بسم الله الرحمن الرحيم
مـــركز الدراســـات الســياسيــة والاســـتراتيــجية
أعداد /محمد الحسن عبد الرحمن
يونيو /2010م
نسجت اعتبارات الجغرافيا ومسارات التاريخ وحركة البشرعلاقة خاصة بين السودان ومصر، على نحو ربما لم يتيسر لشعبين آخرين فى المنطقة، إذ أن هناك علاقة قوية بين الشعبين الشقيقين ، وسيظل النيل هو الرابط الازلي بين الشعبين السوداني والمصري، فهناك صلة النسب والمصاهرة والدم بينهما، ومن الملاحظ أن السواد الأعظم من أهالى أسوان ترجع جذورهم إلى السودان، وتمتد الحدود المصرية السودانية نحو 1273كم ، ويمثل السودان العمق الإستراتيجى الجنوبى لمصر ،لذا فإن أمن السودان واستقراره يمثلان جزءًا من الأمن القومى المصرى،ومن هنا تبرز اهمية السياسة المصرية تجاه السودان للحفاظ على وحدته واستقراره وتماسكه من ناحية وفي تعزيز علاقات التكامل بين الجانبين من ناحية أخرى ، ومن الملاحَظ أن الدولتين حريصتان على تقوية ودعم العلاقات بينهما فى شتى المجالات، فالسودان يعد الدولة الوحيدة التى لديها قنصلية فى محافظة أسوان مما يدل على نمو حجم التبادل التجارى، وتلك القنصلية لايتوقف دورها عند تقوية العلاقات التجارية والاقتصادية بين الدولتين بل يمتد هذا الدور ليشمل العلاقات فى المجالات المختلفة، الثقافية والسياسية وتأكيدا لدعم العلاقات بين البلدين الشقيقين فى المجالات المختلفة فقد تم تشكيل لجنة مصرية سودانية يترأسها نائب الرئيس السودانى على عثمان طه ورئيس وزراء الحكومة المصرية الدكتور أحمد نظيف، وقد أصدرت هذه اللجنة أهم بنود الاتفاق التى تتصل بالقضايا الاقتصادية والثقافية والسياسية ومن خلال هذه الدراسات سوف نستعرض طبيعة العلاقات السودانية المصرية وماشهدته من تطورات .
نبذة عن العلاقات السودانية المصرية :-
هنالك إشكالات جمّة وصعاباً تحدق بالسودان ومصر لا تنفصل عن بعضها البعض رغم خصوصية كل بلد، بعضها داخلي في ظاهره، ودوافعها ومحركاتها خارجية تآمرية تستبطن حملات ومخططات لإضعاف دور مصر التاريخي وتقزيم السودان في محيطه على قدراته من واقع التحديات التي تواجه البلدين والذي يقرأ التصريح الذي ورد على لسان وزير خارجية السودان الاستاذ/ علي أحمد كرتى في ندوة مآلات الوحدة والانفصال في يوم 16 يونيو 2010 م حيث اعتبر وزير الخارجية السوداني في أول تصريحات له بعد توليه منصبه «أن الوقت قد مضى للحديث حول البحث عن معجزات لجعل الوحدة جاذبة»، وحذّر من تجدد الحرب الأهلية بسبب عدم الرضاء بقبول نتيجة الاستفتاء في وقت أشار فيه إلى «ضعف الدور العربي والمصري في السودان»، واتهامه أوغندا بالتخطيط لفصل الجنوب والولايات المتحدة بالحيرة فانتقاء الوزير وإشارته إلى مصر تحديدًا في التعبيرعن كامل الدور العربي بالسودان تحمل دلالات وإيحاءات كبيرة لا تفوت على الذهنية المصرية، وهي تؤكد على قناعة القيادة السودانية بأهمية دور مصر والترحيب به، وما يمكن أن تحدثه جهودها إن انطلقت ووظفت من نقلة مطلوبة في العقل الجمعي العربي للقضايا التي تحيط بالواقع السوداني خاصة قضية السلام بمساراتها المتعددة والمياه والحدود، ومصر ليست ببعيدة عن ملفات السلام وتشعباتها وآثارها المستقبلية عليها وإسقاطات الآنية، وأن القاسم المشترك في هذه القضايا يبقى «جنوب السودان ودارفور» التي تربطها بمصر هموم لاتنفك أو يمكن فرزها عن الهموم الأخرى، والتقاء مصر فيهما عبر أكثر من مصلحة وهدف هي لب ما ترمي إليه أي إستراتيجية مشتركة يمكن أن تقوم بين السودان ومصر لتثوير أمنهما وطرد المحدقات التي تحوم حوله توجب أن تلتقي إرادة البلدين وعزيمتهما في مقابلة العدو المشترك الذي يتربص بأمن مصر عبر السودان والعكس يصح ، ويبقى البعد غير المرئي في تصريح الوزير كرتي أن علاقات السودان بمصر هي في صدارة الأولويات الخارجية والحكومة الجديدة تبدأ في برامجها وما يجابهها لهذه المرحلة من مخاطر، والتنويه للأشقاء في مصر بإعادة النظر في حجم العلاقة ومنقصاتها أكبر من أن تكون ملفاً يتنقل بين الوزارات المصرية كانت الري أو الخارجية، أو أن يشتجر حوله بين الخارجية المصرية وجهاز المخابرات المصرية وهمومنا التي هي سياج علاقتنا تحمل مئات الملفات التي توجد آلية لائقة تقدر المستقبل لسودان يتمدد وينطلق، واشتراك الجهتين وإن صدق حول الملف السوداني بسيادة في النظرة الأمنية وإن بقيت مهمة وحازت على الأولوية فالبلد الذي تحكمه أواصر قربي ووشائج بهذه الحميمية في التداخل والانصهار لا يمكنه أن يقبل بتعاطٍ أمني أو نظرة في السياسة ترجح البعد الأمني وتهزم الخيارات السياسية التي هي الأساس في التعاطي وعلى بعدها يتم ترتيب الآليات الاقتصادية لإنجازات المشروعات الكبرى التي توفر الأمن الغذائي والكفاية لمصر والسودان على حد سواء لتتكسر عندها صخرة الضغوط التي ظلت تمليها إرادة بعض الدول العظمى وعلى رأسها الولايات المتحدة التي لن تسعد بأي تقارب مصري سوداني يخاطب القضايا الأساسية للمواطن المصري والسوداني، وبلادنا تملك الماشية والأراضي الزراعية والسدود التي ستجعل القمح والأرز الأمريكي المتدفق بقدر صوب السويس سلاحاً فاشلاً في لي الذراع المصرية، أو فرض الإرادة الأمريكية في الدفع بأجندة الانفصال وتسويقه عبر الهالة التي تمنحها لدعاته كما في استضافتها لباقان وما يحمل من أجندة تستهدف أمن مصر والسودان، عشرات الاتفاقيات السياسية والتجارية والثقافية وغيرها وقعت بين البلدين لتحقيق رغبة شعوبهما ولكن قليلاً منها جدا رأى النور وتجسد واقعياً، وبقيت العديد منها عالقة أو مجمدة على الأوراق والأضابير لا يعرف لها سبب كم وافر من الدول من آسيا وإفريقيا وعالمنا العربي وأمريكا اللاتينية سارعت للاستثمار في السودان وأخذ موقع متقدم لها في خارطتنا لاستعادة مفهوم ظل حلمَ أهلنا أن يكون «السودان سلة غذاء العالم العربي» إلا مصر الشقيقة ما تزال تقف على البعد لا تعرف السودان كانت الحكومة أو النخب السياسية إلا في أوقات الأزمات والكوارث مثلها تماماً مثل الدول الكبرى التي تنظر إلى واقعنا السياسي بمفاهيم المستعمر وأساليب الهيمنة ونربأ أن تبقى هذه الرؤى في العقلية المصرية عندما يقول البعض في السودان إن القيادة المصرية لا ترى بالتطورات السياسية التي حدثت بالبلاد والخلخلة التي طالت تركيبتنا الحزبية والتنظيمية، فإنها تشير إلى أن تحولاً كبيرًا قد حدث في هذه البنية يستوجب أن يؤخذ بعين الاعتبار، لكن المظان المعرفية لدى مصر ما تزال قابعة عند المتوافر لديها من عقود وكأنها لا تعترف بهذا الذي جرى أو عندما تناور مصر بالتقارب مع حكومة جنوب السودان التي ظلت تتحرك بروح ونفس الدولة المستقلة وتجد من بعض البلدان الأوربية وأمريكا قبولاً وانفتاحاً واستقبالاً لقادتها هذا أغرى بعض دول الجوار الإقليمي أن تعاملها على ذات النسق وانطلى ذلك على مصر فركبت هذه الموجة وتوجهت باتجاه الجنوب ليس من قبيل تعزيز وحدة البلاد وصيانة سيادتها ولكن الممارسة المصرية تشيء بنكاية طالما ضمنت القيادات الجنوبية أن تجد اعترافا من مصر حال إعلان الانفصال عبر الاستفتاء، هذا ما صرح به باقان أموم ويردده رموز الانفصال في الحركة الشعبية مصر التي يتطلع لها أهل السودان أن تصطف باكرًا إلى الرأي الغالب لأهل السودان في التعبير بالإنجياز للوحدة والعمل لأجلها على نحو ما تمضي تدابير الدولة التي أبرمت الاتفاق بتنسيق مبدئي مع مصر، لكنه لم ولن يصرفها عن التزاماتها الوطنية تجاه هذا الهدف، لكن أن تبقى مصر بعيدة عنه أو تعبِّر عنه بالمناسبات العابرة وتتماهى بدعمها لوحدة السودان، فإن هذا الزعم لا يقوم على رجلين ولا توجد آليات مصرية داعمة وقوة إسناد عملية لخط الدولة إلا من بعض إشارات هي بعض ملامح الإستراتيجية المصرية في تعاطيها مع السودان، وعلى هذا النهج بقيت قضية دارفور وسلامها الذي جرى التشويش عليه وتعرض للعديد من محاولات الاختطاف والتباري بين القوى العظمى باستخدام بعض دول الجوار للضغط على الحكومة لتقوية مواقف الحركات المسلحة والمساومة لأجلها تارة بالاستضافة والرعاية، وأخرى بإيجاد المنابر التفاوضية الموازية لإرباك المفاوضات الرئيسة بالدوحة، أو الدعوة لمؤتمر دولي باسم دارفور دون تنسيق وتشاور مسبق مع حكومة السودان امتطت مصر هذا المركب وسارت في هذا الطريق فاستقبلت خليل إبراهيم في توقيت مفصلي كيفما كانت نواياها وسلامة مقصدها فأكسبته بذلك عمرًا جديدًا ومنحت حركته الحياة والخروج للعلن بما يعيد أيام التجمع الديمقراطي الحالكة من القاهرة قبل أعوام هكذا تتدحرج مصر إلى هاوية سحيقة في تعاملها في الشأن السودان لا أدري إن كان ذلك بموافقة أهل الحكم أم بعض اجتهادات أبوالغيط أو عمر سليمان أم كليهما لأن المعيار الذي ينظر به هؤلاء يكاد يعجز عنه كل تفسير بينما ترسل الخارجية المصرية رسلها لاستجلاء تصريح في ندوة عامة تتحدث عن الواجب والمستحق في الوحدة والانفصال قيل إن ما ورد فيه أصاب القيادة المصرية بالانزعاج، وما درينا أن عكس الحقيقة أو الجهر بها سيكون مصدر قلق، وباطن القول يدعو مصر للعب الدور المناط بها وتصدر قيادة التيار الداعم للوحدة بثقلها ومصالحها التي تؤمن بالوحدة ولا شيء سواها لاشك أن أهل السودان يدركون الاستحقاق الذي يواجهونه لهذه الناحية ويتهيأون لأسوأ السيناريوهات فيه، ولا يملكون الخوارق والمعجزات لأجل إقناع أبناء الجنوب أواستجدائهم بالتصويت للوحدة إن كانوا لا يرغبون فيها، وهو ما يتضح في الحملة الدعائية التي تقودها قيادات بارزة في الحركة الشعبية تسعى لإقناع الدول الكبرى والإقليم برهانهم، ومصر أضحت تساير هذا التوجه والعهدة على باقان فإن كان ذلك بخيارهم وإرادتهم فلن يكون هناك من هو أحرص منهم على أنفسهم في تحديد مسارهم والسعي لأجل تحقيقه أما مصر التي هي مخيلة أهل السودان أرادت أن تباعد بفعالها ما هو مأمول فيها ومطلوب منها لإحداث التقارب وتوجيه السياسات وقيادة المبادرات التي لا تغيب عنها وهي حاضرة في المحافل والميادين الإقليمية والدولية إلا في محفلنا الذي يملي عليها رؤية مغايرة ووضوحاً يتجاوز الطبطبة إلى الطرق المباشر والقرار الجريء حتى نبقى على أخوة لا تقف عند المدافعة باللسان، وأهل السودان فدوا مصر ولا يضيرهم أن يستعيدوا مكانهم في الدفاع عنها كفاحاً متى ما طلب إليهم من أشقائهم، لكن إلى أي قدر تستعد مصر لفداء السودان في ملحمة قادمة تنتظره هي الأخطر في تاريخه ستؤثر إن وقع خيار الانفصال على مستقبله وسيطال التأثير المباشر مصر وإستراتيجية أمنها القومي بنحو كبير، وهناك فرصة لتدارك كل ذلك ووضع اليد في اليد كي يبقى السودان موحدًا ومصر مؤمنة.