No such category مجموعة الراصد للبحوث والعلوم

أخبار 

الشريكان يتجاوزان %70 من نقاط الـخلاف حول ترسيم الحدود    |   الحكومة تعتبر غضب أوكامبو من سفر الرئيس جهلاً بالقانون    |   تأييد أمريكي وأممي لاستراتيجية الحكومة لحل قضية دارفور    |   كاشا يدخل معسكر كلمة ويتفقد النازحين لأول مرة منذ «6» سنوات    |   البشير: الغالبية مع الوحدة وسنورث أبناءنا سوداناً واحداً    |   طرابلس تقترب من تشكيل جبهة من فصائل دارفور لمواجهة الاستراتيجية الجديدة    |   رئيس الجمهورية يلتقي والي غرب دارفور    |   طه يدعو إلى رفض الاستسلام ورفع راية الهزيمة للانفصال    |   غريشن يبحث بالخرطوم استفتاء الجنوب    |   الوطني يرفض إنفاذ الحريات الأربع حال انفصال الجنوب    |  
النشاطات     ظاهرة القرصنة في البحر الأحمر وآثارها الأمنية على دول المنطقة

نظم مركز الراصد للدراسات السياسية والاستراتيجية منتداه الدوري بتاريخ الأربعاء الموافق 8 أبريل 2009م ندوة بعنوان " ظاهرة القرصنة في البحر الأحمر وآثارها الأمنية على دول المنطقة " تحدث فيها الفريق الحسيني عبدالكريم وشارك فيها عدد من الباحثين والمهتمين . وقد خرجت الندوة بعدد من الخلاصات تتمثل في الآتي :-

1. تُعرّف القرصنة عادةً بأنها الجرائم أو الأْعمال العدائية ، والسلب أو العنف المرتكبان في البحر ضد سفينة ما، أو طاقمها، أو حمولتها. ويُعرّف القرصان بأنه المغامر الذي يجوب البحار لنهب السفن التجارية.

2. برزت القرصنة بشكل مستمر في البحر الأبيض المتوسط ، حيث كانت هناك بعض المدن المزدهرة مثل صور وقرطاجنة وكورنته (في اليونان) وأثينا، والتي كانت ذات أساطيل وتجارة بحرية غنية، وكان لابدّ من القضاء على تلك الجماعات الخارجة على القانون من قراصنة وعصابات وأعداء. ومن أجل ذلك ، وللصراع ضد القرصنة جهزت المدن الإغريقية أول الأساطيل الحربية ، غير أن النتائج ظلّت دون المستوى المطلوب ، لكن الامبراطورية الرومانية تمكّنت وهي في أوج قوتها من القضاء مؤقتاً على تلك الظاهرة.

3. ظهرت القرصنة في البحر الأبيض المتوسط في الألف الثالث قبل الميلاد ، وفي أثناء نمو التجارة البحرية المكثفة بين مصر وجزيرة كريت وفينقيا. وكانت القرصنة بشكل مجموعات من البحارة تعيش على سواحل صقلية ، وتهاجم السفن المنفردة والموانئ ذات الدفاعات الضعيفة. وكان سكان جزيرة كريت هم أول من فكّر بالتصدي لهؤلاء، فجهّزوا أسطولاً سار إلى أقصى نقطة من شرقي الجزيرة (جزيرة صقلية)، ومهمته طرد القراصنة ، وتمكنوا من إحراز نجاح نسبي، ثم جاء بعد ذلك دور مصر الفوعونية ، ولأول مرة في التاريخ ، تجهز أسطولاً حربياً صغيراً للصراع ضد القراصنة الذين ينهبون سفن البحر الأبيض المتوسط ومدنه. وهكذا استمرت الظاهرة واستمرت محاولات السيطرة عليها غلى التاريخ المعاصر.

4. على الرغم من التقدم الحضاري الكبير في العالم ، وعلى الرغم من وجود منظمات دولية ومحاكم وقوانين دولية ، ووسائط رصد ومراقبة فائقة القدرة ، وطيران سريع وأسلحة فعّالة ، عادت أعمال القرصنة البحرية لتطفو على السطح من جديد، ولا سيما بعد هجمات القرصنة التي يشهدها جنوب شرق آسيا، علاوة على القرصنة قرب السواحل الإفريقية منذ بداية التسعينيات، فالقراصنة يجوبون البحار بحريّة. ويجوب البحّارة المعاصرون جميع البحار تقريباً التي غالباً ما تنتشر فيها حركة تجارية نشطة ، لكن بعض المناطق بشكل خاص يشكّل بؤرة مناسبة لنشاط أعمال القرصنة، ونذكر منها: غرب إفريقيا، ومدخل البحر الأحمر، وأمريكا اللاتينية، ولاسيما جنوب شرق آسيا .

5. تضم القارة الإفريقية نحو ربع هجمات القراصنة حتى العام (2001م)، ولكن القرصنة تظل متمركزة في مواقع معيّنة قرب شواطئ بعض البلدان مثل: نيجيريا، وساحل العاج، والصومال، وجيبوتي.

6. هناك طرق متعددة للقرصنة ، وقد وضعت منظمة الملاحة الدولية جدول لها، فهي تحدث في الليل غالباً فيتسلّق القراصنة متن المراكب من أطرافها أو مؤخراتها، مستخدمين الكلاّبات أو العصي الطويلة البسيطة أحياناً، ولا يهمهم حجم المركب أو سرعته ، وكثيراً ما شوهدت حالات سطو على ناقلات النفط أو السفن التجارية حاملة الحاويات الضخمة الحجم أو السفن السياحية المخصصة للنزهات. والمهاجمون يستغلّون عموماً مناورات الملاحة أو تخفيف السرعة ، أو انشغال أفراد الطاقم كله عند المضايق والممرات الضيّقة أو في قاعة الآلات لتنفيذ أحد الأعمال. وقد يحدث أحياناً أن يتسلل بعض شركاء القراصنة إلى السفن وهي راسية في الميناء ويختبئون فيها، ثم يظهرون فجأة والسفينة في عرض البحر لمد يد العون "لزملائهم" القراصنة القادمين في زوارق سريعة. والمهاجمون على علم تام عموماً بهندسة السفن وطبيعتها وقيمة حمولاتها، الأمر الذي يؤكّد أنهم يتعاونون مع شركاء في البرّ، وحتى مع السلطات المرفئية.

7. ثمة طريقة أخرى للقرصنة، وهي إنزال زوارق صغيرة من سفن "أم" كبيرة الحجم، لتسير إلى جوارها أو بالقرب منها، والجميع مطفأ الأنوار، بهدف الانقضاض على الفريسة على حين غِرّة.

8. كذلك حددت منظمة الملاحة الدولية ثلاثة أشكال للأعمال التي ينفّذها القراصنة وهي:-

• السلب باستخدام أسلحة خفيفة:وهي سرقات صغيرة باستخدام السلاح، وغالباً ما تُرتكب في الموانئ أو على مقربة من السواحل ضد الصيادين أو المتنزهين في البحر. وتُعرّف منظمة الملاحة الدولية ذلك النوع من السلب على النحو التالي: "هجوم انتحاري يقع على طول السواحل، وتنفّذه مراكب قوية جداً يقودها مجرمون ولصوص مسلّحون في البحار، وهم عادةً يحملون السكاكين وأهدافهم عموماً السيولة النقدية، ولا سيما في الصناديق الحديدية الموجودة في كل مركب، وكذلك الأغراض الشخصية غالية الثمن، والتي يبلغ ثمنها وسطياً بين (5000) و (000،15) دولار". وهذا النوع من القرصنة هو الشائع وتزيد نسبته على 70% من الحالات.

• السرقة والاعتداء المسلّح المتوسط بخطف أو من دون خطف: ويقصد بذلك: "هجمات عنيفة وسرقات تسفر عن جروح خطرة أو سقوط قتلى، وتنفّذها عصابات منظمة جيداً، وهي عادة مسلحة تسليحاً ثقيلاً، وتعمل لحساب مركب "أم"، مستفيدة عموماً من شركاء على البرّ متواطئين معها. وهذا الشكل من القرصنة يمثّل خطراً شديداً على الملاحة، ولا سيما عندما يتم تحييد الملاّحين وشلّ حركتهم أو حجزهم.

• الاختطاف الإجرامي الخطير:ويتم فيه ارتكاب جرم الاختطاف، حيث يستولي القراصنة على المركب، ثم يعمدون إلى تمويهه أولاً، ثم تسجيله باسم مزوّر؛ وحمولته تُختَطف أو تُقذف بالبحر حسب نوع شبكة المافيا، وتسمّى منظمة الملاحة العالمية مثل هذه الظاهرة بأنها: "تقنية المركب الشّبح"، كما تحدد المنظمة هذا النوع من القرصنة بأنه: "أنشطة إجرامية دولية مخططة، وتحت تصرفها موارد هامة، وتستخدم عصابات هامة من رجال مدربين جيداً ومسلحين تسليحاً ثقيلاً، وعلى استعداد تام لاستخدام الأسلحة النارية"

9. بدأت القرصنة البحرية تعود وتزداد بثبات منذ نهاية الحروب الباردة ، إلا أن اللافت للنظر في الهجمات الأخيرة هو حجم طموح القراصنة. فقد هوجم ما لا يقل عن 92 سفينة هذا العام في خليج عدن وحوله ، أي أكثر من ثلاثة أضعاف حالات القرصنة في العام 2008م. إن كثيراً من هجمات القراصنة وقعت عند القرن الإفريقي حدثت تحت سمع وبصر وجود عسكري أمريكي كبير. ورغم تحديد الأسطول الخامس الأمريكي ممر ملاحة يمكن مراقبته إذا سارت السفن فيه لكن التدخل لا يحدث. وحيال هذه الظاهرة لا ينبغي توجيه كل الانتباه إلى الصومال. فالهجمات تُشن من قرى صيد في بونت لاند ، الجزء الشمالي شبه المستقل من الصومال ، الذي لا يعتبر معقلاً للمتمردين . وحقيقة الأمر أنه في الفترة القصيرة التي حكمت فيها المحاكم الإسلامية قلت القرصنة. فالتحدي اللوجستي لمراقبة أكثر من مليون ميل مربع من المحيط يفوق طاقة أي دولة وحدها. ولذلك فإنها مشكلة دولية تتطلب حلاً دولياً.

10. وللحد من تنامي الظاهرة هناك تدابير يمكن اتخاذها تتمثل في:-

- تشكيل خدمة خفر سواحل متعددة الجنسيات لشرق إفريقيا والقرن الإفريقي.

- وضع أجهزة لاسلكية على السفن وتجهيزها بحراس مسلحين ورادار يغطي الجوانب من حيث تُركب.

- يجب أن تستجيب السفن لنصيحة مكتب البحرية الدولي ، الذي يراقب كل الهجمات ، للبقاء على بعد 250 ميل من الساحل. ويمكن أن تهزم القرصنة ولكن ليس قبل وجود إرادة دولية تجمع على التصدي لها.

11. جاء خطف ناقلة نفط سعودية عملاقة قبالة سواحل الصومال ليثير تساؤلات جديدة حول عمليات القرصنة التي تفشت بمنطقة خليج عدن خلال الفترة الأخيرة، واتخذت حجما أكبر مما كان يتصوره الكثيرون بشأنها. الناقلة العملاقة التي ترفع علم ليبيريا وتحمل نفطا يقدر ثمنه بنحو مائة مليون دولار وطاقماً من 25 فرداً، سقطت بسهولة في يد القراصنة لتلحق بسفينة الشحن الأوكرانية المحملة بدبابات روسية على قمة أبرز حوادث القرصنة الفترة الأخيرة. والمثير أن حادث اختطاف الناقلة السعودية يأتي رغم قيام الغرب ممثلاً في حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي بتكثيف الوجود العسكري بمنطقة تعتبر من أهم المناطق الملاحية في العالم، وأكثرها ازدحاماً حيث تمر بها نحو عشرين ألف سفينة كل عام.

12. رغم ما يكتنف حوادث الخطف والقرصنة من إثارة وغموض ، فإن التصريحات بشأنها لا تخلو هي الأخرى من إثارة خاصة عندما تتحدث الولايات المتحدة التي تعرف بأنها القوة الأكبر بالعالم عن صعوبة التصدي لهؤلاء القراصنة. فالمتحدثة باسم الأسطول الخامس الأمريكي (جين كامبل) اعتبرت أن المنطقة التي تشهد هذه العمليات أكبر من أن يتم توفير حماية كاملة لها، بينما اعتبر (بيل كورتني) نائب قائد القوات البحرية الأمريكية أن الحادث الأخير يظهر بوضوح قدرتهم على تعديل أساليبهم في الهجوم.ولم يترك رئيس هيئة الأركان الأميركية (مايك مولن) الفرصة لالتقاط الأنفاس من جانب المندهشين من هذا العجز الأمريكي إزاء الظاهرة الغريبة ، حيث اعترف بتنامي قدرات القراصنة قبل أن يكشف عما وصفها بخلافات دولية في طريقة التعامل معهم مشيراً إلى أن البعض يفضل دفع فدية للخاطفين.

13. هناك مخاوف من كثافة الأساطيل الغربية المنتشرة بخليج عدن بدعوى مكافحة القرصنة ، وهي بلاشك تمثل تهديدا للأمن القومي العربي، وهو انتشار قد يؤدي في نهاية المطاف إلى تدويل البحر الأحمر. لذلك تشعر دول المنطقة بقلق بالغ سواء على الجانب الأمني أو الاقتصادي حيث باتت معظم شركات الشحن تفكر في تجنب المرور بخليج عدن والتحول إلى رأس الرجاء الصالح وهو ما سيزيد من تكلفة السلع . وقد عبرت العديد من دول المنطقة عن مخاوفها سواء من تفشي القرصنة حيث وقع 63 حادثاً منذ بداية العام 2008م ، أو من آثارها وتداعياتها المحتملة.

14. وفقاً لرؤية المصادر الغربية فإن قراصنة البحر الأحمر هم نتاج الحرب الأهلية الصومالية وهدفهم غالباً هو الحصول على فدية مالية ، لكن اللغز يبقى قائماً فيما إذا كانت هناك فعلاً مؤامرة أمريكية خلف الظاهرة أو على الأقل مدى جدية الدول الغربية في العمل على إنهاء هذه الظاهرة.

15. صعد الاهتمام الدولي والإقليمي بمنطقة القرن الإفريقي في السنوات الأخيرة بصورة ملحوظة وذلك في إطار أهمية منطقة القرن الإفريقي جغرافياً وإستراتيجياً باعتبارها منطقة ربط للتجارة الدولية ، وباعتبارها تشرف على مناطق إنتاج ونقل البترول ولأسباب أخرى ثقافية وسياسية. وقد اهتمت الولايات المتحدة بتحقيق نوع من النفوذ هناك في إطار جعل تلك المنطقة منطقة نفوذ وقواعد عسكرية ، وفي إطار الرغبة الأمريكية في حصار الدول العربية المطلة على البحر الأحمر عموماً.

16. أثارت قصة اختطاف الباخرة الأوكرانية المحملة بالأسلحة المتطورة المتوجهة إلى جنوب السودان، رغم الحظر المفروض على تصديرها إليه بموجب اتفاقية المصالحة المبرمة بين الطرفين المعنيين برعاية دولية ، في الشاطئ الصومالي من قبل القراصنة الصوماليين ومطالبتهم باثنين وعشرين مليون دولار مقابل الإفراج عنها، اهتمام وسائل الإعلام الدولية.

17. يرجع هذا الاهتمام بتنامي ظاهرة القرصنة إلى أسباب متعددة أهمها ما يلي:-

 انتعاش حركة القرصنة في المياه الإقليمية الصومالية بدرجة أصبحت تهدد التجارة العالمية وتنذر بعواقب وخيمة على الأمن البحري في المنطقة.

 الخوف من التحالف بين القرصنة والإرهاب الدولي، والتوجس من خطر التلوث البيئي لو تم الاعتداء على ناقلات البترول.

 زيادة تكلفة التأمين البحري على السفن. كل تلك أمور يمكن أن تؤدي إلى ارتفاع أسعار الشحن، ومن ثم الانعكاس السلبي على الاقتصاد العالمي في وقت ينوء فيه العالم بتداعيات الأزمة المالية العالمية.

18. تقع دائرة عمليات القرصنة في المنطقة المحاذية لساحل بوت لاند فقط وليست في كل الصومال، لأن منطقة صوماليلاند والجنوب الصومالي خاليتان تماما من أعمال القرصنة. ورغم أن منطقة بوت لاند غنية بمواردها الطبيعية مثل البترول والثروة السمكية والثروات البحرية الأخرى كالملح والغابات الحافلة بأشجار البخور واللبان التي تشكل المادة الخام لصناعة العطور، فإنها كلها غير مستغلة.وقد دأب سكان هذه المنطقة من قديم الزمان على النزوح إلى الجنوب حيث كانت الأعمال نسبياً متوفرة في الإدارة والقوات المسلحة والشرطة والزراعة والتجارة. وبعد نشوب الحرب الأهلية اضطر معظمهم إلى الرجوع إلى مواطنهم الأصلية التي كانت تفتقر إلى مقومات الحياة الطبيعية، كالبنية التحتية الاقتصادية وأسباب الحياة من الزراعة والرعي والتجارة. وقد اكتشف الصوماليون أن شواطئهم أصبحت بعد انهيار الدولة منذ العام 1990 مرتعاً لنهب الشركات وعصابات الجريمة الدولية التي قامت وتقوم برمي النفايات النووية والكيميائية والصناعية المحرمة دولياً ، ونهب الموارد البحرية لا سيما السمكية. ووجدت بعض الجماعات المسلحة في التعرض لسفن الصيد والمراكب السياحية والتحرش بها صيداً ثميناًَ، فكانت تتلقى منها مبالغ طائلة تعتبر زهيدة بالنسبة لشركات الصيد التي كانت تكسب الملايين جراء الصيد بحرية باستخدام وسائل الصيد المحرمة دولياً. وهكذا تبادل الطرفان المصالح بتراض تام ودون صخب أو ضجيج.

19. بمرور الزمن تطورت القرصنة باكتساب مهارات فنية عالية واستعمال زوارق مطاردة سريعة تحمل محركات حديثة وأسلحة خطيرة وأجهزة تقص واستكشاف ووسائل اتصال متطورة، وأصبح مجال تحركها يتجاوز الشاطئ الصومالي ليمتد إلى 200 كيلومتر فى عمق المحيط. ومن ثم اتجهت أعداد كبيرة من الأفراد إلى هذه التجارة المربحة، وبمباركة ضمنية من السلطة المحلية في بوت لاند التي تنصلت من أي مسؤولية تجاه هذه المشكلة الأمنية بحجة أنها لا تملك القدرة على التصدي لها، إلى أن وصلت أعداد السفن التي تعرضت للسطو والقرصنة إلى أرقام قياسية.وبدا القراصنة يشعرون بالثقة في النفس وتمرسوا بفنون الابتزاز والتفاوض وأصبحوا يطالبون بمبالغ خيالية ويعرضون حياة البحارة للخطر.

20. ومع استفحال الوضع تسابقت الدول المالكة للسفن، التي تنهب الموارد البحرية في المياه الإقليمية الصومالية أو التي تستعملها للمرور البريء ولا سيما الدول التي تملك القواعد العسكرية والأساطيل المدججة في مدخل البحر الأحمر وفي جيبوتي، بالتنديد بأعمال القرصنة، دون أن تحرك ساكناً لحراسة السفن العابرة أو حتى التي تعرضت للخطف. ويبدو أن اهتمام الدول الكبرى بالموضوع لا يتجاوز السيطرة على الأهمية الإستراتيجية للصومال والبحر الأحمر ومحاربة ما يعرف بالإرهاب الدولي وتمكين سفنها من الاصطياد بحرية.

21. فى الثاني من يونيو 2008، أصدر مجلس الأمن الدولي القرار رقم 1816 برعاية أميركية وفرنسية يجيز للسفن الحربية الأجنبية حق الدخول في المياه الإقليمية الصومالية لأغراض قمع أعمال القرصنة والسطو المسلح في البحر بكل الوسائل الممكنة. وكانت فرنسا قد قدمت إلى مجلس الأمن مشروع قرار يهدف لتشكيل قوة بحرية دولية لمواكبة السفن قبالة الصومال و"التصدي" للقراصنة، وذلك بعد أيام من تحرير رهائن فرنسيين احتجزهم قراصنة صوماليون. ويتيح القراران 1814 و1816اللذان تبناهما مجلس الأمن للبحرية الأجنبية مهاجمة القراصنة حتى المياه الدولية الصومالية ، علما بأن كلاً من فرنسا وهولندا والدانمارك وكندا نشرت سفناً حربية في المنطقة لمواكبة القوافل التابعة لبرنامج الغذاء العالمي.

22. يعتبر البحر الأحمر وخليج عدن الطريق الوحيد لتجارة الدول العربية المطلة عليهما كالأردن والسودان وجيبوتي ، وهو طريق شديد الأهمية لتجارة كل من مصر والسعودية رغم أن لكل منهما إطلالة على بحار غيره كالبحر التوسط بالنسبة لمصر والخليج بالنسبة للسعودية. ويطل كل من اليمن والصومال على المحيط الهندي ، وأي ارتباك في الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن يؤثر سلبيا بشكل واضح على مصالح تلك الدول. أما الملاحة البترولية فإن 30% منها يمر بالبحر الأحمر، وهكذا فإن الدول العربية البترولية لا بد أن تتأثر بارتباك الملاحة في هذا الممر خاصة دول الخليج العربية التي يمر جزء كبير من صادراتها البترولية إلى أوروبا عبره.

23. يرجع الخبراء انتشار ظاهرة القرصنة البحرية إلى عوامل عدة أهمها الظروف الاقتصادية والمعيشية السيئة في بعض الدول الساحلية لدرجة يتحول معها بعض الصيادين إلى قراصنة، ومع سهولة ترويج المنهوبات في ظل انفلات أمني داخلي وصمت خارجي يتشجع مزيد من العاطلين على ركوب المغامرة، إضافةً إلى ازدهار حركة النقل البحري في بحار مفتوحة دون مراقبة، وتسجيل مفتوح للسفن في بعض الدول دون مواربة ، مما يشجع على انتشار الظاهرة ، خاصة مع ضعف الإجراءات الأمنية في بعض المواني ، وضعف التشريعات والإجراءات والعقوبات، بدليل أن المجتمع الدولي حتى هذه اللحظة وبعد سنوات من تفاقم الظاهرة مازال يناقش كيفية التعامل مع القراصنة حين القبض عليهم. كذلك فإن نجاح أغلب عمليات القرصنة شجع على تكوين عصابات منظمة من عسكريين سابقين ومن المليشيات العسكرية العاملة على الأرض والتي استغلت التطور التقني الكبير للزوارق البحرية المسلحة مستفيدة من حصيلة القرصنة. وبتطبيق هذه العوامل على منطقة القرن الإفريقي وخليج عدن (الصومال) نجدها تنطبق تمام الانطباق، وتنفرد بطول شواطئها، وطول حربها الأهلية.

24. ومن المبادرات التي قدمت للحد من تنامي الظاهرة إنشاء "منطقة دوريات أمن بحري" حيث ستقوم سفن دول متحالفة بدوريات مشتركة تكون على مقربة من منطقة الملاحة البحرية ، ومن ثم في مجال تقديم المساعدة ، وحتى هذه الساعة فإن هذه المشاريع لم تحقق شيئا يذكر.

25. هناك اتفاق على أن وجود سلطة الدولة الوطنية المركزية التي تحظى بالشرعية الشعبية خير ضمان لحماية الاستقرار في الداخل والأمن في المياه الإقليمية الصومالية. فعندما سيطرت حركة المحاكم الإسلامية على السلطة في الفترة بين يونيو إلى ديسمبر 2006، استطاعت القضاء شبه النهائي على القرصنة. ففي ظل الظروف الاقتصادية القاسية التي يعيشها الشعب الصومالي كان من الطبيعي أن يتعيش البعض على القرصنة. ومن ثم فإن الحد من ظاهرة القرصنة يستوجب العمل على استقرار الصومال ، ومساعدته على الخروج من نفق الألاعيب الدبلوماسية الذي يقوده المجتمع الدولي بتمويل من الاتحاد الأوروبي بإنشاء مؤسسات وهمية لا تمت إلى الواقع بصلة ولا تؤدي إلا إلى استمرار معاناة الشعب الصومالي ، لكنه في المدى البعيد يضر أيضاً بالمجتمع الدولي كما هو الحال في حالة القرصنة.إن استقرار الصومال واستعادة استقلاله ووحدته الوطنية والإقليمية وتكوين السلطة الشرعية هي الضمان الوحيد للقضاء على القرصنة المحلية والدولية في المياه الإقليمية. وليس هناك بديل من تحقيق السلام وإنشاء مؤسسات الدولة الحديثة وبناء الجيش والشرطة الوطنية واستثمار موارد البلاد الطبيعية وتحقيق التنمية الشاملة ، لأنه بدون ذلك سيبقى الخطر ماثلاً على مصير الصومال وعلى الأمن في القرن الإفريقي وفى العالم أجمع. وحتى لو أدت القرصنة الحالية إلى تجنب استعمال الملاحة الدولية لخليج عدن وتحولت إلى رأس الرجاء الصالح ، فإن ذلك سيشكل كارثة اقتصادية كبيرة بما تمثله من تبعات مالية مرهقة على الاقتصاد العالمي.

26. هناك صعوبات تواجه الموقف حيال تنامي ظاهرة القرصنة تتمثل في الآتي:-

• استحالة مراقبة مياه خليج عدن والتي تزيد على مليون كلم2 بعدد محدود من السفن الحربية ، وعلى حد تعبير الأدميرال (فيليب جونز) قائد بعثة الاتحاد الأوربي للإغاثة في الصومال والمعروفة باسم (أتلانتا) "سأكون أول من يقر بأن القوات البحرية لا يمكنها وحدها القضاء تماماً على القرصنة... وقد يكون لدينا قوة تضم مئات السفن ومع ذلك سيكون هناك فجوات في دورياتنا في المنطقة". ولعلنا نلاحظ هنا قوله مئات السفن ، وليس عدة سفن كما هو حاصل حتى هذه اللحظة.

• استحالة التحرك على الأرض الصومالية في الوقت الراهن أوحتى القريب في ظل الحرب الأهلية المستعرة هناك ، وفي غيبة النظام والقانون.

• تحول القراصنة إلى قوة حقيقية يحسب لها ألف حساب ، بعد أن صالوا وجالوا طوال أربع سنوات أسروا فيها قرابة المائة سفينة ، كان آخرها ناقلة البترول السعودية العملاقة (سيريوس ستار) ، وهو ما يكشف أبعاد وخطورة القرصنة.

• تطورت الظاهرة في مياه خلج عدن وفي الفترة الأخيرة بشكل لافت ، ومؤشرات ذلك واضحة: -

1. في هذه السنة فقط وصل عدد السفن التي تعرضت للاعتداء (95) سفينة وكانت (31) سفينة في العام 2008، و(10) سفن فقط في العام 2007م ولا ننسى أن هناك حالات كثيرة لا يبلغ فيها الربابنة وأصحاب السفن عن تعرض سفنهم للقرصنة ودفعهم للفدية تفادياً لإجراءات التحقيق المطولة، والتي تعني في النهاية التأخير في توصيل البضائع وما يترتب على ذلك من غرامات.

2. تمكن القراصنة في وقت قصير من تأمين مستلزماتهم العسكرية والمدنية – من حصيلة الغنائم كما أشرنا – بحيث حصلوا على أسلحة متطورة، كما حصلوا على معدات الكترونية حديثة تؤمن اتصالاتهم بالأقمار الصناعية، وبات يخشى من اتصالهم بالمنظمات الإجرامية الدولية أو اتصال الأخيرة بهم.

3. تطورت تكتيكات القراصنة البحرية بعد أن أمنوا سفينتين كبيرتين – يطلق على الواحدة السفينة الأم – وتحمل بداخلها زوارق مطاردة سريعة تنقلها بعيداً عن المياه الإقليمية إلى أعالي البحار لملاحقة السفن وإجبارها على الاستسلام.

4. شجع استسلام السفن التجارية بدون مقاومة كل من (هب ودب) على ركوب المغامرة، ولعل نظرة على الصورة المرفقة لسفينة القراصنة، والتي أسرتها البحرية الهندية تؤكد ذلك.

5. يرتبط بما سبق حالة من اليأس في مواجهة القرصنة، بانت في تصريحات الناطقة باسم الأسطول الخامس الأمريكي بأنه لا يمكن أن يكون موجوداً في كل مكان ، ومن تصريحات (مايكل هوليت) مساعد مدير مكتب الملاحة الدولية في لندن " أن المخاطر تبدو ضئيلة والعوائد تبدو كبيرة بالنسبة للقراصنة ، وأنهم يعرفون أن حظوظ مقتلهم أواعتقالهم أثناء عملية الاختطاف تبدو قليلة جدا ".

6. انعدام التنسيق بين القوى الكبرى والقوى الإقليمية ، فالأخيرة ترى أن أمن البحر الأحمر وخليج عدن مسؤولية الدول المطلة عليهما، في حين تتحرك القوى الكبرى دون اعتبار لهذا الحق.

27. من الحلول المطروحة للحد من عمليات القرصنة انتظام السفن التي تخرج من مضيق باب المندب أو تعود إليه في قوافل تحميها بوارج بحرية عند إبحارها في منطقة القرصنة، وهو حل تكتنفه صعاب كثيرة مثل:-

• تشعب الطرق الملاحية.

• تشعب المسؤولية الدولية.

• اختلاف الوزن والحمولة والكفاءة يؤدي إلى اختلاف في السرعات بين السفن المختلفة بما يعني أن سفينة بطيئة قد تؤخر قافلة بحالها.

• التكلفة العالية لتشغيل بوارج الحماية.

• ضرورة توفير استعدادات خاصة لرسو بوارج الحماية للتزود بالمياه والطعام والوقود والصيانة مما يفرز إشكالات إدارية وقانونية ومالية.

• صعوبة تحقيق نظام المناوبة بين البوارج والأطقم في مناطق تبعد آلاف الأميال البحرية عن مواطنها.

• تجميع السفن في قوافل وهي خارجة من مضيق باب المندب سهل عمليا، عكس الحال في حالة العودة.

28. ومن الحلول أيضاً تأمين السفن التجارية بواسطة المروحيات المقاتلة – الهيلكوبتر – بواقع واحدة فقط ، بحيث تحط هذه المروحية على ظهر السفينة التجارية عند إبحارها في منطقة القرصنة لحمايتها عند الحاجة. وهو حل أقل تكلفةً وأكثر فاعلية في نظر بعض المراقبين.

29.

 

^ أعلى

 

 

المكتبة     الوثائق     أرشيف الموقع     مواقع صديقة     اتصل بنا    

 

 
 

 أخبار وأحداث

  أعمال وكتابات

 ملفات : ملف الانتخابات السودانية 2010

  مقالات

  تقارير

  دراسات وبحوث

  آخر الإصدارات

 

تحديات التحول الديمقراطي في أفريقيا السودان أنموذجاً

   القائمة البريدية

انضمامك لقائمة الراصد البريدية يمكنك
من الاطلاع على اصدارات وانشطة الراصد

 
 
 

 

جميع الحقوق محفوظة للراصد للبحوث والعلوم:: السودان - الخرطوم 2010 ::: ص..ب ـ 10755 .info@arrasid.com ::  التصميم والدعم الفني لمسة الهندسية