أخبار 

حزب المؤتمر الوطني يقود حملة حوار مع الأحزاب حول الدستور    |   الفريق الدابي ينهي مهمته في سوريا بالاستقالة    |   القوات المسلحة تحرر منطقة مقجة بالنيل الأزرق    |   السودان وجنوب السودان يوقعان إتفاقا لحسن الجوار    |   محمود عباس رئيسا لحكومة انتقالية توافقية فلسطينية    |   إسرائيل تهدد بترحيل لاجئي جنوب السودان قسراً بعد نهاية مارس    |   روسيا تعلن استعدادها للتوسط بين الخرطوم وجوبا    |   الحكومة تحمل دولة الجنوب أي محاولة لإستهداف أو تخريب لحقول النفط بالسودان    |   نتنياهو يفوز بانتخابات الليكود    |   خلافات بجلسة أممية بشأن سوريا    |  
دراسات وبحوث     الوجود الاسرائيلي في دولة جنوب السودان واثره علي السودان

الوجود الاسرائيلي في دولة جنوب السودان واثره

علي السودان

اعداد: محمد الحسن عبدالرحمن الفاضل

الوجود الاسرائيلي في دولة جنوب السودان واثره علي السودان

مقدمة

هناك وجود إسرائيلي في جنوب السودان منذ فترة طويلة وقدم الكثير من المساعدات للجنوبيين من أجل استمرار الحرب الأهلية وهذا التواجد وصل إلى ذروته في اللحظة الحالية التي اعقبت الاستفتاء في شكل عسكري واستخباري وأمني واقتصادي حيث وصل عدد كبير من الخبراء الإسرائيليين إلى الجنوب من اجل وضع الخطط وتنفيذ المشاريع التي خطط لها منذ زمن بعيد.

ولا يخفى على أحد الأطماع الإسرائيلية في جنوب السودان إذ ترمي دولة إسرائيل بصرها بعيداً نحو منابع النيل في يوغندا. إذن دولة إسرائيل تسعى لتجفيف مجرى النيل أو تحويل مساره من الجنوب عبر دول الجوار والمهم في الأمر أن لعبة إسرائيل تم اكتشافها منذ الوهلة الأولى لأن الأطماع الإسرائيلية بدأت بشكل واضح في جميع الدول العربية إبتداءً من دولة العراق مروراً بالكويت ولبنان والآن جاء دور السودان الذي تم تصنيفه ضمن الدول الراعية للإرهاب ومن ثم مارست إسرائيل ضغوط للتطبيع ضد السودان وعندما تم رفض الإغاثات والمعونات الخارجية تم استهدافه من قبل الدول الغربية الولايات المتحدة وإسرائيل وبعض دول الجوار العميلة لأمريكا وحلفائها والتي تمثل جسراً لكي تنفذ إسرائيل سياستها تجاه السودان عبر تلك الدول.

في التاسع من يناير 2011م أُجري استفتاء شعبي أسفر عن انفصال جنوب السودان عن شماله، وأُعلنت دولة جنوب السودان المستقلة المسيحية برئاسة سيلفا كير، الدولة الوليدة طالبت دعم المجتمع الدولي لها في مواجهة تهديدات النظام السوداني برئاسة عمر البشير، الذي هدد بإلغاء نتائج الاستفتاء. وفي يوم 10 يناير 2011م أعلن المهاجرون السودانيون في "إسرائيل" والبالغ عددهم نحو خمسة آلاف شخص، عن افتتاح أول سفارة لجنوب السودان في تل أبيب، بدعم ومساندة وزير الخارجية الصهيوني أفيجدور ليبرمان. بذلك يصبح الكيان الصهيوني أول دولة في العالم تعترف رسميًّا بالدولة الجديدة المنشقة. بعد شهر تعلن "إسرائيل" افتتاح سفارة لها بجنوب السودان لدعم العلاقات التطبيعية بين البلدين.

إن المتابع للساحة السياسية السودانية يمكنه أن يدرك بسهولة مدى ارتباط تطوراتها بما يحدث داخل الكيان الصهيوني، الذي وضع السودان على رأس قائمة استهدافاته، والتي بدت ملامحها في الوضوح مع قيام سلاح الطيران الصهيوني في مارس 2009م بقصف قافلة سيارات على الأراضي السودانية، يُزعم أنها كانت تحمل شحنة أسلحة تنقلها من إيران إلى المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة. كما أنه من غير المستبعد تورط الكيان الصهيوني بضلوعه في إصدار مذكرة اعتقال دولية في حق الرئيس عمر البشير بتهمة ارتكابه جرائم حرب في إقليم دارفور، إلى جانب ضلوعه في إشعال قضية دارفور على المستوى الدولي، وبخاصة بعد استقبالها عدد من لاجئ دارفور على أراضيها.

نتناول من خلال هذه الدراسة الوجود الاسرائيلي في دولة جنوب السودان واثر هذا الوجود عل دولة السودان في كافة النواحي وخصوصاً الامنية، وذلك بالوقوف علي التطورات الاخيرة في علاقة جنوب السودان بأسرائيل التي بدات في سرية تامه في الفتره السابقة والتي كان يتحفظ عليها عدد كبير من القادة الجنوبيين قبل الانفصال، اصبحت هذه العلاقة الان واضحة بعد الانفصال عن الشمال حيث تطورة الي اقامة علاقات دبلوماسية بين الطرفين.

الإستراتيجية الإسرائيلية تجاه السودان

لقد ساعدت إتفاقية كامب ديفيد، وإقامة مصر وبعض الدول العربية لعلاقات مع إسرائيل، وتبادل السفراء بينهما، بأن تطرح إسرائيل نفسها بشكل جديد أمام الأفارقة (1). الذين ساندوا العرب فى حروبهم مع إسرائيل، وقطعوا علاقاتهم معها منذ إحتلالها لشبه جزيرة سيناء، بشكل يمكنها من مواجهة الإعلام العربى، فعادت بقوة الى إفريقيا حاملة رسالة مفادها أنها أبرمت إتفاق سلام مع مصر والعرب، وأنه ليس هناك مبرر لمواصلة الدول الأفريقية للإستمرار فى مقاطعتها، إذن إستغلت إسرائيل إتفاقية كامب ديفيد وعادت مرة أخرى لتنفيذ إستراتيجتها فى أفريقي، حاملة فى ذاكرتها سياسة العزلة التى طبقتها عليها الدول العربية منذ نشأت الدولة الإسرائيلية، وكسب العرب لتأييد الدول الإفريقية والأسيوية فى المحافل الدولية، و بالأخص الجمعية العامة للأمم المتحدة، من هذه المنطلقات عادت إسرائيل لأفريقيا لتنفذ إستراتيجتها التى تسمى بحلف المحيط،لمحاصرة العالم العربى والمد الإسلامى المنافس لها حضارياً، ولتفكيـك سياسة العزلة التى طبقتها عليها الدول العربية منذ نشأت الدولة اليهودية، وكسب العرب لتأييد الدول الإفريقية والأسيوية فى المحافل الدولية و بالأخص الجمعية العامة للأمم المتحدة .

يري بعض الباحثون، أن إسرائيل عادت لأفريقيا من خلال هذه المنطلقات لتنفذ إستراتيجتها التى تسمى بحلف المحيط لمحاصرة العالم العربى والمد الإسلامـى المنافس لها حضارياً، ولتنفيذ هذه الإستراتيجية بدأت إسرائيل فى التغلغل فى فى منطقة القرن الأفريقى وشرق أفريقيا ومنطقة البحيرات، وفى دول المحيط الغربى للسودان، وذلك لمحاصرة السودان الذى يمثـل العمق الإستراتيجى لمصر والأمة العربية والإسلامية، والمعبر الذى يربط العالم العربى والإسلامى بـدول جنوب القارة الأفريقية، وذلك لأن السودان كان ولا زال يمثل العمق الإستراتيجى لمصر، حيث شارك السودان بكل إمكانياته العسكرية والإقتصادية فى حرب إكتوبر1967، مما ساعد مصر فى النصر على إسرائيل بالإضافة لما يمتلكه السودان من ساحل طويل ممتد على البحر الأحمر، وموارد طبيعية هائلة من بترول ومعادن وأراضى خصبة ومصادر مياه وفيرة، والتى إن تم إستغلالها بالجهود السودانية العربية المشتركة قد تكون من العوامل المهمة التى تلعب دوراً محورياً فى حسم الصراع العربى الإسرائيلى فى المستقبل, هذا بالإضافة لهوية السودان العربية الإسلامية، والتى تعتبر معادية للهوية الصهيونية، لذلك إنتهجت إسرائيل عدة أساليب لمحاصرة السودان وعزله عن هويته العربية والإسلامية (2).

موقف إسرائيل من جنوب السودان

أن ما يجري في السودان سواء في إقليم دارفور أو جنوب السودان لا يمكن أن يكون عملا منعزلا عن واقع السياسة الإسرائيلية في منطقة الشرق الأوسط، وأن الهدف الأساسي من هذه السياسات هو مصر، وقد تكشف الأمر أخيرا عندما ظهرت تفاصيل دراسة كتبها العميد الإسرائيلي المتقاعد موشي فرجي أعدها لمركز دراسات الشرق الوسط في جامعة تل أبيب بعنوان 'إسرائيل وحركة تحرير جنوب السودان، نقطة البداية ومرحلة الانطلاق'.

ويقول العميد فرجي إن الصراع الذي ظهر في جنوب السودان بدا في أول أمره وكأنه حدث محلي، ولكنه استرعى في مرحلة لاحقة الاهتمام الإسرائيلي ولم يكن ذلك شانه في أول الأمر لان إسرائيل كانت تنظر إلى الصراع في جنوب السودان على أنه لا يتعلق بدولة من دول المواجهة معها، كما أن السودان لم يكن من وجهة نظر إسرائيل من الدول التي تتبنى مواقف متشددة منها، ولم يقدم دعما حقيقيا للرئيس جمال عبد الناصر في مواقفه المختلفة من إسرائيل، خاصة في حملة قاديش وخلال العدوان الثلاثي على مصر أو خلال حرب عام ألف وتسعمئة وسبعة وستين. وتقول الدراسة إن السودان لم يتخذ موقفا عدائيا من التغلغل الإسرائيلي في القارة الأفريقية وخاصة عندما كانت اسرائيل تحاول تعميق علاقاتها مع الإمبراطور هيلاسيلاسي في إثيوبيا وأخيرا مع كينيا وأوغندا. ولكن حدث تطور مهم في المؤسستين الاستخبارية والعسكرية بشأن السودان، ليس بسبب مواقف سابقة بل بسبب ما يمكن أن يشكله السودان من خطر على الأمن الإسرائيلي مستقبلا، باعتباره عمقا حقيقيا لمصر التي هي في نظر إسرائيل أكبر خطر يتهددها، ورأت إسرائيل أن الخطر الذي يشكله السودان بالنسبة لإسرائيل يشبه إلى حد كبير الخطر الذي يمكن أن يشكله العراق، وبالتالي يجب أن يكون التعامل مع السودان بالمستوى نفسه الذي يكون فيه التعامل مع العراق، ويجب أن يرتكز ذلك على التباين العرقي والطائفي والمذهبي الذي هو في نهاية الأمر الضمان الوحيد لكي يصبح السودان عاجزا عن القيام بأي عمل كبير ضد إسرائيل أو تقديم الدعم ضدها لدولة في حجم مصر.

وبالتالي فقد رأت إسرائيل توسيع استراتيجيتها المخصصة للقرن الأفريقي بحيث يدخل إلى صميمها الموقف من جنوب السودان. ويقول فرجي إن هذه الإستراتيجية صاغها بن غوريون وأوري لورياني وبالتالي فقد بدأت إسرائيل فورا بالتحرك لدعم كل الحركات الانفصالية التي تهدد الحكومة المركزية في الشمال. ويأتي هذا الموقف من إسرائيل بعد أن اعترفت الدراسة أن إسرائيل حاولت أن تتغلغل في صفوف الزعامات في شمال السودان ولكنها فشلت في أن تحقق نجاحا يذكر. بل إن السودان بدأ تدريجيا في الدخول إلى الخندق المعادي لإسرائيل خاصة خلال حرب (أكتوبر) عام 1973.

وقالت الدراسة إن إسرائيل جعلت من إثيوبيا مرتكزا لها وقد تولى الاتصالات مع متمردي جنوب السودان دافيد كمحي المدير السابق لوزارة الخارجية الإسرائيلية، وقالت إن الدعم الإسرائيلي هو الذي مكن حركة التمرد من الاستيلاء على مدن رئيسية في جنوب السودان، وكانت إسرائيل تمد المتمردين بالسلاح كما كانت تقوم بتقديم الاستشارات والتدريب من خلال خبرائها المقيمين في إثيوبيا. واستخدمت الحكومة الإسرائيلية سياسة جديدة أطلقت عليها اسم (شد الأطراف) استهدفت توتير العلاقات بين الحكومة السودانية والدول المجاورة حتى لا تتمكن الحكومة السودانية من تنفيذ سياساتها بالتعاون مع هذه الدول.

وحددت إسرائيل خمس مراحل لتنفيذ استراتيجيتها في السودان، المرحلة الأولى بدأت في مرحلة الخمسينيات حيث كانت إسرائيل تركز على تقديم معونات إنسانية للنازحين عبر الحدود السودانية إلى إثيوبيا، وكانت إسرائيل تحاول من خلال تقديم مساعداتها في هذه المرحلة تعزير الاختلافات القبلية والعرقية وتوسيع شقة التنافر بين الشمال والجنوب ودعم كل الاتجاهات الانفصالية، وقد أوفدت العقيد باروخ بار سفير وعددا من أفراد الاستخبارات الإسرائيلية للعمل من خلال أوغندا لدعم هذا الهدف.

وفي المرحلة الثانية التي بدأت خلال مرحلة الستينيات بدأت إسرائيل في دعم قوات الأنيانيا وتدريبها، وخلال هذه المرحلة تبلورت رؤية إسرائيل التي ترى أن شغل السودان في مثل هذا الواقع لن يترك له أي مجال لدعم مصر في أي عمل مشترك ضد إسرائيل، وتقول الدراسة إن هذه السياسة وجدت قبولا من بعض العناصر في جنوب السودان وذلك ما شجع إسرائيل على أن تبعث بعناصرها إلى الجنوب مباشرة للعمل تحت ستار تقديم الدعم الإنساني، وتقول الدراسة إن إسرائيل قدمت دعما من الأسلحة الروسية في عام 1962 لدعم حركة التمرد في الجنوب وأن تلك الأسلحة كانت من التي غنمتها من مصر في حرب عام 1956 بالإضافة إلى الرشاش الإسرائيلي عوزي.

وبدأت المرحلة الثالثة في منتصف الستينيات واستمرت حتى مرحلة السبعينيات وخلالها قامت إسرائيل بتقديم أسلحة إلى متمردي الجنوب من خلال وسيط يسمى جابي شقيق وهي أسلحة غنمتها إسرائيل خلال حرب عام 1967. وذكرت الدراسة الإسرائيلية إنه خلال هذه المرحلة تم إحضار مجموعات من المتمردين الجنوبيين إلى إسرائيل لتلقي التدريب وكان من بينهم العقيد جوزيف لاقو الذي مكث في إسرائيل ستة أشهر. وأسست إسرائيل خلال هذه المرحلة مدرسة خاصة لتدريب المشاة تخرج الكوادر العسكرية التي تقود حركة التمرد. وقد شاركت خبرات إسرائيلية بالفعل في بعض المعارك التي جرت في جنوب السودان.

وتقول الدراسة إن مرحلة السبعينيات كانت نقطة تحول أساسية حيث قام حاييم ماساتي رجل المخابرات الإسرائلي بالتنسيق من خلال سفارة إسرائيل في أوغندا مع قادة حركة الإنيانيا. وعندما أصبحت حركة التمرد على وشك الانتهاء في عام 1969 بدأت إسرائيل تفكر في مخطط جديد يؤدي إلى حركة تمرد دموي شاملة تنتظم منطقة الجنوب بأسرها، وركزت إسرائيل خلال هذه المرحلة على الوشائج التاريخية بين الشعب اليهودي والشعوب الأفريقية منذ عهد الملك سليمان، كما ربطت إسرائيل بين ما اعتبرته شبها بين الحركة الصهيونية وحركات الجماعات الأفريقية الزنجية، وقد تأثر التغلغل الإسرائيلي سلبا بالمصالحة بين المتمردين والحكومة السودانية في عام 1972.

وأما المرحلة الرابعة فقد استمرت طوال عقد الثمانينيات وعادت إسرائيل إلى المشهد السوداني من جديد بعد إخفاق اتفاقات أديس أبابا وظهور حركة تمرد جديدة بقيادة العقيد جون قرنق، وقد وجدت إسرائيل دعما غير مسبوق من إثيوبيا كما أن حركة التمرد اكتسبت زخما جديدا بعد ظهور النفط في جنوب السودان والتوتر الذي ظهر في العلاقات العربية بعد توقيع اتفاقات كامب ديفيد، وكانت اتفاقات إسرائيل مع منغستو هايلي مريم تنص على إرسال جزء من الأسلحة المتفق عليها إلى إسرائيل، ومنها صفقة دبابات، كما ساعدت الأقمار الإصطناعية الإسرائيلية في تقديم المعلومات المتعلقة بانتشار القوات الحكومية في جنوب السودان. واستمر الدعم في المرحلة الخامسة خلال مرحلة التسعينيات بتقديم دعم أكثر تطورا وإن تأثرت المساعدات الإسرائيلية بمناخ المصالحة بين السودان وإثيوبيا. وقد تأثرت حركة التمرد بانقسامها إلى ثلاثة فصائل كما أن سقوط نظام منغستو أثر سلبا على الدعم الإسرائيلي، ولكن التطورات في القرن الأفريقي فتحت مجالا جديدا للتغلغل الإسرائيلي في المنطقة.

وتقول الدراسة إن حركة التمرد طلبت في عام 1992أربعة ملايين طلقة لمدافع رشاشة وخمسة ملايين دولار من أجل استرداد قاعدتي كبويتا وتوريت لأجل تعزيز موقف الحركة التفاوضي في مباحثات السلام، وبعد حدوث الانقسام بين قرنق ورياك مشار ولام أكول حاولت إسرائيل تعزيز علاقاتها حسب التقرير مع جناح الناصر بعد أن ظهرت اتجاهات وحدوية عند قرنق وتخليه عن فكرة المطالبة بدولة مستقلة. وتركز الدراسة على أن الدعم الإسرائيلي هدف إلى إحباط الدعم العربي للحكومة السودانية وعرقلة العمل في قناة جونقلي والتحذير من هجرة الفلاحين المصريين إلى جنوب السودان والتركيز على أن يكون الجنوب دولة مستقلة بهوية أفريقية، وأرسلت إسرائيل الخبير الاقتصادي البروفسور إيليا هولونفسكي من أجل تقدير الثروة النفطية الجنوبية ونصح الجنوبيين بالانتفاع بهذه الثروة، وأرادت القيادة الإسرائيلية إقامة علاقة مبكرة مع القادة الجنوبيين أسوة بعلاقاتها مع زعماء من الأكراد بحسب ما ذكره التقرير.

ويرى التقرير الإسرائيلي ان اتفاقات ماشاكوس لم تكن حلا للخلافات بين الشمال والجنوب بقدر ما وضعت الأساس العملي والشرعي لانفصال جنوب السودان عن شماله وذلك من خلال قبول حكومة الشمال مبدأ تقرير المصير ومطالب أخرى تقدم بها جون قرنق.

علاقة أسرائيل بدولة جنوب السودان

أن العلاقات بين "إسرائيل" ودولة جنوب السودان ليست جديدة، وتاريخها الحقيقي يعود إلى عام 1967م، عندما عرض الجنرال جوزيف لاقو لونجا - مؤسس حركة جنوب السودان- على "إسرائيل" في ذاك الوقت استعداده لتقديم المساعدة لتل أبيب للحيلولة دون اشتراك الجيش السوداني مع الجيش المصري في محاربتها. وعلى الفور وجهت رئيسة الوزراء الصهيونية جولدا مائير الدعوة له لزيارة تل أبيب، وقامت بتكليف جيش الاحتلال بتدريب أتباعه، وزودتهم بالأسلحة التي يحتاجونها، وتم تنسيق عملية المساعدات "الإسرائيلية" لجنوب السودان مع كل من كينيا وإثيوبيا.

ويبدو أن العبث الصهيوني في الساحة السودانية لم يتوقف منذ هذا التاريخ، حيث اعترف عاموس يادلين الرئيس السابق للمخابرات العسكرية الصهيونية المعروفة اختصارًا بـ"أمان" خلال تسليمه لمهام منصبه لخليفته، بدور "إسرائيل" الكبير في مساعدة الحركات الانفصالية بالجنوب السوداني، قائلاً :"لقد أنجزنا خلال السنوات الماضية كل المهام التي أوكلت إلينا، واستكملنا العديد منها، والتي بدأ فيها الذين سبقونا". وأضاف: "أنجزنا عملاً عظيمًا للغاية في السودان، نظمنا خط إيصال السلاح للقوى الانفصالية في جنوبه، ودربنا العديد منها، وقمنا أكثر من مرة بأعمال لوجستية لمساعدتهم، ونشرنا في الجنوب ودارفور شبكات رائعة قادرة على الاستمرار بالعمل إلى ما لا نهاية، ونشرف حاليًا على تنظيم "الحركة الشعبية" هناك، وشكلنا لهم جهازًا أمنيًّا استخباريًّا".

ونتيجه لهذه العلاقات التاريخية بين قادة دولة جنوب السودان وقادة الكيان الصهيوني استجاب الرئيس "سيلفا كير" لطلب النائب بالكنيست "دانى دانون" عن حزب "الليكود" للدعوة التي وجهها إليه بزيارة إسرائيل فى وذلك بعد الزيارة التي قام بها برفقة عدد من المسئولين الإسرائيليين الكبار لجنوب السودان بمناسبة افتتاح سفارة إسرائيل فى جوبا وكذلك وافق دانون على افتتاح سفارة للجنوب السودانى فى تل أبيب. وذكر سلفاكير خلال الاجتماع مع النائب الإسرائيلى إن عدداً من قيادات حركة "حماس" طالبوه بعدم إقامة علاقات مع إسرائيل لكنه رفض طلبهم، مؤكداً لهم أن جنوب السودان ليست دولة عربية وأن هناك بعض الدول العربية نفسها كمصر والأردن لديها سفارات إسرائيلية على أراضيها.

وطلب دانون خلال لقائه بوزير خارجية جنوب السودان "دينق ألور" أن تصوت جنوب السودان ضد الاعتراف بالدولة الفلسطينية لدى طرح الملف على الأمم المتحدة شهر سبتمبر 2011م. وقد التقى النائب بالكنيست رئيس برلمان جنوب السودان "دانيئيل أكوت" الذى أشاد بإسرائيل واعتبر نموذجاً يُحتذى به بالنسبة لدولته الحديثة، على حد قوله. ولفتت بعض المراقبين إلى أن دانون التقى بعدد من مواطني جنوب السودان الذين كانوا قد أمضوا فترة من الوقت فى إسرائيل بصفة لاجئين قبل عودتهم إلى وطنهم ليبحث معهم سبل إعادة مواطنيهم المتواجدين فى إسرائيل إلى جنوب السودان وتأهيلهم مهنيا.

استعرض الخبير الاسرائيلي برئيل في تقريره الأنباء التي ترددت بشأن اجتماع مسئولين "إسرائيليين" مع مندوبين عن حكومة جنوب السودان، والاتفاق على أن يستقبل مطار جوبا رحلات شركة الطيران الصهيونية (العال) بداية من العام 2012م، إضافةً إلى اعتزام رجال أعمال "إسرائيليين" بناء فندق سياحي ضخم في جنوب السودان، وأن شركة "إسرائيلية" أخرى قامت بالفعل بتدشين مكتب سمسرة مالية وتجارية هناك. هذه الأنباء التي يتم تسريبها في الأساس من خلال وسائل الإعلام العبرية تهدف في المقام الأول إلى جس نبض العالم العربي حيال الدولة الجديدة في جنوب السودان وعلاقاته المرتقبة مع "إسرائيل" من جهة، وتكشف لنا استعدادات الكيان الصهيوني لاحتواء تلك الدولة والسيطرة عليها لتكون ورقة جديدة في يده؛ يستعين بها في حربه ضد العرب من جهة أخرى.

وكعادة الإعلام الصهيوني الموجه، حاول برئيل الإيحاء عبر تقريره المشبوه، بأن "إسرائيل" تتمتع بتعاطف وتأييد شعبي من جانب السودانيين الجنوبيين، زاعمًا بأن معظم سكان الجنوب السوداني يحملون مشاعر إيجابية تجاه "إسرائيل"، ويرحبون يإقامة علاقات معها، مبرزًا مثالاً على ذلك من خلال تعليقات القراء في إحدى المواقع الإلكترونية السودانية على خبر يتحدث عن تعميق العلاقات بين "إسرائيل" وجنوب السودان، حيث علق أحدهم على ذلك قائلاً: "عقب الانفصال عن السودان، ستكون (إسرائيل) من أولى الدول التي سيدعوها الجنوب إلى إقامة سفارة لها هنا. فـ(إسرائيل) لم تقتل 2.5 مليون شخص من شعبنا مثلما فعل النظام السوداني، ونحن السودانيين الجنوبيين لا تهمنا حرب 1967م ولا حرب 1973م؛ لأنه ماذا تنتظرون من (إسرائيل) فعله عندما تُهاجم من عدة جبهات".

ها هي السودان في ظل الخريطة الجيو سياسية الجديدة تتهاوى أمام أعيننا وسط عجز عربي مخجل ينذر بسقوط مزيد من الدول العربية في براثن التقسيم والتفتت؛ لتتحول إلى دويلات لا حول لها ولا قوة، وتفسح المجال أكثر أمام القوى المتربصة بها؛ لتزيد من سطوتها وشهوتها الاستعمارية(5).

اهمية دولة جنوب السودان لإسرائيل

تبدو دولة جنوب السودان استراتيجياً، وفي ظل المتغيرات التي تشهدها المنطقة العربية وفي القلب منها المصرية، غاية في الأهمية للدولة العبرية، خصوصاً لجهة تشكيل أداة ضغط جديدة على مصر فيما يتعلق بحوض النيل، شريان الحياة الرئيسي لهذا البلد العربي المحوري، لمنعه من الاستقلال مستقبلاً بقراره السياسي، والذي يشكل رافعة للنهوض العربي المنشود.

ومن الناحية التكتيكية يمكن لإسرائيل في هذه الأيام أن تحاجج أيضاً بشأن عبثية موضوع إعلان الدولة الفلسطينية من طرف واحد، مستشهدة بالحالة السودانية التي تمت باتفاق بين الطرفين، في مقارنة غير عادلة بين السودان الموحد و«إسرائيل الكبرى». ولكن، هل نلوم إسرائيل، التي أقامت علاقات سرية وعلنية منذ عقود طويلة مع الجنوبيين، وفقاً لقاعدة بن غوريون التي تقول إن على إسرائيل أن تحاصر الدول العربية من خلال الدول المحيطة ؟ أم نلوم أنفسنا كعرب ونحن نقف عاجزين عن الفعل السياسي في العمق الاستراتيجي لبلداننا المهددة، والذي ملأت فراغه الدول المحيطة بنا؟ أسئلة مؤلمة لابد من الإجابة عنها والوقوف عندها ملياً، وإلا سنشهد مزيداً من الغياب العربي عن ساحة الفعل السياسي الإقليمي والدولي، والعودة بشكل أو بآخر لحقبة الاستعمار بالمعنى الاستراتيجي للكلمة. فغياب الوزن السياسي للعرب في المنطقة يعني حضور الآخرين، وهذا لا يعني النظر لانفصال جنوب السودان بوصفه مؤامرة، بل هو حدث سياسي استراتيجي لابد من التعامل معه بواقعية سياسية، أول تعبيراتها، احتضان هذه الدولة الوليدة ودعمها بكافة أشكال الدعم الممكنة وعدم تركها لقمة سائغة للدول الطامحة إلى التمدد في مناطق الفراغ العربية (6).

أعتراف إسرائيل بدولة جنوب السودان

تعاطت إسرائيل مع إعلان دولة جنوب السودان بما يشبه الاحتفاء، معتمد إبداء تحفظ رسمي، وحرص على عدم الظهور العلني في الصورة قدر الإمكان، وحتى تأخير الاعتراف الرسمي بالدولة الوليدة إلى ما بعد الاعتراف الأمريكي والأوروبي بها. أما إعلامياً، فلم يتم إخفاء الرضى تجاه الحدث، مع قراءات واجتهادات لاستخلاص العِبَر وإسقاطها على الصراع العربي- الإسرائيلي، كما فعل يوسي بيلين ودوري غولد. وعموماً، ليس ثمة اختلاف جدي وعميق بين القراءتين الرسمية والنخبوية.

بعد اعلان انفصال جنوب السودان عن السودان اعترف رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتننياهو في بيان ان الحكومة الاسرائيلية تعترف بدولة جنوب السودان المستقلة، ويذكر ان اسرائيل لا تربطها علاقات دبلوماسية مع الخرطوم، وتتهم حكومة السودان بدعم مسلحين من حماس. واتهمت الخرطوم اسرائيل في /ابريل 2011م بتنفيذ ضربة جوية على الساحل السوداني من البحر الاحمر ما اسفر عن مقتل شخصين وتدمير السيارة التي كانوا يستقلونها. وكانت علاقات اسرائيل أكثر ودية مع الجيش الشعبي لتحرير السودان، الحركة المسلحة التي قادت جنوب السودان نحو الاستقلال.

يبدو من السطحية بمكان الحديث عن دور إسرائيلي في جنوب السودان، سياسياً كان أو اقتصادياً، دون قراءة فاحصة للأداء الأمني والعمل الاستخباري لأجهزة المخابرات الإسرائيلية. مع العلم أن هذا التدخل الإسرائيلي لم يأت عفوياً، أو حباً في سواد عيون الجنوبيين، بل إن الإستراتيجية التي قامت عليها إسرائيل منذ نشأتها الأولى تحددت بموجب ما ذكره مؤسسها ديفد بن غوريون حين قال "نحن شعب صغير،‏ وإمكانياتنا ومواردنا محدودة، ولا بد من العمل على علاج هذه الثغرة في تعاملنا مع أعدائنا من الدول العربية، من خلال معرفة وتشخيص نقاط الضعف لديها‏،‏ خاصة العلاقات القائمة بين الجماعات العرقية والأقليات الطائفية‏، بحيث نسهم في تعظيمها‏، لتتحول في النهاية إلى معضلات يصعب حلها أو احتواؤها"‏.‏

الأتصالات الإسرائيلية مع الجنوبيين بدأت من القنصلية الإسرائيلية في أديس أبابا، بحيث لعبت شركاتها "كواجهة" استخدمت لتلك الاتصالات، ووقع الاختيار على الدينكا أقوى قبائل المنطقة لتكون الباب الذي تتسلل منه إسرائيل إلى الجنوب وقد أطلق على هذه الإستراتيجية "شد الأطراف"، وتم تجاوزها في سنوات لاحقة ليطلق عليها شعار "البتر وليس الشد‏"،حيث تبدو التوجهات الإسرائيلية ماضية في تلبية طموحات الجماعات العرقية في الانفصال، وتشكيل الكيانات المستقلة عن الدول العربية‏.‏

ولعل ما توج هذه الجهود الإسرائيلية، ما كشف عنه النقاب من بدء وصول حشود كبيرة من الخبراء الإسرائيليين في مختلف المجالات إلى جوبا عاصمة الجنوب، استعداداً للسيطرة على الدولة الناشئة، حيث يتخصص هؤلاء الذين قدر عددهم بألف خبير في الزراعة والتعدين والاقتصاد والفنون والسياحة والإدارة. تعتقد إسرائيل أن مراميها السياسية والإستراتيجية في تشجيعها لانفصال جنوب السودان، تتجاوز كثيراً هذه البقعة الجغرافية لتصل إلى عواصم عربية مجاورة، ترى أنه لا بد من بقائها تحت المجهر الإسرائيلي. وهكذا، لم يكن مستغرباً أن تركز إسرائيل على النيل في السنوات الأخيرة لضمان الإمساك بأقوى ورقة للضغط على مصر، وفي هذا السياق جاء تركيز جولة وزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان قبل أشهر عدة على ثلاث دول تعد من أهم بلدان المنابع لنهر النيل، وأكثرها رفضاً لاتفاقات المياه المعقودة مع دولتي المصب: السودان ومصر.

فإن مصالح إسرائيل في المفهوم الإستراتيجي باتت تتمثل في إقامةعلاقات قوية مع دولة جنوب السودان، والأرجح أنها لن تكون إلا شوكة أخرى في خاصرة دولة عربية، لاسيما أن حقيقة انفصال الجنوب يجد مساندة قوية من اليمين المسيحي المتصهين في الولايات المتحدة للحد من المد العربي والإسلامي داخل القارة الأفريقية، مما يعني أن القادم سيكون لصالح إسرائيل بصورة أكثر خطراً وأبعد أثراً، لدرجة أن دولة الجنوب ستتحول إلى "قاعدة عسكرية" إسرائيلية في نهاية المطاف.

ويتردد على نطاق واسع ان إسرائيل قدمت اسلحة الى الجيش الشعبي خلال حربه التي استمرت 22 عاما ضد نظام الخرطوم، وان لم يقر اي جانب ذلك علنا. وتواجه دولة جنوب السودان الجديدة تحديات جمة، وقد اعلنت وكالة (اسرائيد) التي تتألف من منظمات اغاثة اسرائيلية ومنظمات اهلية يهودية، عن ارسالها على الفور مساعدات انسانية لجنوب السودان "بالنيابة عن الشعب الاسرائيلي واليهودي كبادرة حسن نوايا بين الشعبين". وتقول وسائل الاعلام ان العديد من الخبراء الاسرائيليين موجودون في جنوب السودان لاسيما في قطاع الزراعة. ووفرت اسرائيل ملجأ لآلاف اللاجئين السودانيين، بينهم المئات من جنوب السودان، وجرى احتفال باستقلال الجنوب في تل ابيب التي تضم أغلب السودانيين الذين استقروا في اسرائيل(7).

التعاون بين اسرائيل و دولة جنوب السودان

أعلنت الحكومة الإسرائيلية وحكومة جمهورية جنوب السودان عن إقامة علاقات دبلوماسية بين الدولتين، على أن يتم بحث الجوانب العملية للعلاقات، بما في ذلك اعتماد السفراء، خلال الفترة القادمة عبر القنوات الدبلوماسية القائمة. وصرح وزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان في بيان له أن "التعاون بين البلدين سيبنى على الأسس المتينة التي يسترشدان بها في إقامة علاقات ود وتكافؤ واحترام متبادل".

وأشار بيان الخارجية الإسرائيلية إلى أنه سيجري بحث الجوانب العملية للعلاقات الجديدة في المستقبل القريب بما في ذلك تبادل السفراء. وكانت حكومة جنوب السودان قد كشفت من جانبها في العاصمة جوبا إقامة علاقات مع إسرائيل بحضور وفد من الدبلوماسيين الإسرائيليين الذين قال البيان الإسرائيلي إنهم كانوا في زيارة لجوبا.

وسبق أن عبّر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن رغبته في إقامة هذه العلاقات خلال تصريحات تزامنت مع إعلان دولة جنوب السودان، كما أرسلت إسرائيل وفدا طبيا للمساعدات الإنسانية وكان أيضا وفد من رجال الأعمال الإسرائيليين قد زار جنوب السودان أخيرا. كما وصلت مجموعة من رجال الأعمال الإسرائيليين والخبراء في عدة مجالات إلى جوبا عاصمة جنوب السودان، لغرض استكشاف إمكانيات الاستثمار هناك مع القيادة الرسمية. وعلم أن من بين المجالات التي طرحت للتعاون، ما يتعلق بالقضايا الأمنية مثل التدريب العسكري والاستخباري وتوفير الحراسة لمؤسسات تجارية وحكومية وغيرها.

وقد بادرت إلى هذا التعاون منظمة "الطاقم الإسرائيلي لتقديم المساعدات الإنسانية" التي تمولها التنظيمات اليهودية في كندا. وهذه المنظمة تقوم بنشاط منظم في جنوب السودان، قبل انفصال الجنوب، وبمعرفة من الحكومة السودانية. وهي التي بدأت في إرسال مساعدات غذائية وطبية، منذ إعلان الاستقلال في جنوب السودان(8).

دعا خبراء إسرائيليون إلى إبرام اتفاقيات للتعاون الاقتصادي مع دولة جنوب السودان بعد الانفصال، وأشاروا إلى ثراء الجنوب بالنفط، فضلاً عن الأراضي الزراعية الشاسعة، الأمر الذي اعتبروا أن إسرائيل يمكنها استغلاله؛ ليصبح جنوب السودان بمثابة سلة غذاء متميزة لها. وأكد يوئيل جوتنسكي، الخبير والمحلل السياسي في صحيفة إسرائيل اليوم، أهمية إبرام اتفاقيات تعاون اقتصادي مع الجنوب، مشيرًا إلى أن الاقتصاد وحده سيكون البداية لتحقيق هذا التعاون المتميِّز. وأشار جوتنسكي إلى أن الكثير من الدول العربية تتخوف من إبرام اتفاقيات التعاون الثنائي مع السودان إما لأسباب سياسية أو اقتصادية، معتبرًا أن تلك هي الفرصة لاستغلال جنوب السودان، فضلاً عن المناطق الزراعية التي من الممكن أن تتحول إلى سلة غذاء متميزة لإسرائيل.

وذكر جوتنسكي في نهاية المقال: إن الكثير من اللاجئين السياسيين السودانيين ممن يعيشون في إسرائيل الآن من الممكن أن يكونوا جسرًا للتواصل والسلام بين جوبا وتل أبيب، ولفت الى إبداء مسؤولين كبار بحكومة الجنوب ترحيبًا خاصًا بالخطوة، وكشف عن تكفل رجال الأعمال بإعادة المهاجرين الجنوبيين لتل أبيب.

انعكاسات الوجود الاسرائيلي في دولة جنوب السودان علي السودان

نسبه لهذا الوجود الاسرائيلي في الجنوب أبدت الحكومة السودانية قلقها من تسارع وتنامي وتيرة التطبيع بين دولة جنوب السودان وإسرائيل، وعبرت الخرطوم عن تخوفها من أن ترمي علاقة الدولة الوليدة بالدولة العبرية لزعزعة استقرار السودان. وذكر بعض المسؤالين في شمال السودان أن الحركة الشعبية ظلت تلقى العون من إسرائيل دعماً لإستراتيجية منع التمدد العربي والإسلامي. وأضاف: ثبت عملياً أن الأمر أكبر مما كان يعتقد أو يقدر بعد تسارع خطوات التطبيع بين جنوب السودان وإسرائيل. وتنظر الحكومة السودانية لهذا الأمر من زاويتين الأولى أنه شأن داخلي سيادي لجنوب السودان لا يعنينا في شيء ولكن من زاوية ثانية نتحسب من تأثير هذه العلاقة على استقرار الأوضاع الأمنية بالسودان أو الإضرار به(9).

ويري الخبراء أن الأمر المقلق في هذا المنحي أن إسرائيل ستعمل على محاربة الشمال انطلاقاً من وجودها الرسمي في الجنوب سواء من خلال التلاعب في المياه أو من خلال عمل استخباري، أو من خلال وجود عسكري قاعدي صريح فهي من المؤكد لم تسع للمجئ إلى الجنوب من أجله وحده خاصة اذا فهمنا مغزى مقولة مؤسسيها قبل نصف قرن من الزمان أن دولة إسرائيل تمتد حدودها من النيل إلى الفرات(10).

ومثل هذا الوجود الاقتصادي والسياسي والشعبي والامني والعسكري في نظر كثير من الباحثين بالنسبه لاسرائيل في دولة جنوب السودن سوف يشكل خطر كبير في مستقبل الايام علي المنطقه بصفه عامة وعلي السودان بصفه خاصة لان هنالك تداخل بين الشمال والجنوب في كثير من المناطق الحدودية والتي مايزال الصراع قائم حولها (11).

الخاتمة

ختاماً نشير على ضوء ما تم استعراضه من الموقف الصهيوني حيال دولة جنوب السودان، إلى ضرورة إيجاد آلية عربية سريعة وحازمة تعمل تحت مظلة الجامعة العربية للتعامل مع الخروقات والشطحات المتوقعة بتحريض صهيوني من جانب هذه الدولة الوليدة، بهدف حفظ استقرار الأمن القومي العربي والسوداني علي وجه الخصوص الذي بات مستباحاً ومهدداً أكثر من ناحية الجنوب، بعد التمرد الأثيوبي الذي انعكس من خلال إصرارها على بناء سدود مائية جديدة تؤثر على حصة مصر والسودان من مياه نهر النيل .

أن هذا الوجود الإسرائيلي المقنن في الجنوب السوداني – وخلافاً لأي وجود إسرائيلي في القارة الإفريقية – وجود استراتيجي خطير لها وسوف تدرك الحركة الشعبية هذه المخاطر على جنوبها نفسه بعد فوات الأوان، كما ان مثل هذه العلاقة قد تقضي على علاقة الجنوب بالشمال لان البلدين متصلين كتوأم سيامي والجنوب لا يزال بمثابة عمق استراتيجي للشمال. لهذا فان من المؤكد أن قادة الجنوب في حاجة ماسة جداً لإعادة قراءة المآلات الخطيرة لهذه الخطوة، قراءة عميقة متأنية.

النتائج

• جنوب السودان عمق استراتيجي ومصيري لمصر والسودان وإقليم البحر الأحمر برمته، ولا ينبغي التعامل معه بهذا الاستخفاف والتجاهل المريب.

• إن انهيار السودان وتقسيمه يحقق لـ"إسرائيل" الكثير من المكاسب سواء السياسية أو الاقتصادية، والامنية.

• تحاول "إسرائيل" كسر حلقة قوية من حلقات دعم المقاومة الفلسطينية، وهي السودان. فتوريطها في صراعات داخلية يجعلها تنشغل عن دعم المقاومة الفلسطينية، سواء كان دعمًا معنويًّا أو ماديًّا. كما أن إغراق السودان في تلك الصراعات سيسمح بالتغلغل المخابراتي الصهيوني إلى قلب الأراضي السودانية؛ لرصد التحركات الإيرانية داخل السودان، بعد أن تحولت في الآونة الأخيرة إلى ساحة صراع جديدة بين طهران وتل أبيب.

• الوجود الاسرئيلي في جنوب السودان يمكنه من السيطرة علي الثروات الطبيعية في السودان والتي بدات في الظهور مع بروز الدور الصيني في القارة الإفريقية عمومًا، وفي السودان على وجه الخصوص، لا سيما بعد توقيع الصين لعدد من الصفقات والاتفاقيات الاقتصادية والاستثمارية مع حكومة الخرطوم تقدر بمليارات الدولارات، خاصة وأن منطقة جنوب السودان تتمتع بثروات نفطية ضخمة واعدة؛ لذا فإن إقامة دولة جديدة مسيحية في جنوب السودان، والتي سبق لها وأن استعانت في الماضي بـ"إسرائيل"، ستساعدها كثيرًا في حل مشكلة النقص في مجال الطاقة الذي تعاني منه دومًا.

• إن قيام دولة في جنوب السودان على علاقات قوية مع "إسرائيل" سيفتح الباب أمام تل أبيب للحصول على مياه نهر النيل وتزيد من فرض سيطرتها عليها، عبر بناء المزيد من السدود وإقامة المشروعات المائية، كما سبق وأن فعلت في إثيوبيا؛ لتكون ورقة جديدة تلاعب بها مصر، لتضييق الخناق عليها وابتزازها هذه المرة سيكون سياسيًّا واقتصاديًّا.

• لدى "إسرائيل" مصالح أمنية وعسكرية من خلال صفقات بيع الأسلحة التي تدر مبالغ طائلة على الكيان الصهيوني، في منطقة القرن الإفريقي وحوض النيل وهي الدول المجاورة للسودان، والتي تنعش خزينته السنوية بمليارات الدولارات. نجح جنوب السودان بمساعدة إسرائيل في تخزين كمية كبيرة من الأسلحة العسكرية المتطورة من دبابات وغيرها، وهي كمية كفيلة بأن تكسر معايير التوازن بين الجنوب والشمال في اي نزاع مستقبلي قادم.

• إسرائيل ستعمل علي تحريض دولة جنوب السودان ضد السودان الشمالي في المستقبل.

• إسرائيل لاتريد جوبا فحسب بل تريد الخرطوم وعندما استعصت عليها توجهة جنوباً لضرب السودان من الداخل.

التوصيات

• يجب ضبط الوجود الجنوبي في شمال السودان ووضعهم تحت المراقبه الامنية والشعبية ، بعيد عن التعامل بالعاطفة لان الجنوب الان اصبح دوله منفصله وله مصالحه، ويمكن لاسرائيل ان تستفيد من هذا الوجود في الشمال بالنسبه للجنوبيين لذلك يجب الحيطه والحزر.

• التعامل مع دولة الجنوب علي انها دوله قوية لايستهان بها لان الجنوب الان يتمتع بعلاقات قوية مع الغرب وخاصة امريكا واسرائيل.

• تشجيع الوجود الشمالي في الجنوب عن طريق التجاره والدبلوماسية الشعبية والعمل الثقافي والاجتماعي، حتي لايصبح الجنوب لقمه في يد القوه الخارجية.

• يجب ضبط ومراقبة الشريط الحدودي مع دولة جنوب السودان بأحدث الاجهزة والوسائل مهما كلف الامر لان الخطر القادم سوف يكون من الجنوب.

• يجب تحييد دولة جنوب السوان باتفاقية دولية اقتداء بالنموذج الاسرائيلي المصري الذي اخرج مصر من دائرة الصراع العربي الاسرائيلي (كامب ديفيد)، وذلك لضمان سلامة الحدود الجنوبية.

• الوقوف ضد هذا الوجود الاسرائيلي في دولة جنوب السودان يتطلب تماسك الجبهة الداخلية و تعزيز الشعور القومي لابناء السودان الشمالي عامة.

المصادر

(1) د. أبراهيم ميرغنى، الدور الإسرائيلى فى الساحة الأفريقية، ص80

(2) شمس الهدى أبراهيم إدريس، التدخل الإسرائيلى فى السودان كيف ولماذا، ط1، الخرطوم، مطابع السودان للعملة المحدودة، 2005، ص40

(3) د. يوسف نور عوض، أستراتيجية التدخل الاسرائيلي في جنوب السودان، صحيفة القدس العربى.

(4) صحيفة اليوم السابع- 30 أغسطس 2011

(5) مفكرة الإسلا، 2/يناير 2011

(6) رأي البيان - 30 يوليو 2011 م.

(7) بي بي سي العربية ، 10يوليو/ 2011.

(8) قناة العربية - 28 يوليو 2011م.

(9) بوابة الاهرام- ا/9/2011م

(10) سودان سفاري، 23 يناير /2011م

(11) http://kassab2010.montadarabi.com/t33-topic

يناير 11, 2011

 

^ أعلى

 

 

المكتبة     الوثائق     أرشيف الموقع     مواقع صديقة     اتصل بنا    

 

 
 
 

 

جميع الحقوق محفوظة للراصد للبحوث والعلوم:: السودان - الخرطوم 2010 ::: ص..ب ـ 10755 .info@arrasid.com ::  التصميم والدعم الفني لمسة الهندسية