تداخلات الدين والسلطة والقوميات في تشكيل القيم الروحية ودورها في بناء التعايش الوطني في إثيوبيا
د.عبدالوهاب الطيب البشير
جامعة إفريقيا العالمية
مركز البحوث والدراسات الإفريقية
التعايش الإنساني والعيش المشترك بين بني البشر يعتبر من المطالب التاريخية الإساسية والملحة لسكان هذه الارض ، ويبدو أن طلبها والسعي في تحقيقها بدأ مع حدوث أول صراع تاريخي بين بني آدم ، وهو صراع هابيل وقابيل ، وسفك أول دم آدمي ، وهي قصة ذات رمزية عالية ، ومهمة في الإشارة إلي وجود التنافس والصراع والمدافعة بين الناس ، تطورت بعدها أسباب وأساليب ووسائل ومناهج الصراعات والنزاعات التي تحول دون تحقيق التعايش الإنساني.
ويبدو أن عملية تحقيق التعايش البشري تظل محكومة بنتائج ، ونهايات ، وتقلبات ، وانخفاض، وإرتفاع ، عملية صراع الثنائيات مثل ( الخير / الشر ) ( الحق / الباطل ) ( الظلمات ، النور ) ( العلم ، الجهل ) ( الحب / الكراهية ) وهي مواجهات ثنائية تعمل علي فوران الكيانات البشرية وعليه تصبح عملية تحقيق التعايش مسألة نسبية .
ويظهر من خلال حركة التاريخ أن الإختلال بعملية العيش المشترك ، والتعايش الإنساني قد تدرجت من صراع ونزاع فردي ، إلي نزاعات وصراعات جماعية ، وأصبحت كلها موجودة بشقيها ، وأحيانا بدعم كل منهما الآخر ، غير أن الصراعات الجماعية ، أو صراع الجماعات، هو الغالب والمؤثر في تعايش وإندماج وتكامل الشعوب والافراد والجماعات ، والذي عقد وأربك من عملية التعايش والوحدة هو إرتباطها بقضية ومشكلة ( الهوية ) ، متمرحلة ومتجاوزة ارتباطها بالمصلحة Interest كما في حالة هابيل وقابيل ، وما ماثلها من تجارب إنسانية، فاصبح ( العيش المشترك ) و( التعايش ) و( الوحدة الوطنية ) تضعف وتضمحل بصراعات ( الهوية العرقية ) القبلية والعشائرية والقومية والأممية ، ولنا أن ننظر في تاريخ الامم والشعوب، كم عدد الحروب والنزاعات ؟
وفي حالة أخري يتأثر العيش المشترك والتعايش بصراعات الهوية الدينية ، ولنا في قصص التاريخ عبر ودروس ، كما في صراع إبراهيم وقومه ، وفرعون وموسي وقومه ، ونوح وقومه ، إلي آخر السلسلة من صراعات الأنبياء العقدية مع أقوامهم ، كما يصاب التعايش والعيش المشترك ووحدة الشعوب بالوهن والتفكك بسبب صراعات الموارد .
ويظهر أن هناك مرحلة مهمة أثرت في عملية العيش المشترك وتعايش الشعوب والجماعات ، وهي مرحلة التحول من تخوم وشعوب وأمم وجماعات ، إلي مرحلة الدولة القطرية والتي عملت علي تجزئة الكيانات البشرية المتجانسة في حدود دولية وسياسية ، أدت في النهاية إلي إنقسامات وإنشطارات باسم الدول ، كانت أهم نتائجها إنتاج ثقافة الأقليات والأغلبية ، وثقافة السائد والمتنحي ، ومفاهيم الأصيل والوافد ، والهامش والمركز ، وكلها محركات أو ديناميات تعمل علي تفكيك آصرة العيش المشترك والتعايش الإنساني .
ويبدو أنه قد ساند وعزز من مرحلة الدول القطرية في إضعاف عملية التعايش والوحدة بين الشعوب والأمم والأجناس والقبائل والعشائر، هو الحروب الكبري للأمبراطوريات والدول العظمي .
فمعدل درجات التعايش والوحدة يتناسب تناسبا عكسيا مع معدل درجات الحروب والنزاعات ، زيادة ونقصانا ، وهنا لنا أن نحاول قراءة كم أثرت حروب الإمبراطورية الفارسية والرومانية ، والحروب الإسلامية، وحروب الدولة العثمانية، والحربين العالميتين الأولي والثانية، وحروب الخليج ، والحرب علي الإرهاب ،والحروب الصليبية ، ودول البلقان علي زعزعة وخلخلة وإضعاف العيش المشترك والتعايش والوحدة بين كل شعوب وأمم وقبائل هذه المناطق .
وفي مرحلة أخري، تعتبرتطور مهم وعامل متكامل مع مرحلة الدولة القطرية، والحروب الكونية الكبري ، في التأثير علي عملية التعايش والعيش المشترك ، هي مرحلة الإستعمار، وهي مرحلة ينظرإليها في كل مراحلها منذ الإستعمار المباشر القديم ، مرورا بالإستعمار الحديث، وحتي مرحلة مايسمي الآن في فواتيح الالفية الثالثة بالإستعمار الجديد ، فكل هذه الألوان والاشكال من الأستعمار ، قد أسهمت باساليبها ووسائلها ومناهجها في إضعاف العيش المشترك والتعايش الوطني والوحدة الوطنية في أي دولة أو إقليم أستعمرته .
وتأسيسا علي ذلك يظهر أن كل هذه المراحل أو العوامل السابقة التي تأثرت بها عملية التعايش والوحدة والإندماج والعيش المشترك في كل منطقة من مناطق العالم تأثرت بها الدولة الإثيوبية .
مؤشرات الخريطة الدينية المكونة للقيم الروحية في أثيوبيا :
الأديان والمعتقدات الوثنية والمحلية التقليدية في اثيوبيا :
تاريخيا جاءت افادات بعض الدراسات لتقرر حقيقة أن أتباع ومعتنقي الديانات الوثنية والمعتقدات المحلية في إثيوبيا يتميزون بخصوصية الإنفراد بالأصالة الإثنودينية، حيث جاءت إشارة ترمنجهام مؤكدة لإعتبارية الكوشيون الوثنيون بأنهم المستوطنون الأصليون . (2)
وبناءاً علي ذلك ربما يبدو واضحا من خلال الملاحظة في مكونات هذه المعتقدات والأديان أن الفكر اللاهوتي الوثني في إثيوبيا قد إرتكز علي ثلاث مصادر ، مثلت عبر مراحل وفترات التاريخ المختلفة مصدر الألوهية والربوبية الوثنية ، والتصديق والإنقياد للمعتقدات التقليدية المحلية وهي السماء ومتعلقاتها الشمس والقمر والنجوم ،والأرض ومتعلقاتها من الأشجار والأنهار ، والطبيعة الناسوتية وهي الاعتقاد في أرواح الأسلاف.
أما من حيث مناطق توزيع وانتشار هذه المعتقدات والإثنيات التي تؤمن بها ، قد إنحصرت بصورة واضحة وأساسية في المجموعات البشرية التي تقطن في المناطق الشمالية، ولكنها مختلطة مع الأغلبية النصرانية التغراوية والأمهرية، وكذلك في الجهات الشمالية الغربية ،ولكنها مختلطة بالاغلبية كما عند مجموعة بني شنقول، والجنوبية مختلطة مع أغلبية اسلامية من الأرومو، ومع أقلية إسلامية ونصرانية في مناطق السيداما الجنوبية الغربية ، وهذه تمثل مناطق الثقل الوثني ، ولكنها أيضا مختلطة مع أقليات اسلامية ونصرانية كما في المناطق التي تضم قوميات أومو وكفا وقمبيلا ، وبدرجة أقل في المناطق الوسطي التي تميل للشرق قليلا (3) .
وظل إنتشار الوثنية والأديان المحلية التقليدية في إثيوبيا وسط المجموعات الكوشية والسامية ، كما وضح من خلال العرض السابق ، فانها كذلك قد سجلت بقاء وتمدد وسط القبائل الزنجية أو المجموعات الإفريقية والتي يسمها ويطلق عليها الأحباس مجموعة الشنقيلا (4) (Shangela) وتضم قبائل الكوناما أقصي شمال غرب اثيوبيا ، كما أشارت بعض الدراسات إلي إنتشار الوثنية في أوساط قبائل الهامش أو الحافة الشمالية الغربية لإثيوبيا والمتاخمة لحدود السودان الشرقية والجنوبية الشرقية، حيث تضم قبائل القنزا أو قمز ، توبا ، سوري ، توجا ، مورلي ، وقاي ، والتي تكون حوالي 000ر150 نسمة كما تتميز وتتواصل خارطة التوزيع الديني الوثني علي طول الحدود الاثيوبية الغربية والجنوبية الغربية حتي تتداخل مع السيداما ، شاملة ايضا بعض القبائل الزنجية حـــيث تـضم الكومو ، أبقار ( نوير ) ماو ، ماجانوا (ماسونقو ( يامبو ، انواك ، ميكان ) شورو ( داما ، نور كانا ، كونسو وقاردولا. (5)
اليهودية واليهود في إثيوبيا :
قد إرتبط دخول وإنتشار الفكر اللاهوتي اليهودي في إثيوبيا ، بدخول الجماعات السامية الوافدة، والمختلف تاريخياً حول مصدرها، مابين وفودها من الشمال الإفريقي من مصر، أو منطقة الهلال الخصيب ( الشام ) منشأ ومصدر اليهودية الأولي ، أو الجزيرة العربية خاصة اليمن ، ولكن مايهم في هذا السياق، أنه وفور دخولها إختلطت وإنصهرت روحياً وفكرياً وعرقياً مع المجموعات الإثنية الكوشية المحلية الأصلية . وقد ارتبطت اليهودية في إثيوبيا بقصة ورواية زواج ملكة سبأ من سيدنا سليمان، التي يقال أنها من الناحية المكانية قد شملت التخوم التي تضم اليمن واثيوبيا .وأيا كانت مدي صحة هذه الرواية ، إلا أن لها الكثير من الدلالات ، والعديد من الإشارات والإيحاءات، في بلورة وتأسيس وتكريس جملة من المفاهيم حول إثيوبيا ، خاصة فيما يختص بوضعها ومكانتها الدينية ويمكن تلخيصها في الآتي:
• إختصاص وإنفراد بعض من الأعراق الإثيوبية( الامهرة – التقراي) بالإرتباط والإمتزاج بأصل شجرة النبوة في بني إسرائيل ، ولعل ذلك قد هيأ هذه الفئة للشعور بالأفضلية والصفوية والتعالي العرقي والديني ،علي غيرها من الأجناس والفئات علي المستوي المحلي ،وربما الاقليمي ، بل وربما لمكانة عالمية ، وذلك في طريقه ربما تماثل أو تشبه السلوك والروح اليهودية، وإتجاهاتهم النفسية في وصفهم لأنفسهم بأنهم شعب الله المختار من دون شعوب وأهل الأرض جميعا .
• هذا الارتباط الروحي الديني والعرقي،( الكوشي/ يهودي) ،حاولت من خلاله الأسرة الحاكمة من سلالة سليمان وماكدة ، والتي بدأت في عهد الملك منليك الأول ، وأصبحت بعد ذلك تسمي نفسها بالأسرة السليمانية، أن تخلق عن طريق هذا الفهم لإثيوبيا أبعاد شرق أوسطية، تمكنها من الدخول والتلاقي مع مناطق مهبط الديانات، وقيام الحضارات في الشرق الأدني والأوسط ، لتكسب من خلاله المشروعية والمكانة الدينية ومن ثم السياسة، التي تعبر بالنسبة لهم عن الحق اللاهوتي المقدس في الريادة والسيادة والقيادة الدينية والملكوية ،علي المستوي الإثيوبي المحلي، وربما الإثيوبي الإقليمي.
• وربما يمكن أن يُلمس ويُشتم أن إثارة هذه الأسطورة في ذلك الحين، والتمسك بها بعد ذلك، قد أسس وركًز لوجود ظاهرة التعصب الديني ، الذي يستهدف الترويج لنشر اليهودية، خاصة من ملوك البلد، كوسيلة لإعتناقها اليهودية ومن ثم إعتناق شعوبهم لها، وعندما دخلت النصرانية البلاد ، وبدأت تنتشر بين حكام المملكة، لم يجد قسم كبير من السكان أمامهم سوي تقبل دين ملوكهم، في الوقت الذي بذل فيه الأباطرة ورجال الكنيسة جهوداً كبيرة وقدموا الدعم الثقافي من أجل الكنائس والاديرة.
ومن حيث طبيعة الفكر اللاهوتي اليهودي في اثيوبيا ، يبدو أنها لم تستمر كعقيدة يهودية نقية بذات طبيعتها الساموية الشرقية، وعقيدتها وتشريعاتها الموسوية الاسرائيلية ، فيظهر أن الفكر اللاهوتي اليهودي تأثر بالسابق الوثني ،واللاحق النصراني، إذ أصبحت اليهودية تحمل سمات ومميزات خاصة، تختلف عن تلك العقيدة اليهودية في مناطق نشأتها الأولي، أو لدي شعوب ودول العالم الأخري ، وربما يمكن تسميتها باليهودية الاثيوبية ، لدرجة ما أصبحت تأخذه وتتاثر وتتميز به من خصوصية المكان والزمان الأثيوبي .
أما اليهودية في اثيوبيا من حيث التوزيع والانتشار ، فقد ورد أنه علي إختلاف كل الروايات التي تتحدث عن هجرة اليهود، أو الجماعات السامية الاسرائيلية إلي الحبشة، إلا أن أهم وأبرز نتائج ذلك هو أن جماعة يهودية إستقرت في الحبشة ، وأن أرضي ومنطقة السيمن(Semen ) ومجموعة الأقاو هي أول الأماكن والعناصر التي إستقبلت الجنس والعقيدة اليهودية ضمن خارطة اثيوبيا الدينية، ويبدو أنه قد حدثت عمليات التفاعل والإنصهار والإندماج و التذويب بدرجة كبيرة لهذه الفئات اليهودية مع مجموعة الأقاو الوثنية ، وقد ذهبت بعض الدراسات إلي تأكيد ذلك بأنه من وجهة النظر العرقية، فإن هذه الجماعة اليهودية قد تشربت تماماً من جماعة الأقاو وظلوا متأثرين ومتطبعين بثقافتهم فكان الناتج من هذا التمازج والانصهار السكاني العنصر الذي يسمي الفلاشا وهم المنبوذون أو الغرباء(7 ) ، وقد تمت مطاردتهم وزعزعتهم من هذه المنطقة بواسطة الملوك والاباطرة الأمهرا ، ليصبح توزيعهم وانتشارهم في الخارطة الدينية الإثيوبية في تجاه الاقاليم الشمالية الغربية ، وبصورة أكثر تحديداً حول غندار ، وشمال غرب بحيرة تانا ، لتشكل بعد ذلك مناطق الأغلبية والثقل اليهودي وذلك في محافظات دامبيا Dambya، وقارا Wagara ، وارمشاهوArmachaho ، وتبدو الملاحظة واضحة بأن مناطقهم ذات نمط وطبيعة قروية زراعية ، ولذلك فان هذه البيئة جعلت من الفلاشا عمال صناعيين وماهرين في مجال الزراعة ، وبعض الحرف المتصلة بنشاطها مثل البناية ، والعمل الحديدي ، والغزل وصناعة الخزف (8)، وهنا يظهر بوضوح بعدهم وعدم اختيارهم وتبنيهم لخصائص مهنتهم الإسرائيلية المعروفة وهي التجارة .
المسيحية والمسيحيون في إثيوبيا :
تواترت إشارات المصادر المختلفة في التأكيد على أن أثيوبيا تعتبر من أولي المناطق التي شهدت دخول المسيحية في منطقة الشرق الإفريقي ، والثانية بعد مناطق الشمال الإفريقي ، والتي شهدت البدايات الأولي لدخول، خاصة الإسكندرية ، في حوالي القرن الثاني الميلادي . ولكن ربما كانت هناك بعض الاختلافات حول البدايات التاريخية الحقيقية لدخول النصرانية في أثيوبيا ، فقد انقسمت المصادر في ذلك إلى رأيين: عبر الأول عن دخولها في حوالي القرن الأول الميلادي والثاني في القرن الرابع الميلادي على يد القديس فرومنتيوس وهو الرأي الأرجح ، والذي نصبه بعد ذلك بطريرك الإسكندرية (9) .
أما عن اتجاهات الفكر اللاهوتي في الكنيسة الأثيوبية فمن الواضح والمعلوم ، الارتباط التاريخي للكنيسة الأثيوبية ، منذ بواكيرها الأولي في مملكة أكسوم بمطرانية الإسكندرية ، المؤسسة على المذهب القبطي الأرثوذكسي ، وقد تم ترسيم فرومنتيوس نفسه من قبل بطريرك الإسكندرية إثنا سيوس ليكون أول أسقف أو رسول كنسي في أكسوم) أثيوبيا حالياً (.
أما فيما يخص الفكر اللاهوتي للكنيسة الأرثوذكسية الحبشية ، فإنها كانت تؤمن ابتداءاً بما كانت تعتقد فيه الكنيسة الأرثوذكسية في الإسكندرية ، وهي العقيدة القائمة على الطبيعة الواحدة للسيد المسيح والمتصفة باتحاد الطبيعتين اللاهوتية والناسوتية (10 ) ، وفي هذا تشير بعض المصادر بأن الكنيسة الأرثوذكسية الحبشية عضو في تجمع وشراكة الكنائس الأرثوذكسية المشرقية ، التي ترفض مجمع خلقيدونية ، والتي تضم كنيسة الإسكندرية القبطية الأرثوذكسية وكنيسة أنطاكية السريانية الأرثوذكســــية ، والكنيسة الأرمنــية الرسولية ، وكنيسة مالابار الهندية الأرثوذكسية( 11).
وعن النصرانية في إثيوبيا من حيث التوزيع والإنتشار، أوردت بعض المصادر المهتمة بدراسة الدين في اثيوبيا أنه ربما يعتبر التقراي أسبق المجموعات السكانية في اثيوبيا الي اعتناق وتبني المسيحية الاروثوذكسية كما جاءت في طبيعتها العقدية الأولي وحتي الآن ، وهي متمركزة في مناطق الهضبة الشمالية لإثيوبيا ، مع حدود إرتريا ، وهي تمثل 8% من سكان اثيوبيا وتقاسمهم هذه النسبة أقلية إسلامية. (12)
ومن جهة اخري إذا كان التقراي يمثلون تاريخيا المجموعة العرقية الأقدم ايمانا بالنصرانية ، فان الامهرة يعتبرون المجموعة المسيطرة علي المؤسسة الدينية الكنسية والسلطة السياسية والنواحي الثقافية واللغوية خاصة خلال تاريخ اثيوبيا الحديث (13) وكذلك تمثل المجموعة الاثنية الامهرية واحدة من اقوي مراكز الاغلبية الدينية النصرانية في خارطة التوزيع والانتشار الديني في اثيوبيا بجانب التقراي وتستوطن وتنتشر العناصر النصرانية الامهرية في مناطق شمال والشمال الأوسط من اثيوبيا والتي مثلت البؤرة الاساسية لحركة التاريخ والانتماء الجغرافي والبناء السياسي والشرعية والسلطة الدينية للدولة الاثيوبية ، واكثر من ذلك وبصورة أكثر تحديدا ووضوحا تتمركز النصرانية في مناطق الأمهرة الرئيسية وهي شواء ، وتعتبر المعقل التاريخي لهم ، وقوجام ومعظم مساحة غندارا ، اضافة لتمركزهم في النواحي الغربية من منطقة ولو (14) واللازم توضيحة هو أن النصاري الامهراويين يغطون هذه المساحة في الخريطة باقل من 30 % من جملة المجموع السكاني المكون لاثيوبيا مع الاخذ في الاعتبار وجود اقلية اسلامية امهرية تمثل حوالي %14 من مجموع السكان الامهرة (15). .كما تنتشر وتتمركز المسيحية البروتستانتية في جنوب إثيوبيا وسط مجموعات الهدية والكمباتا والسيداما والقراقي وهي متفوقة علي الارثوذكسية (16) ،وتشير بعض الاحصاءات الحكومية إلي أن مجمل نسبة البروتستانت والكاثوليك تمثل 16ر%11 مقابل 54ر%50 للأرثوذكس من مجمل عدد السكان البالغ 62 مليون(17).
الاسلام والمسلمون في أثيوبيا :
فيما يتعلق بالبدايات الأولي لظهور اللاهوت الإسلامي في المنطقة الأثيوبية ، ربما يمكن القول بأنه لم تتفق المصادر – علي كثرتها- في مسألة تخص التاريخ الإثيوبي ، خاصة تاريخها الديني ، مثلما اتفقت حول قضية دخول العقيدة الاسلامية ، وأهل الإسلام إلي أثيوبيا .فقد أوردت المصادر مؤكدة بداية دخول الدين الإسلامي عبر المهاجرين المسلمين ، والتي كانت فـي شهر رجب من السنة الخامسة من البعثة عام 516 م ( 18)
وعن توزيع وانتشار الأسلام في اثيوبيا ، نجد أن الخارطة الدينية في اثيوبيا تظهر حظوظ عدد من المجموعات والقوميات السكانية بتشكيل أغلبية ايديولوجية اسلامية ، بل وقد إنفردت بعضها بالسيطرة والنقاء الكامل نسبيا للاسلام ، فهو علي هذه الصفة يكاد يغطي كل حدود المساحة الشرقية والجنوبية الشرقية قدرتها بعض المصادر بنسبة سيطرة ونقاء تصل الي 100% (65) وتحمل العقيدة الاسلامية في هذه المساحة، وبهذه الصفة في الخارطة الدينية الاثيوبية ، القومية العفرية ( الدناكل) علي طول جزء من الشرق وكل الشمال الشرقي ، بينما تغطي الجزء المتبقي من مساحة الشرق وكل الجنوب الشرقي القومية الصومالية ،فيما يسمي او يطلق عليه إقليم (الاوقادين ) ، ومجموعة الهررجي حول منطقة هرر المتاخمة والمتفاعلة مع المجموعة الصومالية في الشرق والأرومو في الغرب ، وكذلك مجموعة السلتي في جنوب إثيوبيا.
أما في المرتبة الثانية من حيث نقاء العنصر الإسلامي فتأتي مجموعة الاورمو والتي تمثل نسبة المسلمين فيها أكثر من %80 من المجموع السكاني ، بالرغم من إختلاف المصادر حول عددهم، ولكن مع هذا الاختلاف يظهر ويتبين إعتراف وأثبات كل المصادر لحقيقة أن الأرومو أكبر قومية من حيث السكان في إثيوبيا ، والأكثر اتباعا للاسلام ، ولكنها ليست الأفضل نقاءاً إذ يشاركها في النسبة المتبقية وهي اكثر من %10 معتنقي النصرانية ، والديانة الوثنية والمعتقدات المحلية التقاليدية ، ولذلك نجد أن شكل الإسلام عبر هذه القومية الارومية ينتشرو بتمدد في الخريطة الدينية الاثيوبية ليغطي مناطق الوسط، وجزء من المنطقة الشرقية وكذلك الغربية ، كما تمتد جنوبا حتي الحدود مع كينيا ، ويلي الأرومو من حيث نسبة النقاء الايديولوجي الاسلامي مجموعة قوراقي ( GORAGE ) والتي تصل نسبة المسلمين فيها اكثر من %75 من مجموع سكانها المختلف حـوله أيضا ، ولكن تظل النسبة ثابتة في الحالتين ، ولعل آخر المجموعات التي تمثل نسبة المسلمين فيها أعلي من بقية المجموعات الدينية الاخري هي قمبيلا في غرب اثيوبيا مع الحدود المتاخمة لجنوب شرق السودان ويحدها شمالا مسلمو بني شنقول ، ويمثل مسلمو القمبيلا اكثر من %50 وبقية النسبة موزعة بين النصرانية والاديان الوثنية والمعتقدات الملحية(19) .
ومن ناحية المذاهب السنية تأثر الغالبية من الإثيوبيين بالمذهب الشافعي وذلك لارتباطه بأكبر مجموعة عرقية هي الأورومو وكذلك الصومالية، بينما إنتشر المذهب الحنفي وسط الهررجي حول مناطق هرر وساحل البحر الاحمر قبل انفصال اريتريا ، وحول اديس أبابا ، ويسود المذهب المالكي في مناطق غرب وشمال غرب إثيوبيا متأثرة بالسودانيين ، كما يوجد بعض المذاهب كالاباضية وسط الصوماليين خاصة المهاجرين إلي اريتريا والحضارمة والزيدية المهاجرين من اليمن (20). كما تأثرت إثيوبيا بحركة الطرق الصوفية ، خاصة الوافدة من السودان عن طريق الشمال عبر إريتريا.مثل الختمية والسمانية والقادرية في مناطق بحر دار وأديس أبابـا وهرر . .
المحددات الداخلية والخارجية للدور القيمي الروحي في بناء التعايش القومي الوطني في إثيوبيا
بالنظر إلي طبيعة وشكل وخارطة القيم الروحية في الدولة الإثيوبية ، يظهر بالملاحظة والمعايشة ، وبافادات أغلب البحوث والدراسات المتخصصة في الشأن الإثيوبي ، أنها متأثرة وخاضعة لعدد من المحددات ، التي تعمل علي رسم وتوجيه ، وهذه القيم الروحية في بناء عملية التعايش الوطني، وتحقيق العيش الوطني المشترك للقوميات الإثيوبية، وهذه المحددات تعمل في بيئتين هما محددات البيئة الداخلية للدولة الإثيوبية، ومحددات البيئة الخارجية ، ولكل محددات بيئة خصوصيتها وطبيعتها ، في التأثير علي دور القيم الروحية ، في تغذية وبناء عملية التعايش القومي الوطني في إثيوبيا .
أولا : المحددات الداخلية لدور القيم الروحية في بناء التعايش القومي الوطني في إثيوبيا:
هي مجموعة محركات أو عوامل أو أشياء ملتصقة بالبيئة أو البنية الداخلية لإثيوبيا تحمل صبغتها وخصوصيتها التي تمنحها التحكم في تشكيل الدور الذي تقوم به القيم الروحية في عملية بناء التعايش ، والعيش المشترك ، والوحدة الوطنية للدولة الإثيوبية ، وهذه المحددات هي :
المحدد الديني :
ينظر إلي الدين في دولة مثل إثيوبيا بأنه من أهم المحركات ذات الإلتصاق والإلتحام القوي بالبيئة والبنية الداخلية ، فقد نشأت إثيوبيا دولة دينية ( ثيولوجية ) في طبيعة نظامها الإجتماعي والسياسي والإقتصادي والثقافي ، فكل التاريخ الإثيوبي منذ نشأة نواة الدولة الإثيوبية الاولي في أكسوم قام علي أسس ومرتكزات دينية .
وعليه يمكن قراءة دور المحور الديني في تشكيل وبعث القيم الروحية من خلال علاقة المؤسسات الدينية بالفرد والجماعات والنظم السياسية والإقتصادية والثقافية .
وبحسب توزيعات الخارطة الدينية لإثيوبيا فالمؤسسات الدينية تعني هنا المؤسسات الدينية المسيحية وعلي رأسها الكنيسة الإثيوبية بكل مذاهبها ونقصد بها المؤسسة الدينية للكنيسة الأورثوكسية ، والمؤسسة الدينية البروتستانتية ثم الكاثوليكية وتلي الكنيسة المنظمات والهيئات الكنسية لهذه المذاهب .
وفي خريطة أخري المؤسسات الدينية الإسلامية ، ويأتي علي رأسها المسجد الإثيوبي، والمسجد هنا يتوزع علي كل خرائط المذاهب الإسلامية ، والإيديولوجيات الإسلامية ، لتحديد طبيعة وشكل الدور الفكري والروحي ، فالاقاليم والمدن الإثيوبية ، تتجاذبها نشاطات المساجد السلفية ، والمساجد الصوفية ، كما نجد في خريطة المذاهب الإسلامية ، مؤثرات المذاهب المالكي في غرب إثيوبيا في مناطق بني شنقول وقمز والشافعي والحنفي في شمال إثيوبيا في مناطق قندار وقوجام وقليل من ولو . .
ويتداخل مع المسجد كمؤسسة إسلامية مهمة في إثيوبيا المنظمات والهيئات الإسلامية وهي ايضا مرتبة بتوزيعات الخريطة الإيديولوجية الصوفية والسلفية .
أما خريطة المؤسسات الدينية اليهودية ، فهي ليست في التصور كما هو الحال بالنسبة للمؤسسات الإسلامية والمسيحية لعامل العدد والإنتشار المكاني ، فهي محدودة ، ولا تتعدي كيلومترات في منطقة شمال غرب بحيرة تانا علي تخوم منطقة قندار ، العاصمة التاريخية الثالثة لإثيوبيا بعد أكسوم ولاستا .
وعن الديانات الوثنية أو التقليدية ، فهي لاتظهر بطريقة مؤسسة بالنمط الشائع في الإسلام والمسيحية واليهودية والإثيوبية، نسبة لطبيعة العبادة والإله الذي دائما ما يكون أحد المعالم الطبيعية فيكون شكل الأداء للعبادات بطريقة فردية، ولكن ربما تظهر النظم الإجتماعية مرتبطة بتقاليد جماعية تظهر فيها المؤسسة المحتكمة إلي تقاليد دينية ، بجانب التقاليد والعادات القبلية ، وهذه الكيانات الوثنية التقليدية موجودة في الغرب والجنوب الغربي من إثيوبيا في مناطق بني شنغول وقمبيلا وكفا وسيداما .
أثر المحدد الديني في تشكيل دور القيم الروحية لبناء التعايش القومي الوطني الإثيوبي :
تؤكد ظروف نشأة وتطور تكوين الدولة الإثيوبية أن المحدد( الديني ) رافد اساسي ومهم في تشكيل القيم الروحية ، التي ترفد بدورها القيم الوطنية، فنواة الدولة الإثيوبية التي قامت علي المسيحية الأورثوذكسية ، جعلت الكنيسة الأورثوذكسية كأهم وأول مؤسسة دينية بعد تكوين الدولة في أكسوم ، تقوم بتغذبة وتشكيل الشعور الوطني علي قيم روحية مسيحية، مستندة في ذلك علي نصوص وروايات أنجيلية وردت باسم كوش وأبسينيا والحبشة .
وتشير وتؤكد مضامين ومفاهيم وعبارات بعض الأشعار والترانيم التي تقال في المناسبات والأعياد الدينية المسيحية ، الي تغذية الشعور القومي والوطني تجاه إثيوبيا بابعاد مسيحية ، حتي صارت إثيوبيا في الذهنية المحلية الداخلية لدي كل إثيوبي هي ( إثيوبيا المسيحية ) فقط ، وصارت في الإدراك والذهنية والتصور الخارجي خاصة لدي شعوب دول الجوار صورة إثيوبيا المسيحية ، الأمر الذي يؤكد شيوع وسيطرة وإنتشار الثقافة المسيحية ، والقيم الروحية المسيحية ، ويدعم ذلك إرتباط كل شيء رسمي في إثيوبيا بالتقاليد والمراسم المسيحية.
وتظهر الكنيسة الأورثوذكسية متعصبة في تغذية الشعور الوطني الإثيوبي بقيم روحية مسيحية ، أكثر من بقية المذاهب المسيحية الأخري ، البروتسانت والكاثوليك ، وربما تلاحظ بالمعايشة لتدافعات حركة الثقافة المسيحية ، أن هناك صراع وتنافس ( مسيحي / مسيحي ) بين الأغلبية الأورثوذكسية والاقليات البروتسانتية والكاثوليكية حول هوية إثيوبيا المسيحية، ولاشك هي مسألة محسومة تاريخيا وسياسيا وثقافيا وعدديا لصالح المسيحية الأورثوذكسية ، التي صارت الدين الرسمي للدولة ، منذ نشأة نواة الدولة في أكسوم بالقرن الرابع الميلادي ، وحتي نظام منقستو ، وتم ابعادها بدرجة كبيرة باقرار فصل الدين عن الدولة في إثيوبيا بقدوم حكومة EPRDF بقيادة ملس زيناوي .
ولكن يظهر التنافس المسيحي في عملية رفد وبث القيم الروحية لتغذية الشعور القومي والوطني الإثيوبي بالنظر للسيطرة والإنتشار البروتستانتي في مناطق وأقاليم جنوب وغرب إثيوبيا، والتي يمكن أن نطلق عليها( إثيوبيا البروتستناتية ) حيث يظهر من خلال المعايشة والملاحظة قوة البرامج والمناسبات التي تعرفك علي سيادة وأهمية وسيطرة الكنيسة البروتستانتية، ويكفي انها تمتلك أكبر كنيسة في جنوب وجنوب غرب إثيوبيا والمعروفة باسم مكاني يسوس Makne Yesus حيث الاشعار والإنشاد الديني والترانيم المسيحية البروتسانتية ظاهرة في الكنائس البروتستانية والتجمعات والأندية والمراكز والمنظمات البروتستانتية، وهي نشيطة جدا، وتظهر قوة التزام والزام ديني علي إتباعها البروتسانت بصورة قد تفوق المسيحيين الأورثوذكس والكاثوليك وربما تتفوق علي قوة الإلتزام الديني الإسلامي لسكان هذه المناطق ، وتشير كثير من الدراسات والبحوث والخرائط الدينية علي قوة وسرعة إنتشار المذهب البروتستانتي في إثيوبيا ، فإذا كان في السابق محصورا في جنوب وجنوب غرب إثيوبيا فالآن أخذت البروتستانتية تتمركز وتنتشر في شمال وغرب ووسط إثيوبيا .
هذا عن المسيحية وعن المؤسسة المسيحية في إثيوبيا ، أما عن دور الإسلام والمؤسسة الإسلامية في دعم وتشكيل التعايش والوحدة الوطنية الإثيوبية ،عن طريق بث وبعث القيم الروحية ، فتشير الملاحظة والمعايشة والإستطلاع ، إلي ضعف شعور المؤسسات الإسلامية نفسها بالإنتماء لإثيوبيا ، الأمر الذي أدي إلي ضعف النداء والتبشير بالقيم الروحية الإسلامية تجاه المواطنة الإثيوبية ، وقد تكونت هذه الحالة نتيجة لمحاولات وسياسات الكنيسة الأورثوذكسية المرتبطة بالنظم السياسية في استعباد الإسلام والمسلمين والمؤسسات الإسلامية بما فيها منع بناء المساجد في أغلب مناطق إثيوبيا خاصة تلك المناطق المقفولة أو الخاصة بالمسيحيين في مناطق التقراي والامهرة في مناطق نجراي وفوجام وولو وشوا وبعض مناطق وسط وجنوب إثيوبيا .
ويبدو أن مسالة ضعف المؤسسات الإسلامية الإثيوبية في المناداة والمخاطبة بقيم روحية وطنية إثيوبية تسببت فيه ايضا سياسات النظم السياسية التقراوية علي عهد أكسوم والذي استمر علي عهد حكام الأمهرة منذ الاسرة السليمانية مرورا بسياسات حكم تيدروس ويوهنس ومنليك وهيلاسلاسي ومنقستو .
ولكن يظهر أن الامر قد تغير علي عهد حكومة الرئيس ملس زيناوي EPRDF والتي أحدثت تحولات كبيرة بقرار فصل الدين عن الدولة وأقرار الحكم الفيدرالي والذي منح فيه المسلمين لأول مرة في تاريخ إثيوبيا حريات وصلاحيات وأمتيازات دينية وسياسية زادت من قوة الإنتماءات الوطنية وحركة المؤسسات الإسلامية في إتجاه بث القيم الروحية الإسلامية باحساس المواطنة الإثيوبية والحق في ( إثيوبيا الإسلامية ) .
فتحولت المسألة في عهد حكومة EPRDF في مسألة النشاط و الحركة يخوف وحرز وضعف للمؤسسة الإسلامية والكيان الإسلامي الإثيوبي ، إلي حركة وإنتشار بثقة وطمأنينة أظهرت لأول مرة في تاريخ إثيوبيا ( الأنا الإسلامية الإثيوبية ) أتجاه ( الآخر المسيحي ) فظهرت القيم الروحية الإسلامية من خلال المؤسسات الإسلامية المسجد والخلوة والمسيد والزاوية ومنظمات العمل الإسلامي الخيري والمجالس الإسلامية الرسمية الإقليمية والفيدرالية ( المجلس الأعلي للشئون الإسلامية ) خاصة في مناطق الثقل الإسلامي في هرر وإقليم الصومال وعفار وولو وبعض مناطق قوجام في بحر دار وفي غرب جنوب غرب إثيوبيا في قمز وبني شنغول وفي وسط إثيوبيا في مناطق السلتي والقراقي .
ويبدو أن القدر المتاح من الحقوق والحريات للمسلمين علي عهد حكومة الرئيس ملس زيناوي EPRDF زاد من مساحات الأحساس بالمواطنة لدي القوميات المسلمة الأقلية منها والاغلبية ، هذه الديناميكية زادت من قوة تداخل القوميات المسلمة مع التخوم المسيحية وأتاحت فرصة إحتكاك المسلم الموظف والقيادي والحكومي مع نظيره المسيحي في مؤسسة واحدة أو مرفق واحد ، وهذه خاصية وميزة وحلقة كانت مفقودة في عهود النظم السياسية المسيحية السابقة منذ أكسوم وحتي سقوط نظام منقستو حيث كانت كل مؤسسات الدولة حكرا علي الأفراد المسيحيين الأورثوذكس .
ويظهر أن هذه الكيفية من العلاقة التلازمية بين السلطة والكنيسة الأورثوذكسية في إثيوبيا مكنت كل من الكنيسة الأورثوذكسية والسلطة المسيحية بإتاحة التدفق فقد للقيم الروحية المسيحية الأورثوذكسية مستبعدة حتي البروتستانتية والكاثوليكية فضلا عن القيم الروحية الإسلامية فتشكلت الدول الإثيوبية ( بهوية قيم روحية مسيحية ) أو ( هوية مسيحية ) مستبعدة كل الهويات الأخري ( الهوية الإسلامية ) و ( الهوية البروتستانتية ) و ( الهوية الكاثوليكية ) وتصبح عملية الأنحيازات الحكومية أو انحيازات السلطة الحاكمة في العهود التي سبقت حكومة الرئيس ملس زيناوي EPRDF مسئولة عن التوترات والصراعات الناتجة عن الخلل في توازنات القيم الروحية لكل مكونات الخارطة الدينية الإثيوبية .
ربما تعتبر حكومة EPRDF هي الوحيدة التي ذهبت في إتجاه سياسات وإستراتيجيات يمكن أن تخلق خارطة متوازنة للقيم الروحية الدينية تصبح فيها الفرصة متاحة لكل الأديان للإسهام بقيمها الروحية في بناء التعايش الوطني أو القومي الإثيوبي .
المناسبات الدينية المسيحية الأرثوذكسية التي تغذي القيم الروحية:
عيد مسكل Maskel أو عبر الصليب : يكون بعد 17 يوم من عبر السنة الجديدة أو عبر انكوتاش في الشهر الأول من السنة الإثيوبية ، وهو أكبر عبر مسيحي في إثيوبيا وتقام مراسمه في مشكل أوبياي ( ميدان الصليب ) وأحيانا يقام في منطقة جان ميدا في منطقة سدسي كيلو( كيلو ستة ) ويحضره كبار القساوسة علي رأسهم بطريرك الكنيسة الأورثوذكسية وتدعي له تخصصات كنسية كبيرة من الخارج ونزاع فيه خطبة كبيرة يلقيها البطريك الإثيوبي وتشتمل علي قضايا دينية كثيرة وقضايا سياسية وإجتماعية وإقتصادية كما تقام هناك مراسم أحتفال بالإنتشار الديني المسيحي.
عيد تمكت :Tekmet
يقام في حوالى الشهر الرابع من السنة الإثيوبية وهو عيد مرتبط نبي الله يحيي وعيسي أهم مراسمه هو الغسل الذي يمارسه المسيحيون الإثيوبيون الاورثوذكس في ميادين معينة أشهرها ميدان جان ميدا بالقرب من منطقة سوس كيلو وكذلك منطقة بكا ، كلغي وغيرها وتجتمع في كل ميدان عدد من الكنائس التي تقوم في هذا اليوم عملية غسل للأتباع المسيحيين بطريقة الرش بماء يسمي سبل( Thable ) يفتقد فيه بالبركة وهي عملية أشبه بتجديد التعميد (Baptisn ) للمسيحيين الأورثوذكس ، ويستمر هذا العيد ثلاثة أيام في الرقص والغناء والإنشاد الديني المسيحي فخاطب القيم الروحية المسيحية وتعمل علي تجديد التمسك بالقيم المسيحية .
عيد سكلت :
وهو عيد يوم الصلب والذي يجسد ويعني أن عيسي ضمن بحياته من أجل انقاذ البشرية وتقام مراسمه قبل إنهاء أشهر يام كوادي Kudai بيومين في يوم الجمعة وفيه يأكلون البقوليات تمثيلا للحم عيسي ويشربون الخمر البلدي تمثيلا لدمه قولا بأن عيسي ضحي بلحمة ودمه ، وتتم مراسم هذا العبد في البيوت ويذهبون إلي الكنيسة وهذا العيد بكل طقوسه ومراسمه بدعم وينمي القيم والمشاعر الروحية المسيحية لدي المتدينين الإثيوبيين الأورثوذكس .
عيد فاسكا : Fasika
وهو يعني عيد الفطر عند المسيحيين والي يعقب صيام الشهرين أو مايسمي صيام كوادي Kudai وتبدأ مراسمه بالمبيت في الكنيسة ويفطرون عند الساعة الثالثة صباحا أي قبل الفجر أو وقت السحر وهذا له دلالات ومعاني مسيحية حيث أنه يعادل الوقت الذي يبيت فيه عيسي عليه السلام بعد ثلاثة أيام حسب اعتقادهم لانقاذ البشر ويتناولون فيه اللحمة والخمور واللبن وكل الأشياء التي امتنعوا عن تناولها أثناء الصيام.
المحدد السياسي : أثر العلاقة بين الدين والدولة علي تدفق القيم الروحية وبناء التعايش الوطني الإثيوبي
يظهر أن عملية تدفق وبث القيم الروحية مسألة مرتبطة بعمل السياسات الثقافية والنظم الثقافية والإجتماعية للمؤسسات الدينية المسيحية والإسلامية وحتي اليهودية والوثنية في إثيوبيا وكذلك النظم السياسية .
ففي الحالة الإثيوبية ارتبط الدين بالدولة منذ النشأة وإرتبطت مشروعية وشرعية ونفوذ الحاكم أو الإمبراطور بمباركة وموافقة الكنيسة الأورثوذكسية علي الحاكم وبمراسم كنسية حتي عهد هيلاسلاسي ، وهي تكرس لنظرية الحق الإلهي في حكم إثيوبيا ولذلك يعتبر الحاكم مقدس ، وهي مسألة منصوص عليها في دساتير إثيوبيا لعام1930 – 1952 التي وضعها هيلاسلاسي .
وتأسيسا علي ذلك مثلت الكنيسة أحد ركائز الدولة تستمد نفوذها وقوتها السياسية وحتي العسكرية والدفاعية من قوة الكنيسة الأورثوذكسية ، لأن الخطاب السياسي للدولة الإثيوبية يستمد قوته والزاميته ونفوذه من المفردات والإصطلاحات الدينية المسيحية ، وعليه تصبح كل القيم السياسية والتنشئة السياسية والفكر السياسي الإثيوبي هو بروح القيم الدينية المسيحية الأورثوذكسية.
وقد إتاحت علاقة التلازم بين السلطة والكنيسة الأورثوذكسية في إثيوبيا أن تكون كل القيم المتداولة في كل الاجهزة والمؤسسات الرسمية هي قيم روحية مسيحية وثقافة مسيحية ، فالإعلام وأجهزته يعمل بلغة وثقافة مسيحية ، الجهاز السياسي يتحدث ويخطط في كل سياساته وإستراتيجياته برؤية مسيحية أورثوذكسية ، والإقتصاد وأدواته في أياد مسيحية ، حيث كانت الكنيسة تسيطر بطريقة ونظام إقطاعي علي كل الأراضي في إثيوبيا حتي عهد هيلاسلاسي ، لأن منقستو هو الذي بدأ محاولات أبعاد الكنيسة عن الدولة بتبنيه للإشتراكية ، فجرد الكنيسة من كثير من الصلاحيات وأولها الأراضي .
2012-02-08