نظم مركز الراصد للدراسات السياسية والاستراتيجية في منتداه الـدوري يوم الأربعاء الموافق 27 مايو 2009م ندوة بعنوان " إتفاقات ومبادرات الصلح بين السودان وتشاد ودورهما في استقرار العلاقات بين البلدين " تحدث فيها : الدكتور . أسامة زين العابدين – أستاذ العلوم السياسية بجامعة النيلين. والأ. يوسف السيد علي – باحث بمركز الراصد . وشارك فيها عدد من البحثين والمهتمين . وخرجت الندوة ببعض الخلاصات تتمثل في الآتي : -
1. يعرف السودان من خلال العلاقات الدولية بالجسر الرابط النابض لشمال القارة الإفريقية بجنوبها وشرقها بغربها(العمق الجغرافي- السياسي الذي يعتبر الفريد من نوعه في القارة الإفريقية ، والذي من المفترض ان يجعله الوسيط الإقليمي- القاري في المنطقة بأكملها) وكان مهد الحضارات التي سادت ثم اندثرت. ولدارفور ايضاً تاريخ عريق في هذا لمجال بربط غرب إفريقيا بشرقها وشمالها.
2. تؤكد العلاقات الدولية خاصية الميزة لدول الجوار في أي بقعة على سطح المعمورة وخاصة التماذج القبلي والنزاعات الإحتكاكية الحدودية وحالات السلم والإستقرار. ويمتاز الموقع الجغرافي للسودان كأكبر قطر مساحة في القارة السمراء بحدود إلتماسية مع تسع دول جوار والبحر الأحمر بحدوده الإقليمية والدولية. ولإقليم دارفور حدود مع الجماهيرية الليبية ودولة تشاد وجمهورية افريقيا الوسطى وكذلك علاقات تاريخية مع الشقيقة مصر. وتعتبر بوابة الحدود السودانية-التشادية المعبر النافذ لأزمة القائمة دارفور، ويمثل في نفس الوقت مخلب الأزمة السودانية-التشادي.
3. مرت العلاقات السودانية التشادية في عهد الإنقاذ بثلاثة مراحل بدلأأت بمرحلة من العداء في الشهور الخمس الأولى من عمر الإنقاد حتى تغيير نظام هبري بإدريس دبي، وتميزت المرحلة الثانية باستقرار وهدوء استمر منذ مجيء دبي للسلطة وحتى العام 2003، منذ العام 2003م وانفجار مشكلة دارفور أخذت العلاقات في التوتر إلى درجة القطيعة والمواجهة العسكرية.
4. لم تستفد حكومة الإنقاذ من الأخطاء التي وقعت فيها الحكومات السابقة في تعاملها مع الصراعات التشادية الداخلية التي اتخذت من السودان موقعاً لإنطلاقها ، حيث قامت بدعم المعارضة التشادية ذات الأبعاد القبلية المتمثلة في قبيلة الزغاوة ومساندتها حتى وصلت إلى الحكم في تشاد ، متجاهلين انعكاسات الوضع القبلي الجديد بتشاد على مستقبل الحياة السياسية والأمنية والاجتماعية في دارفور في ظل الصراعات القبلية والتقلبات الأمنية الأخرى الموروثة من العهود السابقة وتأثيرات البيئة الإقليمية والدولية على الأمن القومي من تداعيات النظام القبلي بتشاد. وكانت النتيجة أن قامت القوات التشادية في أكثر من مرة والحركات الدارفورية المسلحة بالعمل على توسيع نطاق العمليات العسكرية بغرض ضرب قوات المعارضة التشادية داخل الحدود السودانية ، واستهداف بعض مواقع القوات المسلحة بحجة أنها الداعم الرئيسي للمعارضة التشادية التي تسعى للإنقضاض على النظام في تشاد، ومن ثم استمر دعم الحكومة التشادية للحركات المسلحة الدارفورية.
5. ظلت العلاقات السودانية التشادية في توتر مستمر منذ العام 2003م وهو العام الذي اندلعت فيه حرب دارفور، ودخلت مراحلها المسلحة ، وأولى الاتهامات كانت من الجارة تشاد على السودان بالهجوم على بلدة الطينة الحدودية أثناء مطاردة القوات المسلحة لحركات دارفور، ومن هنا بدأت وتيرة الاتهامات ترتفع باتهام كل طرف للآخر بإيواء المتمردين. وفي العام 2005م وجهت تشاد اتهامات أخرى للسودان بهجوم (الجنجويد) على قرية في شرق تشاد. وفي العام 2006م أغلقت تشاد قنصليتها بالجنينة وأغلق السودان قنصليته بأبشي، وفي نفس العام قام المتمردون التشاديون بشن هجوم على مدينة أدري بشرق تشاد وتبادل الطرفان الاتهامات إلى أن وقع الطرفان على اتفاق في العام 2007م بليبيا ينص على حظر استخدام أيٍّ منهما لأراضيه للهجوم على الآخر وإجرائها دوريات حدودية مشتركة ، لكن في ذات العام دارت مواجهات بين الجيشين داخل الحدود السودانية الأمر الذي لم تنفه تشاد ، وكان مبررها مطاردة المتمردين ضدها، وعلى إثر ذلك قُطعت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين ثم تمت إعادتها في ذات العام.
6. جاء اتفاق مكة المكرمة الذي وقع عليه الرئيسان بالأراضي المقدسة في نفس العام ، وتوقع كثير من المراقبين نجاح هذا الاتفاق الذي سوف يكون بداية لحل المشكلة بين البلدين لأهمية المكان وقدسيته عند المسلمين ، ولكن يبدو أن القداسة للمكان والاتفاق ذهبت أدراج الرياح ، فبعد شهور قليلة تقدم السودان بشكوى ضد تشاد للأمم المتحدة واتهمها بانتهاك حدوده واعتراف تشاد بقصف ما سمّته بقواعد المتمردين التشاديين داخل الأراضي السودانية واتهامها للسودان بدعمهم ، الأمر الذي نفته الحكومة السودانية وقالت أن لا علاقة لها بمحاولة المتمردين لقلب النظام في إنجمينا.
7. على هامش قمة المؤتمر الإسلامي التي انعقدت في داكار 2008م وقع الرئيسان على اتفاق بحضور أمين عام الأمم المتحدة والرئيس السنغالي ورئيس منظمة المؤتمر الإسلامي ونص الاتفاق على ضبط الحدود بين البلدين والتوقف عن دعم الحركات المعارضة من الطرفين. وبعد أقل من شهرين أعلن السودان قطع العلاقات الدبلوماسية مع تشاد في أعقاب هجوم حركة العدل والمساواة على أم درمان. ثم أعادت آلية داكار العلاقات بين البلدين والتي تضم وزارة خارجية ليبيا والكنغو والسنغال والجابون وإريتريا وتجمع الساحل والصحراء والمجموعة الاقتصادية لإفريقيا الوسطى والاتحاد الافريقي ، ونجحت الآلية بعد عقد اجتماع لها في أسمرا في إعادة التمثيل الدبلوماسي ولكن كل هذه المحاولات لم تخفف من التوتر في حدود البلدين ، وجاء أخيراً اتفاق الدوحة ، وقبل أن يجف المداد الذي كُتبت به الخطوات نحو الاتفاق وجهت الحكومة التشادية الاتهام للحكومة السودانية بدعم المتمردين التشاديين .
8. المراقب للإتفاقات التي تمت بين الطرفين يلاحظ أن كل تلك الإتفاقات تطرقت للمباديء العامة لميثاق دول عدم الإنحياز خاصةً تلك التي تتعلق بعدم التدخل في الشؤون الداخلية ، وعدم استخدام القوة لمعالجة القضايا بين الدول ، ولكن الواقع يشير إلى أن كل دول المنطقة إما متدخلة في شؤون دولة أخرى أو متأثرة من عملية التدخل. ومن الحقائق المدركة في هذا الجانب والتي تقلق الجانب التشادي كثيراً أن كل الذين تسلموا زمام السلطة في تشاد انطلقوا من الأراضي السودانية.
9. تعرضت إتفاقات الصلح بين البلدين لحالات التوتر وهي في رأي كثير من المراقبين حالة عرضية ولم تنفذ إلى جذور التوتر التي تكمن في مشكلة دارفور والأزمة السياسية الداخلية في تشاد ، ويرون أنه كان من المفترض بعد التوقيع على الإفاق وحدوث التهدئة المطلوبة أن يعمل الطرفان على معالجة جذور المشكلات الداخلية لكليهما ، خاصةً وأن أزمات الطرفين متشابهة إلى حدِ كبير . كذلك فإن الإتفاقات في معظمها تتعارض مع الواقع والتاريخ ، فمن الناحية الواقعية لا يمكن ضبط الحدود بين السودان وتشاد والتحكم فيها لكلا الطرفين ذلك أنها حدود طويلة تبلغ حوالي 1280 كلم وهي أطول حدود للسودان بعد حدودها مع إثيوبيا ، وما ينسحب على علاقات السودان وتشاد ينسحب أيضاص على علاقات السودان بإفريقيا الوسطى ، فالحدود بين البلدين تبلغ حوالي 1070 كلم وبالتالي لا يمكن ضبط حدود طولها حوالي 3000 كيلومتر مربع ، فعملية ضبط الحدود تحتاج إلى امكانيات كبيرة ، ومن ثم أضحت كل حدود السودان مفتوحة . كذلك معظم الإتفاقات لم تكن لها آليات للتنفيذ غير آلية مراقبة الحدود.
10. العامل الخارجي له أثر فالع في توتر أو تحسُّن العلاقات بين البلدين فالقوى الخارجية تعمل على استثمار الأزمة بين البلدين لصالح أجندتها بعد أن شكل السودان مركزاً لصراع القوى الدولية وحقلاً تنفذ فيه نظرية شد الأطراف بغية التجزئة والتفتيت ، وستكون تشاد وسيلة طيعة في إحكام الحصار على السودان. وفي حالة اللجوء إلى المنظمة الدولية لمعالجة التوتر السوداني التشادي كما ترى تشاد فإن المسالة لن تكن في صالح السودان ، ذلك أن القوى الدولية النافذة منذ العام 1990م تنظر للسودان باعتبارها دولة غير متعاونة ومتصادمة مع المجتمع الدولي ومصدٍرة للإرهاب وحركات الإسلام السياسي إلى مناطق أخرى في القارة ، بينما تنظر لتشاد باعتبارها دولة مسالمة ومعتدلة ، وبالنظر لعلاقات السودان الدولية فإن المسائل ستكون لصالح تشاد.
11. إن اصلاح العلاقات بين البلدين رهين بحل قضية دارفور لأنها المسبِّب الأساسي لهذا التوتر الحدودي بين البلدين ، ذلك أن الوضع في تشاد ودارفور يرتبط ارتباطاً وثيقاً بسبب التداخل الديموغرافي ، فلمعظم القبائل ، وخصوصاً المتورطة في الصراع فى دارفور، امتداد داخل تشاد والعكس. ومن المستبعد إيجاد حل في القريب العاجل للقضية. وبالتالي فإن الدعوة الى استخدام القوة لحسم الأمور تزيد الأمور تعقيداً ، ولكن هذا لا يعني عدم الرد على ما تقوم بها تشاد أو الحركات المسلحة الدارفورية التي تنطلق من الأراضي التشادية.
12. أزمة العلاقات السودانية التشادية التي برزت إلى السطح مؤخراً ، ظلت مكتومة منذ فترة طويلة ، ومرشحة للتفاقم بسبب التعقيدات التي تكتنف ملف الحرب في دارفور وتقاطعاته مع الأوضاع في تشاد. حيث ينتمي معظم قادة حركتي التمرد الرئيستين في دارفور إلى قبيلة الزغاوة التي ينحدر منها الرئيس إدريس ديبي وقادة الحكم والجيش في بلاده. ويعود توتر العلاقات بين البلدين إلى المشكلات التي تواجه كلا النظامين فالنظام التشادي تتمثل مشكلته الداخلية في المواجهات التي تتم بينه وبين قوات المعارضة ، ومن الجانب الآخر تتمثل مشكلة النظام السوداني في أزمة دارفور التي لعبت فيها دوائر خارجية دوراً كبيراً في تضخيمها وتدويلها على نحوٍ لم يسبق له مثيل ، ومع أن التأثير الفاعل كان من قبل القوى الدولية النافذة خاصةً الولايات المتحدة وفرنسا إلاَّ أن القوى الإقليمية المتمثلة في دول الجوار ساهمت بدرجة في تعقيد مشكلة دارفور وإطالة أمدها ، وقد لعبت تشاد دوراً سلبياً في تعقيد المشكلة وإن كان هناك إدراك بمدى مقدرتها على إمتلاك إرادتها في تحديد موقفها مما يجري من أحداث، ذلك أنها تقوم في أحيان كثيرة بأدوار غير محابية إستجابةً منها إما لضغوط أو محفزات من قبل القوى الدولية التي تعمل على تنفيذ بعض خططها في المنطقة .
13. يرى كثير من الخبراء والمحللين السياسيين عدم توفر الإرادة والرغبة لدى الطرفين(السودان وتشاد) بغية التوصل إلى اتفاق حقيقي يعيد العلاقات بينهما ويوقف الصراعات الدائرة على الحدود ، يرون أن الحكومة التشادية لا تملك الإرادة في حل مشكلها السياسية الداخلية كما أن الحكومة السودانية الإرادة في حل مشكلة دارفور وذلك نظراً للتأثيرات الخارجية على كلتا المشكلتين مما جعل خلافات الطرفين خارجة عن إرادتهما وبالتالي لن يتمكنا على الأقل في الوقت القريب من السيطرة عليها، هذا إضافةً إلى عدم توفير الرغبة لدى الطرفين بهدف وضع حلول جدية للمشكلات الداخلية بحكم أن تلك الحلول تصطدم بمصالح ذاتية خاصة بالطاقم الحكومي لدى كل طرف.
14. درجت محاولات حل المشكلة السودانية التشادية على تشخيص المشكلة على أنها مجرد توترات بين البلدين تحدثها خروقات أمنية غير منظمة وتفلتات على الحدود المشتركة بينهما فضلاً عن التراشق الإعلامي بينهما إلاَّ أن الحقيقة التي ظلت تغيب عن طاولات التفاوض ومحاولات الحلول هي أن المشكلة تعود إلى أسباب داخلية ، أي أن هناك أسباب تخص تشاد فترمي بظلالها السالبة على السودان كما أن للسودان قضايا شائكة تخصه تتخطى الحدود وتطال أماكن في تشاد ، وذلك كله بسبب التداخل القبلي الكثيف الذي يوفر ملاذاً آمناً لحركات التمرد والمعارضة لكليهما . ومع تطاول الأزمة الداخلية في البلدين وإنعكاسها على الحدود المشتركة بصورة مباشرة ساد بما يشبه الفوضى الشاملة على الحدود بحيث لا يعرف في كثير من الأحيان من هو العدو ، ومن ينتمي للمعارضة التشادية ومن ينتمي للحركات المسلحة في دارفور . والحل ليس في قفل الحدود أو نشر قوات من أية جنسية على الشريط الحدودي المتوتر، ولا في قمم تبحث في العلاقات السودانية التشادية ، ويأتي الحل المستدام عبر المباحثات الثنائية بين البلدين بعد الوصول إلى حل سوداني فيما يتعلق بأزمة دارفور وتصالح تشادي بين الحكومة والمعارضة.
15. إن الوضع الراهن في دارفور هو إنعكاس السياسات المتبعة من قبل الدولتين الشقيقتين- السودان وتشاد- كل تجاه الآخر.والواضح للعيان ان النظم التي حكمت وتحكم الجارة الغربية تشاد منذ فجر إستقلالها وحتى اليوم اتت الى دست الحكم عبر البوابة الغربية للسودان ، حيث كانت ولا زالت دارفور مأوى آمن للمعارضة التشادية لأن الترابط العضوي القبلي هو الحكم الفصل في هذه التطورات وإنعكاساتها على علاقات الدولتين والحال كذلك بالنسبة للحركات المسلحة في دارفور . لقد نمت وإزدهرت المعارضة المسلحة لكل دولة في إحدى نظيرتها مع إنتشارها على الحدود المشتركة غير القابلة للإنضباط والسيطرة. ومنذ انفجار مشكلة دارفور في صورتها الأخيرة دخلت علاقات الجوار بين الدولتين مرحلة التوتر لسيطرة عنصر عدم الثقة لها والدخول في متاهات الإتهامات المتبادلة حول زعزعة الإستقرار السياسي والأمني من كل طرف بل وصلت هذه العلاقات مرحلة الجمود بإنطلاق الحركات المعارضة المسلحة من ارض الجوار. هذا الوضع يستدعي إعادة النظر الكاملة الشاملة في اسباب الخلاف بين الدولتين والمعالجة لجوهر مسببات المشكلة السودانية – التشادية لا التركيز على الظواهر العرضية.
16. إن الإتجاه التشادي نحو المجتمع الدولي يزيد من تعقيد المشاكل العالقة ويقود البلاد الى مسارات مليئة بالمطبات ، لأن هذا المجتمع افصح بشروط واضحة وهي الاسس غير القابلة للمساومة.
17. أشار مركز الراصد في إصدارة المنتدى في سبتمبر 2008م إلى أن هناك تطورات سياسية إقليمية يتوقع لها أن تتفاقم بحكم التدخل الإسرائيلي في الصراع خاصةً فيما يتعلق بالعلاقات السودانية التشادية ، ذلك أن إسرائيل بدأت محاولات جديدة لإعادة وتطوير علاقاتها مع تشاد ، فالإهتمام الإسرائيلي بتشاد يعبِّر عن وجود مخطط إسرائيلي ستلعب تشاد دوراً مهماً فيه ، خاصةً إذا نجحت إسرائيل في إعادة علاقاتها معها ، وفي الحد الأدنى ستكون الأراضي التشادية مسرحاً جديداً لمهمات إستخبارية ترى إسرائيل أنها ضرورية لتحقيق التعاون مع اللاجئين بغض المزيد من الإستقطاب والتدريب والتسليح . ومع كل ذلك فإن اليقظة الحكومية والمعرفة التامة بالتطورات السياسية الخطرة ، والوعي الكافي للمخططات الإسرائيلية (اليهودية ،الصهيونية ، الأمريكية) – الإستراتيجية منها والتكتيكية - ووسائل تنفيذها هو الكفيل بإنقاذ البلاد من اتساع دائرة المواجهات وتداعيات ذلك .
18. وقد كشفت مصادر صحافية عبرية من قبل أن الشريط الحدودي بين السودان وتشاد يشهد حركة مكثفة لجهاز الاستخبارات "الإسرائيلي" (الموساد)، تحت غطاء العمل الطبي لإحدى المستشفيات. ونقلت صحيفة معاريف عن مصادر عسكرية مقربة من المعارضة التشادية أن "المنطقة بدأت تشهد منذ فترة تركيب آليات ومعدات شددت حولها الحراسة من قبل القوات التشادية ومُنع اقتراب أي شخص من هذه الآليات", وذلك في إطار الدعم العسكري الذي تقدمه "إسرائيل" للقوات التشادية. وأشارت الصحيفة إلى أن الكيان الصهيوني "دفع بحوالي 12 عسكرياً متقاعداً إلى دولة إفريقيا الوسطى عن طريق تشاد ليقوموا بتدريبات عسكرية لجيشها". فالتحرك الإسرائيلي العسكري تجاه إفريقيا الوسطى يعتبر حلقة أخرى من حلقات استنزاف البلاد وذلك من خلال فتح أكثر من جبهة في آن واحد ، وقد تشهد الفترة القادمة توتراً بين السودان وإفريقيا الوسطى على نسق تشاد ، وتسعى إسرائيل إلى تكوين تحالفات مع عدة دول إفريقية مجاورة للسودان للستفادة منها في تنفيذ استراتيجية شد الأطراف.
19. يرى بعض المراقبين أن التوترات التي تشهدها الحدود السودانية التشادية قصد منه استدراج بإتجاه حرب استنزاف مفتوحة تهيةً للتدخل العسكري ، بعد حرب غزة دخلت إسرائيل بقوة فى الصراع وقدمت دعم كبير جداً لتشاد فاسرائيل تريد من يخوض حرب بالوكالة ضد السودان ووجدت ضالتها فى تشاد ، وتشير بعض المصادر إلى أن هنالك اجهزة اسرائيلية حديثة تم نصبها شرق تشاد قرب الحدود مع السودان ، وتم ارسال ضباط وعناصر مخابرات بكثافة لتشاد لتدريب الجيش التشادى ، كما قام وفد تشادى رفيع المستوى بزيارة اسرائيل.
20. قبل الدخول في إتفاقات أخرى بين الجانبين ينبغي دراسة الاسباب التى ادت الى فشل الاتفاقات السابقة بينهما وعدم تنفيذها والبحث عن السبل التى تحقق الهدف المنشود.
21. لتحليل مسيرة العلاقات السودانية التشادية بصورة أكثر عمقاً لابد من استصحاب الدور الفرنسي في تشاد وعلاقته بالخرطوم كمؤشر لإصلاح أو افساد العلاقه بين البلدين ، ذلك أن العلاقات السودانية الفرنسية تعتبر مدخلاً لتطبيع العلاقات مع تشاد نسبة للتأثير الكبير الذي تلعبه فرنسا في تشاد ، فالرئيس التشادي يعد الحليف الاستراتيجي للفرنسيين في المنطقه، وقد تجلى ذلك إبان إقتحام المتمردين التشاديين للعاصمة إنجمينا في يناير 2008م والذي ساهمت في صده القوات الفرنسية المتمركزة هناك، وهو الهجوم الذي أسفر عن قطع تشاد لعلاقاتها مع السودان ، ومنذ ذلك الهجوم بدأ النفوذ الفرنسي يزداد لحماية النظام التشادي ، حيث تبنت باريس عملية نشر قوات "يوفور" من الإتحاد الأوروبي على الحدود بين البلدين. ولذلك لابد من الاستمرار في إجراء الحوارات الجدية مع فرنسا ومخاطبة مصالحها في المنطقة بصورة عامة وفي السودان ودارفور على نحوٍ خاص. ومن المعروف أنه منذ وصول ساركوزي إلي سدة الرئاسة إتخذت فرنسا مواقف متشددة ضد الحكومة السودانية وتخلت السياسة الخارجية الفرنسية عن كثير من المواقف الكلاسكية المعروفة.
22. ينبغي التنبه جيداً لحالة إفريقيا الوسطى فهي شبيهة بتشاد ، ومن المرشح أن ينتقل الصراع في إقليم دارفور من إطاره الحالي إلى تشاد وإفريقيا الوسطى ، ويتوقع حدوث تأثيرات سلبية من قبل إفريقيا الوسطى على السودان بسبب الاشتراك القبلي بين الدولتين كما الحال مع تشاد ، خاصةً في ظل وجود بعض المتمردين بضيافة حكومة بانقي عاصمة إفريقيا الوسطى. وقد بدأ الحديث منذ فترة عن وجود معارضة لحكومة إفريقيا الوسطى بدارفور " ربما بغير معرفة الحكومة السودانية " ما يجعل احتمال التعاون بين بوزيزيه وأي فصيل معارض أمراً غير مستبعد ، كما أن النفوذ الفرنسي في إفريقيا الوسطي ربما يلعب دوراً محورياً في تحريك الأوضاع السلبية في دارفور. ومعلوم أن إفريقيا الوسطى تفتقر للإمكانيات التي تؤهلها لمواجهة السودان ولكنها ستجد الدعم الخارجي من قبل القوى الدولية المعادية للسودان ، وسيجعل منها مخلب قط لتنفيذ بعض المخططات في المنطقة التي تشترك قبائلها بين ثلاث دول هي السودان وتشاد وإفريقيا الوسطى نفسها. ولذلك من الممكن أن تؤثر بانقي سلباً على الأوضاع في دارفور رغم أنها ليست ذات نفوذ اقتصادي أو عسكري أو حتى سياسي بالمنطقة.
23. لم تعد مهددات الأمن القومي لأي بلد تنحصر في أنواع الاستهداف أو الاعتداءات المباشرة عبر الحدود القريبة والبعيدة ، مثلما أصبح مفهوم الأمن القومي أكثر شمولاً حتى لا يكاد المرء يحصي الثغرات التي يمكن أن تتسلل منها هذه المهددات. والسودان وبفعل متغيرات عديدة داخلية وإقليمية ودولية يتعرض اليوم لمهددات عديدة تستهدف أمنه القومي بل تهدد نسيجه الوطني الذي لا يزال في طور التكوين. وتشكل تلك المتغيرات في كل صورها السلبية والإيجابية تحدياً أساسيا أمام الدولة السودانية مما يستوجب الإسراع الواعي والحصيف لسد الثغرات ورتق الفتوق وتسكين الجراح وفتح آفاق جديدة من التفاعل بين الدولة ومواطنيها لاسيما في قضايا التظلمات لإقليمية وإيجاد حلول قومية للنزاعات المختلفة. وغير هذا الهم الداخلي فالسودان كقطر تحيط به تسع دول ، معظمها دول تعاني من أوضاع طاردة لمواطنيها كأثيوبيا واريتريا وأفريقيا الوسطى وتشاد التي تشكل مصدر قلق عبر الحدود بسبب تداعيات الأزمة في دارفور إضافة إلى الوجود الأجنبي ، والعمالة الأجنبية المتزايدة مما زاد من حجم المهام والمخاطر التي يواجهها السودان بكل آثارها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية السالبة.
24. وحتى لا تكون قضايا الحدود مثار خلاف متجدد سواء بين الجنوب والشمال أو بين السودان وجيرانه من الأشقاء والأصدقاء شمالاً وشرقاً وغرباً لابد من معالجتها عبر اتفاق معلن تغلب فيه صيغ الشراكة والتعاون الاقتصادي لتكون مصدر أمن وليس مصدر نزاع ولقفل أبواب الذرائع والأطماع لأن تجاهل هذه القضايا وتركها لعامل الوقت يفرض أمراً وآقعاً لن يكون في صالح السودان مستقبلاً . كل تلك القضايا تستوجب اتخاذ ترتيبات إستراتيجية تتعلق بتعزيز القدرات التفاوضية على الصعيد الدولي وتقوية تعزيز التعايش السلمي وتحقيق الإجماع القومي وتقوية الشراكة السياسية الوطنية الداخلية بين القوى الوطنية دون إقصاء. ولا خلاف حول أن غياب الإجماع الوطني حول المصالح الإستراتيجية للوطن يشكل مدخلاً للاستقطاب ومهدداً للأمن القومي ولعل ما يجري الآن من تطورات على صعيد ملف دارفور بكل تداعياته يعد أبلغ دليل على خطأ التفريط في الحلول الوطنية وملْ الفراغ من خلال قرارات دولية وتدخلات خارجية.
25.