أخبار 

فتح وحماس تلتقيان في القاهرة لإتمام ملفات المصالحة نهاية / أكتوبر    |   توجس وخوف إسرائيلي من غالبية في مجلس الأمن للاعتراف بدولة فلسطين    |   النائب البردويل توافق بين فتح وحماس على عودة اجتماعات المجلس التشريعي    |   الكنيست الإسرائيلي يطرح مشروع قانون "تقاسم الأقصى" للتصويت الشهر المقبل    |   أبرز عناوين الصحف السودانية الصادرة اليوم الاثنين 20 أكتوبر 2014م    |   أبرز عناوين الصحف الإسرائيلية الصادرة ليوم الإثنين    |   ليبرمان ويعلون يشيدان بالعلاقة الاستراتيجية مع واشنطن وينتقدان تصريحات بينيت    |   إسبانيا بعد بريطانيا وإيرلندا والسويد تناقش الاعتراف بفلسطين    |   أبو مرزوق: لم نطلب أو نفكر في أن تكون أموال "إعمار غزة" في يدنا    |   أبرز عناوين الصحف السودانية الصادرة الأحد 19 اكتوبر 2014م    |  
دراسات وبحوث     العلاقات السودانية – الأمريكية المحددات والمهددات ... د. حمد عمر حاوي

العلاقات السودانية – الأمريكية

المحددات والمهددات

د. حمد عمر حاوي

شعبة العلوم السياسية - جامعة بحري

إن أول اتصال للولايات المتحدة بالسودان كان في مارس 1954 حيث أرسلت الولايات المتحدة أول مبعوث لها في السودان، بعد تردد، للإشراف على أول انتخابات في السودان في إطار استعدادها آنذاك لوراثة النفوذ البريطاني في المنطقة، وكان الاختبار الثاني للعلاقات السودانية الأمريكية هو (مشروع المعونة الأمريكية) والذي تقدمت به الحكومة الأمريكية إلى الحكومة السودانية، والذي قوبل بمعارضة شديدة كادت أن تطيح وقتها بائتلاف الحزبين الحاكمين (الأمة والشعب الديمقراطي) وذلك في مطلع عام 1958م قبل انقلاب إبراهيم عبود بعدة شهور .

وقد بدأ الاهتمام الأمريكي يتعاظم تجاه السودان بعد انقلاب 17 نوفمبر 1958 على يد الرئيس الأسبق إبراهيم عبود، وكانت السياسة الأمريكية في ذلك الوقت تقوم على مبدأ الاعتماد على الأنظمة العسكرية والتي تعتبر من وجهة نظرها حليفاً استراتيجياً يمكن التعامل معه بسهولة. فقبلت حكومة عبود المعونة الأمريكية وزار عبود الولايات المتحدة حيث وجد الترحيب.

تدهورت العلاقة مع الديمقراطية الثانية حتى قطعت نهائياً بعد حرب 1967م.

بعد انقلاب مايو 1969م وحتى 1971م كانت علاقات النظام مع الإدارة الأمريكية سيئة نسبة لانحياز النظام للمعسكر الشرقي واعترافه بألمانيا الشرقية وتبنيه لسياسات المصادرة والتأميم وانحيازه للتيار العربي الاشتراكي المعادي للرأسمالية والامبريالية، ولكن بعد فشل المحاولة الانقلابية الشيوعية 1971م غير النظام توجهه نحو الولايات المتحدة فعاود الأمريكان اهتمامهم بالسودان ، حيث عززت الولايات المتحدة في هذه الفترة من وجودها السياسي والأمني والاقتصادي في السودان. يرجع د. حسين أبو صالح ذلك إلى فشل الانقلاب الشيوعي 1971 ضد النميري وقيام نظام شيوعي في إثيوبيا بقيادة منقستو، وقد حصل السودان أوانها على دعم أمريكي كان الأكبر في أفريقيا جنوب الصحراء .

ويقال أن الولايات المتحدة كانت تقف خلف اتفاقية أديس أبابا بين الحكومة وحركة التمرد في جنوب السودان من خلف الكواليس من خلال مجلس الكنائس العالمي والذي كان يتحرك بصورة قوية على مسرح المفاوضات التي توجت باتفاقية أديس أبابا في عام 1972م وكان من نتائج توطيد هذه العلاقات وجود شركة شيفرون الأمريكية للاستثمار في مجال البترول في السودان، إضافة إلى تدفق المعونات الأمريكية وصندوق النقد الدولي على السودان في تلك الفترة. توجهات قرنق اليسارية ساهمت في ذلك.

كانت العلاقات السودانية الأمريكية جيدة في عهد النميري رغم مقتل السفير الأمريكي ونائبه بالخرطوم 1973م على يد جماعة أيلول الأسود، وعلى الرغم من غياب الديمقراطية التعددية، وانتشار انتهاكات حقوق الإنسان، هذا يدلل على أن كل ذلك لم يكن من محددات العلاقة.

وصلت العلاقات السودانية-الأمريكية أوج تحسنها حينما شارك الرئيس نميري في عملية نقل اليهود الفلاشا إلى إسرائيل، كما زادت المعونات الاقتصادية للسودان حيث بلغت في عام 1985م أكثر من أربعمائة مليون دولار، بينما بلغت المعونات العسكرية خلال ثلاث سنوات مابين (1982 -1985) أكثر من ثلاثمائة مليون دولار.

بعد مجئ الحكومة الديمقراطية تدنت المعونات إلى أقل من خمسة وعشرون مليون دولار في عام 1985م واعترف نورمان أندرسون السفير الأمريكي الأسبق في الخرطوم بأن الحكومة الأمريكية خفضت مساعداتها بشدة للحكومة الديمقراطية ولم يخف السفير خيبة أمله في الصادق المهدي وحكومته، ورغم أن أندرسون نفى ما أوردته صحيفة أتلا شاكو انستيتيوشن الأمريكية في يناير 1989م من ترحيب الإدارة الأمريكية بانقلاب عسكري يطيح بحكومة المهدي، إلا أنه أكثر من التحسر علي فشل قيادة الجيش في الإطاحة بالمهدي وحكومته بعد إنذارها له في فبراير عام 1989م، وجاء ذلك في مذكراته فيما بعد، والتي كشف فيها السفير أن حكومته كانت بالفعل تفضل إسقاط الحكومة المنتخبة بالفعل . ويرى الوليد سيد حمد أن الولايات المتحدة كانت تريد التخلص من الصادق المهدي طوال الأشهر الستة التي سبقت الإنقاذ ، لكنها في الوقت نفسه لم تُرِد الظهور علانية بمظهر الموافق على السماح بالتخلص من الديمقراطية يقول الحسين أبو صالح وهو وزير خارجية سابق: (أن الصادق المهدي أراد أن يقيم علاقات متوازنة مع الولايات المتحدة والإتحاد السوفيتي ليس فيها انحياز لأي جانب، مثلما أراد أن يقيم علاقات مع الدول العربية جميعها دون تركيز على دولة دون أخري).

وقال عبد الرسول النور أن العقبات في طريق العلاقات السودانية الأمريكية أبان الديمقراطية الثالثة ترجع إلى:

1. تحسن علاقات النظام الديمقراطي مع ليبيا وغضب النظام المصري من ذلك.

2. تحسن علاقات النظام الديمقراطي مع إيران وغضب بعض دول الخليج من ذلك.

3. استمرار الحرب الأهلية في الجنوب.

4. استمرار قوانين سبتمبر 1983م.

العلاقات-السودانية- الأمريكية في عهد حكومة الإنقاذ

التتبع لمسيرة العلاقات السودانية الأمريكية يعكس الآتي:

1. أنها لم تأخذ شكلاً مستقراً، حيث تتراوح بين الهدوء نسبياً والتوتر في أغلب الأحيان.

2. أن قرب أو بعد الولايات المتحدة من السودان تحكمه المصالح الأمريكية.

3. الملاحظ أن علاقاتها جيدة مع الأنظمة العسكرية ومتوترة مع الأنظمة الديمقراطية.

هذه القاعدة اختلت مع نظام الإنقاذ، فإذا اعتبرنا أنه نظام عسكري، فلماذا كانت علاقاته متوترة في أغلب الأحيان مع الولايات المتحدة الأمريكية؟

مسببات العداء لنظام الإنقاذ

كانت الأمور بعد مجئ الإنقاذ وحتى العام 1990 هادئة، مما يدلل على أن السبب في عداء الولايات المتحدة لها هو ليس مجرد كونها حكومة عسكرية جاءت عبر انقلاب، ولكن لأسباب أخري منها: أن سلطة الإنقاذ جاءت منذ الوهلة الأولى متبنية لسياسات ومواقف العداء للولايات المتحدة دون مبرر أيديولوجي أو مرحلى واضح أو موقف من قبل الولايات المتحدة، تجد ذلك في أغاني الاستنفار الحماسية (رغم أن النظام كان يتوسل بها إلى تحقيق شرعية داخلية كان يحتاجها، إلا أن ذلك له حساباته في العلاقات الدولية)، ثم أسفر النظام عن توجهاته الأيديولوجية التي أثارت قلق الولايات المتحدة من قيام دولة إسلامية في هذه المنطقة الإستراتيجية يمكن أن تؤثر بتوجهاتها الإسلامية على دول المنطقة. فقد أكد تقرير أصدره البنتاغون في عام 1999م (إن النهج الاستقلالي الذي تتجه إليه دول شرق ووسط أفريقيا وسعيها إلى إنشاء السوق الأفريقية المشتركة والذي سيؤثر على المصالح الأمريكية في المنطقة، وان الحكم الإسلامي في السودان سيتسبب في خلق بلبلة في المنطقة وأن الهدف الأمريكي هو إحداث تغيير سياسي سريع في المنطقة وعلمنة الحكم في السودان ليرتبط مع دول البحيرات العظمى في إطار تحالف قوى يضم كل من يوغندا وإثيوبيا وإريتريا والكنغو والسودان الجديد، ومن ثم التحكم في منطقة حوض النيل وإخضاع الدول الواقعة عليها للسياسات الأمريكية).

يقول د. لام أكول إن عداء أمريكا لنظام الإنقاذ لم يكن بسبب أنها ضد النظام الإسلامي الذي تتبناه كما يردد البعض، وإنما لأنها ضد تصدير الإسلام ومعه الإرهاب خارج الحدود.

يقول السيد الصادق المهدي أن الموضوع هو ليست الإسلام فقط، إذ أن سياسة الولايات المتحدة نحو الإسلام براغماتية، حيث تعاونت مع النظم المحافظة في العالم الإسلامي، واستعانت بالتيارات الحركية لمواجهة الإتحاد السوفيتي، أما بعد 11 سبتمبر فقد أتخذت العلاقة طابعاً أيديولوجياً بسبب سياسات النظام.

وفي تحليله لـ «الموقف العدائي - الأمريكي - تجاه نظام الإنقاذ، يري إن هذا الموقف أملته عدة عوامل أدت إلى تكوين مجموعات ضغط أمريكية نشطة معادية للنظام السوداني أهمها:

* تبني نظام الإنقاذ لأيديولوجية «راديكالية» تجلت في الخطاب الإعلامي، وفي دعم الحركات الراديكالية المعارضة في العالم مما أسفر عن تكوين المؤتمر الشعبي العربي الإسلامي ومشاريعه الطموحة لتغيير خارطة العالم السياسية.

* انتهاكات حقوق الإنسان والتي أسهمت في توثيقها التنظيمات السياسية المعارضة وأدت لتكوين مجموعات الضغط الخاصة بحقوق الإنسان.

* إعلان الجهاد وممارسات الاضطهاد الديني التي حركت المجموعات الكنسية.

* التجاوزات في الحرب الأهلية وتهم الاضطهاد العرقي التي حركت الأمريكان السود ومجموعاتهم الضاغطة.

هناك عدة عوامل أخري فاقمت هذه العلاقة منها:

1. رفض نظام الإنقاذ لهيمنة النظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة، كما عبر عن ذلك النظام في موقفه من حرب الخليج الثانية وانحيازه ضد الولايات المتحدة.

2. توترت علاقات النظام مع الدول المجاورة (أثيوبيا واريتريا) لاتهام السودان بمحاولة تصدير الأصولية عبر الحدود.

3. تأسيس المؤتمر الشعبي الإسلامي في 1991م الذي ضم عددًا من الحركات الإسلامية العالمية.

4. محاولة اغتيال الرئيس المصري بأديس أبابا 1995م واتهام السودان في الضلوع بتلك المحاولة.

بدأت الولايات المتحدة في تغيير سياستها تجاه السودان، وسارت في اتجاه تصعيدي متواصل وقد نجحت في:

1. استصدار قرار من الاتحاد الأوروبي بتجميد عضوية السودان ومخصصاته من اتفاقية لومي حتى 1991م.

2. مساندة حركة التمرد بجنوب السودان ودعمها.

3. إدراج إسم السودان في قائمة الدول التي تدعم الإرهاب 1992م.

4. تجميد عضوية السودان في صندوق النقد الدولي في 1994م.

5. قرارات مجلس الأمن 1044، 1054، 1070 خلال عام 1996 بالإدانة والعقوبات ضد السودان بإيعاز أمريكي والتي تتعلق بالحظر الدبلوماسي على المسئولين السودانيين والحظر الاقتصادي والجوي على الناقل الوطني سودانير وفي فبراير 1996م أغلقت الولايات المتحدة سفارتها في الخرطوم ونقلت العاملين بها إلى نيروبي بحجة انعدام الأمن.

6. وفي إطار تصعيد الولايات المتحدة للأزمة بينها والسودان قامت بتخصيص مبلغ 20 مليون دولار في العام 1996م لثلاث دول أفريقية متعاون لإسقاط النظام السوداني في الخرطوم في صورة مساعدات عسكرية وهذه الدول هي إريتريا و يوغندا وإثيوبيا، كما تبنت واشنطن فكرة تشكيل آلية وقوة عسكرية للتدخل لفض النزاعات الأفريقية عبر تكوينها لوبي من الدول الموالية لها، وهي الآلية التي تشرف عليها أمريكا في يوغندا. وأشارت أولبرايت أثناء جولتها في منطقة القرن الأفريقي ان الولايات المتحدة تسعى لإسقاط نظام الخرطوم سلماً أو حرباً. وقد فشلت هذه الآلية بسبب التورط اليوغندي في حرب الكنغو، واشتعال الحرب بين إثيوبيا وإريتريا.

7. وفي نوفمبر من العام 1997م فرضت الولايات المتحدة منفردة عقوبات اقتصادية على السودان وظلت هذه العقوبات تجدد سنوياً.

8. وكانت ذروة التصعيد الأمريكي ضد السودان هو قصف الصواريخ الأمريكية لمصنع الشفاء للأدوية في 20 أغسطس/ آب 1998 بحجة أنه يصنع مواد كيميائية، عقب تفجير سفارتي الولايات المتحدة بكينيا وتنزانيا. والذي وجه فيه الاتهام لأسامة بن لادن. وقالت واشنطن إن مصنع الشفاء كان يستخدم في إنتاج الأسلحة الكيماوية وله صلات ببن لادن والذي عاش في الخرطوم خلال الفترة ما بين عامي 1991 و 1996.

9. وفي 20/7/1999م اتهمت الولايات المتحدة السودان مجدداً بدعم وإيواء الإرهابيين وربطت إمكانية أي تحسن في العلاقات مع الخرطوم بتخلي الأخيرة عن سياستها في هذا الصدد.

10. خلال العام 1999 أصدر الكونغرس الأمريكي قانون سلام السودان نادي فيه بدعم الحركة وفرض عقوبات اقتصادية على الشركات العاملة في مجال البترول بالسودان.

11. وقد احتفلت الولايات المتحدة في 14/10/2000م بفشل السودان، والذي تعتبره دولة تمارس الإرهاب في نيله مقعداً في مجلسي الأمن بعد قيامها بالتعبئة ضده.

12. وفي 24/5/2001م وجهت السلطات السودانية انتقادات عنيفة إلى الولايات المتحدة بسبب قرارها بتقديم مساعدات قيمتها ثلاثة ملايين دولار للمعارضة السودانية.

يقول لام أكول أن النظام ما كان سيصمد أمام هذه التوترات لولا حدوث بعض التطورات التي كانت في صالحه مثل الحرب الأثيوبية – الاريترية، وحرب البحيرات، وأحداث 11 سبتمبر 2001، فقد كان يعول على أثيوبيا وارتريا لعب دور أساسي في إسقاط النظام،حرب البحيرات قاد لتفكك التحالف الموالي للولايات المتحدة في المنطقة والذي كان يعتمد عليه في زعزعة نظام الحكم في السودان، كما أن أحداث سبتمبر قد أعطت النظام الفرصة ليعلن تعاونه مع الإدارة الأمريكية.

تغير السياسة الأمريكية نحو السودان بعد أحداث 11سبتمبر2001

وضعت الولايات المتحدة ثلاثة شروط كمدخل لأي حوار حقيقي مع النظام في السودان هي: وقف الغارات الجوية في جنوب السودان والعمل بجدية لإيصال المزيد من المساعدات الإنسانية للمنطقة والتخلص من وجود أي بقايا لمنظمات إرهابية في الأراضي السودانية.

وقال وزير الخارجية الأمريكي كولن باول في كينيا إن الولايات المتحدة قد تدرس رفع العقوبات المفروضة على السودان في حالة قيام الخرطوم باتخاذ المزيد من الإجراءات لمحاربة الإرهاب فضلا عن التوصل لاتفاق لإنهاء عقدين من الحروب الأهلية.

وقد كان الاتجاه هو أما القضاء على النظام وإما تبنيه لهذه الشعارات. وعموماً يمكن القول أنه إلى فبراير 2001م كانت السياسة الأمريكية تضغط على نظام الإنقاذ لتفكيكه والعمل على انصهاره ولكن حدث أن الإنقاذ قد رضخت لهذه المطالب فتغيرت سياسة الولايات المتحدة منذ ذلك الوقت إلى الاحتواء بدلاً عن الإسقاط، بالتالي يمكن القول أن الضغط قد نجح فقد أحدثت الحكومة عدة تغيرات داخلية وتعاونت في مجال مكافحة الإرهاب.

أهم التحولات الداخلية التي طرأت على النظام:

1. بعد أحداث سبتمبر 2001 كان رد فعل الحكومة هو رفض للإرهاب وإدانته، وتقديم العزاء للضحايا، وتقديم معلومات للولايات المتحدة عن عدد من الحركات التي تُتّهم بدعم الإرهاب.

2. قرارات سبتمبر أو الرابع من رمضان والتي أقصي بموجبها الدكتور الترابي- الذي تعتقد الولايات المتحدة وقوفه خلف جميع حركات الإسلام السياسي في العالم العربي- أدى إلى تغيير كبير في نظرة الولايات المتحدة، وإمكانية الاستفادة من ذلك الانقلاب لمصلحتها.

3. أما في مجال مكافحة الإرهاب فإن نائب رئيس المخابرات السودانية اللواء يحي حسن بابكر قال "إن السودان قد بلغ مستوي التطبيع الكامل في علاقته مع المخابرات المركزية الأمريكيةCIA .

ماذا قدم السودان للولايات المتحدة في مجال مكافحة الإرهاب؟

وفق تقرير واشنطن فإن العلاقة الأمنية التي بدأت بحذر شديد بين الولايات المتحدة الأمريكية والسودان قد أثمرت عن نتائج مهمة منها على سبيل المثال:

1. اعتقال الاستخبارات السودانية لمشتبهين من القاعدة للتحقيق معهم بواسطة محققين أمريكيين، ومن بين الذين تم التحقيق معهم محمد أبو زيد الأمريكي من أصل سوري والذي يعتقد أن له علاقة مع أسامة بن لادن، والعراقي مبارك الدوري.

2. تم التحقيق مع مدير بنك الشمال السوداني الذي كان يودع فيه أسامة بن لادن أمواله.

3. سلم السودان عدد من المشتبه فيهم إلى السعودية، منهم مشتبه فيه سوداني الجنسية يدعي أبو حذيفة قيل أنه اعترف بدوره في مؤامرة فاشلة عام 2002 لإسقاط طائرة أمريكية في السعودية بصاروخ أرض جو، وقد حكم عليه بالسجن في السعودية.

4. قدمت الاستخبارات السودانية للولايات المتحدة معلومات هامة عن تحركات بعض الأشخاص المشتبه في علاقتهم بالإرهاب في بعض الدول المجاورة كالصومال.

5. إبعاد متطرفين وتسليمهم إلي استخبارات دول عربية (يعتقد أنها مصر) لها تعاون وثيق مع CIA.

6. قامت بإحباط هجمات ضد أهداف أمريكية، وذلك باعتقال متطرفين أجانب كانوا يعبرون السودان للانضمام إلى المسلحين في العراق.

7. فضلا عن توفير معلومات هامة ودقيقة للاستخبارات الأمريكية .

ويبدو وكأن النظام قد استجاب لنصيحة قدمها عبد الله الشيخ في 2003 في ندوة مركز دراسات الشرق الأوسط وأفريقيا حيث قال (السودان على مستوى نظامه الإسلامي لا بد أن يذهب أو يحد من شوكته ليتماشى مع تصور الولايات المتحدة أو يختار طريق الصمود والمقاومة لأنه بطبيعته لا يمكن أن ينسجم مع الثوابت الأمريكية في المنطقة. خيار تعديل مسار النظام الإسلامي بالصورة التي تضمن له الاستمرار كما تضمن لأمريكا طرحها على مستوى العلاقات الدولية هو الخيار الواقعي الذي يجب على حكومة الإنقاذ تبنيه).

تحسن العلاقات السودانية الأمريكية:

وفي إجراء مفاجئ أقدمت الولايات المتحدة في 5/10/2001م على دعوة مجلس الأمن لمناقشة شأن العقوبات التي فرضها المجلس على السودان في عام 1996م، حيث أصرت على أنه آن الأوان لرفعها، وفي 28/10/2001م قرر مجلس الأمن رفع العقوبات المفروضة على السودان منذ 26 أبريل من 1996م.

والمعروف طبقا لبيانات الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية أن الولايات المتحدة خصصت خلال السنوات الثلاث الماضية 2002، 2003، 2004 أكثر من 1.6 مليار دولار لمساعدة السودان، أنفقت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية منها 600 مليون دولار منها كمساعدات إنسانية طارئة في دارفور.

ردود الفعل حول التقارب السوداني- الأمريكي

الحكومة السودانية:

رحبت الحكومة السودانية ترحيبًا كبيرًا بالتقارب والتطبيع، اللذين كانت تسعى لهما منذ أواخر التسعينيات من القرن العشرين، وباتت مستعدة للتعاون مع الولايات المتحدة بفعل الضغوط الخارجية، وازدياد نشاط المعارضة، وحركة التمرد، ولتحقيق عدد من المكاسب منها :

1-الخروج من دائرة الحصار برفع العقوبات.

2- التقارب مع دول الاتحاد الأوروبي- حليفة الولايات المتحدة- وبالفعل فقد صرحت السوق الأوروبية باستعدادها لشراء صادرات اللحوم والسكر من السودان.

3- إغلاق ملف المشكلات مع دول الجوار، خاصة إريتريا، وأوغندا، وقد أبدت الدولتان أوانها استعدادًا لذلك.

إذن يمكن القول بأن علاقة الولايات المتحدة بالسودان كانت حسنة منذ 2001، وإن شهدت موجات مد وجذر إلا أنها تأتي في إطار الضغوط لتحقق تنازلات أو مكاسب لصالح عملية السلام أو حقوق الإنسان، وفي هذا الإطار يمكن فهم قانون سلام السودان الذي أجازه مجلس النواب الأمريكي في نوفمبر 1999 (فقط للضغط على الحكومة لتقديم تنازلات لصالح تحقيق السلام).

يقول لام أكول وزير الخارجية السوداني الحالي( عندما بدأت المباحثات في مشاكوس لم يكن الطرفان بالجدية المطلويه، لكن انسحاب الحكومة من المحادثات أول سبتمبر أظهر الحكومة بأنها الأكثر تشدداً ضد احلال السلام، لأن الأسباب التي سيقت لتبرير هذا الانسحاب لم تكن مقنعة لأي مراقب للشأن السوداني. وعليه لم يكن بمستغرب صدور قانون سلام السودان كعامل ضغط لدفع النظام إلى التزام الجدية والمصداقية في مفاوضات السلام الجارية في مشاكوس. تأتي في ذات السياق قرارات تجديد العقوبات الإقتصادية ضد السودان وتجديد بقاء اسم السودان في قائمة الدول الداعمة للإرهاب وهما القراران الذان صدرا خلال أيام معدودات من توقيع الرئيس بوش على قانون سلام السودان).

في المحاضرة التي ألقاها والتر كانشتينر في مؤسسة التراث 26/نوفمبر 2002م جاء: أن قانون سلام السودان سوف يدفع الطرفين للتفاوض بجدية وصدق. وحتى عندما شعرت الحكومة الأمريكية بأنه سيخرج من طور الضغط لتوقيع السلام استدعت الإدارة الأمريكية القائم بالأعمال لتدارك الأوضاع حتي لا تتطور حالة الرفض والإستياء إلى حد يؤثر على عملية السلام.

إذن فأن أسلوب الضغط على النظام بمنظور أمريكا يعتبر ناجحاً بدليل:

1. أن الضغط على السودان للتخلي عن دعم الإرهاب قد نجح.

2. أن الضغط عليه لحل مشكلة الجنوب قد نجح، فقد تبنت الولايات المتحدة صراحة دعم مبادرة "إيجاد"، لأنها تتضمن حق تقرير المصير، وفصل الدين عن الدولة، ووعدت بدعمها. ولأن اتفاقية السلام يمكن أن تخفف اللهجة الدينية للنظام، وقد نجح هذا الضغط لأن الحكومة قد أعطت التنازلات المطلوبة.

3. الآن نفس الاتجاه مع قضية دارفور، وهو الاتجاه الذي أميل إليه في تفسير العقوبات الأخيرة يونيو 2007، فقد كانت لمجرد حمل الحكومة على القبول بنشر القوات الدولية في دارفور، وبما أن الأسلوب أيضاً قد نجح وقبلت الحكومة بالقوات الدولية، فنتوقع الآن انفراجا في العلاقات.

العلاقات السودانية الأمريكية وقضية دارفور

الآن هناك حديث عن عدم وضوح في سياسة الولايات المتحدة تجاه السودان، ففي الوقت الذي تكرر فيه الإدارة الأمريكية إدانة الحكومة السودانية باقتراف جرائم إبادة جماعية في إقليم دارفور يتم تطوير علاقات خاصة بين الأجهزة الأمنية في كلا البلدين، وتتخذ الولايات المتحدة موقفا غير مفهوم ومربك يتراوح بين دعم بعض الجهود لدعم الحكومة السودانية، وبين التهديد بفرض أشد العقوبات عليها في نفس الوقت.

ورغم حالة الارتياح العام التي عمت الأوساط الأمنية السودانية نتيجة للعلاقات مع واشنطن، اعتبر مسئول رفيع في الاستخبارات الأمريكية أن الشراكة مع السودان هي شراكة في طابق واحد من مبنى العلاقات الأمريكية السودانية. وأستشهد هذا المسئول على ذلك باستمرار وجود السودان في لائحة الدول التي تتهمها واشنطن بدعم الإرهاب. فضلا عن تلويح أعضاء في الكونغرس بمشروع محاسبة دارفور بكل ما يحمله من عقوبات، سببا لوجود علاقات رسمية مربكة لأي متابع لهذه العلاقات.

خضر هارون سفير السودان السابق بواشنطن قال أن الإدارة الأمريكية الحالية وضعت شرطين لتطبيع العلاقات بين البلدين هما :ـ إيقاف الحرب الأهلية في جنوب ـ واستمرار التعاون في مكافحة الإرهاب الدولي . والمقصود بتطبيع العلاقات رفع العقوبات الاقتصادية والتجارية وعدم الاعتراض علي استفادته من برامج المؤسسات الدولية لمثيلاته من الدول النامية ورفع اسم الخرطوم عن قائمة الدول المتهمة بدعم الارهاب الدولي ومن ثم ترفيع التمثيل الدبلوماسي الي مستوي السفراء.

وتصبح اشتراطات وزيرة الخارجية الامريكية في تصريحاتها امس الاول بضرورة نشر قوات دولية في دارفور لتطبيع العلاقات تطور جديد في مسلسل «هل من مزيد»

ولكن في محاولة فهمها والإمساك بما هو ثابت يمكن النظر إلى:

محددات السياسة الأمريكية تجاه قضية دارفور:

منذ بروز قضية دارفور إلى السطح فإن العلاقات السودانية الأمريكية يشوبها التوتر، وفي هذا الإتجاه يمكن النظر إلى قانون سلام دارفور والعقوبات الاقتصادية الأخيرة .

قانون محاسبة دارفور

ينص على إن ما يجري في دارفور مذبحة، كما أشار إلى قرار مجلس الأمن رقم 1556، الذي طلب من الحكومة نزع سلاح الجنجويد، ومحاكمة قادتهم والذين يشتركون معهم، وقرار مجلس رقم1564، الذي أعلن أن الحكومة فشلت في تنفيذ القرار 1556، ودعا إلى منع الطيران فوق دارفور، وتسجيل أسماء قادة الجنجويد واعتقالهم، وتأسيس لجنة تحقيق دولية.

وأشار مشروع القانون، أيضا، إلى تقرير لجنة التحقيق الدولية إلى كوفي انان، الأمين العام للأمم المتحدة، في يناير(كانون الثاني) الماضي، الذي جاء فيه:

أولا: وصف ما حدث في دارفور بأنه جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب.

ثانيا: حمل حكومة السودان مسؤولية التخطيط لهذه الجرائم.

ثالثا: قدم إلى الأمين العام للأمم المتحدة ظرفا مختوما فيه أسماء لتقديمها إلى مدعي قدير

واشترط مشروع قانون محاسبة مجرمي دارفور عدم رفع العقوبات السابقة الذكر إلا إذا نفذت الحكومة الشروط الخمسة الآتية: عدم عرقلة عمليات لجان الإغاثة، ونزع سلاح الجنجويد ومحاكمة قادته، والتعاون الكامل مع الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي، وعدم عرقلة عودة اللاجئين إلى دارفور، وتنفيذ اتفاقية السلام بين الشمال والجنوب.

ولكن الرئيس بوش قال للصحفيين انه يعارض المشروع وان فقراته أصعب من أن تأخذ طريقها إلى التطبيق. وهنا يجب ملاحظة أن توجه الحكومة الأمريكية قد يكون مختلف عن الكونغرس ومجموعات الضغط الداخلية، فالحكومة الأمريكية متصالحة مع النظام السوداني بخلاف الكونغرس وجماعات الضغط وهي ذات نفوذ وتأثير قادر على حمل الحكومة على ما لا تود أن تقوم به إن تركت لوحدها، وهنا يكمن التضارب والغموض.

لكني أعتبر الآن أن الولايات المتحدة تريد تطبيع وإقامة علاقات مع السودان لتحقق المصالح الأمريكية، ولكن يحبطها تعامل الحكومة مع دارفور وسوء سمعة الحكومة الخارجية، وما تقوم به الآن هو ضغط في هذا الاتجاه حتى يتثنى لها إقامة علاقات قوية دون أن يسبب لها ذلك حرجاً داخلياً مع منظمات المجتمع المدني الأمريكي، وهذه أحد المرات النادرة التي تلتقي فيها مصلحة الشعب السوداني مع المصلحة الأمريكية في ضرورة تحسين الوضع في دارفور، وإحداث انفتاح وتحول ديمقراطي داخلي ولا أرى مبرراً لعدم جدية الحكومة في ذلك.

الولايات المتحدة كانت تعلن بأن لا علاقات مع الخرطوم ما لم تقبل بالقرار 1706 القاضي بنشر قوات دولية، كما انه علي السودان ان يكون علي قدر المسؤولية. في لقاء مع مطرف صديق سؤل: ما الذي يطالب به الأمريكان لتحسين العلاقات مع الحكومة؟ قال: يتحدثون فقط عن تحسين الوضع في دارفور، مندوب الولايات المتحدة في مجلس الأمن قال في لقاء وفد المجلس بالرئيس وبوزير الخارجية أنهم لا يريدون العقوبات في ذاتها وإنما أرادوا بها غاية أخرى وهي تحسين الأوضاع لدارفور.

الآن الحكومة قبلت بالشق الأول (القوات الدولية) وتبقت جديتها على الأرض بالتالي يمكن القول أن الخط العام يسير في إتجاه تصالح مع وجود محطات ضغط العقوبات الأمريكية الآن سترفع مقابل أثمان تؤديها الحكومة لصالح الولايات المتحدة. الواضح الآن أن الحكومة الأمريكية مرحبة بموافقة السودان على نشر القوات الدولية في دارفور، فوزيرة الخارجية رايس حذرت من أي خفض لعدد القوات المتفق على نشرها في دارفور وطالبت بأن ينفي السودان توعده، أما القائم بالأعمال الأمريكية في الخرطوم ألمح إلى إمكانية اتخاذ بلاده لخطوات إيجابية فيما يتعلق بالعقوبات المفروضة على السودان .

فإذا ما حققت الحكومة تقدماً في ملف سلام دارفور نتوقع انفراج العلاقات، أما بخلاف ذلك فعلى الحكومة معالجة ازدواجية خطابها الذي يضر بالعلاقات، إذ يجب ملاحظة ازدواجية الخطاب الحكومي وأثره على العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية، يقول لام أكول: المسؤولون في الدولة كانوا يخاطبون القواعد بما يريدون سماعه وهو إدانة أمريكا ووصفها بالإرهاب، كل ذلك يزاع وينشر، ولابد أن السلطات في الإدارة الأمريكية تستقبل مثل هذا الحديث المزدوج). والتوصية هنا هي واجب مراجعة هذا الخطاب.

ومع ذلك إلا أنه يجب أن لا يمنعنا من النظرة إلى هذه العقوبات والتعامل معها بواقعية، فهناك من هو متفائل يري بأن العقوبات الأخيرة فرضت لكسب انتخابي فقط، وهذا سيناريو متفائل، هناك تيارات مستهينة بشأن العقوبات الدولية أو الضغوط الدولية ترى بأن أمريكا لن تستطيع أن تلحق الضرر بالسودان، وهناك من يري أن الولايات المتحدة لا تريد أن تري نموا وتطوراً خارج منظومتها، خصوصاً إذا كان ذلك في منطقة نفوذ يراد لها أن تكون أمريكية وهذه يقول بها المتشائمون وأصحاب نظرية المؤامرة، وهناك تيارات أخري متشددة تريد أن تخلق من موضوع القوات الدولية مواجهة مع العالم، وهناك من يرى أنها حدثت بسبب الضغط من قبل اللوبيهات الداخلية وهذا أقرب للصواب فهناك لوبي قوي يقوده تحالف إنقاذ دارفور يعبئ المكونات الشعبية لأمريكية باسم الإبادة الجماعية وهي قضية حساسة جداً بعد مذابح رواندا، السودان لم يحسن مخاطبة هذا الوضع الداخلي، فالحكومة اعتمدت فقط على أن تعاونها الأمني يمكن أن يغفر لها ما عداه، لكن في الولايات المتحدة هناك مكون داخلي شعبي يعبئ ويضغط على الحكومات وقد يحملها على اتخاذ قرارات قد لا تكون راغبة فيها. وعموماً يمكن القول بشأن ذلك الآتي:

العقوبات الأمريكية بلا شك ستلحق ضرراً بليغاً بالسودان:

قال الدكتور مصطفى عثمان اسماعيل وزير الخارجية في ندوة أقامها مركز دراسات الشرق الأوسط وأفريقيا 2003 أن كثافة الدعاية الإعلامية والسياسة الأمريكية قد ألحقت بنا ضرراً يصعب حصر فداحته ومع أنها قامت على أسس واهية فقد بقيت عالقة بالذاكرة الغربية ويتطلب إسقاطها عن الذاكرة جهوداً وإمكانات لابد من توفيرها للعمل داخل أروقة الحكم والمجتمع الأمريكي. هذا عن مجرد الدعاية الإعلامية فما بالك بالعقوبات السياسية والاقتصادية؟

فالشركات التي شملتها العقوبات الأمريكية ستتأثر خصوصاً إذا كانت تعتمد على مدخلات وتقنيات وتسويق أمريكي، وهل بها شراكات ورؤوس أموال أمريكية أم لا؟ حتي الآن لا توجد معلومات دقيقة متوفرة؟ هل تستطيع أن تجد هذه الشركات مدخلات إنتاج وتقنية بديلة؟ فهناك شركات كورية وصينية اسما لكن أغلب أسهمها تمتلكها شركات أمريكية؟

وعموماً فإن السودان مقبل على مرحلة انفتاح استثماري، هذا المناخ يحتاج إلى انفتاح وتعاون وهو ذو حساسية عالية، وأن أي قدر من العقوبات يمكن أن يلوث المناخ الإقتصادي، فرأس المال جبان جداً ومثل هذه العقوبات سيكون لها بالأقل مردود سالب على هذه البيئة بحجم سطوة الولايات المتحدة وقدرتها على خلق المتاعب لمن تستعدي, أغلب الشركات الآن والمشروعات التنموية الضخمة السدود، السكر، البترول بها شركات أوروبية ويمكن للقرارات الأمريكية أن تؤثر عليها، قال أمين عام أصحاب العمل في ندوة أقامها المركز العالمي للدراسات الأفريقية يونيو2007، أنه بمجرد انتشار خبر عبر وسائل الإعلام بأن هناك منطقة ما في العالم مستهدفة بعقوبات اقتصادية أمريكية فإن هذا يعكر المناخ الاستثماري، خصوصاً إذا كانت العقوبات من الولايات المتحدة وهي مهيمنة على العالم شئنا أم أبينا ولها يد طويلة في البحار والأجواء بل وإلى الداخل.

العقوبات الأمريكية ستؤثر إذا ما أفلحت الولايات المتحدة في كسب الإتحاد الأوروبي ودول العالم إلى صفها وهي ستستطيع، عندها سيكون الضرر كبيراً. قالت رايس أن اجتماع باريس يونيو 2007 بشأن دارفور سيكون فرصة جيِّدة لتقسيم العمل إذا تطلب الأمر لضمان أن يضغط الجميع في الاتجاه ذاته .

الآن نلاحظ أن أثر الضغوط والعقوبات الأمريكية قد انتقل إلى داخل الحزب الحاكم وما برز بداخله من خلافات أفصح عنها رئيس الجمهورية في كلمته لدى ختام اجتماعات مجلس شورى المؤتمر الوطني يوليو 2007. ولكن قبول نشر القوات الأجنبية في دارفور إذا اعتبرناه أحد إفرازات الضغوط الأمريكية سيكون (قد أعاد الاعتبار لنائب رئيس الجمهورية علي عثمان محمد طه الذي كان قد التزم للمجتمع الدولي في اجتماع بروكسيل أبريل 2006م بأن حكومته ستنظر في إمكانية نشرها حال التوصل إلى اتفاق سلام مع الحركات المسلحة في الإقليم)(1) وهو الأمر الذي أثار عليه انتقادات عنيفة أوانها، قبول القوات الدولية الآن قد تكون له إفرازات داخل نظام الحكم في شكل خلافات متوقعة.

صحيح أن هناك من يرى أنه ووفق الاتفاقية المبرمة بين الجنوبيين والشماليين والتي أتاحت الفرصة لدخول القوات الدولية الي الجنوب، تمكنت الولايات المتحدة من فرض وجودها في قلب الصراع في الجنوب وبالقرب من منابع البترول في جنوب السودان. وشعرت الولايات المتحدة بالراحة والاطمئنان الي قربها من السيطرة علي بترول جنوب السودان، الاستراتيجيات الامريكية تعمل وفق مخطط أن بترول الجنوب السوداني بجانب بترول نيجيريا يساوي أو يعادل ما تحصل عليه أمريكا من بترول السعودية. قضية دارفور يمكن أن تحقق لها موطئ قدم، فبعد تعقد الموقف في الشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية لعل الولايات المتحدة تجد لها بدائل في دارفور. فبعض الدراسات تشير إلى أن دارفور بها كميات من المعادن كما أن الإغراء الأكبر في دارفور يقوم علي ما تحتويه رمالها علي معدنين الأول "البوكسيد" الأحمر وهو المادة الأساسية في صناعة الطائرات ويضيف إلي الصناعة الأمريكية عنصراً مهماً ورخيص الثمن . والعنصر الآخر والأكثر إثارة هو ما تخبئه رمال دارفور من يورانيوم خام. ولكن حتى إن صدق هذا التحليل فيمكن التعامل معه بما يحقق مصلحة السودان أولاً.

مستقبل العلاقات السودانية الأمريكية

قال الدكتور مصطفى عثمان اسماعيل وزير الخارجية ـ في كلمته لدى إفتتاح ندوة العلاقات السودانية الأمريكية التي نظمها مركز دراسات الشر ق الأوسط وإفريقيا 2003

أن السودان يواجه اليوم - كغيره من الدول - بتبدل وتحول نوعي في المفاهيم الإستراتيجية الأمريكية، واصفاً تلك المفاهيم بأنها قد غلب عليها (تأكيد سياسة الهيمنة والثقة المفرطة في الامكانيات الذاتية التي لا تستبعد الأعمال الإنفرادية والاستباقية وقليلة الإلتزام بالمشروعية الدولية، ولها استعداد للتراجع عن الالتزامات السابقة وتعمل على توسيع دائرة المواجهة بدواعي مكافحة الإرهاب). وأكد أن الخرطوم ستظل تحتفظ بحالة من التوازن والتمكن المعرفي من الموقف بما يستجيب لحتمية الانفتاح السياسي «دون التخلي عن ثوابت الأمة وقيمها أو الحقوق القومية» وأضاف في هذا المنحى: «بذلك فإننا لا نستنكف عن الاندماج المحسوب في النظام العالمي بهدف استيعاب منجزاته وإرثه البشري حافزاً للإنطاق والنمو الاقتصادي المتواصل الذي يحقق أقصى قدر ممكن من التوازن العادل بين قوى المجتمع ويشكل أساساً معقولاً لتفجير طاقاته وإبداعاته ويجدد ويدفع تطوره في المجالات كافة».

العلاقات السودانية الأمريكية ينبغي أن تبنى على مثل هذا الفهم.

فالحكومة متشوقة وترغب بشدة في علاقات طيبة مع الولايات المتحدة وفي السابق صرح الرئيس عمر البشير بأن الولايات المتحدة قد وافقت على تطبيع العلاقات مع السودان إذا توصلت الخرطوم إلى معاهدة سلام نهائية مع المتمردين الجنوبيين، وتحسر على أنها لم تف بذلك، كما قال أنها وعدت بالإعمار وبفرض عقوبات على رافضي أبوجا فوقعنا لكنها لم تف أيضاً، فالحكومة حريصة على علاقات جيدة مع الولايات المتحدة ذلك لعلمها أنها مهمة، لكن لمجرد مماحكات داخلية وأشياء غير موضوعية، وتنافس داخل السلطة لا تريد أن تقدم تنازلات قليلة في دارفور حتى يتحقق لها ما تريد... وهي مسألة لها علاقة بالتوازنات الداخلية (داخل السودان عموماً) و(داخل الحكومة نفسها) فمطالب أهل دارفور لم تكن كبيرة، سواء تعويضات فردية، أو تعويضات جماعية في شكل مشاريع تنمية أو تنازلات سياسية فكل ذلك داخل السودان، وهم لا يطمعون في أكثر من منصب نائب رئيس الجمهورية وهذا من حقهم.

بالتالي أعتبر أن حل مشكلة دارفور هي المفتاح، لا أقول مفتاح فقط لعلاقة سوية مع الولايات المتحدة والغرب، بل مفتاح لوحدة وطنية داخلية صلبة نؤسس عليها وحدة السودان ومستقبله وعلاقات مع كل العالم وهذا يمليه الواجب الوطني والديني قبل أن تمليه الضغوطات والعقوبات الخارجية. المواجهة ليست كما يتحدث عنها البعض بل هي في جبهة أخري، هي القضاء على الذرائع التي تعتمد عليها الولايات المتحدة وغيرها لفرض العقوبات على السودان وهي قضية دارفور، هذه استحقاقات وطنية الواجب أن نلتفت لها وندفعها من تلقاء أنفسنا وليس بدفع من الخارج، ما ذا لو قبلنا بنائب رئيس جمهورية من دارفور أو حتى رئيس؟ فهو سوداني وهذا حقه، مواطنو دارفور في المعسكرات هم مواطنون سودانيون مدنيون تشردوا من ديارهم بسبب القتال الدائر ويحتاجون لإعادة توطين وتعويضات أسوة بغيرهم من السودانيين في مناطق أخري، وحتى إن لم تكن حقوق لهم فالأفضل أن ندفع لهم بدل أن ندفعها خسائر لمواجهة المجتمع الدولي، ليبيا اكتشفت أن خسائرها من الحصار تفوق التعويضات التي طولبت بها لضحايا لوكربي فدفعت. لقد تحدث الرئيس عمر البشير في برنامج تلفزيوني 30/6/2007 عن أن سودانير والسكة حديد قد تدمرت بسبب العقوبات الأمريكية.

ضرورة توحيد الجبهة الداخلية كترياق لأي تدخل

أن ما سهل مهمة دخول القوات الدولية والأمريكية خصوصاً إلى أفغانستان والعراق هي الانشقاقات الداخلية وسياسة العزل والتمييز التي كانت تمارسها الأنظمة الحاكمة ضد الآخرين، مما وفر الغطاء والمبرر للتدخلات الأجنبية. غياب هذا العامل هو الذي حرم الولايات المتحدة من التدخل في أمريكا الجنوبية وكوريا الشمالية وإيران. ان الإذعان لخيارات الشعوب في توفير العدالة والأمن والمساواة قادر على صد أي استهداف للأوطان، أما أنانية الشمولية فهي المدخل الذي ستؤتي منه البلاد.

يقول الصادق المهدي: (أن القيادات المنتخبة تعطي أولوية لمصالح الشعوب وبالتالي ليست مطيعة كالقيادات الديكتاتورية، والقيادات المنتخبة تتطلع لمناقشة العلاقات الخارجية على أسس المصالح المتبادلة، أما القيادات الديكتاتورية فيمكن أن تضحي بمصالح وطنية لإعتبارات الإستمرار في الحكم)

العقبات المستقبلية في طريق العلاقات بين السودان والولايات المتحدة

الصادق المهدي يري أن الأمريكيون يريدون من السودان 8 أشياء:

1. أن ينسب للقرن الأفريقي وليس الشرق الأوسط.

2. أن يتوحد السودان على أسس جديدة، لأن شمال مستقل يمثل قنبلة أيديولوجية، جنوب مستقل يقود إلى متفجرات تزيد الإضطرابات في القرن الأفريقي وشرق أفريقيا.

3. استدامة السلام لتحقيق الإستقرار في القرن الأفريقي كخط ثاني للدفاع عن الخليج.

4. أن يحظى الجنوبيون في السودان بوضع يرضي مطامح اللوبيات المسيحية والإنسانية والأفرو-أمريكية في أمريكا.

5. أن يقوم السودان بدور هام في الحرب العالمية على الإرهاب.

6. أن ينأى السودان بنفسه عن التيارات الراديكالية والإسلامية والقومية في المنطقة.

7. احتواء العلاقات السودانية الصينية في مجال البترول.

8. مراعاة حقوق الإنسان والتزام التوجه الديمقراطي.

إن صح ذلك فإن هذه النقاط يمكن الأخذ منها والرد، لكني أعتبر أن أهم العقبات في طريق العلاقات السودانية الأمريكية تتمثل في الآتي:

• تزايد النفوذ الصيني في المنطقة لأجل النفط.

• المواقف الاستقلالية.

• دعم حركات المقاومة في العراق ولبنان وفلسطين وأفغانستان بحكم علاقة الدين.

• العلاقة مع إيران.

• القضية الفلسطينية وانحياز الولايات المتحدة مع إسرائيل.

• الحرب الأمريكية على الإرهاب.

• الهوامش

1. العلاقات السودانية الأمريكية بين الترويع والتطبيع إعداد (smc) الأربعاء 22 ديسمبر 2004

2. حسين سليمان أبو صالح:العلاقات السودانية الأمريكية منذ الاستقلال وحتي 1990: ورقة مقدمة لندوة العلاقات السودانية الأمريكية التي نظمها مركز دراسات الشرق الأوسط 7-8 يناير 2003 الخرطوم

3. لاحظ المصدرSMS السابق

4. الوليد سيد حمد على: تحسن العلاقات السودانية الأمريكية: الأسباب والمظاهر 13/11/2001

5. حسين سليمان أبو صالح: ندوة مركز دراسات الشرق الأوسط وأفريقيا: الخرطوم 2003

6. عبد الرسول النور: ندوة مركز دراسات الشرق الأوسط وأفريقيا: الخرطوم 2003

7. لام أكول: وزير الخارجية السوداني: ندوة مركز دراسات الشرق الأوسط وأفريقيا: الخرطوم 2003

8. نفسه

9. الصادق المهدي: ندوة مركز دراسات الشرق الأوسط وأفريقيا: الخرطوم 2003

10. لام أكول: مصدر سابق.

11. لاحظ تقرير واشنطن: بعنوان: السر والعلانية في العلاقات السودانية الأمريكية العدد التاسع 4 يونيو/حزيران 2005 وهو خدمة إخبارية ومعلوماتية دولية باللغة العربية، يقدمها معهد الأمن العالمي World Security Institute وهو مؤسسة أمريكية غير حكومية ، تقدم أخبارا وتحليلات وتحقيقات من داخل الولايات المتحدة، في تقرير له بعنوان: السر والعلانية في العلاقات السودانية الأمريكية العدد التاسع 4 يونيو/حزيران 2005

12. لام أكول: المصدر السابق

13. الرأي العام: 28/10/ 2002م

14. الصحافة عدعدد 4886 1/2007

15. نقلاً عن موقع دارفور نيوز

16. الصحافة عدد (5041) 28/6/2007

17. الرأي العام 25/6/2007م

18. لام أكول: المصدر السابق

19. الرأي العام 25/6/2007م.

(1) صحيفة الصحافة عدد 5036 بتاريخ 23/6/2007م.

20. الصادق المهدى: ندوة مركز دراسات الشرق الأوسط وأفريقيا: الخرطوم 2003

 

^ أعلى

 

 

المكتبة     الوثائق     أرشيف الموقع     مواقع صديقة     اتصل بنا    

 

 
 
 

 

جميع الحقوق محفوظة للراصد للبحوث والعلوم:: السودان - الخرطوم 2010 ::: ص..ب ـ 10755 .info@arrasid.com ::  التصميم والدعم الفني لمسة الهندسية