إعداد: أ.إجلال عبد اللطيف حسن
مدخل:
علاقات تركيا باليهود والاسرائيليين قديمة قبل بروز الدولتين على شكلهما السياسي الحالي حيث استقبل السلطان أبا يزيد، اليهود وفتح لهم أبواب الدولة العثمانية، بعد أن طردهم ملك اسبانيا فيرديناند منها في القرن الخامس عشر الميلادي (1492)، فيما اعتبره الحاكم العثماني نقصاً في الحكمة والفطنة، وكانت تركيا أول دولة في محيط الشرق الأوسط العربي والاسلامي تعترف بإسرائيل سنة 1949 م، وأقامت معها علاقات دبلوماسية منذ عقد الخمسينات على أمل الحصول على مساندة اليهود الأمريكيين فى إقناع صاحب القرار الأمريكى بأخذ المصالح الأمنية لتركيا بعين الاعتبار بعد أن أدى الجوار الطويل مع الاتحاد السوفييتى الذى أسفرت عنه الحرب العالمية الثانية، إلى إصابة النخبة السياسية والعسكرية التركية بالذعر، ولو أن تركيا تمكنت بعد ذلك من اختصار الطريق بالدم للدخول فى حلف الأطلنطى عندما شاركت فى قوات الأمم المتحدة فى كوريا تحت قيادة الولايات المتحدة حيث تعرضت وحدتها المشاركة فى الحرب لأعلى معدل للخسائر البشرية بين القوات المتحالفة.
وقد حافظت تركيا على سرية تحسين العلاقات مع الكيان الإسرائيلي منذ اعترافها به، وذلك حفاظاً على علاقتها مع الأمة العربية وخاصة في الجانب الاقتصادي، والتاريخي السياسي حيث لا تريد أن تفقد أو تهمش دورها السيادي الذي صنعته في هذه المنطقة إبان حضارتها وعظمتها ودولتها العثمانية.
في نهاية الخمسينات وقعت المؤسسة العسكرية التركية مع نظيرتها الإسرائيلية إتفاقاً سرياً لتبادل المعلومات الاستخبارية فيما أسماه الجانبان (الإرهاب والحركات التخريبية العربية) كما سمحت تركيا وبشكل سري لأجهزة الأمن الإسرائيلية بالعمل في الأراضي التركية .
طوال عام 1992 احتفلت تركيا وإسرائيل بمرور خمسمائة سنة على لجوء يهود الأندلس إلى الدولة العثمانية عام 1492 هربا من الفظائع التى كانت ترتكب ضدهم لإجبارهم على اعتناق المسيحية، حيث استقر أكثر من 150000 منهم فى اسطنبول وتسالونيكى ـ ويبقى منهم فى تركيا حاليا أقل بقليل من 30.000 ـ وقد كان استقبال الدولة العثمانية للاجئين اليهود تصرفا طبيعيا ينسجم مع سماحة الإسلام الذى كانت تلك الدولة ترفع آنذاك لواءه، وكان أيضا الرمز الأبعد فى التاريخ للعلاقة بين الأتراك وبين اليهود قبل قرون من نشأتهما، ثم عادت تركيا فى الثلاثينيات والأربعينيات من القرن العشرين، لتكون المعبر الآمن الذى سلكه آلاف اليهود خلال هروبهم من بطش ألمانيا النازية.
شهد العام 1995 م تبادلاً مكثفاً للزيارات بين المسؤولين الإسرائيليين والأتراك توجت بزيارة الرئيس التركي / سليمان ديميريل / إلى إسرائيل واعتبرت زيارته هذه أول زيارة يقوم بها رئيس تركي إلى ( إسرائيل ) تم خلالها التوقيع على اتفاقات اقتصادية مهمة ( اتفاق التجارة الحرة ) إضافة إلى اعتماد اتفاق استراتيجي أمني وقعه مسؤولون عسكريون وأتراك في بداية 1996 م ينص على النقاط التالية:-
1 - السماح للكيان الصهيوني باستخدام الأجواء والأراضي والمطارات التركية في عمليات تدريبية.
2 - التنسيق الاستخباري بين الجانبين في جمع المعلومات وخاصة عن سوريا وإيران.
3 - الاستفادة التركية من الخبرة والخبراء الإسرائيليين في مكافحة حزب العمال الكردستاني وخاصة عملياته في المدن.
4 - تقدم إسرائيل إلى تركيا خبراتها في مجال الصناعة العسكرية والتكنولوجية الإلكترونية المتطورة لتحديث الطائرات التركية المقاتلة.
كما يحتوي ( اتفاق التجارة الحرة ) بين الجانبين على البنود التالية:-
1- أزالة الحواجز الجمركية بين الجانبين.
2- أن يصل حجم التبادل التجاري بين الجانبــين إلى مليـــاري دولار خلال العام 2000م بدلاً من "" 363 "" مليون دولار قيمة التبادل التجاري السابق.
3- تمنح إسرائيل، تركيا جزءاً من حصتها في أسواق الولايات المتحدة في مجال صناعة النسيج وهي نسبة 35 % بعد أن تعمد الشركات الإسرائيلية إلى تصنيع الأنسجة في تركيا من أجل تصديرها إلى الولايات المتحدة الأمريكية.
وفي إطار دعم وتحسين العلاقات ومد جسور التعاون بين الجانبين قام رئيس الأركان التركي بزيارات عديدة إلى الكيان الصهيوني، وصفها مسؤول عسكري إسرائيلي بقوله أنها واحدة من أهم الزيارات التي قام بها رؤساء أركان أجانب إلى الكيان الصهيوني وستكون لها نتائج جوهرية على مدى استمرار العلاقات الاستراتيجية بين البلدين.
التطورات الراهنة للعلاقات التركية الاسرائيلية
برغم هذا التاريخ الحافل والطويل والاتفاقات الموقعة بين الطرفين، إلاّ أنّ علاقاتهما، لم تسلم من التوترات والتقلبات، فمنذ العام 2000 بدأت التوترات بين البلدين من حين لآخر.
الازمة الأخيرة بينهما بدأت بتحرك الخارجية الإسرائيلية دون سابق إنذار، والتى قامت باستدعاء أحمد أوغو سيلكول السفير التركي في تل أبيب، وذلك لاستيضاحه وتوبيخه بسبب قيام إحدى المحطات التلفزيونية التركية ببث مسلسل يتهم دبلوماسيين إسرائيليين (مسلسل وادي الذئاب) بخطف الأطفال والمتاجرة بأعضائهم البشرية ويصور جنود الاحتلال وهم يعدمون المدنيين الفلسطينيين و يصور ضباط جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي (شين بيت) وهم يختطفون الأطفال الرضع،واعتبرت اسرائيل أن المسلسل الذي يبثه تليفزيون الدولة الرسمي يشكل "أشد ما يمكن" من أشكال التحريض ضد إسرائيل".
أوعز ليبرمان -وزير الخارجية الاسرائيلية -الى نائبه داني إيعالون ان يستدعي أحمد أوغو سيلكول السفير التركي في تل ابيب الي مكتبه فى البرلمان، بدلا من مكتبه فى وزارة الخارجية وأن يمارس معه شتى انواع الإزدراء لجهة عدم مصافحته، وتركه ينتظر لوقت امام مكتبه، ومن ثم اجلاسه على كرسي اكثر انخفاضا، منه و من مسؤلين اسرائيليين اخرين، كما تعمد عدم وضع أي علم تركي على الطاولة خلال اللقاء مكتفياً بالعلم الإسرائيلي، وأعطى تعليمات بعدم تقديم أي مشروب للسفير الضيف ودعوة الإعلاميين الى تصويره، وهذا ما يتعارض مع الحد الأدنى من لياقات البروتوكولات الدبلوماسية المعتمدة في كل دول العالم وقد اصبح الاجتماع محور العناوين الرئيسية فى وسائل الاعلام الاسرائيلية ونظر اليه كثير من الاسرائيليين على انه اهانة مقصودة للسفير التركى.
لكن علي الفور استدعت وزارة الخارجية التركية السفير الإسرائيلي لديها غابي ليفي للاحتجاج علي هذه الحماقة، وصرح الرئيس التركي عبدالله جول أنهم يمهلون إسرائيل ساعات معدودة لتقديم الإعتذار بشكل رسمي علي التصرف المعيب الذي اقدمت عليه تجاه سفيرها، وهدد بسحب السفير صباح اليوم التالى اذا لم تقم اسرائيل بحل هذا الخلاف.
وقد انتهت الازمة الدبلوماسية عندما اعتذرت اسرائيل فى خطاب، وقال وزير الخارجية الاسرائيلى افيجدور ليبرمان (ان اسرائيل تحترم تركيا وشعبها، لكنها تتوقع الاحترام من أنقرة بدورها، وتعهد بعدم التسامح مع اية مواقف معادية للسامية. وتضمنت رسالة أيالون العبارة التالية "لم تكن عندي أية نية لاستصغاركم بأي شكل من الأشكال.. أقدم اعتذاري على الأسلوب الذي بدر مني، وأرجو أن تبلغوا هذا الاعتذار إلى الشعب التركي، الذي نكن له الاحترام العظيم" كما بعث 17 عضوا من اعضاء الكنيست الإسرائيلي و علي راسهم النائب روبرت تيباييف خطاب إعتذار الى السفير التركي أعربوا له فيه عن أسفهم من" تصرفات تخطت حدود اللياقة الدبلوماسية تجاهه".
و قد وصفت وسائل الاعلام الاسرائيلية الاعتذار بالرضوخ و الذل امام تركيا، ووصفت ايالون بعديم العقل. و بالاضافة الي هذا الاعتذار اعلنت اسرائيل عن قبولها و رضخوها للمطالب التركية المتعلقة بصفقة شراء عشر طائرات بدون طيار من طراز "هيرون" قيمتها 180 مليون دولار من اسرائيل.
ولم تكتف تركيا بالاعتذار الاسرائيلي، فقد اعلنت الشركة المنتجة لمسلسل وادي الذئاب انها ستمضي قدما في انتاج فيليم سينمائي تحت عنوان وادي الذئاب - فلسطين. و قال كاتب السيناريو انه لم يقم بكتابة كل ما تفعله اسرائيل، بل كتب جزءا ضئيلا فقط مما تقوم به اسرائيل من جرائم ضد الانسانية( ).
يرى البعض أن وزير خارجية اسرائيل اليميني المتشدد افيغدور ليبرمان تعمد توتير العلاقات مع تركيا مراهناً من وراء ذلك على حدوث ردة فعل عنيفة من انقرة تمنحه مبرراً لتحقيق التالي: -
• انتزاع ورقة تمسك سورية بالدور التركي كراعي للمفاوضات غير المباشرة بينها وبين اسرائيل خاصة وأن دمشق رفضت ان تلعب باريس نفس الدور
• وضع العراقيل امام وزير الدفاع الإسرائيلي الجنرال أيهود باراك الذي كان يزمع زيارة تركيا لتحسين العلاقات العسكرية بين البلدين لما من شأن ذلك تعزيز وضع حزب العمل الإسرائيلي داخل الحكومة الإئتلافية الإسرائيلية التي يرأسها بنيامين نتنياهو زعيم الليكود والتي يشارك فيها بفعالية حزب ليبرمان " اسرائيل بيتنا.
• محاسبة تركيا على مواقفها المؤيدة للفلسطينيين والتي تميزت بها عقب نشوب العدوان الإسرائيلي على غزة فى 2009م.
• تعطيل الدور التركي الفاعل في اطار تحقيق المصالحة بين الفلسطينيين والتي تنشط به انقرة بالتنسيق مع السوريين والسعوديين والمصريين.
• استنكار للموقف التركي المعارض لتوجيه اي ضربة عسكرية الى ايران او فرض أي عقوبات مشددة عليها.
• الحد من الإنفتاح التركي الكبير على دول المنطقة والتي تم تتويجها بعقد تحالفات استراتيجية مع سورية وبتحالفات متينة مع ايران ولبنان ومصر والسعودية.
• تضييق هامش المناورة أمام زعيمة المعارضة تسيبي ليفني، والتي ظلت تنتقد أداء دبلوماسية حكومة الإئتلاف إزاء تركيا.
• الإنتقام من تركيا التي رفضت منذ اشهر قليلة المشاركة في مناورة عسكرية ضخمة الى جانب اسرائيل وأميركا ولتفويت الفرصة امام نجاح خطة ليبرمان.
ولم تظهر انقرة انفعالاً كبيراً بل اكتفت بمطالبة تل ابيب بتقديم اعتذار وأستدعت السفير الإسرائيلي في انقرة لتبلغه موقفها مع الحرص على التعامل معه بكل لياقة وأحترام. وكان لها ما ارادت حيث الزمت قادة اسرائيل على صياغة اعتذار من سوء معاملتهم للسفير التركي وإلا كانت ستلجأ الى استدعاء سفيرها من تل ابيب مما يعني قطع العلاقات الدبلوماسية بطريقة غيرمباشرة. وإزاء هذا الموقف الشجاع والمدروس والمتعقل الذي اتخذته انقرة، فإنها لم ترد فقط الإعتبار الى هيبتها الدولية بل ايضاً فوتت الفرصة امام مخطط ليبرمان والتيار المتشدد في اسرائيل من تحقيق عدة اهداف سياسية كان يأمل ادخالها في خانة انجازاته الوهمية، والذي دفع بأنقرة الى التعامل بشدة مقرونة بالكثير من العقلانية، هو تخوفها من أن يؤدي توتر الأوضاع مع اسرائيل الى استغلال هذه الأخيرة الفرصة لتعطيل مشروع الأتفاق بشأن اعادة توحيد قبرص، ولمنع الحوار المفتوح مع المعارضة الكردية، ولتصليب الموقف الأوروبي ضد انضمام تركيا الى الأتحاد الأوروبي ولدرء هذه المخاطر لم تعتمد تركيا على توحد كافة قواها السياسية خلف موقفها، بل أيضاً على التشرذم الحاصل في الداخل الإسرائيلي وتحديداً داخل صفوف الحكومة الإئتلافية.
إن مسلسل التدهور فى العلاقات التركية ـ الإسرائيلية اتخذ المنحنى الراهن منذ شطط إسرائيل فى عملياتها العسكرية فى غزة ديمسبر 2008 ـ يناير 2009، وجرائمها ضد الفلسطينيين التى أدانتها تركيا بقوة على مستويات عديدة. وتلاه مباشرة الموقف الذى اتخذه رئيس الوزراء التركى فى مناظرة مع رئيس إسرائيل على هامش مشاركتهما فى اجتماعات دافوس عندما غادر القاعة احتجاجا على عدم إعطائه حق الرد على شمعون بيريز الذى كان يعقب بحدة على الانتقادات اللاذعة التى كان إردوغان قد وجهها لعمليات إسرائيل فى غزة واستخدامها المفرط للقوة ضد الفلسطينيين، ثم سحبت تركيا دعوتها لإسرائيل للمشاركة فى التدريبات الجوية الكبرى المعروفة باسم «نسر الأناضول»، الأمر الذى أدى إلى تأجيل عقد هذه التدريبات.
اللافت للنظر فى المواقف التركية المتعاقبة، هو أنها لم تعد مجرد تعبير عن سياسة حكومة حزب العدالة والتنمية، وإنما بدأت تجتذب قدرا ملموسا من التوافق الوطنى حولها، فلم تكن الحكومة لتستطيع اتخاذ قرار التدريبات الجوية دون موافقة المؤسسة العسكرية صاحبة النفوذ القوى فى تركيا، والموقف الصارم من معاملة السفير التركى بازدراء فى القدس عبرت عنه بلغة متشابهة، كل ألوان الطيف السياسى التركى، وعلى رأسها حزب المعارضة الرئيسى «الشعب الجمهورى».
ويتوافق التدهور فى العلاقات التركية الإسرائيلية، مع نمو متسارع للعلاقات التركية العربية وعلى الأخص مع سوريا، عبرت عنه مظاهر عديدة كان من أحدثها التوقيع على خمسين اتفاقية ومذكرة تفاهم خلال زيارة رئيس الوزراء التركى لدمشق فى ديسمبر 2009 (بعد أن كان البلدان على شفا الحرب فى خريف 1998 بسبب المسألة الكردية لولا وساطة الرئيس مبارك) وسياسة جديدة لتحقيق الوفاق مع جيران تركيا، كان أبرز ثمارها مؤخرا التحرك لتطبيع العلاقات مع أرمينيا.
عبر مراحل ما كان يعرف بنزاع الشرق الأوسط كانت علاقات تركيا وإسرائيل تتراوح برودة وسخونة حسب تطور العلاقات فيما بين أطراف النزاع وبعضها البعض وحسب اتجاهات التوليفة الحاكمة فى أنقرة، مع عدم استبعاد تأثير الولايات المتحدة الحليف الرئيس لتركيا. ودون إغفال تبعات التحالفات الدولية للدولتين العربيتين المجاورتين لتركيا: العراق وسوريا مع الاتحاد السوفييتى من جانب، وتركيا وإسرائيل مع الغرب بقيادة الولايات المتحدة من جانب آخر يلزم أن نأخذ فى الحسبان الجوانب النفعية فى معادلة تركيا- العرب ـ إسرائيل، خصوصا بعد 1973 وبدء تراكم البترودولارات لدى الدول البترولية العربية.
مع انطلاق عملية السلام العربية ـ الاسرائيلية فى آخر أكتوبر 1991 وتحقيقها لقدر من التقدم على المسارين الفلسطينى والأردنى بدأ الأتراك يتخففون من أستار السرية التى كانوا يحرصون على إخفاء علاقات بلادهم وإسرائيل وراءها، ورُفع عن ساستهم الحرج الذى كانت تلك العلاقات تسببه لهم إزاء ناخبيهم، وفى نوفمبر 1993 قام حكمت شتين بأول زيارة يقوم بها وزير خارجية تركى لإسرائيل، توالت بعدها الزيارات المتبادلة وارتفعت إلى مستوى القمة، وفى فبراير 1996 وقع الجانبان اتفاقا للتعاون فى ميدان التدريب العسكرى تلاه اتفاق آخر فى ميدان التصنيع الحربى أثارا زوبعة من الانتقادات فى العواصم العربية لم تلبث أن أخذت فى السكون بعد أن صرح الرئيس مبارك أثناء زيارته لتركيا فى يونيو 1996 بأنه اطمأن إلى تأكيدات الرئيس ديميريل بأن العلاقات بين تركيا وإسرائيل ليست موجهة ضد طرف ثالث. وقد أدى توقيع البلدين عام 1996 لاتفاقية التجارة الحرة، إلى تسارع نمو المبادلات التجارية وكذا جميع المؤشرات الرقمية للعلاقات بينهما.
لم تكن المسألة الفلسطينية وحدها هى السبب الوحيد فى توتر العلاقات التركية ـ الاسرائيلية من آن لآخر، مثلما حدث فى مايو 2000 نتيجة قيام اثنين من أعضاء مجلس الوزراء الإسرائيلى بإصدار تصريحات مؤيدة لدعاوى الأرمن عن قيام الامبراطورية العثمانية بارتكاب جريمة إبادة جنس الأرمن إبان الحرب العالمية الأولى ومثلما حدث بعد الغزو الأمريكى للعراق ـ على خلفية كردية ـ وتفاقم فى منتصف العقد الحالى بعدما تردد وجود تعاون بين إسرائيل وبين الأكراد فى شمال العراق مما اضطر نائب رئيس الوزراء الإسرائيلى آنذاك إيهود أولمرت إلى نفيه خلال زيارته لتركيا فى يوليو 2004 (التى لم يستقبله خلالها رئيس الوزراء أردوجان).
فيما نرى فإن العلاقات التركية الإسرائيلية لم تكن أبدا علاقات تحالف حيث إن أيا منهما لا يرغب فى إثقال نفسه بعداءات الطرف الآخر، ويلزم أن نذكر بموقف إسرائيل إبان تصاعد الأزمة التركية السورية فى أكتوبر 1998 إلى حد الوقوف على حافة الحرب عندما أعلنت إسرائيل رسميا أنها ليست طرفا فى تلك الأزمة بل وقامت بتخفيف كثافة قواتها على الخطوط مع سوريا، كما أن العلاقات التركية الإسرائيلية لم تمنع إسرائيل من تطوير علاقاتها مع اليونان وقبرص (اليونانية) إلى حد توقيع اتفاقيات عسكرية مع اليونان مماثلة لما وقعته مع تركيا وتبادل الزيارات على أعلى المستويات بين البلدين حتى قبل بدء الانفراج بين تركيا واليونان.
مع نجاح حزب العدالة والتنمية فى تولى السلطة منفردا منذ نوفمبر 2002 حتى الآن عقب نحو عقدين من حكومات ائتلافية لم تكن تقدر سوى على القاسم المشترك الأدنى بين أحزابها، فإن الموقف التركى إزاء قضايا المنطقة أخذ يعكس الفلسفة السياسية للحزب الحاكم، منذ أن رفضت حكومة العدالة والتنمية بعد أشهر قليلة لها فى السلطة، السماح للولايات المتحدة باتخاذ قواعد فى تركيا لفتح جبهة شمالية ضد العراق عام 2003، مراعاة لرؤى قواعد الحزب وتوجهات الرأى العام التركى. ومع تعثر مفاوضات الالتحاق بعضوية الاتحاد الأوروبى، لم يعد تحقيق اعتراف الاتحاد «بأوروبية تركيا» الهدف الأسمى للسياسة الخارجية التركية التى أخذت بالتالى تستجيب لمقتضيات الجغرافيا السياسية للبلاد ومطالب الرأى العام فيها.
ستظل لإسرائيل مكانتها فى خريطة السياسية الخارجية التركية، تمشيا مع رغبات الولايات المتحدة، ولأهمية اللوبى اليهودى فى واشنطون لموازنة تأثير جماعات الضغط المعادية لأنقرة، فضلا عن قيمة إسرائيل كمصدر للتكنولوجيا العسكرية المتطورة على خلفية تاريخ تعرضت فيه تركيا مرارا لحظر توريد السلاح من الولايات المتحدة والدول الأوروبية الكبرى بدعاوى انتهاكها لحقوق الإنسان أو لموقفها من المسألة القبرصية، وبالتالى يبقى من الوارد أن يعود إيهود باراك من رحلته لأنقرة باتفاق، أو أكثر لتوريدات حربية.
وقد ارجع البعض توتر العلاقات التركية الاسرائيلية الى منع الجيش التركى القوات الجوية الاسرائيلية فى اكتوبر 2009 من المشاركة فى تدريبات دولية للقوات الجوية فى تركيا بسبب مشاعر جماهيرها تجاه الحملة التي تعرضت لها غزة والتي قالت اسرائيل إنها نفذتها لوقف الهجمات الصاروخية لحركة المقاومة الإسلامية "حماس" واعلنت إسرائيل أن المناورات الجوية المشتركة التي تنظمها تركيا سنويا بمشاركة الولايات المتحدة وعدد من دول حلف شمال الاطلسي الى جانب تركيا واسرائيل قد تم تأجيلها الى اجل غير مسمى. وبجانب الضرر الذي احدثه القرار بالعلاقات بين البلدين فإن المناورات تعتبر فرصة مهمة لتدريب الطيارين الاسرائيليين قد لا تتوفر لهم في مجال اسرائيل الجوي. وبذلك يبدو لدى تركيا أكثر من وسيلة ضغط على "إسرائيل" خاصة في مجال الاتفاقات العسكرية والدفاعية، وعلى سبيل المثال، فإن تركيا قد تلجأ إلى إلغاء اتفاق يسمح لسلاح الجو "الإسرائيلي" بالتدريب والتحليق داخل المجال الجوي التركي كما أن الطلبات التركية التي تم تقديمها مؤخرًا لقسم منظمة مساعدة الدفاع والتصدير العسكري الخارجي التابعة لوزارة الدفاع (SIBAT) ستكون في حاجة إلى إعادة النظر بشأنها بناءً على التغيير في العلاقات السياسية بين القدس وأنقرة. و "إسرائيل" هي التي يمكن أن تتعرض للخسارة في هذا التوتر نظرًا لكون أنقرة قد عددت مصادر مشترياتها الدفاعية منذ فترة ليست بالقصيرة وقد تجلس روسيا والصين وغيرهما من البلدان على طاولة عطاءات وزارة الدفاع التركية".. ويضاف إلى ذلك المبادرات الاقتصادية المشتركة بين الجانبين". فهناك خطط إسرائيلية- تركية لبنية تحتية مشتركة وممر للطاقة بين ميناء جيهان وميناء حيفا جارية، وهناك على الأرجح شركتين "إسرائيليتين" سيلحق بهما الأذى جراء الانهيار في العلاقات وهما شركة "الصناعات الجوية الإسرائيلية (IAI)، وشركة "رافائيل للأنظمة الدفاعية المتقدمة". فقد وقعت فروع الشركتين، "الصناعات الجوية الإسرائيلية" و"أنظمة إيلبيت"، في ديسمبر2009م، اتفاقًا بقيمة 140 مليون دولار لإمداد سلاح الجو التركي بحاويات التسديد targeting pods. أما شركة "الصناعات العسكرية الإسرائيلية" (IMI) فقد أتمت مؤخرًا اتفاقًا قيمته 700 مليون دولار كانت قد وقعته منذ سنوات مع تركيا بهدف تحديث أسطولها المتقادم من دبابات M60 التابعة لسلسلة باتن. كما أن شركة "الصناعات الجوية الإسرائيلية" قد أمدت مؤخرًا تركيا بطائراتها المتقدمة طويلة المدى "هيرون" التي تعمل بدون طيار.
مع ذلك، تأخرت "إسرائيل" في الوفاء بشروط العقود فيما يتعلق بتسليم الدبابات الحديثة وطائرات "هيرون". وقد كان هناك نقاش منذ فترة حول أن أنقرة في حاجة لإعادة النظر في هذه العقود وربما لإلغائها والشراء من مكان آخر. بالمقابل فإن تركيا قد تخسر صفقات تجارية مربحة مع "إسرائيل" تصل إلى ما يقرب من 4 مليار دولار سنويًا؛ يوجد 60% منها في صادرات تركيا إلى "إسرائيل". إلا أن هذا سلاح ذو حدين؛ حيث إنه يعني في نفس الوقت خسائر تقارب نحو 2 مليار دولار من الإيرادات التجارية بالنسبة لـ "إسرائيل".وربما تفقد تركيا إيرادات السياحة العائدة من "إسرائيل". ومن المعروف تمامًا أن "الإسرائيليين" يُقلصون رحلاتهم الخارجية في أوقات الحرب وخاصة تلك الرحلات المتجهة إلى دول إسلامية حيث تكون فيها الاحتجاجات الواسعة ضد الاعتداءات "الإسرائيلية" أقوى من غيرها. ويلفت الخبراء الانتباه إلى أن "إسرائيل" لم تفقد فقط حملتها الدعائية بهجومها العسكري الأخير على غزة وتدفع ثمنًا باهظًا، بل إنها كذلك عرضت للخطر أمن وسلامة اليهود حول العالم بعد أن قدمت العذر للعناصر المتشددة التي على استعداد للاستفادة من المعاناة الإنسانية.
كانت تركيا أول دولة إسلامية تعترف بـ "إسرائيل" كحكومة شرعية وطالما ارتبطت معها بعلاقات ودية، رغم أنها في بعض الأوقات متوترة ،غير أن شن العدوان على غزة في الوقت الذي كانت تسعى فيه تركيا للتوصل إلى اتفاق سلام بين "إسرائيل" وسوريا لم يكن ببساطة مقبولاً لدى صانعي السياسة الخارجية التركية الذين كانوا منهمكين قبل هجوم غزة بأربعة أيام فقط في محاولة إزالة ما تبقى من معوقات( ).
إن أنقرة وتل أبيب يقومان بشن حرب نفسية منذ فترة. كما أن الإعلام "الإسرائيلي" طالما تبنى أيديولوجية حكومته في علاقاتها الخارجية؛ و المؤسسات الإعلامية "الإسرائيلية" يتم استخدامها من جانب حكومة "إسرائيل" كمفوض في حالة التوترات الواسعة. ولم تكن أزمة إهانة السفير التركي أحمد أوغو سيلكول لدى إسرائيل مؤخراً من قبل نائب وزير الخارجية الإسرائيلي الحادثة الأولى في العلاقات بين البلدين، ولن تكون الأخيرة على الأغلب. فقد سبقها احتجاج إسرائيلي على مسلسل تلفزيوني تركي وانسحاب رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان الشهير من منتدى دافوس أوائل 2009 احتجاجاً على السياسة الإسرائيلية والنفاق الذي كان يمارسه الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز في المنتدى. بل يكاد لا يمر يوم إلا ويهاجم أردوغان والقادة الأتراك السياسات الإسرائيلية في المنطقة ويطالبون إسرائيل بفك الحصار عن قطاع غزة والعودة إلى عملية السلام والانسحاب من الأراضي العربية المحتلة والتعايش مع دول المنطقة.
كما أن أزمة السفير الأخيرة كانت مفتعلة إسرائيلياً ولأسباب داخلية حزبية إسرائيلية، والسلوك الإسرائيلي خلا من اللياقة الدبلوماسية وحتى الإنسانية، وهو ما دفع تركيا- التي تريد علاقات طيبة مع إسرائيل ولكن ليس على حساب الكرامة الوطنية والثوابت والمبادئ التركية- إلى طلب الاعتذار وهو ما كان فعلاً. فقد اضطرت إسرائيل إلى تقديم اعتذار بحجم الإهانة، ولكن السبب الجوهري لتوتر العلاقات التركية الإسرائيلية أبعد من ذلك، إنه اختلاف وتناقض بل وتعارض السياسات الخارجية المتبعة من قبل الطرفين.فالحكومة التركية ومنذ وصول حزب العدالة إلى السلطة في تركيا تتبع سياسة إنجاز "صفر من المشاكل مع المحيط". وهي في هذا السياق انتقلت مع سورية من حافة الصدام إلى التحالف الاستراتيجي، وحلّت مشاكلها مع اليونان والعراق وتعمل على حل المشكلة الكردية وتقدمت خطوات على طريق حل المشكلة مع الدولة الأرمينية، بل ووصلت إلى علاقات ممتازة مع روسيا ولبنان والأردن وغيرهم.
هذه السياسة التركية المنفتحة على المحيط والتي تقوم على المصالح المشتركة، مدعومة من الشعب التركي الذي وقف كله بأحزابه وإعلامه وجيشه خلف الحكومة التركية في الأزمة الأخيرة، مكّنت الحكومة التركية من الاستغناء عن الاعتماد على الدور الإسرائيلي والتخلّي عن العلاقة مع إسرائيل فيما لو ارادت، لا بل إن هذه العلاقة مع تل أبيب أصبحت تشكل إلى حدّ كبير عبئاً على الحكومة التركية بسبب التناقضات الواضحة بين السياستين.
ومقابل سياسة الانفتاح والتواصل التي تنتهجها تركيا والتي أعطتها زخماً ووزناً إقليميين، تتبع إسرائيل سياسة تصادمية انعزالية تقوم على الهيمنة والسيطرة وانتهاك حقوق الجوار وتستمر في حصار قطاع غزّة وترفض العودة للعملية السلمية وتضع العراقيل في طريق استئناف مفاوضات السلام وتعتمد على القوة العسكرية والتفوق العسكري. وهذا التناقض في السياسات الخارجية لتركيا وإسرائيل يجعل احتمالات التلاقي أصعب ويعزز من احتمالات تدهور العلاقات مجدداً عند حدوث أي هزّة قادمة.
ولعل من أبرز نتائج التوترات التي شهدتها العلاقات التركية الإسرائيلية منذ مطلع العام 2009، والتي بلغت ذروتهافي يناير2010 تزايد معدل هجرة اليهود الأتراك الى إسرائيل 10 أضعاف خلال العام 2009 مقارنة لعام 2008. كذلك، لم يستبعد المدير العام الأسبق في وزارة الخارجية الإسرائيلية والسفير الإسرائيلي الأسبق في تركيا آلون ليئيل سحب السفير التركي من إسرائيل مع نهاية العام2010م نتيجة عدم تقدم مسارات السلام.
وستعمل تركيا على ممارسة دور ريادي في محيطها يقوم على المصالح المشتركة والأهداف المشتركة في حين ترفض إسرائيل التعايش مع محيطها وترفض التخلي عن مطامعها التوسعية وهذا ما يقوي احتمالات الفراق البائن بين الجانبين.
وما يعزز هذا المناخ تصريح وزير الخارجية التركي أحمد داود اوغلو للصحافيين الذين رافقوه في زيارته لكرواتيا:"أن الأزمة الدبلوماسية مع إسرائيل انتهت بوصول رسالة الاعتذار عن الخطأ الذي وقع بحق السفير التركي لديها، لكننا سنستمر في انتقاداتنا لإسرائيل حتى تتبع سياسة سلمية وتعود عن سياستها الحالية"- وهذا ما ليس مرجحاً من قادة اليمين الإسرائيلي-.ولذلك، من البديهي أن يكون التعارض قائما بين الرؤية الإسرائيلية إلى المنطقة حيث هي جزء من كل المشاكل وهي بلد يبني حائطا حول نفسه لتوفير الأمن وأدى الى عزل اسرائيل حتى عن الفلسطينيين، وبين الرؤية التركية التي تريد أن تكون جزءا من الحلول في المنطقة(.(
ودعا اردوغان في مؤتمر صحافي عقده مع الحريري في انقرة الاثنين الى "ضرورة ممارسة الضغط على اسرائيل لانها تستمر في انتهاكاتها الجوية والبحرية وهذا امر لا يمكن ان نقبل به ابدا".
وذهب اردوغان الى حد الدعوة الى اصلاح في هيكلية الامم المتحدة بسبب عدم تطبيق اسرائيل "لاكثر من مئة قرار" صادر عن مجلس الامن. وقال ان "القرارات التي لم تطبقها اسرائيل قد تجاوز عددها مئة قرار (...) الامر الذي يدعو الى ضرورة القيام باصلاح في الامم المتحدة، لان لا معنى لهذه القرارات ولا قيمة لها اذا كان يتم اتخاذها ولا مجال لتطبيقها"، مضيفا "نحن لا نؤيد موقف اسرائيل هذا ولن نبقى صامتين بازاء هذا الامر" .
خلاصات:
• تركيا واسرائيل ستظلان حليفتان مادامت مصالحهما متقاربة، بحكم جوارهما ومصالحهما المشتركة مما يجعلهما وحلفهما تحسبه الدولتان تكتيكياً، فإسرائيل تحتاج إلى تركيا لأنها في منطقة عدائية رفض فيها البعض حتى الاعتراف بوجود "إسرائيل" وأقسم على استئصال اليهود من على وجه الأرض. أما تركيا فلها حسابات ومصالح اقتصادية وعسكرية ودبلوماسية كبيرة تحافظ عليها ولا تفرط فيها من غير مقابل، وهي تدرك أهميتها لاسرائيل.
• تنتهج تركيا سياسة العصا والجزرة في علاقاتها مع اسرائيل، وقد ادركت السياسة التركية أنّ حكومات اسرائيل تعول دائماً على تراجع الآخر، وموجة العداء والتخويف من العالم الاسلامي والمسلمين كمصدر للارهاب في العالم، والتي انتهجتها الولايات المتحدة وحشدت لها الدول الغربية والاوربية.
• في ظل التقلبات وسياسة الاستقطاب الحادة التي تسود العالم لا تريد تركيا أن تجد نفسها محاصرة بمواقفها الاستراتيجية من القضايا العالمية وقضايا بنائها الداخلي كدولة لها شأنها ومكانتها، فاتجهت إلى معالجة ملفاتها مع الدول الأخرى وتفريغها من كافة أشكال العداء، وبل واستثمارها للاتجاه بها نحو البناء الاقتصادي والدبلوماسي والسياسي، مما مكنها أن تخطو بعيداً في مجالات التنمية الداخلية سياسياً واقتصادياً، بحيث استطاعت الحكومة أن تشكل اتجاهاً قومياً لقراراتها وسياساتها، وأن تصنع لنفسها منفذاً بديلاً لتفادي أي ضغوط تفرضها عليها سياساتها تجاه اسرائيل.
• العقلية البرغماتية التي يتمتع بها صانع القرار التركي، حيث يتبع سياسة فصل الملفات عن بعضها البعض، ولا يجعلها تسير مساراً جمعياً يخلط الألوان، ويمكن المساحات الايجابية من أن تمضي غير متأثرة بالمشاكل والمعوقات التي تجتال مساحات أخرى في السياسة والعلاقات الدولية.
• تحاول تركيا أن ترسم من خلال علاقاتها باسرائيل، نموذجاً لسياسة الثوابت الإدارية الداخلية والسياسية الخارجية، والتي تقوم على استراتيجية بناء الدولة، مؤكدة على قدرتها الأمساك بعدد من الخيوط مختلفة الاتجاهات، دون أن يفلت أحدها، وهي سياسة تحتاجها الدولة النامية في سياسة حكوماتها لتحقيق عوامل ضرورية لها، منها تشكيل الرأي العام الداخلي، وبالتالي توحيد النسيج الداخلي على تيار وطني موالي لها يقوم على المحافظة على تطلعات الشعب وارادته ومن قبلها صناعة وتشكيل هذه الارادة، وايضاً تفادي التصادم مع القوى الكبرى والاحتكاك السالب ضدها، دون التفريط في المكاسب العملية للحكومة والشعب وحساباتها الدقيقة.
• تحاول السياسة التركية ايضاً أن تعطي نموذجاً في العالم الاسلامي، يؤكد على دورها في الوقوف بقوة مع القضايا العادلة للشعوب والحقوق، دونما الانهيار لضغوط المصالح المشتركة كمقابل في تراجعها عن مواقفها هذه، مؤكدة بذلك أن السياسة الجيدة هي فن توظيف القدرات واستغلالها الاستغلال الصحيح القائم على صحة قراءتها وحسابها، والعمل على رفعها وتنميتها، دونما الاندفاع العاطفي المتسرع والإعلامي فقط، من غير ما نتائج حقيقية مكتسبة. أو أستجابة لاستدراج القوى الأخرى ومصالح الغير، أو الانقياد للتيار الشعبي الانطباعي والعاطفي والموروث.
• كما تؤكد بسياستها هذه أنها ليست الدولة الخادم التابع، الذي يمكن أن يركع أو يستذل أو يجبر بسهولة على سياساته أو التراجع عنها، وأنها قوة يجب أن تحترم وتعامل بذلك، في مقابل احترامها لحلفائها ونظرائها من الدول، إلاّ وأنها قادرة على حماية نفسها والدفاع عن ذاتها، من غير تهاون أو حماقة.