية ذريعة وازاء اي سبب ، ونجد أن تغييب شرائح عراقية لايفيد الأستقرار ولايجعل نصوص الدستور من الثوابت التي يتفق عليها العراقيين، ولايجعل من هذا الدستور قاسماً مشتركاً للحياة العراقية القادمة.
ماورد في الفقرة الرابعةً من المادة ( 4) يتعارض مع المنطق حيث تكون اللغة التركمانية واللغة السريانية لغتان رسميتان ( في المناطق التي يتواجدون فيها )، وهذا التواجد غير محدد في مناطق عراقية خاصة بهم، أذ لايعقل ان تكون اللغة التركمانية على سبيل المثال لغة رسمية للتركماني اذا كان يقيم في البصرة، علما أن حرية السكن لاتلزمه بالسكن في منطقة معينة من العراق، فالتواجد وحده لايكفي أذ يمكن ابدال الكلمة ( في المناطق التي يقيمون بها ويحددها القانون )( 4)
كما ان نص المادة التاسعة يتضمن شرحاً زائداً يمكن ان يفي بالغرض المطلوب ضمن نصوص قانون هيئة اجتثاث البعث، ويحكم الأمر قانون التعددية السياسية الذي يصدر اعتماداً على المباديء العامة لهذا القانون، وتحميل نص دستوري يكون مناراً للأجيال القادمة لايمكن ان يعالج حالة طارئة او مؤقتة يمر بها العراق متخلصاً من أرث الدكتاتورية.
كما اهمل الدستور مسألة غاية في الأهمية تتعلق في علاقة المواطن بالحقوق والحريات ومايتعلق بالعمل القضائي، وهي قضية التعويض للمتهم الذي تثبت براءته من التهمة المسندة اليه، والتي تضر ماديا ومعنويا من جراء توقيفه وأتهامه.
واوردت الفقرة 11 من المادة 19 ألزام المحكمة أنتداب محام للدفاع عن المتهم لمن ليس له محام وتتحمل الخزينة اتعابه، وكان على النص أن يذكر في دوري التحقيق والمحاكمة.
أما الجملة ( ا ) من الفقرة 12 من المادة ( 19 ) فقد اوردت ( حظر الحجز ) بشكل مطلق مما يخل بقواعد العدالة أذ ينبغي ان يلحق بجملة ( الا وفقاً لقرار قضائي من جهة قضائية مختصة ) لأن النص يعيق العمل القضائي ويتعارض مع مباديء العدالة والقانون .
اما الفقررة 13 من المادة 19 فانها من المواد التي عالجها قانون اصول المحاكمات الجزائية ولامبرر لايرادها في متن الدستور الذي يستوجب الامر ان يتضمن المباديء العامة دون الدخول في التفصيلات التي ستوردها القوانين المختصة.
في المادة 25 من الفصل الاول تكفل الدولة أصلاح الأقتصاد، ان عملية الأصلاح هي عملية مرحلية مفترضة وهذا النص دستوري ثابت لمرحلة مستقبلية، مما يوجب أن يكون النص على اساس ان تضع الدولة الخطط العلمية والعملية المتناسبة مع الواقع العراقي وفقاً للأسس الأقتصادية الحديثة والثابتة التي تؤمن الحياة الكريمة للمواطن العراقي المتناسبة مع واردات العراق ، حيث ان عملية الأصلاح تنتهي ضمن مرحلة زمنية معينة ولايعقل ان تبقى الدولة تقوم بأصلاح الأقتصاد الذي هدمته السلطات السابقة والتي رحلت الى الابد عن العراق.
الفقرة الثالثة من المادة 29 أوردت النص كالتالي ( يحظر الأستغلال الأقتصادي للأطفال بصورة كافة، وتتخذ الدولة الاجراءت الكفيلة بحمايتهم )، والاكثر وضوحاً أن يكـــون
( يحظر الأستغلال الأقتصادي للأطفال بكافة الصور، وتتخذ الأجراءات الكفيلة لحمايتهم ).
يفهم من نص المادة 39 أن الدستور منح لكل دين من الأديان العراقية والمذاهب الحرية في الالتزام بأحوالهم الشخصية حسب الديانة والمذهب حيث يصير الألتزام في الأحوال الشخصية حسب ( المعتقد ) أو ( الأختيار ) وينظم ذلك بقانون.
أن الأمر ليس بالبساطة التي يوردها النص خصوصا فيما يتعلق بالمذاهب الأسلامية، فالعراقي لم يسبق له وان تم تسجيل مذهبه في السجلات الرسمية، والعراق، بالأضافة الى كون المسلمين فيه مذاهب متعددة، فأن المسيحيين أيضاً كنائس متعددة، وهذا الأمر يلزم الدولة أن تسجل المذهب لكل عراقي أزاء ديانته، ومن ثم تلزم الدولة بأقامة محاكم للأحوال الشخصية والمواد الشخصية بعدد المذاهب في كل مدينة وناحية وقضاء، كما أن هذا النص نكوص عن الألتزام بنصوص قانون الأحوال الشخصية الذي يراد الغاء نصوصه بالنظر لأجماع العراقيين بمذاهبهم على نصوصه، وبالنظر لما يحقق من مكانة وحماية نسبية للمرأة العراقية يراد الغائها تحت عباءة الطائفية التي يريدها النص بزعم الحرية، أن خطورة النص المذكور تعاكس مبدأ الحرية وتدعو للأنفلات والتعسف في الأختيار، ويعتقد أن قضاة الأحوال الشخصية في العراق يشعرون بذلك مثلما تشعر به منظمات الدفاع عن حقوق المراة والمجتمع المدني في العراق، وأذا كانت الغاية أن يتم تمزيق كل ديانة بأسم المذهبية فأن هذا النص جاهز وفاعل وبديل عن قانون الأحوال الشخصية المرقم 188 لسنة 1959 المعدل،وهذا النص لايقل خطورة عن القرار المرقم 137 الذي اصدره مجلس الحكم الأنتقالي القاضي بالغاء قانون الأحوال الشخصية ، والذي واجهته الجماهير العراقية بأستنكار مما دفع المجلس للتراجع عن قراره البعيد عن الواقعية. كما وأن ألغاء قانون يجمع كل المذاهب بدلاً من تشتيتها وتفريقها حالــة من السلبية لاتفيد العراقيين ولاتعزز مستقبلهم الأنساني.
على ألايغب عن البال وجود مذاهب وطوائف لم تتم معالجتها ويمكن لها ان تستند على هذا النص في ايجاد قوانين تحكمها مثل الكاكائية واهل الحق والصارلية في العراق.
أن الحرية التي يتحدث عنها النص غير مقيدة والقانون الذي سيصدر سيثبت الطائفية ويكرس العمل بها مستقبلاً ويدفع بأتجاه الأنفلات القانوني (5).
كما ان أتباع كل دين أو مذهب أحرار في ممارسة الشعائر الدينية الواردة في المادة 40 لايمكن ان تكون الا اذا كانت لاتخالف النظام العام والأداب، فالمطلق يجري على اطلاقة كما يقول فقهاء القانون فأطلاق الكلمات جزافاً يمنح الحرية الدستورية لأي شكل من أشكال الممارسات تحت الغطاء المذهبي أو الديني، وعليه ينبغي ان تكون الطقوس بما لايتعارض مع القيم العراقية والأعراف والنظام العام والأداب، والدستور العراقي حين يمنح الحرية للأديان والمذاهب فأنه يمنحها كعقائد ومدارس وديانات، قبل ان يمنحها كطقوس وممارسات لأن العبرة بالمعاني الروحية لهذه الديانات والمذاهب.
ان الفقرة الثانية من المادة نفسها التي تتضمن ( كفالة الدولة لحرية العبادة وحمايتها لأماكن العبادة )، فالحماية وحدها لاتكفي مالم تقترن بالصيانة والمساهمة بأظهارها بالمظهر اللائق وفقاً لقانون يصدر بذلك. بالاضافة الى حماية من يمارس العبادة في نصوص قانونية تستمد قوتها من الدستورفي المادة 44 حيث منح النص جميع الافراد التمتع بكل الحقـــوق الواردة في ( المعاهدات ) و ( الاتفاقيات الدولية المعنية بحقوق الأنسان ) التي صادق عليها العراق، فهل يعقل ان تكون هذه النصوص الواردة ضمن حقوق الانسان والواردة في المعاهدات والاتفاقيات الدولية والتي اقترنت بمصادقة وموافقة العراق عليها، واصبحت ملزمة له قانونا وعرفاً، ان تكون تلك النصوص تتنافى مع مباديء واحكام الدستور؟ ما الحكمة في توقيع العراق عليها والموافقة على الالتزام بها، ان هذا النص بحاجة الى مراجعة وتدقيق.
ورد في المادة 109 ان النفــط والغاز هما ملك كل الشعب العراقي في كل الاقاليم والمحافظات، فهل يعني هذا أن بقية الثروات المعدنية كالكبريت مثلاً ليست ملكاً للعراقيين.
النص الوارد ضمن المادة 110 من المسودة يوزع الثروات بنسب محددة على اساس مؤقت
وقد جنحت المسودة الى اتباع الطريقة المرنة في الفقرة الاولى من المادة 136 حيث منحت الحق ( لرئيس الجمهورية ) و ( لرئيس الوزراء ) و ( لخمس أعضاء مجلس النواب ) أقتراح التعديل، وأعتمدت الطريقة الصلبة في تعديل الدستور في الفقرة الثانية من المادة 136 من الفصل الاول – الاحكام الختامية تعديل المباديء الاساسية - الواردة في الباب الاول من الدستور حيث لم تجوز التعديل الا بعد ( دورتين انتخابيتين ) متعاقبتين وبموافقة ثلثي اعضاء الجمعية وموافقة الشعب بالاستفتاء العام ومصادقة رئيس الجمهورية.
في حين جاءت الفقرة الثالثة بالنسبة ( للمواد الاخرى ) بامكان التعديل بنفس الطريقة باستثناء الدورات الانتخابية المتعاقبة فى هذا الصدد ذكر الدكتور جواد الهنداوي عميد المعهد الدبلوماسي والسفير بوزارة الخارجية العراقية(بموجب نصوص الباب الثالث (السلطات الاتحادية) سيتمّ إنشاء نظام سياسي في العراق أقرب إلى البرلماني تحكمه الجمعية الوطنية (دون الدخول في التفاصيل). المهم أن يكون الدستور وخاصة في الباب المقصود (السلطات الاتحادية) قادراً على خلق حكومة قوية ومستقرة وقادرة على أداء عملها في عراق مهدّد.(6)
العراق الآن ولمدة خمس سنوات قادمة بحاجة إلى سلطة تشريعية مختصة ومهتمّة ليس فقط في الأحزاب والسياسة وإنما بتشريع القوانين ومراقبة أداء الجهاز التنفيذي (الحكومة). يجب التركيز على ان يكون أعضاء الجمعية الوطنية من القدرة والكفاءة والاختصاص بحيث تجعلهم مؤهلين لأداء المهمة التشريعية والرقابة.
العراق بحاجة أيضاً إلى سلطة تنفيذية قوية وتعمل بثقة وبمساندة من الجمعية الوطنية دون الشعور بالخوف من سحب الثقة، ولكن تحت الرقابة البرلمانية. ولغرض التوازن في عمل السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية وخلق العلاقة الإيجابية بينهما ينبغي الانتباه إلى آلية تشكيل الحكومة وحلها من قبل البرلمان وآلية الضغط على البرلمان من قبل الحكومة. أي بعبارة أخرى النصوص المختصة بطرح الثقة في الحكومة وسحب الثقة من الحكومة.
يلاحظ بأنّ النص الحالي في الدستور (باب السلطات الاتحادية) لا يخلق هذا التوازن بل يجعل الحكومة تحت ضغط وسيطرة الجمعية الوطنية، وكأن رئيس الوزراء موظفاً معيناً من قبل الجمعية الوطنية.. لماذا؟ لأنّ الجمعية الوطنية قادرة على سحب الثقة منه، وهذا ليس خطأ، ولكن الخطأ بأن لا يكون لرئيس الوزراء وسيلة ضغط على الجمعية الوطنية. فهو لا يستطيع حل الجمعية الوطنية، بل وليس له الحق بأن يطلب منها مرة أخرى طرح الثقة فيه.
للإشارة فقط يمكن القول بأنّ رئيس الحكومة في بريطانيا العظمى له الحق في حلّ البرلمان دون ضرورة الحصول على موافقة الملكة، و بريطانيا هي المملكة التي خلقت النظام البرلماني،وفي ألمانيا (نظام برلماني اتحادي) رئيس الدولة يقوم بإعلان حلّ البرلمان وبطلب من رئيس الوزراء.(7)
إنّ إعطاء الحق لرئيس الوزراء بأن يطلب منح الثقة مرة أخرى من الجمعية الوطنية أو يقوم بحلها ليس إضعافاً للجمعية الوطنية بقدر ما هو ضرورة تقتضيها الموازنة بين السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية والاستقرار السياسي وأداء الجهاز التنفيذي.
لذا، وبناءاً على ما تقدم، نقترح بأن يتضمن باب السلطات الاتحادية وخاصة فصل الجمعية الوطنية نصاً يخوّل فيه رئيس الحكومة بطلب الجمعية الوطنية بمنحه الثقة ليس فقط في حال تشكيله للحكومة، ولكن في أيّ وقت يراه مناسباً لذلك. إن هذا الطلب وهذا الإجراء قد يلجأ إليه رئيس الوزراء من أجل تدعيم موقفه كلما شعر بضعف ما أو تستلزمه الظروف السياسية، طلب الثقة مناسبة له وللجمعية الوطنية بتجديد البيعة وتوثيق العلاقة، وفي حالة عدم منحه الثقة من قبل الجمعية الوطنية يجب أن يمنح له الحق في حل البرلمان أوالطلب إلى رئيس الجمهورية بإعلان حل البرلمان، مع الاحتفاظ بطبيعة الحال بحقّ البرلمان بإمكانية سحب الثقة من رئيس الوزراء.(8) أي يجب أن يكون هناك نصوص في الدستور تسمح بسحب الثقة من رئيس الوزراء، وأخرى تسمح لهذا الأخير بإمكانية حل البرلمان.
وقد تكون الآلية المتبعة في الدستور الألماني ملائمة مع بعض التعديلات وهي كما يلي:
للجمعية الوطنية حق طرح سحب الثقة عن رئيس مجلس الوزراء بناءاً على طلب 1/5 من أعضاء الجمعية أو رئيس الجمهورية. عند التصويت على سحب الثقة وبالأغلبية المطلقة لمجموع عدد أعضائها ويتعيّن على الجمعية انتخاب مرشحاً لرئاسة الوزراء خلال مدة (7) أيام كي تصدر قراراً بسحب الثقة، وعند فشلها في انتخاب مرشح خلال المدة المذكورة، يستمر رئيس الوزراء في عمله ولمدة ثلاثة أشهر، وفي نهاية هذه المدة يطلب رئيس الوزراء من الجمعية الوطنية طرح الثقة به، وعند عدم حصوله على الثقة وفي الأغلبية المطلقة لعدد أعضائها هنالك احتمالين:
إمّا أن تقوم الجمعية الوطنية بانتخاب مرشحاً وبالأغلبية المطلقة لعدد أعضائها، وعند فشلها في ذلك يطلب رئيس الوزراء من رئيس الجمهورية إعلان حل البرلمان والدعوة إلى انتخابات جديدةبموجب تطبيق هذه الآلية التي أساسها القانون الألماني مع بعض التعديلات وبذلك يتحقق هدفين اساسيين :الهدف الأول: خلق موازنة وتكافؤ بين السلطة التشريعية (الجمعية الوطنية) والسلطة التنفيذية، أي الجمعية لها الحق في سحب الثقة من رئيس الوزراء ولكن بثمن ألا وهو أن تجد بديلاً له كي لاتترك السلطة التنفيذية بدون ممارسة لمدة طويلة وتحاول ذلك بعد ثلاثة أشهر من فشلها، ومن الحق والعدالة أن يقوم رئيس الوزراء بحلّ الجمعية الوطنية التي أعلنت عدم ثقتها به مرتين وغير مستعدة للتعاون معه، وحلّه للجمعية الوطنية هي دعوته أيضاً إلى الشعب في انتخاب السلطة التشريعية، أي سوف لا يقوم هو بممارستها وبالتالي نحافظ على تطبيق مبدأ فصل السلطات والشرعية في ممارسة السلطة.
الهدف الثاني: هو عدم ترك البلاد دون سلطة تنفيذية لإدارة جهاز الدولة كما هو حال إيطاليا التي تعاني وعانت من تغيّر الحكومات وتبدّلها باستمرار نتيجة السهولة التي يتمتع بها البرلمان الإيطالي في سحب ثقة رئيس الوزراء.(9)
اوردت الفقرة الخامسة من المادة 116 ان يتـم تاسيس ( مكاتب ) لكل من ( الأقاليم ) و( المحافظات ) في السفارات والبعثات التابعة للحكومة العراقية لمتابعة الشؤون الثقافية والاجتماعية والتنمية المحلية، وبالتأكيد فأن هذا المكتب سيضم ممثل للأقليم وممثل للمحافظة وسيتداخل مع عمل الملحقيات الثقافية بالنظر لأزدواجية الأختصاص، وأذا كان هذا الأمر يدخل ضمن نطاق مصالح الأقاليم والمحافظات، يمكن ان يتم تنظيم الأمر من قبل وزارة الخارجية في قانونها الخاص بدلاً من نص دستوري يلزم العمل على تأسيس مثل هذه المكاتب في كل سفارة في وقت يشكو العراق من نقص في السفراء والسفارات والتمثيل الدبلوماسي.
لقد كانت مسودة الدستور أمينة وحريصة ألا تذكر اللائحة الأنسانية لحقوق الأنسان والتي يلتزم بها العراق، وقد التزمت المسودة الأبتعاد عن ورود ذكرها أو الأشارة اليها.
نأمل من الجمعية العامة أن تقرأ نصوص المسودة التي لم تكن بمستوى الطموح العراقي ولاترتقي للمستقبل العراقي ولاتنصف الشرائح والأديان والقوميات العراقية، وأن تقرر قراراً يليق بمسودة مستقبلية لمنهج الحياة الديمقراطية في العراق
بناءا على ذلك لكى يكون التحول الديمقراطي في العراق صحيحا يجب توفير الاتي :
اولا : البناء القانوني للدولة الديمقراطية يجب ان يستند إلى دستور يتميز بـ:
1- دستور دائم.
2- ان المجلس الدستوري الذي يصوغ بنوده يجب ان يحظى بثقة الشعب ، ولا يكون مجلسا صوريا يخدم رغبات الحكام .
3- ان يتم طرح الدستور على استفتاء شعبي عام يعبر فيه المواطن عن رأيه فيه بدون تقييد ، حتى يكتسب الدستور الشرعية السياسية اللازمة لأحترامه والعمل به .
4- بأستثناء بعض النصوص التي يكون جمودها في مصلحة الشعب ، ينبغي ان يكون الدستور قابلا للتعديل متى ما اقتضت مصلحة الشعب ذلك ، كما ينبغي ان تكون فيه بنود تؤكد على حرية تشكيل وتحرك مؤسسات المجتمع المدني .
اما القواعد الدستورية التي يتضمنها هذا الدستور فيجب ان تحقق الاسس العامة المشتركة لاي دستور ديمقراطي والتي هي :
1- احترام راي الاكثرية ،اذ لاسيادة لفرد او لقلة على الشعب في نظام الحكم الديمقراطي ولكن ينبغي ان تكون هناك ثقة في اقتراع الاغلبية ، ’’فالديمقراطية لاتنسجم مع استعباد الاقليات كما لا تنسجم مع رفض هذه الأقليات للاغلبية ، ذلك انه ليس للديمقراطية من وجود دون الاعتراف ببيئة سياسية تعبر فيهاالنزاعات الاجتماعية عن نفسها وتتخذ عبر اقتراع الاغلبية قرارات يعترف بها المجتمع بمجموعة على انها شرعية ‘‘وهذا الامر يستدعي من قادة التحول الديمقراطي في العراق اعادة النظر في قانون ادارة الدولة الانتقالي ، وخاصة الفقرة (ج) من المادة (61) عند وضعهم للدستور الدائم حتى يكون دستورا ديمقراطيا حقا .
2- عدم الجمع بين السلطات .
3- ضمان الحقوق والحريات العامة .
4- تداول السلطة بالطرق السلمية .
5- سيطرة احكام القانون ، وان يكون الناس سواسية امامه .
الأحزاب العراقية وممارسة الديمقراطية:-
الديمقراطية هى محاولة منا للولوج في فهم كيفية التحول والآلية التي تم بها ولكن تبرز أسئلة قد تكون محور هذا البحث : هل مارست الأحزاب السياسية العراقية الديمقراطية ، أم تتهم الغير بعدم ممارستها عندما كانت خارج السلطة أي- في المعارضة -؟، وهل أن تلك الأحزاب ديمقراطية بتركيبتها أو بنيتها ؟ ، أم أنها تحاول ممارسة الديمقراطية بعد استلامها للسلطة .
الحديث عن الأحزاب السياسية وهي المسئولة والرئيسة في عملية التحول ، وتكاد تكون الطرف الرئيس بالمعادلة فنحاول أن نضع أسسا نبين من خلالها إذا كان الحزب ديمقراطيا أم يحاول ممارسة الديمقراطية ، إذا فالضوابط الخاصة بالحزب كي يكون ديمقراطيا يمكن إجمالها بما يأتي :
1- أن يكون الحزب هو مصدر السلطة في الحزب ولا وصاية لفرد أو قلة من أعضاء الحزب أو غيرهم على قرار الحزب .
2- تداول السلطة في الحزب وفق آلية انتخابات دورية حرة ونزيهة من القاعدة إلى القمة .
3- قبول الحزب بوجود غيره من الأحزاب ، وضبط فكره ومنهجه وبرنامجه في ضوء حق الرأي والمصلحة الأخرى في التمثيل .
4- أن تكون العضوية في الحزب- من حيث المبدأ- مفتوحة لجميع المواطنين دون إقصاء أو تميز من حيث العرق والدين والمذهب ، وأن يكون اكتساب العضوية متاحا- من حيث المبدأ - حقا لكل من اكتسب صفة المواطنة في الدولة
جدير بالتأكيد أن الضوابط والمبادئ تلك هي ضوابط رسمية وقانونية من أجل الممارسة الديمقراطية ، وتتوقف أهميتها على تطبيق تلك المبادئ .(10)
بعد عملية احتلال العراق وسقوط حكم البعث في 9/4/2003م ، ظهرت العديد من الأحزاب السياسية ، وجاءت تركيبتها بين أحزاب قومية ودينية طائفية وأحزاب ليبرالية ، فالبعض منها - أي من تلك الأحزاب - وخاصة الصغيرة منها أو التي تأسست بعد عملية سقوط النظام إما أنها تدور في فلك الأحزاب الكبيرة أو أنها غير مؤثرة في الواقع السياسي ، فقد عملت تلك الاحزاب على تأسيس سلطة تدار من خلال حاكم مدني يتولى هذا الحاكم استصدار القرارات وبمساعدة ( مجلس حكم ) كان جل أعضائه تقريبا من رؤساء الأحزاب الكبيرة والفاعلة ، وما حصل فعلا أن تقاسمت تلك الأحزاب السلطة عن طريق قيادتها للعملية السياسية بمراحل متعاقبة كل ثلاثين يوما بعد حكم شمولي دام أكثر من ثلاثة عقود واستمرت في تعاقبها حتى إعلان الاستفتاء على الدستور ، وانتخاب الجمعية الوطنية الدائمة ، والتي من أولى مهامها تشكيل الحكومة الدائمة ، وأمدها أربع سنوات بعد أن مرت العملية بحكومات انتقالية ومؤقتة وقانون مؤقت ، فالأحزاب السياسية بعد عملية احتلال العراق وسقوط حكم البعث في 9/4/2003 ، بدأت بفرض نفسها من خلال انتشار مقراتها في العاصمة بغداد وباقي المحافظات الأخرى مستغلة الكثير منها الأبنية والمقرات التابعة للدولة أو لسلطة الحزب " المنحل " ، وربما البعض من تلك المقرات تابعة لقيادات ارتبط اسمها بالنظام السابق ولم تكتف بعض الأحزاب بفتح مقر واحد ، ويرتبط هذا الإجراء منها بحسب قوتها ومنطقة نفوذها ، وكان الصراع أو التنافس باديا منذ اللحظة الأولى فيما بينها للسيطرة على هذه المنطقة أو تلك ، وهذا ما نراه في تواجد البعض منها بالقرب من البعض الآخر .(11)
كما اتبعت الأحزاب السياسية العراقية برفعها الديمقراطية شعار لها سواء عن طريق وسائل إعلامها ( الصحف والمجلات والقنوات الفضائية التابعة لها ) أومن خلال مؤتمراتها أو موقعها الرسمي في السلطة رغم عدم إفراد بعض من تلك الأحزاب للديمقراطية في أنظمتها الداخلية أو دساتيرها الخاصة بها ، فالتقاطع بادي فيما بينها وبين الديمقراطية بأسسها ومبادئها وبين المبادئ التي تأسست عليها تلك الأحزاب ، ومع ذلك حاول البعض منها أن يكون ديمقراطيا من خلال ممارسته لها باعتبار أن شرعية وجود الأحزاب في الوقت الحاضر هي بمدى ممارستها للديمقراطية ، أو بأقل تقدير في رفعها لها كشعار تستخدمه في إعلامها ، خاصة أن الأحزاب السياسية هي فكرة غربية لكن ما يميز هذه عن تلك ، أن الأحزاب السياسية الغربية كانت نتيجة للديمقراطية ، أما ديمقراطيتنا فهي نتيجة لأحزابنا السياسية التي تحاول فرضها أو الكلام عنها .
النقطة الأخرى فيما يجري في العراق رغم عدم إمكانية التكهن للمستقبل ، وحتى المستقبل القريب بل ما نستطيع الحديث عنه هو الحاضر ، والحاضر بتعقيداته وغموضه ، فالظاهر والمعلن أن ما فرض على الأحزاب هي ثقافة المشاركة السياسية ، وإحلال التوافق والتعاقد محل التسلط والإلغاء ، وظهور الكتل والتحالفات السياسية - رغم أن بعض الكتل اجتمع على أساس عرقي أو طائفي- (12)، ومع كل ذلك فإن هناك أمورا كثيرة قد تهدد المشاركة الاسمية فيما بينها ، وخاصة اعتماد الكثير منها على ظاهرة الميلشيات المسلحة ، والاهتمام المستمر بتطوير سلاحها وتدريبها عسكريا ، وهذا ما يقلل من لغة الحوار واستمراريته ، رغم أنها تحاول جاهدة في بناء شرعية لها قائمة على أساس القبول فيما تعززه لها الأصوات التي تحصل عليها في الانتخابات ، والتي تؤهلها في إشغال مقاعد لصنع مستقبل البلاد الديمقراطي.
قبل الخوض في الأنظمة الداخلية للأحزاب أو الدساتير التي خطتها لنفسها وطبيعة الأسس التي اعتمدتها دساتيرها ، نحاول أن نعتمد مبادئ وضوابط "الحزب الديمقراطي" التي أشرنا إليها كمعيار في دراسة الأحزاب العراقية ، فالقيادة" الكاريزمية "بالنسبة للأحزاب سواء حينما استلمت السلطة أو كانت في المعارضة مثلت الأساس التي يدور حولها الحزب وأعضاؤه ، بل اقترن وجود الحزب بوجود زعيمه في قمة الهرم ، وما تمليه تلك الزعامة من اعتبارات تعد انفراد القائد في اتخاذ القرارات نقطة تقاطع بينها وبين الأحزاب الديمقراطية التي تؤمن باتخاذ القرارات وفق مبدأ المشاركة وما ينص عليه الدستور في منح الرئيس الصلاحيات المسموح له العمل بها ، فلو القينا نظرة سريعة على طول عمر رؤساء الأحزاب وهم يقودون أحزابهم لظهر في الكثير منها أنهم تولوا السلطة فيها بعد طرحهم لفكرة التأسيس ، والى الآن وهم يقودونها دون أن تطرح فكرة الانتخابات الدورية في رئاسة الحزب سواء كانوا في المعارضة أو بعد استلامهم للسلطة الآن (13) .
أما المحور الأخر الذى يتقاطع مع ما تأسست عليه الأحزاب الديمقراطية أو الضوابط التي التزمت بها فتتمثل بالمبدأ الذي ينص على قبول الانتماء للحزب بكل من يحمل صفة المواطنة دون تمييز بين عرق أو طائفة ، والملاحظ أن أحزاب ما بعد التغيير تميزت بصفة الانغلاق مع وجود الاستثناء ، إما على جماعة عرقية أو طائفة دينية حتى لو لم تنص بعدم رفض الآخرين في الانتساب لعضوية حزبها حتى اشتهرت الرئيسية منها بالطائفة أو العرق الذي ارتبط به أعضاؤها ، مع الأخذ بنظر الاعتبار انتماء بعض الأعضاء من غير الطائفة أو العرق ، وهذا التجميل حصل خاصة بعد عملية التغيير ، وبروز أهمية ارتباط الكثير من المواطنين لمنفعة يجنيها ، ولا تتم تلك المنفعة إلا عن طريق مثل ذلك الارتباط ، كما أن أعداد أولئك الأعضاء لا يعد ذا قيمة في صياغة القرارات ، هذا إذا كان للأعضاء الدور في التأثير على القرارات التي يتخذها الحزب بشخص الرئيس .(14)
أما فيما يخص الأنظمة الداخلية أو الدساتير التي اعتمدتها الأحزاب السياسية العراقية فبمراجعة بسيطة لبعض منها - نجدها وكأنها خطت على عجل- أكدت في موادها الأولى على الديمقراطية والحرية ، وتشبه إلى حد بعيد الدساتير التي اعتمدها الانقلابيون بعد سقوط الملكية في العراق 1958م حتى دستور 1970م ، ناهيك عن أنها تضع النضال والنضال الثوري كجزء من مبادئ دساتيرها ، علما أن الثورة تتقاطع مع مبادئ الأحزاب الديمقراطية .
هذا التقاطع أو التناقض يعد من ضمن العوائق الداخلية أمام عملية التحول الديمقراطي إذا ما قسمناها إلى عوائق داخلية وعوائق خارجية فذلك التناقض يؤثر على ممارسة الأحزاب في المشاركة السياسية ، خاصة عند استلامها للسلطة أو بعض من أجهزة الدولة ، والتي تملك التأثير في الرأي العام ، واستغلال مكانتها ، وعلى سبيل المثال في عمليات الانتخاب التي تتم في ظل الأوضاع القائمة
أما بالنسبة لما يخص الانتخابات ، فمثلت معيارا نستطيع من خلالها التثبت عن مصداقية ادعاء الأحزاب السياسية وموقفها من الديمقراطية ، وإمكانيتها قيادة عملية التحول الديمقراطي ، فكان التنافس باديا بين الأحزاب في تشكيل الجمعية الوطنية الانتقالية ، لكن هذا التنافس قادها باتباع آلية وفق الأسس والمبادئ التي تأسست عليها ، لا وفق ادعائها بأنها أحزابا ديمقراطية ،لذا كان التقارب بين الأحزاب من نفس الطائفة أو القومية في تشكيل تحالفات لها أو ائتلافات ضمن قوائم واحدة ، وبرنامج انتخابي كان للديمقراطية الفقرة الأولى في ذلك البرنامج، رغم انضمام عدد من الكتل أو الشخصيات من غير جهة الكتلة حرصا منها للوصول السهل بمقعد في الجمعية الوطنية لوفرة حظ تلك الكتل قياسا لوضعها (الشكلى) حسب ما يسميه البعض .(15)
تعد التعددية السياسية الحزبية ماهية التحول الديمقراطي ، ولا بديل للتحول عنها ، بل لا معنى للديمقراطية بدونها ، والمزية الكبرى للديمقراطية هي توفير الآليات الشرعية لتداول السلطة بعيدا عن الانقلابات والتصفيات ، وهذه الآليات تستقر لأنها تسمح للجماهير بالاختيار بين الاتجاهات المتعددة ، فتتعدد الأحزاب (16)، إذن ، إذا ما كان في ظل حزب قائد أو مهيمن ، يجعل العملية السياسية تجري في إطار مزيف ، لأن الممارسة العملية قد تحول دون حرية الآراء ، وتمنع بعض الأطراف من إمكانية الفوز في إطار ممارسة انتخابية حرة، ولا يفهم من هذا الحديث بأننا حينما ننتقد ونرفض حالة تكون الموافقة والقبول شرطا وحيدا في الحالة الأخرى ، لكن يبدو ليس في العراق فقط بل في المنطقة عموما أن التعددية الحزبية والمشاركة السياسية لها نهجها الخاص، والخصوصية تنبع من ازدواجية تعامل الأحزاب السياسية العراقية القائمة أغلبها على العرق أو الطائفة مع الديمقراطية بكل تاريخها الغربي المبني على القطيعة مع الدين ومنح الشعب القرارات التي كانت بيد الكنيسة ، ذلك يعني إننا أمام ديمقراطيات جديدة ولدت بمباركة الديمقراطية الليبرالية التي منحت لنفسها الحق في إبداء الآراء انطلاقا من هيمنتها الفكرية والعسكرية والاقتصادية ، كما يطمح المواطن من خلالها إلى تعويضه من استلاب الماضي الذي أصبح الركيزة التي توضع عليها أخطاء الحاضر المبني على ملابسات يبدو أن الماضي صنع جزء منها ، والحاضر له الحصة الأكبر ابتداء من ممارسة الأحزاب لأنشطتها في ظل وجود قوات أجنبية ينظر لها بأقل تقدير من لدن تلك الأحزاب بأن لها الفضل في عملية التحول الديمقراطي، لذا فعملية الحسم في القرارات النهائية إما تأتي عن طريق القوة التي هي نفسها التي جاءت بالديمقراطية، أو ربما يأتي الحسم بأفضل من ذلك عن طريق مكتب السفير المجاور لمجلس الوزراء في المنطقة الخضراء (17).
الإشكال القومي ودول الجوار:-
إن تعريف الديمقراطية هو تمثيل حقوق جميع الأفراد داخل المجتمع والحفاظ عليها ولذا فإنه ليس من السهل تحقيق مثل هذه الديمقراطية فى العراق دون إثارة الصراعات العرقية، وطبقا لما ذكره ريتشارد هو لبروك سفير الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة ورئيس المفاوضين فى اتفاقية دايتون عام 1995م (18) ( انه من الصعوبة الشديدة تطبيق الديمقراطية فى بلد كهذه ، حيث أن الديمقراطية الحقيقية فى الغالب سوف تدفع بأحد قادة السنة أو الشيعة أو الأكراد ذوى النفوذ الكبير إلى السلطة وبهذا سيكون الحال أسوأ مما كان فى البوسنة، حيث أن العواطف والنزعة الدينية أقوى بكثير، أما عن الحرب فى البوسنة، فإنها لن تستمر طويلا لكن القتال بين السنة والشيعة والأكراد يمكن أن يبدأ بسهوله فى أى لحظة إذا ما تركت القوات الأمريكية العراق)، فان إقامة حكومة ديمقراطية فى العراق يشكل بدوره نوعاً من المخاطرة حيث انه سيمنح السلطة لأحزاب قائمة على الهوية والتى كما يتضح من المسمى فإنها تمثل مجموعه دينيه واحدة أو مجموعة عرقية واحدة أو حتى مجموعة لغوية واحدة فى البلاد ومن المحتمل أن تقوم هذه النوعية من الأحزاب بطمس حقوق الجماعات الأخرى فى العراق، أما عن الجماعات فى العراق، فإنه يوجد ثلاث هويات رئيسية لها تاريخ طويل من النزاعات والصراعات فيما بينها، تختلف هذه الجماعات فمنها العرقية ومنها الدينية، و يعتبر العرب أكبر هذه الجماعات فهم يمثلون نسبة حوالى 75% من تعداد السكان، ويعيشون أساسا فى وسط البلاد وجنوبها أما عن الأكراد فهم يمثلون قرابة 20% ويعيشون فى شمال البلاد، ومعظم العرب مسلمون على الرغم من انتمائهم إلى مذهبين مختلفين وهما الشيعة والذين يمثلون حوالى من55 - 65%، والسنة الذين يمثلون حوالى 30-40%، لقد كانت نظرة الفريقين إلى القيادة الإسلامية سببا فى التفريق بينهما، فإن عقيدة الشيعة تقوم على الإمامة والتى تنص على أن قادة المجتمع الاسلامى يجب وأن يكونوا من نسل الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، وكذلك فان على بن أبى طالب زوج بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم يجب وأن يكون هو القائد التاريخى للمجتمع الاسلامى، وعلى النقيض نجد أن السنة يؤمنون بأن للمسلمين الحق فى اختيار قائدهم كما يتراءى لهم وهم لا يؤيدون فكرة اتخاذ على بن أبى طالب القائد التاريخى للمجتمع الاسلامى، وان كان هذا هو أكثر أوجه الخلاف وضوحا بين الشيعة والسنة إلا أنه ليس الاختلاف الوحيد بين هاتين الفئتين، وبالنسبة للأكراد فإنهم ثاني أكبر جماعة عرقية موجودة فى العراق وهم يعيشون أساسا شمال البلاد، وهنا تلتقى الخطوط الدينية والعرقية بين كل من العرب والأكراد، فكلاهما مسلمون ومعظم الأكراد من السنة على الرغم من أن بعضهم يعتنق المذهب اليزيدى والذى يتكون من عناصر من المسيحية واليهودية والإسلام، بالاضافة الى ذلك نجد التركمان والاساريين وهم يمثلون نسبه5% من تعداد السكان.(19)
وضّح التاريخ أن العلاقة بين العرب والأكراد كانت أكبر مصدر من مصادر التوتر فى العراق، فقد كانت الحكومة العراقية دوما ما تستبعد الأكراد من الوظائف الهامة، ليس هذا فحسب بل حاولت الحكومة طمس هوية هذه الجماعة داخل كيان المجتمع العراقى، وكجزء من برنامج التعريب، فقد حاولت حكومة صدام أن تلغى هوية غير العرب وذلك عن طريق منعهم من التحدث بلغتهم أو حتى أن يتعلموها وكذلك فقد ضغطت الحكومة عليهم كى تكون أسماؤهم أسماء عربية فى كل التعاملات الحكومية الرسمية بما فى ذلك الأوراق الشخصية، وتعداد السكان .
من جانبها فقد