التعددية الدينية في إثيوبيا
تجارب التعايش والصراع الإثنوديني ومستقبل الوحدة الوطنية
اعداد :د.عبدالوهاب الطيب البشير
مركز البحوث والدراسات الإفريقية-جامعة إفريقياالعالمية
مقدمة :
التعدد والتنوع الديني ربما يعتبر مسألة ازلية فطرية، وسنة كونية ،وليست بظاهرة حديثة أو مستحدثة وإنما هي من المسائل والقضايا الآخذة في التشعب والتطور بتطور مطلوبات الحياة اليومية، علي مستوي الافراد والجماعات، والدول والحكومات، الأمر الذي دفع بها وجعلها أحدي أهم قضايا العصر الملحة والمعقدة . وعلي ذلك فإن ظاهرة ( التعددية الدينية ) تعتبر واحدة من السمات والصفات التي تشكل واقع أغلب أو كل الشعوب والأمم والقوميات والدول ، ولكن يبدو أن هناك عاملان قد أثرا في قضية التعددية الدينية والمؤثرة تلقائيا علي فرص تحقيق ( التعايش الديني)( وإمكانية) ( العيش المشترك( لأفراد مجموع وطني واحد أو مجموعة دول متجاورة وهي :
أولا: فترة ومرحلة تشكيل وإعلان الدولة القطرية قد مثلت تطوراً مهما في التأثير علي القضايا المرتبطة ( بالدين ( و) التعددية الدينية ( ، حيث دخل ) الدين( كعامل أساسي في حساب العناصر الاساسية المكونة لأي شعب أو أمة وتحديد مسألة ) الهوية ( بجانب عناصر اللغة والجنس، والارض حيث أصبح وجود عقيدة لها سيطرة روحية اجتماعية ) اليهودية – المسيحية – الاسلام ( وسيطرة اقتصادية )كالرأسمالية والشيوعية ( ضرورية لتحديد الشعور القومي(1) الأمر الذي خلق صراعات ونزاعات نتجت من تداخل التعدديات الدينية والإثنية واللغوية علي رقعة معينة من الارض ، الأمر الذي استحال معه تجميع مجموعة معينة من الناس متفقة كلها من حيث الدين واللغة والعرق في دولة واحدة ، ولعله ربما تكمن خطورة قضية التعددية الدينية في أنه حتي في حال انفراد وتمتع الدولة بدين واحد ، فإن الإديان نفسها منقسمة إلي طوائف ومذاهب وتيارات متباينة ، وهي معقدة وعنيفة ومتشابكة الصراعات ، فالاسلام هو دين الصوفية والشيعة والسلفية والمعتزلة والأشاعرة، واحزاب وتيارات الإسلام السياسي ، كما المسيحية هي دين الطوائف الاورثوذكسية والبروتستانتية والكاثيوليكية والانجلكانية والنسطورية واليعاقبة والملكانيين ، واليهودية هي دين . والشيوعية هي ايديولوجية اتباع الماركسية واللينينية، وهكذا قس علي ذلك كل الأديان والمذاهب ، والتي ربما يمكن معها القول بأنه لم يسلم قط دين من الأديان ، أو ايديولوجية وضعية ، من ظاهرة الانشقاق والتعدد، ولعل ذلك راجع الي اختلاف الطبيعة الفلسفية التي تمثل المنطلقات والمرجعيات الفكرية لهذه الأديان والايديولوجيات .
ويبدو أنه قد أثرت هذه الظاهرة الانقسامية للدين الواحد ، أو التيار والمذهب الفكري الوضعي، الي طوائف ومذاهب متعددة من الداخل ،علي تماسك واندماج حتي القوميات والامم والشعوب التي توحدها عوامل اللغة والجنس والتاريخ .
ثانيا : يبدو أن ( الدين ) وقضية ( التعددية الدينية ) قد تأثرت بموجة الاستعمار التي اجتاحت اجزاء كثيرة من العالم خاصة افريقيا وآسيا ، وهي مسألة يمكن قراءتها من عدة زوايا :
تباين الخلفيات الدينية وبالتالي الصراعات الدينية التاريخية للدول المستعمرة ، وتأثيرها علي السباق والمنافسة فيما بينها كدول استعمارية كبري ، مثل بريطانيا وفرنسا وايطاليا والمانيا والاتحاد السوفيتي واسبانيا والبرتغال وامريكا مؤخرا ،علماً بأنها تمثل أوعية لأديان وعقائد وتيارات فقكرية أثرت في خارطة الفكر العالمي.
في مستوي وزاوية أخري تباين واختلاف الابعاد الدينية بين الدول الاستعمارية والبلدان المستعمرة عليها ، كالاختلاف بين بريطانيا بطوائفها المسيحية ، ومستعمراتها المتفاوتة مابين الاسلامية والمسيحية والبوزية والهندوسية وقس علي ذلك بقية الدول الاستعمارية .
ولعله قد تأسس علي خلفية ذلك العديد من النتائج والتي من أهمها قوة ارتباط ( الدين ) بالمسألة (القومية ) أو)القطرية( ، ظهرت هذه العملية بوضوح في نشأة وتطور وتبلور ) حركات التحرر الوطني ( وظهور ودخول وارتباط ) الدين( بمفاهيم وقضايا) الثورة (.و) الاحتجاج(و) التمرد(، ويبدو أنه من أكبر وأخطر المشكلات التي خلفتها العلمية الاستعمارية هو نحت ورسم الحدود السياسية أو الدولية لمستعمراتها ، عند لحظة استقلالها ، بطريقة انعدم فيها مراعاة التجانس والتماسك والتقارب لمكونات الدولة الجديدة ، من حيث العرق أو اللغة أو الدين ، وفي مستوي آخر عدم تجانسها وتقاربها مع دول الجوار والحالة الاثيوبية تعبر عن ذلك وقد أدي ذلك لميلاد مشكلتين في آن واحد :
المشكلة الأولي : انفجار الأوضاع الداخلية للدولة الجديدة بسبب النزاعات العرقية والدينية، حيث ظهر أن شكل الدولة عبارة عن تجمع لعدة دويلات وأمم وشعوب متجاورة داخل دولة واحدة، ولعل ذلك خلق الشعور بالانفصال والاحتجاج والثورة ، كما في حالة إثيوبيا .
المشكلة الثانية : توتر وانفجار العلاقات بين الدولة والدول المجاورة حيث يظهر ويبدو أن للدولة أمتدادات وحقوق واجزاء متبقية في داخل الدول الأخري، فالخارطة الإقليمية أو القارية تبدو أنها دول متداخلة ، ولعل ذلك واضح ايضا في المثال الاثيوبي بالنسبة لخارطة الدول المنحوتة في القرن الافريقي .
وتأسيسا علي كل ماسبق، تظهر أساسية ( الدين ) كعامل مهم مع بقية العوامل الأخري المتداخلة معه مثل العرقية أو الاثنية واللغةوالسياسة والاقتصاد والثقافة وغيرها ، في إحداث حالات التوتر والنزاعات وعدم الاستقرار لاغلب – إن لم يكن كل – دول العالم .
وبناءا علي ذلك تهدف هذه الورقة الي محاولة اظهار دور وأثر(الدين ) في بناء وتماسك واستقرار الدولة ، من خلال التشريح والتشخيص للحالة الاثيوبية ، والوقوف علي حالة أهل الأديان في اثيوبيا ، ومحاولة الكشف علي وضع الأديان في تسيير وادارة حياة القوميات والامم والشعوب الاثيوبية ، وتلمس نسبة اسهام( الدين ) في النزاعات والصراعات الاثيوبية الداخلية ، عموما الكشف قدر الامكان علي علاقة (الدين) (بالدولة ( و) المجتمع) .
واستنادا علي ذلك فإن المشكلة التي تسعي هذه الورقة الي عرضها وتحليلها أملا في الوصول إلي نتائج وتوصيات علها تسهم في الحل تدور حول سؤال محوري هو : إلي أي مدي يمثل ( الدين ) عامل وحدة أو انقسام في الدولة الاثيوبية ؟. وبطريقة أخري ماهو أثر التعددية الدينية علي عملية التعايش بين أهل الأاديان وانعكاس ذلك علي قضية الوحدة الوطنية في اثيوبيا ؟
وتقوم دراسة هذه المشكلة علي عدد من الفروض منها :
إن التباين والتعدد الديني يعتبر احد عوامل الصراع والنزاع بين المجموعات العرقية، والتي عمقت من الفوارق بين هذه الإثنيات ، مما قلل واضعف من فرص تقوية الوحدة والتكامل الوطني في إثيوبيا .
قوة إرتباط ( الدين ) ( بالعرق ) و( اللغة ) عمل علي اكساب كل قومية او شعب من المجموعات العرقية الاثيوبية ( هوية ) خاصة ومميزة تتيح لها فرص الاحتجاج الخفيف أو العنيف من أجل المشاركة والحصول علي الحقوق والمكتسبات ، وأخـري انتهجت طريق ( الثورة ) من أجل الانفصال ، والحصول علي حق تقرير المصير، وتحقيق الاستقلال ، وكل هذه الطرق والاساليب أدت الي اضعاف وهشاشة التعايش بين اهل الأديان وتهديد تماسك الوحدة الوطنية الاثيوبية .
أدت قوة العلاقة بين ( الدين ) و(الدولة ) ممثلة في علاقة الكنيسة ( المسيحية الاورثوذكسية) ، بالملوك والأباطرة الاثيوبيين ( التقراي والأمهرة ) ، وفرض المسيحية لتكون الدين الرسمي للدولة ، الي حدوث وإنتاج صراعات ونزاعات إثنو دينية بين الاقليات النصرانية المسيطرة وهي الأمهرة والتقراي ، مع الأغلبيات والأقليات الإسلامية المسيطر عليها مثل الأورومو والصوماليين والعفر وشعوب الجنوب,والغرب ، والاقلية اليهودية ( الفلاشا) .مما قللت من فرص التعايش والعيش المشترك
السباق والمنافسة التاريخية للدول الاستعمارية القديمة البرتغاليين والعثمانيين ، وحديثا بريطانيا وايطاليا وفرنسا ، وأخيرا أمريكا واسرائيل ، لحجز أماكنها في منطقة القرن الافريقي الاستراتيجية ، عملت سياساتها الاستعمارية علي وضع وتكريس بذور الفتنة والنزاعات الإثنو دينية ، أدت إلي خلق عصبيات دينية / إثنية ، أضعفت كثيرا من التماسك بين أهل الأديان مما أثر علي الوحدة والتكامل الوطني للإثيوبيين
الخارطة الدينية لإثيوبيا :
الأديان والمعتقدات الوثنية والمحلية التقليدية في اثيوبيا :
تاريخيا جاءت افادات بعض الدراسات لتقرر حقيقة أن أتباع ومعتنقي الديانات الوثنية والمعتقدات المحلية في إثيوبيا يتميزون بخصوصية الإنفراد بالأصالة الإثنودينية، حيث جاءت إشارة ترمنجهام مؤكدة لإعتبارية الكوشيون الوثنيون بأنهم المستوطنون الأصليون . (2)
وبناءاً علي ذلك ربما يبدو واضحا من خلال الملاحظة في مكونات هذه المعتقدات والأديان أن الفكر اللاهوتي الوثني في إثيوبيا قد إرتكز علي ثلاث مصادر ، مثلت عبر مراحل وفترات التاريخ المختلفة مصدر الألوهية والربوبية الوثنية ، والتصديق والإنقياد للمعتقدات التقليدية المحلية وهي السماء ومتعلقاتها الشمس والقمر والنجوم ،والأرض ومتعلقاتها من الأشجار والأنهار ، والطبيعة الناسوتية وهي الاعتقاد في أرواح الأسلاف.
أما من حيث مناطق توزيع وانتشار هذه المعتقدات والإثنيات التي تؤمن بها ، قد إنحصرت بصورة واضحة وأساسية في المجموعات البشرية التي تقطن في المناطق الشمالية، ولكنها مختلطة مع الأغلبية النصرانية التغراوية والأمهرية، وكذلك في الجهات الشمالية الغربية ،ولكنها مختلطة بالاغلبية كما عند مجموعة بني شنقول، والجنوبية مختلطة مع أغلبية اسلامية من الأرومو، ومع أقلية إسلامية ونصرانية في مناطق السيداما الجنوبية الغربية ، وهذه تمثل مناطق الثقل الوثني ، ولكنها أيضا مختلطة مع أقليات اسلامية ونصرانية كما في المناطق التي تضم قوميات أومو وكفا وقمبيلا ، وبدرجة أقل في المناطق الوسطي التي تميل للشرق قليلا (3) .
وظل إنتشار الوثنية والأديان المحلية التقليدية في إثيوبيا وسط المجموعات الكوشية والسامية ، كما وضح من خلال العرض السابق ، فانها كذلك قد سجلت بقاء وتمدد وسط القبائل الزنجية أو المجموعات الإفريقية والتي يسمها ويطلق عليها الأحباس مجموعة الشنقيلا (4) (Shangela) وتضم قبائل الكوناما أقصي شمال غرب اثيوبيا ، كما أشارت بعض الدراسات إلي إنتشار الوثنية في أوساط قبائل الهامش أو الحافة الشمالية الغربية لإثيوبيا والمتاخمة لحدود السودان الشرقية والجنوبية الشرقية، حيث تضم قبائل القنزا أو قمز ، توبا ، سوري ، توجا ، مورلي ، وقاي ، والتي تكون حوالي 000ر150 نسمة كما تتميز وتتواصل خارطة التوزيع الديني الوثني علي طول الحدود الاثيوبية الغربية والجنوبية الغربية حتي تتداخل مع السيداما ، شاملة ايضا بعض القبائل الزنجية حـــيث تـضم الكومو ، أبقار ( نوير ) ماو ، ماجانوا (ماسونقو ( يامبو ، انواك ، ميكان ) شورو ( داما ، نور كانا ، كونسو وقاردولا. (5)
اليهودية واليهود في إثيوبيا :
قد إرتبط دخول وإنتشار الفكر اللاهوتي اليهودي في إثيوبيا ، بدخول الجماعات السامية الوافدة، والمختلف تاريخياً حول مصدرها، مابين وفودها من الشمال الإفريقي من مصر، أو منطقة الهلال الخصيب ( الشام ) منشأ ومصدر اليهودية الأولي ، أو الجزيرة العربية خاصة اليمن ، ولكن مايهم في هذا السياق، أنه وفور دخولها إختلطت وإنصهرت روحياً وفكرياً وعرقياً مع المجموعات الإثنية الكوشية المحلية الأصلية . وقد ارتبطت اليهودية في إثيوبيا بقصة ورواية زواج ملكة سبأ من سيدنا سليمان، التي يقال أنها من الناحية المكانية قد شملت التخوم التي تضم اليمن واثيوبيا .وأيا كانت مدي صحة هذه الرواية ، إلا أن لها الكثير من الدلالات ، والعديد من الإشارات والإيحاءات، في بلورة وتأسيس وتكريس جملة من المفاهيم حول إثيوبيا ، خاصة فيما يختص بوضعها ومكانتها الدينية ويمكن تلخيصها في الآتي:
• إختصاص وإنفراد بعض من الأعراق الإثيوبية( الامهرة – التقراي) بالإرتباط والإمتزاج بأصل شجرة النبوة في بني إسرائيل ، ولعل ذلك قد هيأ هذه الفئة للشعور بالأفضلية والصفوية والتعالي العرقي والديني ،علي غيرها من الأجناس والفئات علي المستوي المحلي ،وربما الاقليمي ، بل وربما لمكانة عالمية ، وذلك في طريقه ربما تماثل أو تشبه السلوك والروح اليهودية، وإتجاهاتهم النفسية في وصفهم لأنفسهم بأنهم شعب الله المختار من دون شعوب وأهل الأرض جميعا .
• هذا الارتباط الروحي الديني والعرقي،( الكوشي/ يهودي) ،حاولت من خلاله الأسرة الحاكمة من سلالة سليمان وماكدة ، والتي بدأت في عهد الملك منليك الأول ، وأصبحت بعد ذلك تسمي نفسها بالأسرة السليمانية، أن تخلق عن طريق هذا الفهم لإثيوبيا أبعاد شرق أوسطية، تمكنها من الدخول والتلاقي مع مناطق مهبط الديانات، وقيام الحضارات في الشرق الأدني والأوسط ، لتكسب من خلاله المشروعية والمكانة الدينية ومن ثم السياسة، التي تعبر بالنسبة لهم عن الحق اللاهوتي المقدس في الريادة والسيادة والقيادة الدينية والملكوية ،علي المستوي الإثيوبي المحلي، وربما الإثيوبي الإقليمي.
• وربما يمكن أن يُلمس ويُشتم أن إثارة هذه الأسطورة في ذلك الحين، والتمسك بها بعد ذلك، قد أسس وركًز لوجود ظاهرة التعصب الديني ، الذي يستهدف الترويج لنشر اليهودية، خاصة من ملوك البلد، كوسيلة لإعتناقها اليهودية ومن ثم إعتناق شعوبهم لها، وعندما دخلت النصرانية البلاد ، وبدأت تنتشر بين حكام المملكة، لم يجد قسم كبير من السكان أمامهم سوي تقبل دين ملوكهم، في الوقت الذي بذل فيه الأباطرة ورجال الكنيسة جهوداً كبيرة وقدموا الدعم الثقافي من أجل الكنائس والاديرة.
ومن حيث طبيعة الفكر اللاهوتي اليهودي في اثيوبيا ، يبدو أنها لم تستمر كعقيدة يهودية نقية بذات طبيعتها الساموية الشرقية، وعقيدتها وتشريعاتها الموسوية الاسرائيلية ، فيظهر أن الفكر اللاهوتي اليهودي تأثر بالسابق الوثني ،واللاحق النصراني، إذ أصبحت اليهودية تحمل سمات ومميزات خاصة، تختلف عن تلك العقيدة اليهودية في مناطق نشأتها الأولي، أو لدي شعوب ودول العالم الأخري ، وربما يمكن تسميتها باليهودية الاثيوبية ، لدرجة ما أصبحت تأخذه وتتاثر وتتميز به من خصوصية المكان والزمان الأثيوبي .
أما اليهودية في اثيوبيا من حيث التوزيع والانتشار ، فقد ورد أنه علي إختلاف كل الروايات التي تتحدث عن هجرة اليهود، أو الجماعات السامية الاسرائيلية إلي الحبشة، إلا أن أهم وأبرز نتائج ذلك هو أن جماعة يهودية إستقرت في الحبشة ، وأن أرضي ومنطقة السيمن(Semen ) ومجموعة الأقاو هي أول الأماكن والعناصر التي إستقبلت الجنس والعقيدة اليهودية ضمن خارطة اثيوبيا الدينية، ويبدو أنه قد حدثت عمليات التفاعل والإنصهار والإندماج و التذويب بدرجة كبيرة لهذه الفئات اليهودية مع مجموعة الأقاو الوثنية ، وقد ذهبت بعض الدراسات إلي تأكيد ذلك بأنه من وجهة النظر العرقية، فإن هذه الجماعة اليهودية قد تشربت تماماً من جماعة الأقاو وظلوا متأثرين ومتطبعين بثقافتهم فكان الناتج من هذا التمازج والانصهار السكاني العنصر الذي يسمي الفلاشا وهم المنبوذون أو الغرباء(7 ) ، وقد تمت مطاردتهم وزعزعتهم من هذه المنطقة بواسطة الملوك والاباطرة الأمهرا ، ليصبح توزيعهم وانتشارهم في الخارطة الدينية الإثيوبية في تجاه الاقاليم الشمالية الغربية ، وبصورة أكثر تحديداً حول غندار ، وشمال غرب بحيرة تانا ، لتشكل بعد ذلك مناطق الأغلبية والثقل اليهودي وذلك في محافظات دامبيا Dambya، وقارا Wagara ، وارمشاهوArmachaho ، وتبدو الملاحظة واضحة بأن مناطقهم ذات نمط وطبيعة قروية زراعية ، ولذلك فان هذه البيئة جعلت من الفلاشا عمال صناعيين وماهرين في مجال الزراعة ، وبعض الحرف المتصلة بنشاطها مثل البناية ، والعمل الحديدي ، والغزل وصناعة الخزف (8)، وهنا يظهر بوضوح بعدهم وعدم اختيارهم وتبنيهم لخصائص مهنتهم الإسرائيلية المعروفة وهي التجارة .
المسيحية والمسيحيون في إثيوبيا :
تواترت إشارات المصادر المختلفة في التأكيد على أن أثيوبيا تعتبر من أولي المناطق التي شهدت دخول المسيحية في منطقة الشرق الإفريقي ، والثانية بعد مناطق الشمال الإفريقي ، والتي شهدت البدايات الأولي لدخول، خاصة الإسكندرية ، في حوالي القرن الثاني الميلادي . ولكن ربما كانت هناك بعض الاختلافات حول البدايات التاريخية الحقيقية لدخول النصرانية في أثيوبيا ، فقد انقسمت المصادر في ذلك إلى رأيين: عبر الأول عن دخولها في حوالي القرن الأول الميلادي والثاني في القرن الرابع الميلادي على يد القديس فرومنتيوس وهو الرأي الأرجح ، والذي نصبه بعد ذلك بطريرك الإسكندرية (9) .
أما عن اتجاهات الفكر اللاهوتي في الكنيسة الأثيوبية فمن الواضح والمعلوم ، الارتباط التاريخي للكنيسة الأثيوبية ، منذ بواكيرها الأولي في مملكة أكسوم بمطرانية الإسكندرية ، المؤسسة على المذهب القبطي الأرثوذكسي ، وقد تم ترسيم فرومنتيوس نفسه من قبل بطريرك الإسكندرية إثنا سيوس ليكون أول أسقف أو رسول كنسي في أكسوم) أثيوبيا حالياً (.
أما فيما يخص الفكر اللاهوتي للكنيسة الأرثوذكسية الحبشية ، فإنها كانت تؤمن ابتداءاً بما كانت تعتقد فيه الكنيسة الأرثوذكسية في الإسكندرية ، وهي العقيدة القائمة على الطبيعة الواحدة للسيد المسيح والمتصفة باتحاد الطبيعتين اللاهوتية والناسوتية (10 ) ، وفي هذا تشير بعض المصادر بأن الكنيسة الأرثوذكسية الحبشية عضو في تجمع وشراكة الكنائس الأرثوذكسية المشرقية ، التي ترفض مجمع خلقيدونية ، والتي تضم كنيسة الإسكندرية القبطية الأرثوذكسية وكنيسة أنطاكية السريانية الأرثوذكســــية ، والكنيسة الأرمنــية الرسولية ، وكنيسة مالابار الهندية الأرثوذكسية( 11).
وعن النصرانية في إثيوبيا من حيث التوزيع والإنتشار، أوردت بعض المصادر المهتمة بدراسة الدين في اثيوبيا أنه ربما يعتبر التقراي أسبق المجموعات السكانية في اثيوبيا الي اعتناق وتبني المسيحية الاروثوذكسية كما جاءت في طبيعتها العقدية الأولي وحتي الآن ، وهي متمركزة في مناطق الهضبة الشمالية لإثيوبيا ، مع حدود إرتريا ، وهي تمثل 8% من سكان اثيوبيا وتقاسمهم هذه النسبة أقلية إسلامية. (12)
ومن جهة اخري إذا كان التقراي يمثلون تاريخيا المجموعة العرقية الأقدم ايمانا بالنصرانية ، فان الامهرة يعتبرون المجموعة المسيطرة علي المؤسسة الدينية الكنسية والسلطة السياسية والنواحي الثقافية واللغوية خاصة خلال تاريخ اثيوبيا الحديث (13) وكذلك تمثل المجموعة الاثنية الامهرية واحدة من اقوي مراكز الاغلبية الدينية النصرانية في خارطة التوزيع والانتشار الديني في اثيوبيا بجانب التقراي وتستوطن وتنتشر العناصر النصرانية الامهرية في مناطق شمال والشمال الأوسط من اثيوبيا والتي مثلت البؤرة الاساسية لحركة التاريخ والانتماء الجغرافي والبناء السياسي والشرعية والسلطة الدينية للدولة الاثيوبية ، واكثر من ذلك وبصورة أكثر تحديدا ووضوحا تتمركز النصرانية في مناطق الأمهرة الرئيسية وهي شواء ، وتعتبر المعقل التاريخي لهم ، وقوجام ومعظم مساحة غندارا ، اضافة لتمركزهم في النواحي الغربية من منطقة ولو (14) واللازم توضيحة هو أن النصاري الامهراويين يغطون هذه المساحة في الخريطة باقل من 30 % من جملة المجموع السكاني المكون لاثيوبيا مع الاخذ في الاعتبار وجود اقلية اسلامية امهرية تمثل حوالي %14 من مجموع السكان الامهرة (15). .كما تنتشر وتتمركز المسيحية البروتستانتية في جنوب إثيوبيا وسط مجموعات الهدية والكمباتا والسيداما والقراقي وهي متفوقة علي الارثوذكسية (16) ،وتشير بعض الاحصاءات الحكومية إلي أن مجمل نسبة البروتستانت والكاثوليك تمثل 16ر%11 مقابل 54ر%50 للأرثوذكس من مجمل عدد السكان البالغ 62 مليون(17).
الاسلام والمسلمون في أثيوبيا :
فيما يتعلق بالبدايات الأولي لظهور اللاهوت الإسلامي في المنطقة الأثيوبية ، ربما يمكن القول بأنه لم تتفق المصادر – علي كثرتها- في مسألة تخص التاريخ الإثيوبي ، خاصة تاريخها الديني ، مثلما اتفقت حول قضية دخول العقيدة الاسلامية ، وأهل الإسلام إلي أثيوبيا .فقد أوردت المصادر مؤكدة بداية دخول الدين الإسلامي عبر المهاجرين المسلمين ، والتي كانت فـي شهر رجب من السنة الخامسة من البعثة عام 516 م ( 18)
وعن توزيع وانتشار الأسلام في اثيوبيا ، نجد أن الخارطة الدينية في اثيوبيا تظهر حظوظ عدد من المجموعات والقوميات السكانية بتشكيل أغلبية ايديولوجية اسلامية ، بل وقد إنفردت بعضها بالسيطرة والنقاء الكامل نسبيا للاسلام ، فهو علي هذه الصفة يكاد يغطي كل حدود المساحة الشرقية والجنوبية الشرقية قدرتها بعض المصادر بنسبة سيطرة ونقاء تصل الي 100% (65) وتحمل العقيدة الاسلامية في هذه المساحة، وبهذه الصفة في الخارطة الدينية الاثيوبية ، القومية العفرية ( الدناكل) علي طول جزء من الشرق وكل الشمال الشرقي ، بينما تغطي الجزء المتبقي من مساحة الشرق وكل الجنوب الشرقي القومية الصومالية ،فيما يسمي او يطلق عليه إقليم (الاوقادين ) ، ومجموعة الهررجي حول منطقة هرر المتاخمة والمتفاعلة مع المجموعة الصومالية في الشرق والأرومو في الغرب ، وكذلك مجموعة السلتي في جنوب إثيوبيا.
أما في المرتبة الثانية من حيث نقاء العنصر الإسلامي فتأتي مجموعة الاورمو والتي تمثل نسبة المسلمين فيها أكثر من %80 من المجموع السكاني ، بالرغم من إختلاف المصادر حول عددهم، ولكن مع هذا الاختلاف يظهر ويتبين إعتراف وأثبات كل المصادر لحقيقة أن الأرومو أكبر قومية من حيث السكان في إثيوبيا ، والأكثر اتباعا للاسلام ، ولكنها ليست الأفضل نقاءاً إذ يشاركها في النسبة المتبقية وهي اكثر من %10 معتنقي النصرانية ، والديانة الوثنية والمعتقدات المحلية التقاليدية ، ولذلك نجد أن شكل الإسلام عبر هذه القومية الارومية ينتشرو بتمدد في الخريطة الدينية الاثيوبية ليغطي مناطق الوسط، وجزء من المنطقة الشرقية وكذلك الغربية ، كما تمتد جنوبا حتي الحدود مع كينيا ، ويلي الأرومو من حيث نسبة النقاء الايديولوجي الاسلامي مجموعة قوراقي ( GORAGE ) والتي تصل نسبة المسلمين فيها اكثر من %75 من مجموع سكانها المختلف حـوله أيضا ، ولكن تظل النسبة ثابتة في الحالتين ، ولعل آخر المجموعات التي تمثل نسبة المسلمين فيها أعلي من بقية المجموعات الدينية الاخري هي قمبيلا في غرب اثيوبيا مع الحدود المتاخمة لجنوب شرق السودان ويحدها شمالا مسلمو بني شنقول ، ويمثل مسلمو القمبيلا اكثر من %50 وبقية النسبة موزعة بين النصرانية والاديان الوثنية والمعتقدات الملحية(19) .
ومن ناحية المذاهب السنية تأثر الغالبية من الإثيوبيين بالمذهب الشافعي وذلك لارتباطه بأكبر مجموعة عرقية هي الأورومو وكذلك الصومالية، بينما إنتشر المذهب الحنفي وسط الهررجي حول مناطق هرر وساحل البحر الاحمر قبل انفصال اريتريا ، وحول اديس أبابا ، ويسود المذهب المالكي في مناطق غرب وشمال غرب إثيوبيا متأثرة بالسودانيين ، كما يوجد بعض المذاهب كالاباضية وسط الصوماليين خاصة المهاجرين إلي اريتريا والحضارمة والزيدية المهاجرين من اليمن (20). كما تأثرت إثيوبيا بحركة الطرق الصوفية ، خاصة الوافدة من السودان عن طريق الشمال عبر إريتريا.مثل الختمية والسمانية والقادرية في مناطق بحر دار وأديس أبابـا وهرر . .
الدين وتجارب التعايش والصراع في اثيوبيا: خلفيات التاريخ القديم والحديث والمعاصر :
لماذا يبدو التعايش الديني ضعيفا في اثيوبيا علما بأنه في التقاليد الراسخة أن هجرة الإسلام الأولي كانت في اثيوبيا وأن الملك المعروف باصحمة ( النجاشي( هو الذي حمي المسلمين ( 21 ) ولكن نحن نعلم أن النجاشي في سبيل حماية المسلمين تكلف حربا مع خصومه الذين كانوا رافضين لمبدأ حماية المسلمين وأن استمرارية الحماية جاءت لانتصاره في تلك المعركة وإلا ربما تم استئصال شأفة المهاجرين كافة إذا كان الانتصار كان من نصيب الطرف الآخر .
ويبدو أن تجذر التعصب للمسيحية في اثيوبيا مرده إلي رؤية الكنيسة الاثيوبية والدولة الإثيوبية إلي أنها حامية النصرانية في المنطقة أو الاقليم وليس فقط في اثيوبيا) اكسوم( ، ويمكن استنتاج ذلك من غزو اكسوم لبلاد اليمن لحماية المسيحيين الذين تعرضوا للتعذيب والحريق الذي حكي عنه القرآن في سورة البروج (22) ، وحينما استتبت الأمور لنصاري الأحباش في اليمن أرادوا فرض الطبعة النصرانية من التدين علي كل الجزيرة العربية بهدم الكعبة ، والتي ورد خبرها كذلك في سورة الفيل(23) ، بل إن التقليد الديني ومركزية التدين كذلك موجودة في الأساطير الاثيوبية كأسطورة ماكيدا ملكة سبأ ، والمعروفة في التراث الإسلامي باسم بلقيس علي عهد سيدنا سليمان في القرن العاشر قبل الميلاد ، حيث اصبحت الدولة الاثيوبية علي طبعة توحيدية من الديانة السليمانية ، ولذلك تمكن في العقل الاثيوبي مقولة : أن في شرايين الاسرة الاثيوبية الحاكمة تجري الدماء المقدسة الموصولة بأسد يهوذا ،وذلك عن طريق زواج نبي الله سليمان من ملكة مملكة سبأ ( اكسوم) ماكيدا، والمستفاد من هذه اللمسات التاريخية عميقة الوقع في العقل الإثيوبي الصفوي أو النخبوي الآتي: -
• تجزر الرؤية الدينية في العقل الاثيوبي ،وأنه ينظر لنفسه كحامل تراث الاسرة السليمانية ،وكذلك كحامل تراث النصرانية في الاقليم ، وكلا التراثين اليهودي والنصراني سابق علي الإسلام ، وكلاهما لايعترف بالاسلام ، ولذلك العقل الاثيوبي باستثناء الحالة النجاشية ، ينظر لنفسه كحامي لحمي النصرانية الممزوجة أو المولدة من الثقافة اليهودية .
• ومن ناحية أخري فإن الدين الإسلامي انتشر في إثيوبيا ببطء شديد وقامت له ممالك علي الساحل هي ممالك الطراز الإسلامي ، وممالك الصومال السبعة ،والتي كانت لاسباب معقدة في صراع مع المسيحية التي استقرت في الهضبة ، وانتشر الإسلام في الساحل الصومالي والاريتري نسبة للتواصل والتداخل مع الحجاز والجزيرة العربية ، ونسـبة لهجرات اللاجئيين السياسيين والدعاة لمختلف الاسباب ، إلي أن أدي التراكم التاريخي ، وازدياد تقبل أهل الساحل للإسلام، إلي بروز فتوحات أحمد ابراهيم الاشول في القرن السادس عشر ،والذي غزا معظم ارجاء الحبشة ، حتي أن كتاب عرب فقيه فتوحات الحبشة يشير إلي أنه من كل عشرة أحباش اصبح تسعة منهم علي دين الإسلام (24).
وتوافق ذلك من الناحية التاريخية مع بروز دولة اسلامية في سودان وادي النيل الوسيط وهي دولة الفونج ، وتلاشي ممالك السودان المسيحية ( دولة علوة( وخشيت المسيحية العالمية،أن يصبح أمر المسيحية في الحبشة علي يد أحمد الجران مثل أمرها في السودان ، ولذلك هرعت امبراطورية البرتغال المسيحية بقيادة كرستوفر دجاما لنحدة المسيحية في الحبشة ، وقد كان ، حيث تم القضاء علي الجران ، واستئناف المسيحية لاستمراريتها التاريخية كدولة وقومية وقوة روحية .
ومنذ دفن محاولات المجاهد أحمد ابراهيم الجران ، أصبح ينظر للإسلام كمهدد لاثيوبيا الدولة والقومية والديانة ، وأصبحت القومية الأثيوبية هي مزيج من أسطورة الدم المقدس في الأسرة الحاكمة واللغة الجئزية – الأمهرية ، والثقافة الارثوذكسية ، وأدي ذلك إلي أن أصبحت القومية الأثيوبية قومية انعزالية ومنكمشة ، وتقوم علي تحالف بين الأسرة الحاكمة التي تملك السلاح والجيش، والكنيسة التي تملك الأرض والارقاء ، والمتحالفة مع الغرب المسيحي في وجه أوهام المهدد الإسلامي.
وحينما تجزر الإسلام في السودان ، فإن من الطبيعي أن تسوء العلاقات مع اثيوبيا المسيحية ، فكانت حروبات سلطنة الفونج ، ثم حروبات المهدية مع الحبشة ، وقبل ذلك دخول القوات المصرية ، في عهد الخديوي اسماعيل إلي نواحي هرر في اثيوبيا الشرقية ،كل ذلك رسخ من العقيدة التاريخية تجاه الإسلام كمهدد للقومية الاثيوبية ،خصوصا أن كنائس اثيوبيا الضخمة كانت دائما تنهب وتحطم ، كمال الحال في فتوحات الجران في القرن السادس عشر ، او في فتوحات سلطنة الفونج مع اثيوبيا في القرن الثامن عشر ، أو حروبات المهدية مع اثيوبيا في القرن التاسع عشر ، هذا أدي إلي أن يكون ردة الفعل الاثيوبية تجاه الأقليات الإسلامية حادا وعنيفا ، كما في سلوك تيدروس( 1868– 1855)ويوهنس 1872) ـ 1889م) ومنليك-1889) (1913 والذين كانوا ينظرون إلي الإسلام كدين غريب ووافد وفي بعض الأحيان كمهدد بل وكخائن للقومية الاثيوبية ، ومن هنا جاءت نظرية منع المسلمين من إعتلاء سدة الحكم وسيادة الأرض وأصبح المسلمون إما منبوذين أو تجار ، ولما كان التعليم كذلك من مسئولية الكنيسة وليس الدولة فقد أصبح التعليم حصريا تعليما مسيحيا ، ولم يتجه المسلمون للتعليم بصورة كبيرة إلا بعد أعلان علمانية الدولة في اواخر أيام هيلاسلاسي وبدايات حكم الثورة الاثيوبية 1974 حينما تم فكفكة القومية الاثيوبية باقصاء الكنيسة واضعاف سلطتها ومصادرة اراضيها .(25)
وإذا كان الإسلام قد ارتبط بالتهديد الخارجي ، الا انه ونتيجة للتحركات السكانية وفتوحات منليك في أراضي قوميات اسلامية وسط الأوروميين والصوماليين والعفر تكاثر المسلمون ،واصبحت لهم أوزان سياسية واقتصادية وسكانية بينما تفككت القومية الاثيوبية نتيجة الحرب الاثيوبية الاريترية الأولي (1961 - 1991م) ، حيث حارب سكان الهضبة المسيحية مع المسلمين تحت رايات القومية الوطنية الاريترية .
كما برز صراع جديد بقيام القومية التجراوية باستلام السلطة في 1991م، لفترة دامت أكثر من قرن، بعد آخر تقراوي حكم اثيوبيا وهو يوهنس ، واضعاف الامهرة الرمز الراسخ للقومية الاثيوبية بابعادها الدينية واللغوية ، مما أدي الي عملية تحلل القومية الاثيوبية في أطار الدولة العلمانية ، وبروز حركات القوميات ، واصبحت التحالفات السياسية هي الأصل في تماسك الدولة ، وبذلك دخل المسلمون في أطر الدولة وهياكلها عن طريق القوميات ، والفدرالية الإثنية ، وأدي هذا إلي أن يصبح التعايش الديني حقيقة واقعة في الواقع الاثيوبي ، وإن لم يتم تجزر ذلك في تقاليد اثيوبيا القديمة ، ومن آيات هذا التعايش الديني الجديد ، الاعتراف بالاعياد الإسلامية واعتبارها مناسبات قومية رسمية والتوسع في منح الصلاحيات للمجلس الأعلي للمسلمين في إثيوبيا ، وازدياد تمثيل المسلمين الإثيوبيين علي المستوي الحكومي وحكومات القوميات الاقليمية ، وبروز المدارس الإسلامية ودروس الدين للطلاب المسلمين والتوسع في بناء المساجد ، والاعتراف بخصوصيات بعض المناطق الإسلامية كهرر ، وهذا مجرد لمسة لوقائع قصة التعايش الديني
ولكن كذلك فإن هذه التطورات الداخلية تكاملت مع تطورات خارجية تدعو الي صيانة حقوق الإنسان والديمقراطية والحريات ، وأوضاع الأقليات ، خصوصا بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وتلاشي الشيوعية وانتصار الديمقراطية الليبرالية واقتصاد السوق ، كما أن قصة التعايش الديني في اثيوبيا ترفدها حركة الصحوة الإسلامية بتأثيراتها في المنطقة والعالم ، وبانفتاح المسلمين الاثيوبيين علي أوضاع المسلمين في العالم وبازدياد دور الخليج وثقافته الإسلامية في المسألة الاثيوبية ، لأن الخليج يظل من أهم أسواق اثيوبيا ، كما أنه أرض جذب للعمالة الاثيوبية ، وبالتالي تدفقات المال والبضائع علي اثيوبيا ، وما يتبعها من تدفق ثقافي تضخه وسائل الأعلام والفضائيات بالاضافة الي عودة مئات الطلاب من أصحاب الدرجات العلمية من مراكز ارسال ثقافي اسلامي كالقاهرة والخرطوم والسعودية وغيرها ، كما أنه كذلك يجيء في اطار قيام دولة اريتريا التي كان ينظر اليها كدولة ذات بعد عربي ، حيث رئاسة الدولة وإن كانت من نصيب المسيحيين ، إلا أن أجهزة الدولة وهياكلها تقوم علي شراكة ومناصفة بين سكان المنخفضات من المسلمين وسكان الهضبة من المسيحيين ، وللنموذج الاريتري تأثيراته علي النموذج الاثيوبي .
كل ذلك بدأ يؤسس ) لنظرية مواطنة ( جديدة تقوم علي حرية الأديان والعيش المشترك والتعايش الديني في وقت تبدو فيه مؤشرات المستقبل ترشيح فيه لفتح مزيد من الفرص أمام المسلمين كقوميات وحركات وجبهات وكافراد وتحالفات .
محركات الصراع الديني في اثيوبيا :
فرضت قضية التعددية الدينية التي تتصف بها الدولة الاثيوبية واقعا صراعيا ، وحالات نزاعية أصبحت تمثل كبري مهددات الوحة والبناء الوطني في اثيوبيا ، ولعل ذلك ناتج من ارتباط ( الدين) كعامل مستقل بعدد من المتغيرات التابعة في سياق معادلة الحالة الدينية وناتج دورها في صيرورة الحياة الاثيوبية والتجارب التاريخية ، وتتمثل في ارتباك الدين العوامل الإثنية واللغوية والسلطة والاستعمار والسياسة الخارجية والتي يمكن تفصيلها فيما يلي :-
الدين والإثنية في أصول المجتمع الأثيوبي :
جاءت افادات واشارات المصادر المختلفة مؤكدة دوما تاريخية العلاقة الارتباطية القوية بين الدين والإثنية فهي علاقة تلازمية ، وتظهر خصوصية التلازم والارتباط الوثيق بين ( الدين) و (الإثنية) في المسألة الاثيوبية والتي تجيء مختلفة عن كثير من تجارب وخرائط الدول الأخري في أنه قد جري نحت ورسم وتفصيل خرائط دينية لكل قومية أو شعب تزامنت مع البدايات التاريخية لدخول أي ديانة علي حداها .
فالوثنية والمعتقدات المحلية ظلت الديانة الملازمة وربما حتي الآن لبعض المجموعات الإثنية الكوشية من الاقاو في الشمال ، وبعض إثنيات شعوب الجنوب وأشهرها السيداما ، بعض عرقيات غرب اثيوبيا أما اليهودية فقد جاءت مرتبطة منذ البداية بالمجموعة المسماة بالفلاشا ، وعند دخول النصرانية تم اعتناقها وتبنيها من المجموعة الإثنية التقراوية وهي مسألة مرتبطة زمانيا ومكانيا بنشأة وتطور المملكة الأكسومية، ثم في لحظة تاريخية اخري اعقبت تدهور مملكة اكسوم ثم سقوطها وظهور الاسرة السليمانية الأمهرية حاكمة ومسيطرة علي عرش الحبشة القديمة Abyssinia 1270 ، ومنذ تلك اللحظة ظلت المسيحية الأورثوذكسية هي ديانة القومية الامهرية ،وفيما عدا العناصر التجراوية والأمهرية تظل المسيحية ديانة الأقليات في المجموعات الأخري، وهي ناتجة من عمليات التبشير وسط تلك المجموعات، أما الإسلام فعلي الرغم من بداية دخوله في مناطق التجراي الا أنه لم يكن في بدايته خيارا دينيا لعناصر القومية التجراوية وذلك نسبة لقوة وحصانة المسيحية التي أصبحت الديانة الرسمية للمملكة الأكسومية وشيوع فكرة الناس علي دين ملوكهم ، كما أن المسيحية قد احتمت بالهضبة والمرتفعات ، وعلي ذلك ظل الإسلام دين مناطق السواحل والمنخفضات كما هو ظاهر في اسلام المجموعات الصومالية (الدنكالية ) والعفرية والأورومية والهررجية ، والمنتشرة والمتقوية باسلام ممالك وامارات الطراز الإسلامي امثال مملكة شوا وزيلع وامارة هرر وايفات وعدل ، وقد قامت في مناطق هذه الإثنيات او بالقرب منها ، كما مثل الإسلام أيضا عقيدة قوميات وشعوب الجنوب الإثيوبي ، فهو واقع في إثنيات الهدية والقراقي والسلتي واوروميو الجنوب خاصة حول منطقة جما وهو ايضا اسلام مركوز علي الأرث الإسلامي للممالك والامارات التي قامت في هذا الجزء من اثيوبيا مثل ممالك فطجار وبالي وشرفة، وامارات هدية والدوارو وجما، وكلها قد قامت في منطقة وسط وجنوب وجنوب شرق اثيوبيا (26).
وتاسيسا علي ذلك فقد أفضي هذا الالتحام والتماسك والتلازم بين( الدين ) و( الإثنية) في اثيوبيا إلي احداث عدد من المظاهر التي اضرت واضعفت عملية التكامل والاندماج الوطني للمجموع الإثني في اثيوبيا هي :-
قوة وسيطرة الإثنيات المسيحية ( التقراي والأمهرة ) المرتكزة والمسنودة بالعلاقة القوية بين الكنيسة والسلطة وهي في عداد الأقليات، علي الإثنيات الإسلامية التي تمثل دين الأغلبية السكانية علي مستوي الدولة، مثل الأورومو ،وبعضها يقارب في تعداده أو ربما يساوي الأقليات المسيحية، مثل مسلمو العفار والصوماليين،وجملة المجموع الإسلامي لاتحاد إثنيات الجنوب، واتحاد عرقيات غرب اثيوبيا .
ارتباط الدين بالاثنية مكن واتاح للنظم الاجتماعية لهذه القوميات من استخدام وادخال عامل الدين في البناء والهيكل التنظيمي لهذه النظم الاجتماعية ، الامر الذي أدي وعزز وأسس للفوارق بين شعوب وأمم وقوميات أثيوبيا ، وشواهد ذلك أن النظام الاجماعي لقومية الامهرية يرتكز ويقوم علي ثلاث دعائم هي المنزل والابارشيه والسيد، هذا المثلث مقسم الي عدد من الدوائر من حيث الاداء الوظيفي ، يدخل البعد الديني في تشكيلها وهي أربعة دوائر ، دائرة المنحدرين من النسل الملكي ودائرة اللوردات وهم جامعي الضرائب وحكام الاقاليم ، ودائرة فئة رجال الدين المسيحي التي يقف علي راسها البطريرك( ابونا ) ، وفئة الدائرة الاقتصادية وهم أصحاب المنازل والعمل (27) فيظهر واضحا تأثير الدين علي البعد الإثني في التعقيد والتكريس للحياة والتصنيفات الطبقية، فهناك حدود للتعامل من دائرة الي أخري كالعلاقة بين دائرة النسل الملكي ودائرة رجال الدين كما انه لايمكن لأحد أن ينتقل من دائرة الي اخري لأن كل دائرة مكفولة ومقفولة لفئات معينة داخل مجتمع القومية الواحدة ، كما يستحيل الخلط والتعامل بين أتباع أكثر من دين داخل النظام الاجتماعي السياسي ، إذ يستحيل انضمام مسلم لهذا النظام المسيحي الأمهري ، وينطبق نفس الحال في النظام العشائري والقبلي عند الصوماليين، إذ لايسمح ولايرشح غير المسلم لاعتلاء اي منصب في درج نظام العشيرة أو القبيلة ، وكذلك في نظام (الجادا )Gada System عند الأورومو ، وقس علي ذلك بقية النظم الاجتماعية عند الإثنيات الزنجية ذات التقاليد المحلية والارتباطات العقائدية الوثنية واضعين في الاعتبار القوة الإلزامية للعادات والتقاليد والأعراق التي تحكم العلاقة ، ونوعية الجزاءات المفروضة في حال المخالفة لأمر سلطة المجموعة.فلصوق وتلازم الدين للإثنية في النقتطتين أعلاه ، والتراكم الناتج لعدد من القيم والسلوكيات أسهم في زيادة الفوارق والتباينات بين عناصر المجموعات الإثنية علي مستويين :-
أ – علي مستوي أفراد وجماعات القومية الواحدة ، كما هو واضح ومعاش في فوارق المسيحيين والمسلمين عند القوميات ذات الأغلبية المسيحية والأقلية الإسلامية كالامهرة والتجراي ، أو العكس في القوميات ذات الإغلبية الإسلامية والأقلية المسيحية كما هو عند الأورومو وشعوب الجنوب .
ب – علي مستوي الشعوب والأمم والقوميات بعضها البعض ، وهنا تكون معايشة درجات متعددة من الفروقات والاختلافات لقوميات تتميز بدرجة عالية من النقاء الديني الإسلامي مثل الصوماليين والعفار والهرر جي والسلتي ، وأخري في ذات غالبية إسلامية مثل الأورمومو والقراقي والبني شنقول ، مع قوميات ذات غالبية مسيحية وأقلية إسلامية مثل الامهرة والتقراي، وتفاعل كل هذا المجموع الديني الإسلامي والمسيحي باغلبيته وأقلية مع عناصر المجموعة اليهودية( الفلاشا) .
وفي ضوء هذين المستويين، يمكن قراءة الفوارق والاختلافات المتجزرة والمركوزة في جزر المجتمع الاثيوبي ، والتي تنتج عنها عمليات الصراع والنزاعات العرقية ، استنادا علي حقيقة التباين الديني في قضايا الحياة الأساسية كالصحة والتعليم والوظائف والمواصلات والقضايا الاقتصادية والمشاركة السياسية وهي مسائل ظلت محسومة ومتوفرة لصالح العناصر المسيحية لأنها مسنودة ومحفوظة بتعاطف وتعاون السلطة السياسية المسيحية الحاكمة والمسيطرة .
ولعل طبيعة البنية الاجتماعية الاقتصادية للمجتمع الاثيوبي القائمة علي سيطرة الاقليات المسيحية الأمهرة 30 % والتجراي 8 % علي اقليات مثل الأورومو المسلمة 40 % وتجمع شعوب الجنوب 56 (عرقية) 13 %والصوماليين والعفار وتجمع شعوب الغرب ، هذا الوضع جعل إثيوبيا التي تبلورت وأخذت اسم الدولة علي شكلها الحالي في بدايات القرن العشرين، تمثل ) دولة) الأمم والشعوب والقوميات ، وليست ) الأمة) كما كانت بدايات نشأتها في أكسوم المتميزة بتجانس الجنس واللغة والدين ، فقد ساهم وأدي كل ذلك إلي تفاوتات وفوارق السلطة والثروة والامتيازات بين الإثنيات المختلفة علي اساسي عرقي / ديني ، ويبدو واضحا من النتيجة التي أظهرتها وقائع السرد التاريخي لموقع الدين في تجارب التعايش والصراع في اثيوبيا ، أن هناك ركائز اجتماعية أربعة قامت واعتمدت عليها النظم الحاكمة في إثيوبيا هي (السلطة) المعبرة عن شخصية الإمبراطور أو الملك وقوته وسيطرته ،( الكنيسة) وهم رجال الدين وأصحاب الكهنوت، و ) الطبقة الارستقراطية) وهم النبلاء والإقطاعيون ، و( العمال ) وهم طبقة الفلاحون والرعاة والتجار(28) هذه الركائز التي تدور وترتبــط حلقاتها الأربعة في في فلك الإثنية والدين ، قد أسست ووضعت الحدود الواضحة والفاصلة لديناميكية الصراع الأثنوديني بين عرقات إثيوبيا .
الدين والسلطة : جدلية الانقسام والتماسك الإثني :
عندما ارتبطت نشأة وتطور وتكوين إثيوبيا بتلازمية العلاقة بين الدين والإثنية ، فإن ذلك أفضي بصورة تلقائية ومباشرة إلي تلازم وتجاور العلاقة بين الدين والسلطة ، وذلك من منطلق أن السلطة( الملك ، الإمبراطور ، الأمير – الرئيس ) هي دوما سليلة إثنيةأو إثنيات معينة ، فالبدايات التاريخية الأولي لتفاعل هذه العناصر الثلاثة ( الدين) و) السلطة (و(الإثنية ) كان في منطقة الحبشة Abyssinia التي تمثل اثيوبيا التاريخية ، والتي شهدت قيام أول مملكة إثيوبية، نتيجة اختلاط اجناس اثيوبية محلية هي قبائل حبشات Habooshat واقوذات Aguezat والأقاو Agaw ، مع أخري وافدة من الأجناس السامية من الجزيرة العربية من القبائل السبئية والحميرية وكلها بعقائد وثنية . وفي أول عملية تحول واحتكاك بين هذه الأجناس ، وتحديدا الأقاو Agaw، الي اليهودية بواسطة بعض العناصر اليهودية الوافدة ، ربما وضعت أول بذور رفض ديانة أجناس وافدة ومحلية، دلت علي ذلك تسمية يهود إثيوبيا بالفلاشا والتي تعني المنبوذين، ولكن الامر قد اختلف عندما تم تحول هذه العناصر الاكسومية التي نتج من انصهارها واندمامجها القومية المسماة بالتجراي إلي الديانة المسيحية ، حيث تم تقبلها واعتناقها ابتداء من الملك عيزانا ورعيته في منتصف القرن الرابع الميلادي ، ربما لأن الناس يسيرون علي دين ملوكهم . فقد انتج تجانس عناصر الدين والإثنية واللغة والسلطة أقوي مرحلة في تاريخ إثيوبيا تماسكا ووحدة وهي مملكة أكسوم ،والتي لم تتفكك إلا عندما اختل ميزان هذه العناصر.
وقد أخذ الصراع الاثنوديني بعدا جديدا بدخول الإسلام في شرق إفريقيا خاصة إثيوبيا ، وانتشار الممالك الإسلامية ( ممالك الطراز الإسلامي) علي سواحل البحر الأحمر الإفريقية الجنوبية والمحيط الهندي وداخل أراضي مايسمي الآن بدول القرن الإفريقي حيث عمل الإسلام علي انحسار وتراجع مملكة أكسوم المسيطرة والممتدة في كل هذه الأراضي عقديا واقتصاديا ( تجارة – زراعة – الملاحة) فكان أحد عوامل انهيار مملكة أكسوم المسيحية .
وماهو جدير بالاشارة أن الإسلام لهم يبدأ بفتوحات وحروب في منطقة الحبشة ،ولكن بطريقة تصالحية وسلمية ، وذلك ذلك علي مستوي السلطة ، حيث وجد المسلمون الترحيب وحسن الاستقبال من ملكها النجاشي ، والذي وجد المقاومة والرفض من بعض متعصبي المسيحية التجراي والأمهرة الأمر الذي يعكس بدايات صراع ضعيفة ولكنها مهدت لصراع إثني / ديني قوي بين الممالك والسلطنات الإسلامية وملوك حبشة مابعد سقوط اكسوم ، امتد لمدة تزيد عن ستة قرون ( القرن السابع – الثالث عشر ) عاشت فيه السلطنات والممالك والإمارات الإسلامية بصورة مستقلة، وبعيدة عن أي نفوذ وسيطرة مسيحية حبشية ، ومستندة وقائمة علي خبرات حكم ارستقراطية عربية أو أفروعربية ، في مـمالك وإمارات اوفات، عدل ، هرر ، دوارو ، دارة ، هدية ، جما، شوا وغيرها (29).
وربما شكلت خلفيات هذا الصراع إرث ومخزون النزعة الصراعية الإثنودينية بعد اكتمال شكل الدولة في اثيوبيا في القرن العشرين ، في مناطق إثنيات الأورومو والعفر والصوماليين وشعوب الجنوب التي قامت فيها الممالك والسلطنات السابقة، ضد قوميتي التجراي والأمهرة المسيحيتين .
تلي هذه الفترة للصراع الإسلامي المسيحي تحول في طبيعة الصراع ليصبح إثني ( مسيحي/ مسيحي) تمكنت بموجبه الأسرة أو السلالة الزاقوية Zagwe Dynasty المتكونة من خليط إثني( اقاوي – أمهري) من ازاحة العناصر التقراوية المسيحية ، وتحويل وقيام المملكة في منطقة لاستا Lasta لأول مرة في ال